العيلفون تعيد ذكرى الأديب أبوبكر خالد


بسم الله الرحمن الرحيم
أمسيات العيلفون
في لمسة وفاء للأديب ابو بكر خالد مضوي
في يوم الجمعة الموافق الجمعة 25-11-2011م
بحضور انيق من قبيلة الأدباء والأعلاميين :

العيلفون تعيد ذكرى الأديب ابوبكر خالد

الدكتور تاج السر الحسن …يستعيد ذكرياته ويروى المشاهد فى قصيدة
د احمد الصادق ..ابوبكر خالد متفرد وله نكهته الخاصة فى كتابة القصة
د/ عمر احمد فضل الله ..ابوبكر خالد غيّر عالمي وفتح لى أبواباً للمعرفة
الأستاذ قمر الدولة المقابلى سنواصل العمل من اجل الاستمرار فى هذا المستوى
الأستاذ عبد القادر محمد عبد القادر …ابوبكر كان معلما متميزا واديبا متميزا

…………….

أمسيات بطعم البهار وجمال النيل :
عدد من الادباء والنقاد والأعلاميين ومواطنى مدينة العيلون عطروا ليالى وامسيات العيلفون فى ذكرى ليلة الوفاء للاديب ابوبكر خالد مضوى رائد الرواية والقصة القصيرة السودانية واحد الرعيل الأول للاعلام الوطنى فى الستينات والسبعينات وصحفى ومعلم وقد احتفت امسيات العيلفون ليلة الجمعة 25-11-2011 بالذكرى الخامسة والثلاثين وبدا الحديث فى الاحتفال نيابة عن امسيات العيلفون الاستاذ / قمر الدولة عبد العزيز المقابلى وشكر الحضور الكريم والسادة النقاد والادباء والاعلاميين على الاهتمام الكبير الذى اولوه بالحضور الى العيلفون وشكر الحضور من اصدقائه الادباء وزملائه المعليمن وطلابه ووعد الاستاذ قمر الدولة الحضور بمواصلة العمل فى امسيات العيلفون لألقاء الضوء على آخرين من ابناء العيلفون لمعوا فى مجال الأدب والفن والتعليم والعمل العام من اعلام المدينة امثال الشاعر الكبير ود الرضى والجاغريو والآستاذ احمد المصطفى وسيد خليفة وخلف الله حمد ومبارك حسن بركات وغيرهم .
زكريات وقصائد
الأستاذ والشاعر الكبير تاج السر الحسن صديق الأديب ابوبكر خالد ورفيق دربه منذ الخمسينات وزميل دراسته فى مصر وكونوا عددا من الجمعيات الأدبية وعاصروا زملاء ىخرين اصبحوا اسماء لامعه فى عالم الشعر والرواية والأدب امثال الشاعر محى الدين فارس عبد الله حامد الأمين والطيب زروق ومحمد الفيتورى وطاف الشاعر تاج السر الحسن بالحضور الى ذلك الزمن الجميل وعالم الذكريات الباقية وتحدث عن ابوبكر الصديق والانسان والديب وعن فترة دراستهم فى مصر وما صاحبها من حراك ادبى كبير قاما بها وصداقاتهما مع بقية الادباء والكتاب من العالم العربى وعرج الدكتور تاج السر الحسن على الدور الذى قام به الاديب الكبير فى طبع ديوان الشاعر إدريس جماع لحظات باقية إبان حضور الشاعر الكبير للعلاج فى مصر والدور الذى قام به ابناء الجالية السودانية فى مصر وتحث عن اسلوبه فى الكتابة واطلاعه الكبير على الأدب العربى والعالمى والأدب المترجم والقى الشاعر تاج السر الحسن مرثية فى الاديب ابوبكر خالد لاقت تجاوبا كبيرا من الحضور.
ابوبكر الرائد
الناقد الدكتور احمد الصادق تحدث اناة عن النقاد والكتاب واشار الى تفرد ابوبكر خالد فى اعماله والتى تعتبر باكورة الإنتاجات الأدبية فى حقبة الخمسينات والستينات وتطرق الى رواية ابوبكر خالد (بداية الربيع) و(رواية إنهم بشر) للأديب خليل عبد الله الحاج باعتبار ان الروايتان تطرقتا لبداية النصوص التى تتناول الحياة الإجتماعية والساسية والقضايا التى تهم جيل ذلك الزمان واشار الناقد الدكتور احمد الصاوى الى ان رواية بداية الربيع كانت توثق للحياة السياسية والإجتماعية بشكل ينم عن وعى الكاتتب بمجريات الامور وقتها والمقدرة الكبيرة على التصوير والتناول فية كثير من المقدرة الإبداعية واكد على ضرورة الأهتمام الرسمى بأعمال الكاتب أبوبكر خالد وإعادة طباعتها والسعى بجدية لطباعة الأعمال التى لم تطبع وشكر د/ الصادق اهالى العيلفون على هذه الخطوة الكبيرة التى تنم عن التقدير الكبير لعمالقة الأدب والقصة من امثال الأديب ابوبكر خالد
كان متميزا
الأستاذ عبد القادر محمد عبد القادر الخبير التربوى وزميل الأديب ابوبكر خالد فى مجال التعليم تحدث فى الحفل متناولا سيرة الأديب كزميل وكمعلم متميز وذكر ان رواية بداية الربيع صدرت فى نفس اليوم الذذى تم فيه تعينه معلما بوزارة المعارف فى العام 1958 وتحدث عن انحياز ابوبكر خالد الى فئة المعلمين وذكر العديد من المواقف التى تعضد هذا الجانب مشاركته فى تأسيس نقابة المعلمين وتناول سيرة ابوبكر خالد فى مجال التعليم والتدريس فى الارياف وإهتمامه بالجمعيات الأدبية فى المدراس وتأسيسة لمدرسة موسى الضوحجوج وعمله كاول مدير لهذه المدرسة فى العام 1975 وعمله بمدرسة لمؤتمر الثانوية والعيلفون الوسطى وعدد من المدارس الأخرى بالعاصمة والارياف
بكائية فى موسم الحداد
اسامة شيخ إدريس الصحفى والقاص القى قصيدة مرثية الشاعر الكبير الدكتور الزين عباس عمارة بعنوان (بكائية فى موسم الحداد فى زكرى رحيل الأديبين ابوبكر خالد عبد الله حامد الأمين
سارق المسافات والكتب
الدكتور عمر احمد فضل الله تحدث فى تداعيات وخواطر عن علاقته الشخصية بالأديب ابوبكر خالد وعلاقة الاديب بالكتابة والقراءة والتعامل الإنسانى الراقى الذى كان ديدن الأديب مع كل الناس وسرد الدكتور عمر احمد فضل رحلته مع الكتب التى يرسلها معه الأديب الى اصدقاءه فى احياء العيلفون المختلفه ويقول : كنت صغيرا وكان الاديب يرسلنى حاملا الكتب لتوصيلها الى اصدقائه وكنت استغل المسافة الطويلة فى قراءة هذه ان هذه (المراسيل ) قد غيرت مجرى حياته وجعلته شغوفا بالقراءة حيث استطاع ان يقرا العديد من هذه الكتب فى مختلف المجالات وشكر الدكتور عمر القائمين على امر ليلة الوفاء للاديب ابوبكر خالد ودعا الى مواصلة هذا العمل
المعرض المصاحب
أمسيات العيلفون اقامت معرضا توثيقيا مصاحبا لليلة شمل العديد من اعمل الأديب ومقالاته المنشورة على الصحف والمجلات السودانية والعربية والمقالات النقدية التى تناولت اعماله بالنقد والتحليل وبعض الصور التذكارية مع اصدقاءه الأدباء والكتاب السودانين والعرب وبعض الصور التذكارية لليالى الأدبية التى كان يقيمونها
فلما وثائقيا
كما عرضت أمسيات العيلفون فلما توثيقيا عن حياة الاديب ومشواره وتناول صلاته الاجتماعية ككاتب واديب ومعلم وانسان وأب وصلاته الإجتماعية فى العيلفون وحى المسالمة بامدرمان عملة كصحفى واعلامى والتمثيليات التى كتبها لأذاعة ركن السودان بالقاهرة
تكريم
وفى ختام الليلة كرمت امسيات العيلفون الأديب والشاعر تاج السر الحسن واسرة الأديب الراحل وكرمت البرفسير محمد المهدى بشرى ممثلا للسيد وزير الثقافة الذى شرف الحفل حضورا وعدد من الشعراء والكتاب والنقاد والإعلاميين.

 

ياخسارة


ليتني الآن ابنَ خمسِ

ليت يومي صار أمسِ

قَدَمِي ما ذاقت النَّعْلَينِ بعدُ

وقميصيَ الدَّمُّورُ مَلآنٌ غُبَارَا

ونواةُ “الكُدَّةِ” الرَّبدَاءِ في جيب قميصي

و “كُدُنْدَارٌ” تَمَشَّىَ في قميصي

وهنا “قَلابَةُ” القُمْرِيِّ في جَيبِ قَميصِي

وبقايا التمرِ والفُولِ الذي وضعتهُ أمِّي

كُلُّ هَذَا وخَليطُ النَّبَقِ الأصفرِ في جيبِ قَميصِي.

تحت ظل الشجر الوارف في نصف النهارْ

أُنزِلُ العُلَّيْفَ للغنمِ الهائمةِ السوداءِ عندي في الجوارْ

هارباً من فَلْقَةِ الشيخ ومن سَوْطِ “الحُوَارْ”

لَوْحِيَ الخشبيُ مَشْقُوقٌ ومسنودٌ على رمل الجِدارْ

وجهي الأغبرُ من طينٍ ومن حِبْرِ “العَمَارْ”

وبقايا الزيت من طعميةٍ نِصْفَ النَّهَارْ

ليتني عدتُ ابنَ سبعٍ

راكضاً كالجدي أو فوق حمارة

بين بيتي والجزارة

وقميصي بين فَرْثٍ ودمٍ

هو عنوان القَذَارة

والزِّفارة

غير أني طاهر فالقلب عنوان الطهارة.

