ترجمان بلا ترجمان – بقلم تماضر


subawarriorهكذا تدخل الرواية القلب دون ترجمان أو وسيط .. الرواية مموسقة .. تارة اجدني اقرأ ببطء فاعيد المقطع مرارا وتارة أجدني اقفز للسطر الثاني قبل إكمال الأول .. اعتبر أن من معايير نجاح الرواية أن يتحكم فيك نسقها وتقتادك حيث تريد دون أن تملك حتى الخيار أن تتوقف لتعود .. أمتعتنا د. عمر ..‏ كعادتي أمل قراءة التأريخ لكن ليس في هذه المرة .. ليت كل التأريخ يكتب بهذا الأسلوب ..‏‎ ‎ بعض النقاط : ‏1. الرواية محبوكة لدرجة أنك لا تستطيع الفصل بين الحقيقة والخيال وهو ما أتوق الآن لمعرفته . ‏2. بعض الكلمات ذكر بأنها من اللغة الحبشية مع تقارب معناها في اللغة العربية مثل كلمة مصحف ومنبر (والمعنى مطابق لما نطلق عليه الآن بنبر ) فهل هذا التداخل يدل على اصول الأحباش ام على انصهار الثقافتين وهل يوجد هذا التداخل كثيرا؟

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

وقفة عند إيماءة ياسر خيري على نص الترجمان


إيماءة على نص “ترجمان الملك”/ عادات مسيحِيّة قدِيمة في السودان الشمالِي. 

ياللروعة والجمال. الآن بدأت أحس أن “ترجمان الملك” قد ألقت حجراً في اليم، وأن دوائر الحراك الثقافي بدأت تنداح على صفحة الماء. جميل هذا الطرح، وجميل أن نبدأ حواراً ثقافياً أدبياً تاريخياً نحيي فيه تراثنا ونعيد لهويتنا رونقها ونعلم النشء والأجيال أصالة هذه الرقعة من العالم. الكلام عن العادات والطقوس الوثنية أو المسيحية القديمة في المنطقة يتطلب حواراً مستقلاً بذاته، وربما أعود له فيما بعد ، ولكن يهمني هنا الجزء الثاني من مشاركتك وهو: (هل وقفت اللغة حاجزاً بين العرب وتأصيل الثقافة والمعارف الإسلامية فلم يستطيعوا القضاء على تلك العادات والتقاليد والطقوس المسيحية القديمة المتوارثة؟). معلوم أن هذه الرقعة من العالم هي من أكبر مواطن التجمعات البشرية الحضرية القديمة التي قامت على ضفاف الأنهار الكبرى مثل الحضارة الصينية وحضارة ما بين النهرين. يذكر “فرتز هنتزة” الأثري الألماني المعاصر والمتخصص في دراسات الحضارات النوبية السودانية القديمة أن التأريخ يسجل لحضارة نهر النيل النوبية السودانية أنها من أقدم مواطن العمران الإنساني وأنها ازدهرت تحت مسميات ممالك النوبة القديمة في البجراوية ومروي لأكثر من ثلاثة آلاف عام وازدهرت بقوة في الفترة من عام (2800 ق.م.) إلى عام (525 م) وقد تعاملت خلال هذه الفترات مع حضارات أخرى معاصرة مثل الإغريق والرومان وغيرهم من الأمم التي امتد نفوذها للمنطقة ، ولا تزال مخلفات الأهرامات والقصور الملكية بتماثيلها ونقوشها وخاصة منجم صهر الحديد ومعبد الأسد شامخة شمال مدينة “شندي”. كذلك أريد أن أقرر هنا أن هناك كثيراً من الرحالة والمكتشفين من المسلمين والإفرنج قد كتبوا عن المنطقة أو زاروها أمثال المقريزي والمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وابن سليم الأسواني ، ومن الفرنجة هيرودوتس وديودورس الصقلي واسترابو الروماني ويوسفوس اليوناني ولبسيوس الألماني وصمويل شارب الإنجليزي وماسبيرو الفرنسي. كما أقرر هنا أن ممالك النوبة اتصلت بالحضارة الفرعونية في مصر وتبادلت معها الاحتلال المباشر وبسط النفوذ خاصة فترة الاسرتين الخامسة والسادسة والعشرين فهي فترة حكم ملوك النوبة السودانيين لمصر من أسرة (كشتا). ثم امتدت الثقافة الرومانية والبطلمية فشملت هذه المنطقة ونشأت نتيجة لهذا المد الحضاري أو الثقافي الجديد مملكات النوبة الثلاث (المسيحية) وهي: 1. مملكة النوبات (نوباتيا) وتمتد من منطقة نهر النيل من الشلال الأول إلى الشلال الثالث وعاصمتها فرس بشمال السودان. 2. مملكة المقرة وتمتد من الشلال الثالث إلى كبوشية وعاصمتها دنقلا بشمال السودان. 3. مملكة علوة وتمتد من منطقة مابين النيل الأزرق ونهر عطبرة وعاصمتها سوبا إلى الجنوب الشرقي من الخرطوم على ضفاف النيل الأزرق، وذكر المؤرخون أن علوة أهي أكبر هذه الممالك وأقواها وأكثرها نفوذا بل وامتد نفوذها إلى البحر الأحمر شرقاً وإلى منطقة كردفان غربا. الممالك المسيحية هي في واقع الأمر امتداد لحضارة ممالك النوبة السودانية القديمة فهي رغم أنها اتخذت المسيحية ديناً رسمياً للدولة إلا أنها حافظت على الممارسات الحياتية والمعتقدية والثقافية (النوبية والمروية) بوثنياتها وطقوسها. ولم يكن للمسيحية كدين سماوي أي ممارسة حياتية أو وجود حقيقي في حياة الناس. وحتى الطقوس المسيحية التي بقيت حتى الآن هي خليط بين المسيحية والوثنية القديمة. وأما الوجود العربي في المنطقة فهو ذو جوانب متعددة: 1. النزوح العربي القديم ما قبل الاسلام للقبائل البدوية الرعوية العربية التي هاجرت عبر ميناء عيذاب إثر موجات الجفاف خلال بدايات الممالك النوبية المسيحية في القرن السادس الميلادي، وأهم البطون والأفخاذ التي عبرت بالإبل إلى السودان هم جهينة وهوازن وربيعة وأسد. ويقال إن بعض هذه الهجرات تم في عهد مملكة مروي القديمة. 2. بعض هؤلاء العرب دخلوا عن طريق باب المندب إلى اثيوبيا ثم هاجروا إلى بادية السودان. 3. (رحلة الشتاء والصيف) التي ذكرها القرآن الكريم في سورة قريش والتي كان هاشم بن عبد مناف هو أشهر أبطالها فقد كان التجار العرب يعبرون البحر الأحمر ما بين اليمن والسودان خلال فترة الشتاء، أدت إلى التواصل بين العرب وسكان المنطقة. 4. تبلور الوجود العربي في المنطقة إلى اختلاط العرب المهاجرين بالنوبة والزنج فنتج عن ذلك مزيج سكاني اختلطت فيه الدماء والأنساب والثقافات والأعراق ثم بدأ اللسان العربي في فرض وجوده بالمنطقة ممتزجاً مع الرطانات المحلية ونتجت عنه اللهجة السودانية التي تجمع في مفرداتها الكثير من المصطلحات النوبية القديمة بالإضافة إلى المصطلحات العربية. أما الوجود الإسلامي في المنطقة رغم الهجرة المبكرة للمسلمين إلى علوة فقد جاء متأخراً فقد كان التأثير الإسلامي على المنطقة محدوداً لفترات طويلة قبل أن يغلب الإسلام على المنطقة بعد سقوط دولة علوة على يد الفونج وعرب القواسمة والعبدالاب. السودانيون (بمزيجهم القومي ذي الإعراق المتعددة) اعتنقوا الاسلام في القرن السابع الميلادي ولم يدخل الإسلام فاتحاً بالجيوش كما حدث في بقية الأقطار العربية والإسلامية. وانتشر الإسلام بالتدرج بين النوبة والعرب الزنوج ليحل محل المسيحية في ممالكها الثلاث والتي لم تكن متأصلة في قلوب أهل تلك المنطقة فقد كانوا يجمعون بين الثقافات الوثنية القديمة والديانة المسيحية التي لم يكن ولاؤهم لها بالقوة التي تقف في وجه انتشار الإسلام. يتبع.

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

إيماءة على نص “ترجمان الملك”/ عادات مسيحِيّة قدِيمة في السودان الشمالِي – ياسر عبد الرحمن خيري


yasserأثارت رواية د/عمر أحمد فضل الله الأُولى الكثير مِن النِقاش استَدْعيت معه كُل ما لَفَت انتباهنا ونحن لا نزال صِغاراً في أقصى شمال السودان في دِيار أهلنا المحس و”الحلفاوِيين” و “الدناقلة” فهي كانت وبِحُكم الموقع الجغرافي النافِذة التي ولجت من خلالها الثقافات والمعارِف والمُعتَقدات الدِينية، مِن جُملة ما جرى مُشاهَدته ومُعايشته ومُمارسته مِن طُقوس وعادات لا تمت للإسلام بصِلة بل ترتَبِط ارتِباطاً وًثِيقاً بالثقافة المَسِيحية، والتي ربما كانت نَتِيجةً لما تـمَّ توارُثه مِن الأجيال السابِقة بحُكم التَعوُّد واستمرت بعد الفتح الإسلامي ، وبرغم أنَّ الكثير منها قد بدأ في الاندِثار إلـّا أنّه لا تزال هناك بَقايا مِنها، والغرِيب أنّ اندثارها لم يكن بفعل العمل الدعَوِي على الرغم مِن ” خلاوِي ” القرآن الكريم العريقة وجماعات الطُرق الصُوفِيّة الضارِبة في القِدم إنما كانت بِفعل تطوُّر اللُغـة النُوبِية المحلِية”الرُطانة”، فالرُطانة السائدة حالِياً بالمُنطِقة تَغْلُب عليها العَدِيد من المُفردات العربية حتى أنّك قد تَجِد البعض مِن الجِيل الحالي لا يفهم الكثير مِن المُفردات النوبية القدِيمة. وكمِثال لتلك الطُقوس والمُمارسات النصرانِية شَكل بوابات البيوت النُوبِية القدِيمة الرئيسية حيث كان يتم تَثْبِيت عدد ثلاث أطباق دائرية في شكل مثلث مُتساوِي الأضلاع كان يتم نَهْينا بِشدَّة ونحن صِغار أن نعبث بها تحطِيماً أثناء اللعب الأمـر الذي كان له أنْ يُرَسِّخ في أذهاننا نحن الصِغار شيئاً مِن القَداسة ولاحِقاً أثناء زيارة بعض الغربيين النَصاري عرفنا مِنهم أنّه أثرٌ نصرانِي قديم (الثالوث المُقدَّس)، الأب الإبن ، الروح القُدس..! وأيضاً لا يفوتني هنا الإشارة لتلك الجملة التي لا تزال تطرق مَسامعي مِن بعض كِبار السن عند عِيادَتهم للمرضى إذ يقولون: (( مــاريا مِــير)) أي ترعاك ماريا”السيِّدة العذراء مريم”! ويرادفها بذات اللُغة قولهم : ((نُـور إيكّا مـِير)) أي يرعاك الله ويحفظك فالأصل في “الرُطانة”أنّ الاسم يسبق الفعل على الدوام في جميع الجُمل… لكن أكثر ما كان يدهشنا ونحن في غمـرة طقوس الزواج الاحتفالِية أنّ “العريس” ومَن معه يتوجَّهون صوب النِيل وفي يدِه السيف و سوط “العَنج” فيقوم بِضرب صفحة الماء بالسيف مِن أعلى لأسفل ومن اليمين لليسار على شَكل صليب! بالطبع دُون أن يدرِي هو أو نحن أو هم مُبرِرات وكُنه ما يفعل.. لعل ما سَبق يقودنا للسؤال الأهم الكبير وهو حين قدِم العرب المسلمون وقاموا بنشر الإسلام هل وقَفت اللغة حاجِزاً بينهم وبين تأصِيل الثقافات والمَعارِف الإسلامِيّة فلم يستطِيعوا القضاء على تلك العادات والتقالِيد والطُقوس المسيحية القَدِيمة المُتوارَثة أم أنَّ اهتِمامهم المعروف بحب الترجمة انصبَّ على معرِفة وإتقان اللغة النُوبِية المحلِية. الثابت لدي أنّ تطوُّر اللُغة النُوبِيّة المَحليّة كان له الأثر البالِغ في القضاء أو التَخْفِيف مِن تلك العادات والمُمارسات القدِيمة. ومِمّا يُثِير الاستِغراب حَقاً كَثرة مُخلّفات العُصور المَسيحِية مِن آثار على حِساب مُخلفات المسلِمين العرب في السودان باستثناء مسجد دنقلا العجُوز

انظر تعقيب د. عمر فضل الله على المقال بعنوان: وقفة عند إيماءة ياسر خيري على نص الترجمان