ليتني كنت ابن تسعٍ

بين بيتي والجزارة

وأخى “معنى” ورائي ورديفي في الحمارة

ونواة البلح المُطْفَأِ في أذرعنا رمزُ الشَّطَارة

وأبي ينفث من ضيقٍ سيجارة

يرمق اللحمةَ والشَّحمَ المُثَنَّى والمَرَارَة

“يا خَسَارة” “يا خَسَارة”

ليتني عُدتُ صبياً

وغبياً

وفتياً

كل همي

لعبة الشُّرَّابِ صُبحاً وعشياً

حيث شَدَّتْ

أو بِشَلَّقْ

أو شِلَيْل

كل لَيْل

ونداء الصبية الآتي وراء الليل يدعوني “ابنَ رَيَّا”

وأنا كالسهم منطلقاً ومجتاحاً حمياً

يالذياك الشباب

فرَّ من تحت الثياب،

ومضى مثل السراب

ياخسارة

ياخسارة

الصُّعُودُ إِلى القَمَر


Moon8
أَمْسِكْ بِيَدَيْكَ شُعَاعَ القَمَرِ السَّاطِعِ وَاصْعَدْ

لا تَنْظُرْ حَوْلَكَ أَبَدَاً .. فالكونُ هَبَاءْ

وانظُرْ للقمرِ الضاحكِ من فوقِ  الأشياءْ

واصْعَدْ..

وَتَطَلَّعْ للآتي مِنْ آفاقِ الغَيْبِ ومِنْ فَيْضِ الأسماءْ.

واصْعَدْ..

وارْسِمْ من ضوءِ القمرِ الصادقِ في أعماقِكَ كَوْناً حَيَّاً

قمراً حَيَّاً … حُبَّاً حَيَّاً

فالباطنُ يَا صَاحِ هُوَ الحَيُّ الباقي فَوْقَ الأحياءْ

واجعلْ من ظاهرِ هذا الكونِ الجُبَّ القَابِعَ في جَوْفِ الظَّلْمَاءْ.

فالقمُر السَّاطعُ مَخْرَجُكَ هُنَاكَ بِأَعْلَى الجُبّْ.

اصعَدْ للسطحِ تَسَلَّقْ..

فَشُعَاعُ القَمَرِ هُنَا يحمِلُكَ إِلَيْهِ بِغَيرِ عَنَاءْ

لكنْ.. إِحْذَرْ أن تَنْظُرَ حَوْلَكَ

لا تلمسْ شَيْئَاً .. لا تَتَحَسَّسْ جَنْبَاتِ البئرْ

ولا تَتَرَدَّدْ أَبَدَاً.

حتى لا ترجِعَ للقَاعِ وَتَحْتَ الماءْ

فالجُبُّ عَميقْ.. وَأَنْتَ غَرِيقْ

وجِدَارُ البِئْرِ يَدُورُ يَدُورُ وَتَخْتَلِطُ الأشياءْ

Moon4

لكن لا تنظرْ وَاصْعَدْ

اِصْعَدْ اِصْعَدْ.. رَغْمَ اللأوَاءْ

فالقمرُ هُنَالِكَ مُنْتَظِرٌ

يرجو أن تَلْمَسَهُ يَدُكَ المرتعشةُ خَوْفَاً ..

يرجو أن تَبْلُغَهُ ذَاتَ مَسَاءْ

اِصْعَدْ فالليلُ الوَاجِمُ تَمْلَؤُهُ الأنْوَاءْ.

اِصْعَدْ قَبْلَ رَحِيلِ الأضْوَاءْ.

 

المقرن يونيو 1996

 

حيرة


تشطير قصيدة للشاعر سيد قطب

قال الشاعر سيد قطب يحكي حيرته واضطراب نفسه:

اطمأن الليل إلا من فؤاد   خافق يرجف كالطير الجريح
مستطار هائم في كل واد      أفمــا آن له أن يستريـح

إنه يهفو كما يهفو الطريد    باحثا في الأرض عن مأوى أمين
حيرة لجت على هذا الشريد       ليته يلقى شعاعا من يقين

أنا لاأبكي على ماض ذهب    لا ولا مستقبل ضاع هباء
إنما في النفس معنى مضطرب   لم أجد رمزا له غير البكاء

وقلت مشطراً لها:

اطمأن الليل إلا من فؤاد      شفه الوجد وأضناه السهاد
فهو من إشفاقه يوم التناد    خافق يرجف كالطير الجريح

مستطار هائم في كل واد    وبلاد أسلمته لبلاد
تعب من حمل أثقال شداد   أفما آن له أن يستريح

إنه يهفو كما يهفو الطريد   كلما لاح خيال من بعيد
مثقل الخطوات محزون وحيد   باحثا في الأرض عن مأوى أمين

حيرة لجت على هذا الشريد   فهو في الدنيا لوعد ووعيد
وظلام حالك طام مريد     ليته يلقى شعاعا من يقين

أنا لا أبكي على ماض ذهب   كتبت آثامه فيما انكتب
حاضر قد ضاع من غير سبب   لا ولا مستقبل ضاع هباء