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

ترجمان الملك – مقدمة الراوي


لَمْ أَعْجَبْ حِينَمَا استَدْعَاني مِنْ بينِ أطلالِ الماضي الغَابِرِ، لتقديمِ رِوَايَتِهِ للناسِ، في زَمَانكِمُ هَذَا، فَقَدْ كُنتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْتَاجُنِي. أنا الشابُّ “سِيْسِّي بن أَبِيْلُّو بن دَلْمَار”، الذي عاشَ حياةً حافلةً في زمانِهِ، ثم ماتَ وماتتْ King_Toroمَعَهُ قِصَّتُهُ. لم يسمعْ بهِ ِأَحَدٌ في عصرِكُمْ هذا. وَحِينَ حَدَّثَنِي أنَّ أَحَدَاً في زَمَانهِ لا يقْدِرُ أَنْ يُقَدِّمَ رِوَايَتَي أَفْضَلَ مِنِّي صَدَّقْتُهُ، مِثْلَمَا صَدَّقْتُ حِينَ عَادَ إِلى الماضي بَاحِثَاَ عَنِّي يَنْبِشُ القُبُورَ في خَرَائِبِ مَدَافِنِ “العَنَج” العَمَالِيق جَنُوبَ سوبأ، وَيَقْرَأُ الشَّوَاهِدَ لِيَجِدَنِي، آخِرَ الأمرِ ثُمَّ يُخْبِرَني أَنَّ العَالَمَ بقي بَعْدَنَا ألفاً وَخَمْسَمِائةَ عَام! وأنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِلمَ ْتَحِنْ بَعْدُ. صَدَّقْتُهُ في كُلِّ هَذَا، وَلَكِنَّنِي لَمْ أُصّدِّقْ أَنَّ أَحَدَاً مِنَ النَّاسِ لا يَعْرِفُ سوبأ العَاصِمَةَ، وَ”مَمْلَكَةَ عَلَوَة العَظِيمة”، بَعْدَ مُضِيِّ خمَسْةَ َعَشَرَ قَرْنَاً فَقَطْ. كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَبْقَى في ذَاكِرَةِ العَالمَ مِائَةَ قَرْنٍ أُخْرَى.!! لوَلا ِهَذَا ما وَافَقْتُ عَلى العَوْدَةِ لِأَرْوِيَ لَكُمْ. أَقِفُ الآنَ جَنُوبَ سوبأ العَاصِمَةَ فِي زَمَانِنَا القَدِيمِ مُتَأَهِّبَاً للإطْلالَةِ عَلَى زَمَانِكُمْ والشُّرُوقُ، يُزَيِّنُ بِفُرْشَاتِهِ أَسْوَارَها، وَأَسْوَاقَهَا، والبُيُوتَ، وَالأحْيَاءَ، أَمَلاً في مَجِيءِ نَسِيمِ (البُطَانَة)(1) الشَّرْقَيَّة ليِتَأَمَّلَ هَذِهِ اللَّوْحَةَ، قَبْلَ أَنْ يَنْفُثَ سِحْرَهُ فِيهَا يَرْجُو لهَا الخُلُودَ، والنيلُ يَرْبِضُ غَرْبَهَا مِثْلَ طِفْلٍ بَرِيءٍ يَخْتَبِيءُ مِنْ أَقْرَانِهِ في لُعْبَةِ “دَسُّوسِيَّةٍ”(2 ) بَدَأُوهَا عِنْدَ العَشِيَّاتِ ثُمَّ غَلَبَهٌمْ النَّوْمُ، والنِّيلُ مَا يَزَالُ مُسْتَمِرَّاً فِي اللَّعِبِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ الأَقْرَانِ. لَوْ ذَهَبْتُمْ لِلنِّيلِ لَحَدَّثَكُمْ عَنِّي وَعَنَّا، وَعَنْ سوبأ َوَعَلَوَة، وَالمُلُوكِ العُظَمَاء وَالنَّاسِ. النِّيلُ رَاوِيَةٌ قَدِيمٌ، لا يَمَلُّ مِنَ التِّكْرَارِ. “أَسَاطِيلُ عَلَوَة” وَهِيَ تَزْحَمُ النِّيلَ بِأَشْرِعَتِهَا البَيْضَاءَ المُنَشَّرّةِ. وَأَنَاشِيدُ الجُيوشِ العَظِيمَةِ، وَ”العَنَجُ” العَمَالِقَةُ الذينَ تَهْتَزُّ الأرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ الضَّخَمَةَ حِينَ يَعْرِضُونَ القُوَّةَ وَالبَأْسَ الشَّدِيدَ فِي مَسِيرَاتِهِمْ عَبْرَ طُرُقَاتِ سوبأ وَخَارِجَ أَسْوَارِهَا. الطُّبُولُ “النُّحَاسِيَّةُ” المَرْصُوصَةُ جَنْبَاً إلى جَنْبٍ في سَاحَةِ المدِينَةِ والتي تَخْلَعُ أَصْوَاتُهَا القُلُوبَ حِينَ يَتَقَافَزُ الضَّارِبُونَ حَوْلَهَا وَيَدُورُونَ وَهُمْ يَنْقُرُونَهَا بِالعِصِيِّ الخَشَبِيَّةِ القَصِيرَةِ المُدَبَّبَةِ المَكْسُوَّةِ بِجُلُودِ أَذْنَابِ البَقَرِ. والرَّاقِصُونَ عَلَى وَقْعِ الطُّبُولِ نَهَارَاً أَوْ لَيْلاً وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالحِرَابِ وَالعِصِيِّ والنُّشَّابِ وَالدَرَقِ. عَبَقُ الطُّيُوبِ الشَّرْقَيَّة التي تَضَعُهَا نِسَاءُ عَلَوَة! مَا زَالَ فِي أَنْفِي بَعْدَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ! أَيْنَ ذَهَبَ كُلُّ هَذَا؟ حِينَ دَعَانِي للعَوْدَةِ إِلى سوبأ لأَتَأَكَّدَ بنفسي لم أُصَدِّقْ مَا رَأَيْتُهُ. بَقَايا كَنِيسَةِ “مَارِيَّةَ” العَظِيمَةِ أَطْلالٌ مِنَ الطُّوبِ المُسَوَّى بِالأرضِ. قَصْرُ الملكِ المُنِيفِ إلى الشِّمَالِ صَارَ مَزَارِعَ ِللْدّوَاجِنِ. وَمَاذَا فَعَلْتُمْ بِالنِّيلِ؟ نِيلُ سوبأ العَظِيمُ انحَسَرَ مَجْرَاهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَحَدَ الجَدَاوِلِ التيِ تَسِيلُ مِنْ الشَّرْقِ أَيَّامَ الخَرِيفِ فِي زَمَانِنَا. وَاختفتْ مِنْ فَوْقِهِ الأسَاطِيلُ المَهِيبَةُ ذَاتُ الأَشْرِعَةِ البَيْضَاءَ. “جَزِيرَةُ التِّمْسَاحِ” تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهَا وَصَارَتْ عِدَّةَ جُزُرٍ صَغِيرَةٍ تَحْتَمِي بِكَبِدِ النِّيلِ الحَرَّى وَتَسْتَغِيثُ مِنَ الغَرَقِ. وَاخْتَفَتِ الأسواقُ والسُّورُ وَمَرَابِطُ الخَيْلِ وَثُكْنَاتُ الجُيُوشِ وَبُيُوتُ الكَهَنَةِ وَأَدْيِرَةُ الرُّهْبَانِ وَأَحْيَاءُ سوبأ الجَميلَةِ وَمَبَاني الجَصِّ وَالطُّوبِ والحَجَرِ. أَيْنَ أَشجارُ النَّخِيلِ البَاسِقَةِ والدَّوْمُ ِوَالمَانْجُو واللَّيْمُون؟ أَيْنَ السَّاحَاتُ الخَضْرَاءُ؟ أَنْتُمْ بَارِعُونَ جِدَّاً فيِ القَضَاءِ عَلى كُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ. لا أَرَى حَوْليِ في زَمَانِكُمْ إِلا صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ قَاحِلَةً مَدَّ البَصَرِ، يَشُقُّهَا طَرِيقٌ أَسْوَدٌ قَمِيءٌ، وَعَرَبَاتٌ كَئِيبَةٌ تَجْرِي فَوْقَهُ بِلا أَحْصِنَةٍ وَلا خُيُول، وكَأَنَّمَا تُطَارِدُهَا أَشْبَاحُ سِيْمُونَةَ(3) المَسْعُورَةُ. بَدَأْتُ أُصَدِّقُ أَنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِقَدْ اقْتَرَبَتْ. وَلَكِنَّيِ نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَ المُؤَلِّفَ: لِمَنْ تُرِيدُنِي أَنْ أُقَدِّمَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ هَلْ بَقِيَ فِي العَالمَ قُرَّاءُ مِثْلَمَا كُنَّا فِي زَمَانِنَا؟
تذييلٌ: سَوْفَ أَتَوَلَّى رِوَايَةَ قِصَّتِي بِنَفْسِي فَي الصَّفَحَاتِ التَّالِيَةِ. لَنْ أَسْمَحَ أَنْ يَرْوِيَهَا أَحَدٌ غَيْرِي!

***

“لَيْسَ كُلُّ مَا يَلْمَعُ ذَهَبًا وَلَيْسَ كُلُّ شَقْرَاءَ مَلِيحَةً” مثل حديث
في سوبأ: “كلُّ مُا يَلْمَعُ ذَهَبٌ وَكُلُّ سَمْرَاءَ مَلِيحَةٌ ” مثل قديم

_____________________
(1) البُطَانة: هي السهل الممتد شرق النيل الأزرق وهي أرض خصبة المرعى نقية الهواء. (2) الدَّسُّوسِيَّةُ: هي لعبة الغميضة أو الاستغماية يلعبها الصغار فيختبيء أحدهم ويقوم الآخرون بالبحث عنه. (3) ساحرة مشهورة أيام مملكة علوة

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا (2)


b368

afewerek***

“سُنْجَاتَا” كانت هي المخلوق الوحيد الذي تعلقت به. كنا نأتي كل يوم و
نجلس تحت شجرة الأراك ونحلم. ابتسامتها البريئة، ووجها الطفولي، وطعم فمها، وكلامها الذي يحملك إلى عالم مسحور. كانت لا تربط بين الأفكار، بل كل ما يخطر على بالها تقوله. وكان هذا يدهشني فكنت أطير معها في عالم الخيال الجميل الذي له أجنحة تحلق بك أينما تريد. كنا نبني معاً عوالم مسحورة في أفق الفضاء، أو في دنيا لم يرها إنسان. وكنا نعيش يومنا مع الطيور والحوريات وعالم الجن. كنا نبني قصوراً من الوهم على شواطيء الأحلام ونقطف الأزهار البرية من روضات الحدائق النائمة، عند السحر، والقمر قد سئم البقاء وحده في أفق الفضاء، فبدأ يتأهب للنوم. قالت لي “سُنْجَاتَا” يوماً:

– “سيس” لماذا لا يوجد قمران في أفق السماء؟

– القمر وحده لأنه يلعب مع الشمس لعبة المطاردة، فهو يهرب منها بالنهار. وحين يتأكد أنها قد ذهبت تبحث عنه وراء الأفق يأتي إلينا وحده متخفياً بالليل. ألا ترين أنه يبتسم ابتسامة ساخرة؟

– “سيس” أين ذهب أبوك؟

– أبي هو القمر الذي يهرب من أمي. أمي تجلس وحيدة في غرفتها كل ليلة مثل الشمس في كبد السماء.