إنما في النفس معنى مضطرب   وحديث دار في قلب خرب
أعجبتم مال دمعي منسكب   لم أجد رمزا له غير البكاء

الفتى الشهيد عمار عمر بركات


 يَالابتهالاتِ الأمانيِّ الموشاةِ النبيلة
في عَتْمَةِ الدَّجْنِ الرهيب
حينما أشرَفْتَ يا عَمَّارُ جناتٍ ظليلة
والأنفسُ الغراءُ صبحٌ
أَشْرَقَتْ فيهِ المعَانِي والنفوس
إذ تُرْفَعُ الأَيدِي النَّحيلةُ في السماء
والألسنُ الفصحى دعاء
والأعينُ الحرَّى دموعٌ مستطيلة
تبكيك يا عمارُ يا ضوءَ القبيلة
كان عمارُ فتىً يمتدُ طولاً في السماء
وكأنه يشتاقُ للأملاكِ فوقَ الناس والأشياء
كان ملءَ السمعِ حينَ السمعُ شوق
كان فَوْقَ الناس فَوْق
كان في الأرض ولكن كان للأملاكِ توق
كان ملءَ الكونِ دِفئاً وحياءً ورجولة
ومضى عمارُ ركضاً نحو غايات السماء
مسرعاً في حُلَّةٍ مُلِئَتْ دماء
والناسُ ما زالت صحائِفُهُمْ بعمارٍ تُضاء
فهو يلقاكَ إذا ما رُمتَ طُهراً ونَقَاء
وهو يلقاكَ إذا عَزَّ اللقاء
وهو في الناس ضميرٌ وحياء
وهو أنوارٌ وماء
وهو في الجناتِ يمشي بَاسِمَاً حيثُ يشاء
ناظراً ربَّ السماء

تسنيم وسكر


tasneem

حينما أقبلْتِ ياتسنيمَ جنات وريقة
زادَ مدُّ الكون في تلك المسافات الطليقة..
وتنادت كلُ أرواح الصبايا منذ أزمان سحيقة.
جئن كى يبصرن أنوار الحقيقة..
ويحيين الشقيقة.
زغردت أفراح نفسي في حناياها الشفيقة.

عردت تلك الأماني الخفرات
وتسابقن إلى كل الجهات
فأفاقت أنفس كانت موات
ثم سبحن لمن يحيي الرفاة.

أنت بسمات الشمال    أنت أنسام الجنوب
أنت ضحكات الصبا      أنت نفحات الغروب
أنت أنفاس ملايين الطيوب
عبقت من عالم الخلد ومن دنيا الغيوب

فمك الضاحك يفتر ضياء وسناءا
وتناديه عيناك دعاء ونداءا
نغم ينساب من شعرك الضافي على الجيد غناءا
فإذا ما جاوز الأكتاف ينزم حياءاً

أنت نور من خبايا الغيب مكتوب مسطرْ
يا شراب الجنة الموعود من عين تحدَّرْ
أنت دنٌ يخلبُ العقلَ ولكن ليس يُسكِرْ
أنت كأس مُزجت شهداً تَقَطَّرْ
أنت كوثر.. أنت تسنيمٌ وسكر.

جدة 1981

وقالت هيت


طرابلس الغرب 1977

وحين أضاء وجهك خافقي بالنور

واجتاحت رياح الشوق كل جوانحي الغبراء

حلمت بأنني يوسف وأنك تلكم التياهة الغراء

تدعوني بكل لسان

وقالت هيت، قالت هيت يا إنسان

بل هيهات

أأهرب منك؟ أين الباب؟ أين بربك المفتاح؟

فبابك مغلق موصد بغير رتاج

وروحك قدت القمصان من قبل ومن دبر

ومن علو ومن سفل

وظلك ذاب في ظلي

ولا مهرب

ونادت إن هذا المرء كذابُ

فكل البيت أبوابُ

فقلت منادياً في الناس

معترفاً.. أنا مذنب..

وإن الله توابُ

ولي في الذنب أسبابُ

فقد أحببت إن الحب جذابُ.

فقولوا لي أبعد شهادتي في الناس مرتاب؟

أقول لكم

بكل صراحة الأحباب لا إكراه في الحب

وحين اخترت ذاك السجن من قلبي

وخلت بأنه طبي

وكنت رميت في الجب

حسبت السجن أفسح من بلاء المرء بالحب

وحين ظننت أن السجن كان نهاية الدرب

وجدتك في غياهب ذلك الجب..

الى جنبي..

فما ذنبي..

عمر أحمد فضل الله – طرابلس 1977

قال لي اكذب تجمل


تشطير قصيدة الأستاذ أنور خالد

قال لي: إكذب تجمَّـلْ
قلتُ: بالصدقِ أفــوز !
قال لي: داهِن تُبجَّـلْ
قلتُ: هذا لا يجــــوز !
قال لي: نافِـقْ لِـتحيا
قلتُ: مَنْ رزقي يحوز؟
قال إنَّ الـفـقــرَ مُـــرٌّ
قلتُ: في النفسِ كـنوز !