– بجد يا “سيس” أين ذهب أبوك؟

– أبي هو “ملك ملوك الجن”، وهو في مهمة، وسوف يأتي قريباً من العالم السحري.

– “سيس” هل تحبني حقاً؟ عندما أكبر أريد أن أتزوجك. ونطير معاً فوق البحار. ونلعب لعبة الشمس والقمر. أريد أن تكون لي أجنحة أحلق بها في الفضاء. هل تصدق هذا؟

– ….

– سيس هل عندك شعر هنا؟

وأشارت إلى موضع عانتي من الخارج.

– أنت مجنونة !!

– أحلى شيء الجنون. “سيس” هل جربت يوماً أن تخلع كل ملابسك وتغلق الأبواب وترقص عارياً وتصيح بأعلى صوتك حتى يبح حلقك ثم تقفز عالياً وتسقط على الفراش؟ تعال نجرب هذا يوماً معاً، ولكنني لن أخلع ملابسي.

كانت “سُنْجَاتَا” مثالاً حياً لكل التناقضات المجنونة الموجودة في البشر. كانت أكثر الناس رقة، وأشدهم جنوناً. كانت منطلقة كمهر جامح في البرية لا يقدر عليه أحد. وكنت أحب هذا فيها. ولعل هذا الأمر قد دفعني حين كبرت قليلاً إلى ترويض المهارى الوحشية والحمير البرية والبغال الجامحة. ولكن “سُنْجَاتَا” اختفت فجأة من حياتي ولم أعد أراها. قصدتُ بيتهم كثيراً، ولكنه كان خالياً وبابه مغلقاً. لم أعرف يومها ما الذي حدث لها أو لأمها. أعرف أنها يتيمة الأب، وأن أمها، كانت تُشاهَدُ في بيت قائد الحرس كثيراً وكانت تعود إلى البيت سكرانة كل ليلة. أخبرني “عِبْدِي” بذلك وقال إن “سِمْبَا” هو الذي أخبره. حزنت لهذا، ومع الأيام ضمرت ذكراها في فؤادي، أو لعل تلك الذكرى اختبأت خزياً حين كنت أذكر أمها. كنت أذهب كل يوم وأجلس وحدي تحت ظل شجرة الأراك. حاولت استجماع الذكريات فلم أقدر على الإمساك بها. كانت تتسلل هاربة من ذاكرتي كلما كبرتُ. حين رأيت “سُنْجَاتَا” بعد كل هذه السنين وهي جارية في قصر الملك حاولت أن أتحقق من مشاعري فأحسست بغضب عارم يتأجج في كبدي. لم أعرف له سبباً. ذكريات المشاعر القديمة عادت واستحالت شيئاً مشوهاً. “سُنْجَاتَا” لم تعد بتلك البراءة ولا الجموح. كانت مستكينة خاضعة. وخمد ذلك البريق في عينيها وكأنما أسدلت فوقهما غلالة من بؤس العبودية. تمنيت ساعتها أن أصبح تاجراً للعبيد، لأشتريها وأبيعها بعيداً للعرب عبر بحر الجار فلا أراها بعدها أبداً. ثم تمنيت أن أصبح نسراً كاسراً يختطفها بمخالبه ويحلق بها فوق أجواء عَلَوَة ويلقي بها من حالق فتندق عنقها ويطويها النسيان. ولكن كل هذا لا يشفي غليلي. ولذا فقد بقيت وحيداً متوحشاً طيلة هذه السنوات، لا أسمح لأحد أن يقترب مني!!

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن.

ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا


سُنْجَاتَا

“قصة حب نسي الزمان أنه رواها من قبل فأعاد تكرارها”

نشأت في بيت أمي “تَانِيْشَا” وأنا لا أعرف أباً غير جدي “دَلْمَار”. وكان يحبني حباً عظيماً، فكنت أهرول إليه وأنا صغير كلما عاد من سفر أو من القصر لأنني أعلم أنه قد أحضر لي هدايا معه. لم يكن مهماً ماهي الهدية ولكنني كنت أفرح بما يحضره لأنني لحظتها أحس أن لي قيمة وأن هناك من يتذكرني وهو بعيد.

مرة أحضر لي قلابة لقنص الطيور، فقد كان يعلم ولعي بصيد القطا، وفي مرة أحضر لي “نبلة” تشبه المقلاع. مقبضها من خشب الأبنوس، وشريطها سَيْرٌ من جلد “التيتل”، فكنت أتباهى بها بين أقراني عدة أيام قبل أن تصير عادية. وفي مرة أخرى حين عاد من الاسكندرية أحضر لي معه “خذروفاً”( ) فكنت أديره في دكة باحة الكنيسة المنحوتة من الحجر الصوان، فيطن طنيناً وهو يدور حول نفسه ويحدث صوتاً مثل رفيف أجنحة طائر الدوري حين يوشك أن يحط على نافذة غرفتي من الخارج. ورأته “سُنْجَاتَا” فأعجبها، وحين لمحتُ البريق في عينيها أخبرتها أنه يمكنها أن تحتفظ به لتلعب به في بيتها، فطبعت على خدي قبلة سريعة مباغتة ثم انطلقت تركض به نحو بيتها. حين سألتني أمي مساء ذلك اليوم عن “الخذروف” أين هو وماذا فعلت به، نظرت إلى الأرض حياء وتغير لون وجنتى، فقالت أمي:
– “سُنْجَاتَا”!؟
أجبت وكأنني سأموت من الخجل.
– نعم يا أمي!
– هه.. متى صرت بهذه الشقاوة؟ أعرف أنك مسكين وقليل الحيلة. واضح أن أقرانك علموك الشيطنة. سوف أنتبه في المرة القادمة وآخذ بالي منك!! وهي ماذا أعطتك بالمقابل؟
قالتها وقرصتني في خدي وهي تبتسم ابتسامة عريضة. جدي “دَلْمَار” كان مشغولاً معظم الوقت، ولذا فقد كانت أمي هي بمثابة أمي وأبي. كنت قريباً منها فكانت تخبرني بأشياء كثيرة وكنت أخبرها بكل شيء يحدث معي، إلا ما يحدث بيني وبين “سُنْجَاتَا”. لم أعرف ما هو شكل أبي، فلم أره قط. قال لي جدي أنني ولدت بعد فقدان أبي بأشهر قليلة، شهرين أو ثلاث. وحين كبرت قليلاً وكان الأطفال يلعبون معي كان بعضهم يناديني “بن تَانِيْشَا”، ورغم أنني كنت أحب أمي جداً إلا أنني كنت أغضب من مناداتي بهذا الإسم فقد كنت أعتبره تحقيراً لي، فكنت أنهال عليه بالضرب، ثم أخاصمه ولا أعود ألعب معه حتى يعتذر ويسترضيني. وأما لماذا كنت أعتبر مناداتي باسم أمي تحقيراً لي فقد كنت أرى أن جميع أقراني لهم آباء وينادونهم باسم آبائهم إلا أنا. فقد كانوا يدعونني باسم أمي. كنت أتخيل أبي دائماً وأعقد المقارنات في ذهني بيني وبينه. أبي يتيم الأم ماتت أمه وهو صغير، وأما أنا فقد فُقِدَ أبي قبل أن أولد. كان أبي وحيد أبيه وأمه، وأنا وحيد أبي وأمي. أبي رباه “دَلْمَار” وأنا رباني “دَلْمَار”. كنت أفكر في أبي كلما رأيت صبياً يسير مع أبيه في السوق أو أباً يعلم ابنه الرمي بالسهام خارج أسوار سوبأ. كنت أرسم لأبي صورة جميلة في ذهني. صنعت منه في خيالي بطلاً من أبطال الحروب مرة، وجعلته قائداً عظيماً مرات، وتخيلته ملكاً من الملوك متوجاً والناس يسجدون له، مثل النجاشي عندنا في عَلَوَة. وفي مرة أخرى تخيلت أن أبي هو الكاهن الأكبر في الكنيسة يجلس أمام المصلين بملابسه البيضاء الزاهية المطرزة بالذهب، بينما يقوم الشماس بتلاوة الصلاة كل يوم أحد. صنعت لأبي صور كثيرة وشخصيات متعددة. وأحياناً كنت أكلمه بكلام كثير حينما أكون وحدي. وكنت أسمعه وهو يرد على أسئلتي وينصحني. قلت لأبي مرة: أين أنت يا أبي فأنا أشتاق إليك كثيراً؟ هل تعلم أن أمي تبكي كل ليلة في فراشها؟ أنا أعلم لماذا تبكي. لأنك ذهبت سريعاً. ليتني رأيتك ولو مرة واحدة وأنا مستعد أن أتخلى عن نصف عمري مقابل ذلك. احتفظت أمي بملابس أبي التي تركها وراءه، وحين كبرتُ أخرجتها من صندوق كان في غرفة أبي ولبست قميصاً منها.afewerk-tekle_tsedey