***

حِينَ يفشو الوَهْـنُ فينا
يصبحُ التطـفيفُ عادة !
ثم يمسي الـزَّيــغُ دينا
والقــناعـاتُ عـــــبادة !
للهوى ترنو الأماني
للـمُنَى وَهْـــمُ السعادة !
يُستطابُُ الظُلمُ ، تُضحي
طِــــيبةُ القـــلبِ بلادة !

***

لـظلامِ اللـيلِ معـنىً
لا يـُؤَديـهِ النهـــــــارُ
قد يحوزُ المَجدَ يومٌ
وتضــــمُّ الخـلــدَ دارُ
عِشْ كما شئتَ صديقي
إنما العــيشُُ اخــتيارُ
وأنا اخترتُ طـــريقي
لــــذَّةُ العـُـمرِ قــرارُ

***

حِينَ يعلو الـزيفُ صوتاً
صَمتُنا يغدو جريمة
قـد يغيب الحــــقُّ حِيناً
ريثما تســمو العزيمة
فيسود السّـوءُ تعلـــو
ضعفَـنا روحُ الهزيمة
ويعـــود الحـــقُّ دوماً
تلكَ في الأيــام شيمة

وقلت مشطراً لها:

قال لي: إكذب تجمَّـلْ
قلتُ: إن الصدقِ أجمل
قال لي: داهِن تُبجَّـلْ
قلتُ: دهن الصدق أنبل

قال لي: نافِـقْ لِـتحيا
قلتُ: من بالذل يقبل؟

قال إنَّ الـفـقــرَ مُـــرٌّ
قلتُ: طعم الكذب حنظل

حِينَ يفشو الوَهْـنُ فينا
نلبس الدنيا قلادة

ثم يمسي الـزَّيــغُ دينا
والخنا بدل الشهادة

للهوى ترنو الأماني
تبتغيه بلا هوادة !

يُستطابُُ الظُلمُ حتى
من قيادات القيادة !

لـظلامِ اللـيلِ معـنىً
وكذا ضوء النهـــــــار
قد يحوزُ المَجدَ يومٌ
لكن الخلد الفخار
عِشْ كما شئتَ صديقي
فغداً تخلو الديار
وأنا اخترتُ طـــريقي
ثم حددت المسار

حِينَ يعلو الـزيفُ صوتاً
فالمآلات وخيمة

قـد يغيب الحــــقُّ حِيناً
بالضلالات القديمة
ويسود السّـوءُ تعلـــو
أفقنا سحب سخيمة
ويعـــود الحـــقُّ دوماً
إن للإيمان قيمة

سلامة والقس


بيني وبين المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب ودٌ قديم، منذ أن كنت طالباً بالسنة الأولى بكلية الاقتصاد جامعة الخرطوم، وكان هو مدير الجامعة،، ثم انقطع زمناً حين انقطعت عن الدراسة بالجامعة وهجرتها إلى جامعات الخليج ثم حين عدت للسودان كان رحمه الله كثيراً ما يزورني بمكتبي بمركز الدراسات الاستراتيجية لنتفاكر في أمر إنشاء المكتبة الوطنية وكنا نتذاكر عهوداً قديمة،، وكنت قد اقترحت على أولي الأمر تكريمه وقد حدث بالفعل حيث جرى تكريمه وتبني طباعة مؤلفاته عليه رحمة الله. سوف أذكر هنا بعضاً من عهود سلفت بيني وبينه رحمه الله حين كنت طالباً بالسنة الأولى بالجامعة.

تذاكرنا يوماً قصة سلامة والقس وأنشدته قوله في ذلك، وكان رحمه الله قد صاغ قصة سلامة مع القس شعرا جميلاً عفيفاً، وأصل القصة أن سلامة فتاة ذات جمال فائق كانت بمكة وكان هناك فتى زاهد عابد بمكة لا يراه الناس إلا وهو بين بيته والبيت الحرام، حتى أطلق الناس عليه اسم “القس” لكثرة نسكه، وكان طريقه إلى الحرم يمر ببيت سلامة فكانت تراه كل يوم غادياً إلى الحرم ورائحاً منه إلى بيته.. فافتتنت به ووقعت في حبه وكان جميلاً وسيماً زاده الزهد بهاء ونضارة، وكانت سلامة تتبعه حتى يدخل الحرم ولا تجرؤ على الكلام معه، لكنها ذات يوم تجرأت فقالت له يا هذا اعلم إني أحبك، وزادت دهشتها حين رد عليها بقوله وأنا أيضاً أحبك،! فتجاسرت وقالت له وأحب أن يكون بيني وبينك ما يكون بين المحبين، فقال لها وأنا أيضاً أحب هذا، فقالت ما الذي يمنعك إذن؟ فقال لها يمنعني قول الله عز وجل (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)، وأنا أخشى أن تحول هذه الخلة التي بيني وبينك في الدنيا عداوة يوم القيامة. ثم مضى في سبيله..

صاغ الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله هذه القصة الجميلة شعراً فقال يصف الحوار:

دنت منه برفق ثم قالت أحبك هل ترى في الحب ذاما
فقال لها معاذ الله قالت وأهوى منك ضماً والتزاما
فقال لها يمينا إن قلبي إليك اشد هيجاً واحتداما
فقالت ما الذي تخشاه قال الله أخشى ثم راما

ثم وصف حالتها بعد أن سمعت رد القس فقال:

لها لعس تخلج وهي ترخي على الخدين تستره ابتساما
تحبس فهو في الآماق جمر وفي الآفاق يلمحه غماما

وكنت حينها صبياً يافعاً فتطاولت على أستاذنا رحمه الله بقولي: يا دكتور ألا ترى أنك جعلت القس غليظاً مع سلامة في القول؟ ففطن رحمه الله إلى أن لكلامي ما بعده فقال لي وأنت لو كنت مكاني ما تقول؟ فقلت له سوف أضع نفسي موضع القس وارمز لسلامة بالفراشة فاقول:

من للفراشة في الهزيع الغافي رفت كما رف الأسى بشفافي
بيني وبين عيونها أسطورة بحر بلا قاع ودون ضفاف
بيني وبين شفاهها أنشودة سمقت على الكلمات والأوصاف
ويشع من خصلاتهاسحر وموسيقى وذوب قوافي
قالت أحبك كن جحيماً حارقاً وأنا الفراشة بالجحيم طوافي
وتململت شفة وشفة ريثما ينساب حرف راعش الأطراف
وانساب قول كالجمان كأنه ثمر تدلى مثقلاً لقطاف
أنا يا فتاة خلقت من طهر الضحى ومن النسيم كسيت ثوب عفاف

فابتسم ابتسامته المعهودة وقال لي: “يا بنى،، مثل هذه المواقف لا يصلح فيها إلا نحو قوله: قال الله أخشى ثم راما!!
رحمة الله على الأستاذ الدكتور كان جم الأدب شديد التواضع،،

عشق مالك بن الصمصامة


أحببت أن أشارك الإخوة والأخوات بعض ذكرياتي في الأدب، وخاصة ما جرى بيني وبين الأستاذ الشاعر سيد محمد الحسن الخطيب، منذ أن كنا طلاباً، فقد وجدت بخط يده يوماً على سبورة إحدى قاعات كلية الهندسة بجامعة الخرطوم في السبعينات أبياتاً لمالك بن الصمصامة خطها سيد الخطيب بالطباشير الأبيض على السبورة السوداء :

أحب هبوط الواديين وإنني لمستهتر بالواديين غريب
أحقاً عبد الله أن لست رائحاً ولا غادياً إلا علىَّ رقيب
ولا سائراً وحدي ولا في جماعة من الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة في أن تحن نجيبة إلى إلفها أو أن يحن نجيب

فكتبت تحتها معارضاً:

بربك هذا عاشق؟ أي عاشق من الناس يبدى إلفه ويعيب
فشاه سره حتى تهتك ستره وشهر من يهواه وهو حبيب
وبين ما يخفي وأوضح فانجلى وأخلق ستراً كان قبل قشيب
فليت حبيبي ما يعاب بريبة وشك وأما سهمه فيصيب

هذه كانت بعض مداعبات الشعراء في عهد الصبا،، والتحية للأستاذ سيد

محتار ومنتحب


flyفَرَدْتُ إليكِ أجنحةَ الأساطير ِ
وطرتُ إليكِ
جُبتُ حَنَادِسَ الظُلماتِ آفاقَ الديايجيرِ
خرقتُ إليكَ أسجافاً
أعَدْتُ حكاية المسحور
أرضَ الصندلِ الغافي
وعرسَ الجن والحورِ

أعدتُ. أعدتُ..
لو تسمعْ
ستدركُ لوعتي يوما
وتلمحُ دمعتي يوما.
فتجمعُ من نِثَارِ البرقِ تجمعُني
شَجَى هَذِي المزاميرِ..

فيا أملاً تبدَّدَ في زوايا الخوف
أُدركهُ فيُبكيني
وأَترُكُهُ فيُبكيني.
bye my love وأرسِمُهُ.. فأذهَلُ عن بحار الخوف

تَرفَعُني وتَخْفِضُني..
وتُبعدني وتُدنيني..

 

وطيفك كان يغزوني ويأسرني ويطلقني

ويدفعني ويبقيني
ولحظك كان يرميني بسهم هواك يرديني
وأعجب هل سيقتلني ويعبث بي فيحييني
ويهجرني فيقبرني ويلثمني فينسيني
يُنادِينِي لَكِ الأمَلُ
فأرتحِلُ
وأنظم من أغاني العشق أشعار المجانين
وبين الحِين والحِين
أَخَالُكِ مثلما كُنَّا
فكُوني لي .. ألا كُوني

فيا عَبَقَ البساتينِ..
ويا حُلُم المساكين..
ويا رَوْح الرياحين..
ويا حَاني
ويا حِيني
أسيُر مُغَاضباً واليَمُّ مَوَّارٌ يُغَالِبُنِي
فيقذفني بشَطِّ لِقاكِ منبوذاً
يُظَلِّلُني بيَقْطِينِ..
تَيَقَّظَ عِطْرُكِ الفَاغِمْ..
وذَابَتْ في حُشَاشِ النفس أطيافٌ من العالم
وجدْتُكِ في حَكَايا الزَّنْجِ حين الطَّبْلُ يَلْتَهِبُ
وحين تَوَتَّرُ العَصَبُ

وحين الناسُ فيكِ اثنان :
محتارٌ .. ومنتحبُ..

عمر أحمد فضل الله

قيوم حي


bird in a cage

حي قيوم .. قيوم حى

قلبي طير في قفص الأضلاع..

يخفق مذ قلت له كن..

سبحانك

دَقَّ فَدَقَّ .. وعَظُمَ فَرَقَّ

وعَرَفَ فأبصَر..

أن الكون الحىْ

وغير الحيْ

وغير الكون

بدون رضائك ليس بشيْ

أحب فخفق بنبض الحب

وحب الرحمة

فيء الفيْ

وانسكب جمال ونور جلال بهائك

فوق ظلام ودجن الغىْ

فانفرد الطىْ

نفسي مهجٌ

رويت وامتلأت رىْ

قلبي بهِجٌ ٌ

بلباس التقوى نعم الزىْ

ولساني لهجٌ

بالتهليل يسبح للقيوم الحيْ

حي قيوم، قيوم حى

عمر أحمد فضل الله – أبوظبي – ظهيرة الثلاثاء 4/9/2001

أحلام النائم واليقظان


فانتازيا الأحلام

dream

أحلام النائم واليقظان تبلغني عنك النجوى
فأسافر .. أضرب في الآفاق
أفتش عنك بلا جدوى
وأطير على صهوات الأشواق
مشتاق مشتاق مشتاق
وأسافر في تلك الأحداق
وأحط على كل الآماق
وأغوص لأعماق الأعماق
ما أجمل عينك من مثوى

وأشيد عرش الحلم على الشرفات
توقان أفتش في الطرقات
وأتيه فألتمس السلوى
وأظل أطوف بلا مأوى
ببحار التيه أطوف فتنداح الشطآن
ويلوح خيالك لي في الحلم العابر
يحكي لي عن دنيا الشط وعن سحر الخلجان
وبلاد ما دنسها انسان
والحور تميس بكل مكان
وعرائس جن تمرح فوق رمال ذهبية
تتدثر بالشعر المائج
تتمايل نشوى
فأراك هناك أمد يديَّ ولا أقوى
وأفتش عنك بلا جدوى
يا حور الحور ومن أهوى
سأظل أطوف بلا جدوى

 

عمر أحمد فضل الله – 1978

السائل عن كنه حبيبي


1311_md_13132155111هذه بعض قصائد قديمة كتبتها منذ ثلاثين أو أكثر من السنين،، نسيتها ونسيها الناس. واليوم وجدتها ، وسوف أنشر بعضها للناس، لا ليقولوا أحسنت ولكن أردت أن أشارك الآخرين ببعض نبض مشاعري في القديم. والشعر لا يبلى إذا كان له في النفس مكان.

السَّائِلُ عَن كُنْهِ حَبِيبِي
مَن مِنكم يَا سادَةُ..
ذاكَ السائلُ عن كُنهِ حبيبي؟
أنتَ إذاً؟ حسناً يا هذا
هل تقرأُ كتبَ التاريخ؟
هلمَّ نشاهدُ سرَّ الحبِ الآتي من أغوارِ الدهر..
أغمض عينيك..
واركبْ خلفي صهوةَ هذا المُهر.. (بُرَاق الإيمان)
وَتعالَ نُسافرُ عبرَ الأزمان..
حيثُ نَشاء..
حَدِّقْ في أَصلِ الأَشياء
وانظر.. ذاك حبيبي في مَرْكِبِ نُوح
طاووساً يختالُ على وجهِ الطُّوفانِ ويمشي فوقَ الماء..
وتلك رموزُ حبيبي قد نُقشت
بالهيروغليفِ على أقبيةِ الهرم الأكبر
قطرةُ طَلٍّ في ورق البُردي
تعويذةُ سِحْرٍ في سُنبُلَةِ القَمْحِ المَكْنُونَةِ
فِي تابوتِ الفِرعون..
تاجٌ من تِبرٍ في هَامَةِ رَمسيس..
قِنِّينَةُ عِطرٍ فِي مَخْدَعِ بَلقيس..
تَرنيمةُ شِعرٍ من سِفرِ التقديس..
مِفتاحُ البابِ المَجهُولِ بسورِ الصين.
ياسائلُ عن كُنهِ حبيبي.
غصنٌ قُدسيٌ من شَجَرَةِ طُورِ سِنين.
لؤلؤةٌ في تاجِ الاسكندر ..
رُقعةُ جِلدٍ في جِلبابِ عمر
أو نُقطةُ حِبرٍ..
في كُرَّاسَةِ مجدِ الدينِ أبي البَرَكَات
سيفٌ مصقولٌ فَوقَ جَوادِ صَلاحِ الدِّين..
وَدَمٌ مَسفوحٌ فِي حِطِّين
يا هذا السائل..
ستقولُ تَعِبتُ من الأَسفار..
ما زلنا في بَدءِ المِشوار..
ستقولُ تعبتُ فَيالَلهول..
أنعودُ ولم نحصُل بعدُ على سِرِّ الأسرار؟
هل تعرفُ يا سائلُ سِرَّ جَمالِ الزهر؟
ولماذا يَرقُصُ موجُ البحر؟
ها أنتَ بَدَأتَ الآنَ تُشارِفُ معنَى السِّر
ما كانَ جمالُ حبيبي حُلُماً..
يأتي في النوم ليذهبَ عندَ الفجر
أو طيفاً يأسِرُنَا لِلُحيظَاتٍ ..
ثُمَّ يَغِيبُ بُعيدَ الأسر..
أَو جَسَداً تَأكُلُهُ سَنَواتُ العُمر..
فَجَمالُ حَبِيبِي بَاقٍ بَاقٍ أَبَدَ الدَّهر..
يَا سَائِلُ عن اسمِ حبيبي..
لَو غَاصُوا تَحتَ عُبَابِ الماء
فالاسمُ هُنَاكَ يُعَطِّرُ قَاعَ الدَّأمَاء..
وشَذاهُ يفوحُ بكلِ سماء
لو راموا سِرَّ الأشياء..
فاسمُ حبيبي سِرٌ منقوشٌ في ذاكرةِ التاريخ
لو طاروا يرتادون الأَنواء..
لاكتشفوا اسمَ حبيبي مكتوباً في سطح المريخ.

عمر أحمد فضل الله – صحيفة الشرق الأوسط 1980

طفولتي الباكرة


نشأت في بيت عتيق وسط أسرة مكونة من أبي وأمي وجدتي لأمي وستة من الإخوة الذكور واثنتين من الإناث.
كان بيتنا العتيق يقع خلف مسيد الشيخ ادريس بن الأرباب مباشرة، وكان يضم في حوشه خلوة الفكي أحمد “أب كتحة” جدي لأمي وكان الباب الأمامي يفتح على الطريق المؤدي إلى قبة الشيخ ادريس مباشرة. وكان بيتنا يقع على الطريق الرئيسي “شارع النص” المتعرج الضيق الذي تمر منه بصات الحلة في طريقها إلى الخرطوم.

قالت لي أمي: (حينما كنت صغيراً كنت شديد النشاط و كنت أضطر لربطك في “كراع العنقريب” حتى لا تخرج من “جراية تصريف الأمطار” لتلعب على رمل الطريق. كانت جارتنا “آمنة بت الأمين” تطلق عليك لقب “راجل الدرب” لكثرة تواجدك في الشارع). وكان سائقو بصات العيلفون يعرفون هذه الحقيقة فحينما يقتربون من بيتنا ينتبهون جداً ليتأكدوا من أنه لا يوجد “شافع” نصفه مدفون في التراب في وسط الطريق.

فتحت عيني وأنا في الثانية أو الثالثة على غرفة كبيرة  بنيت من الطين المسقوف بالقش المنثور على أعواد متعارضة وعمود فلكابة كبير يستند على شعبة من الخشب في وسطه وأربعة “طيق” صغيرة لدخول الهواء والإنارة، وباب من الخشب له “طبال” ومفتاح من الخشب. والغرفة متصلة بقطيع هو عبارة عن مخزن وضع فيه كل شيء: جوالات العيش “الفتريتة ” أو “الحميسي” والبروش، والقفاف، والأواني وصندوق كبير “سحارة ” وكل ما يمكن أن يخطر ببالك من أشياء!!

وكان  مطبخنا هو “التكل ” الذي وضعت به محراكة من الحجر لطحن الدقيق إذ لم تكن الطواحين الحالية  قد دخلت العيلفون في ذلك الزمان، وكانت بجانبه الدوكة المصنوعة من الطين المحروق تستخدم للعواسة!!

كنا نتحلق جميعنا من بعد صلاة الفجر حول نار الكانون التي توقدها أمي من الفحم لصنع الشاي بالحليب الطازج من غنيمات في زريبة خلف قطيع البيت الذي كان نصفه زريبة والنصف الآخر “مستراح”، وكنت أستدفيء شتاءً قبل أن توقد أمي الكانون بلمبة “الجاز” التي تضاء لحلب الغنم قبل صلاة الفجر وتجهيز حاجيات أبي ليذهب للجزارة. وكنت أضع يدي الصغيرتين في أعلى اللمبة أو أحلق ذراعى حولها لأحتويها وأحس بالدفء في صدري وكثيراً ما كنت أغفو فألصق صدري دون قصد بحافة اللمبة المتوهجة لأقفز مذعوراً من لسعة الألم حينما أشم رائحة صدري المشوي وتبقى آثار اللسعة المنتفخة في صدري أياماً أو أسابيع مثل الوسمة !! ولكنني كنت أخفيها من أمي لأنها لو رأتني لأخبرت أبي وياويل من يقع في قبضة أبي!