كانت غرفة أبي مغلقة طوال هذه السنين، ولم أرها مفتوحة يوماً ولا يدخلها أحد. ويوم لبست قميصاً من قمصان أبي وخرجت من غرفتي صرخت أمي وهرعت ناحيتي واحتوتني بيديها وذراعيها وجثت على ركبتيها تبكي. كان جدي “دَلْمَار” قد عاد لتوه من القصر. لأول مرة أرى جدي غاضباً. رفع صوته وأشار بيده في حزم : – اخلع هذه الثياب فوراً. وإياك أن تلبسها مرة أخرى. من الذي أعطاك هذه الثياب؟ مجنونة أنت يا “تَانِيْشَا”؟ ما هذا الذي تفعلينه بابنك؟ – أنا لم أعطها له ولم ألبسه إياها يا عمي، فهو الذي أخذها من غرفة أبيه. خلعت قميص أبي بسرعة وألقيت به على الأرض، فأسرع إليه جدي وأخذه دون أن ينظر إليه وأعاده بسرعة في صندوق أبي وأغلق الصندوق. ورغم أنه اجتهد أن يخفي أى مشاعر في وجهه تعبر عن تصرفه هذا، إلا أنني قرأت الحزن العميق في عينيه، واضطرام وجنتيه. لاحظت الاختلاف الواضح في مشاعر جدي عن مشاعر أمي حين لبستُ قميص أبي. كان جدي منزعجاً بينما قرأت في نظرات أمي أنها لم تكن تود أن أخلع قميص أبي أبداً. التباين في ردة فعل أمي وجدي جعلت ذهني كقدر يفور بالسؤالات المنثالة. لماذا كانت ردة فعل أمي انفعالية وبهذه القوة بعد كل هذه السنين من موت أبي؟ ولماذا غضب جدي “دَلْمَار” حين رآني في ثياب أبي؟ ولماذا الحزن العميق في عينيه ووجهه؟ شيء طبيعي أن ألبس ملابس أبي. ولكن لماذا هي محرمة على؟ ومن هو أبي أصلاً؟ وهل هو ميت فعلاً؟ وكيف مات؟ وأين قبره؟ ولماذا مات قبل جدي “دَلْمَار”؟ هنل هناك شيء تخفيه أمي عني؟ أو لا يريدون أن أعرفه؟ كانوا لا يجيبونني حين كنت أسألهم: أين مقبرة أبي؟ أريد أن أزور قبره. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى الكنيسة، وكان “أبونا يُوأنَّسْ” واقفاً على عتبة الباب يهم بالخروج. ولكنه لما رآني داخلاً أقبل نحوي بلهفة حين رآني. وعاد معي داخل الكنيسة. ولكنني لما سألته هل كان يعرف أبي “أَبِيْلُّو” تغير وجهه فجأة وأصابته مسحة حزن واضحة. “أبونايُوأنَّسْ” غير ماهر في إخفاء مشاعره. ظاهره مثل باطنه، ولهذا فقد كنت أحبه. سكت ولم يرد. ثم اعتذر بلطف وقال لي إن أمامه مشوار هام ولا بد أن يدركه ولم يعدني بإكمال الحوار في مرة قادمة. انقلبت على أعقابي وخرجت من الكنيسة ، وسرت هائماً على وجهي في طرقات سوبأ، وقادتني قدماي دون أن أشعر إلى شجرة الأراك قرب الكنيسة والتي كنت أجلس تحت ظلها مع “سُنْجَاتَا” حين كنا في السابعة، بعد أن أكون قد قطعت غصناً صغيراً، ونزعت أوراقه ثم بدأت أنظف به أسناني، وكانت “سُنْجَاتَا” تأخذه من فمي وتنظف أسنانها بطرفه الآخر. كان له طعم لاسع، ورائحة نفاذة ولكنها محببة. كانت أسناننا تصبح بيضاء بعد أن ننظفها بالأراك، وكنت أقول لها: – انظري أسناني كيف صارت؟ ثم أفرج شفتي ليبدو صف أسناني ناصع البياض. وكانت “سُنْجَاتَا” تضحك وتقلدني فتفرج شفتيها وتقربهما مني وتقول: – انظر أسناني كيف صارت؟ وفي إحدى المرات قربت فمها كثيراً من فمي، وحين كانت تتحدث شممت رائحة أنفاسها فأثارت في نفسي شيئاً غريباً أصابني بخدر لذيذ، ودون أن نشعر التصقت شفاهنا، وبادرت هي فقبلتني، فكانت هي أول قبلة من “سُنْجَاتَا”، ولم أكن يومها أعرف ما هي القبلة أصلاً، ولكنني أحببتها. كانت أمي تقبلني من خدي، وفي أحيان قليلة كانت تقبلني من فمي قبلة خاطفة، وكان لقبلتها وقع مختلف وشعور آخر. أما قبلة “سُنْجَاتَا” فقد أوقدت في نفسي رغبة أن أقبلها مرات ومرات. وفي كل مرة كنت أحس بشعور غريب. في ذلك اليوم الذي شهد أول قبلة بحثت عن الكلام فلم أجده. كنا قبله نتحدث كثيراً وكانت “سُنْجَاتَا” قبل ذلك تنطلق في الحديث ببراءة، فقد كانت مترعة بالنقاء. وبعد أول قبلة اضطربت وترددت، ثم قبلتني بقوة، ثم صمتت صمت القبور. ولم تنظر في عينى بعدها. وانطلقت تجري نحو بيتها. وكانت قد ربطت شعرها ضفيرتين فكانتا تتقلبان بالتبادل بين كتفها الأيمن والأيسر وهي تجري وتهز رأسها يميناً وشمالاً، وترفع عقبيها بتكلف فيضربان على ردفيها برفق وهي تجري. خفت ألا أراها بعد ذلك اليوم ولكن اللقاءات تكررت كل يوم بعد ذلك تحت شجرة الأراك. وتكرر تنظيف الأسنان حتى صارت أسناني تبرق في الظلام. وبالطبع تكررت مشاهد ما بعد السواك.

يتبع : ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا (2)

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن