قصيدة المولد – محمد المهدي المجذوب


صل يا رب على المدثر
وتجاوز عن ذنوبي وأعني يا إلهي بمتاب أكبر

فزماني ولع بالمنكر

***

درج الناس على غير الهدى

وتعادوا شهوات وتمادوا

لا يبالون وقد عاشوا الردى

جنحوا للسلم أم ضاعوا سدى

***

أيكون الخير في الشر انطوى

والقوى خرجت من ذرة

هي حبلى بالعدم؟!

أتراها تقتل الحرب وتنجو بالسلم

ويكون الضعف كالقوة حقا وذماما

سوف ترعاه الامم

وتعود الأرض حبا وابتساماً

***

رب سبحانك مختاراً قديراً

أنت هيأت القدر ثم أرسلت نذيراً للبشر

آية منك ونورا

***

هو عين الله لولا ضوؤه

لم نر العالم في شتى الصور

جعل الموت رجاء وبقاء

وغراساً منه لا يفنى الثمر

***

صل يا رب على خير البشر

الذي أسرج في ليل حراء

قمراً أزهر من بدر السماء

يقرأ الناس على أضوائه

حكمة الخلق وأسرار البقاء

من إله قد هدى بالقلم

علم الإنسان ما لم يعلم

***

صل يا رب على المدثر

وتجاوز عن ذنوبي واغفر

وأعني يا إلهي بمتاب أكبر

***

ليلة المولد يا سر الليالي والجمال

وربيعاً فتن الأنفس بالسحر الحلال

موطني المسلم في ظلك مشبوب الخيال

طاف بالصاري الذي أثمر عنقود سنى

كالثريا

ونضا عن فتنة الحسن الحجابا

ومضى يخرجه زيّاً فزيّا

***

وزها (ميدان عبد المنعم)

ذلك المحسن حياه الغمام

بجموع تلتقي في موسم

والخيام

قد تبرجن وأعلن الهيام

***

وهنا حلقة شيخ يرجحن

يضرب النوبة ضربا فتئن وترن

ثم ترفضّ هديراً أو تجن

وحواليها طبول صارخات في الغبار

حولها الحلقة ماجت في مدار

نقزت ملء الليالي

تحت رايات طوال

كسفين ذي سوار

في عباب كالجبال

***

وتدانت أنفس القوم عناقاً واصطفاقاً

وتساقوا نشوة طابت مذاقاً

ومكان الأرجل الولهى طيور

في الجلابيب تثور وتدور

تتهاوى في شراك

ثم تستنفر جرحي وتلوب

في الشباك

مثلما شب لهيب

***

وعلا فوق صدى الطبل الكرير

كل جسم جدول فيه خرير

ومشى في حلقة الذكر فتور

لحظة يذهل فيها الجسم والروح تنير

وعيون الشيخ أُغمضن على كون به حلم كبير

***

والمقدم

يتغنى يرفع الصوت عليا

وتقدم

يقرع الطبل الحميا

ورم الذكر وزمزم

واستقامت حلقته وانحنت حين انحنى

وهوت والطبل نار تتضرم

وتصدى ولد الشيخ وترجم

حيث للقطب حضور

وتداعَى وتهدم

***

وينادي منشد شيخاً هو التمساح

يحمي عرشه المضفور من موج الدميرة

ندبوه للملمات الخطيرة

شاعر أوحى له شيخ الطريقة

زاهد قد جعل الزهد غِنى

فله من رقع الجبة ألواناً حديقة

والعصا في غربة الدنيا رفيقة

وله من سبحة اللالوب عقد

ومن الحيران جند

وله طاقية ذات قرون

نهضت فوق جبين

واسع رققه ضوء اليقين

***

وفتى في حلبة الطار تثنى وتأنَّى

وبيمناه عصاه تتحنَّى

لعبا حركه المداح غنَّى..

رجع الشوق وحنَّا

وحواليه المحبون يشيلون صلاة وسلاما

ويذوبون هياماً

ويهزون العصيا

ويصيحون به أبشر لقد نلت المراما

***

صل يا رب على المدثر

وأعني وانصر

بشفيع الناس يوم المحشر

الذي يسقي صفاء الكوثر

***

وهنا في الجانب الآخر أضواء رقاق

نشرت قوس قزح

من رجاء وفرح

من ربيع في دجى الليل يراق

ونساق

أنفس شتى وبطء واستباق

***

وفتاة لونها الأسمر من ظل الحجاب

تتهادى في شباب وارتياب

قد تحييك وتدعوك بأطراف الثياب

وهي قيد وانطلاق

واضطراب واتساق

إن نأت عنا وأخفتها الديار

فعروس المولد الحلوة جلاها التجار

لبست ألوانها شتى أميره

ما أحيلاها صغيره

وقفت في كرنفال

فوق عرش دونه الحلوى كنوز ولآل

من أساطير الخيال

***

وهي إن تصمت ففي أعينها الوسنى انتظار

حولها الأطفال داروا

بعيون تلمع الألوان فيها وتذيع

وبها من بهجة رفت دموع

***

لهفة كم عصف البؤس بأطفال صغار

وردوا المولد بالشوق وعادوا بالغبار

ويح أم حسبوها

لو أرادوا النجم جاءت بالدراري

ويحها تحمل سهد الليل في صحو النهار

***

رب أرسلت يتيماً

قام بالحق رحيماً

قد ذكرناه فهل نذكر من أمسى عديماً

وهنا في الجانب الآخر سوق

هو سوق (الزلعة)

وبه طبل وبوق

من صراخ الرغبة

حفلت دولته في (حَلَّة)

سلبت كل العيون

والظنون

كيف لا يا لذة الليل ويا أم الفتون

ربها قلّب عينيه خطيباً في الجماهير الغفيرة

مرسلاً من ناره ريح شواء

تتهادى في الفضاء

بنداء لم يجد فينا عصيا

ودعانا .. ثم حيّا .. وتهيّا

***

وحواليه الكوانين الوقوره

ولها من داخن الفحم ذريره

وحريره، وضفيرة

ترشق (الأسياخ) فيها

نظمت باللحم نظماً

وارتوت دهناً وشحماً

***

ودخلنا مطبخاً زاط ولا قصر الإماره

ربه البادن عراف أتته كل حاره

وتعشينا وأحسسنا أمانا

وشربنا وارتوينا

ومشينا، وشعرنا بنعاس في خطانا

وسلام هو لو دام لأحمدنا الزمانا

ومضى الليل وناداني سريري والمنام

فتركت المولد الساهر خلفي والزحام

من نفوس رجت الري ولم يهمل غمام

فهي ظمأى في القتام

***

وبسمعي الطبل دوّى من بعيد

كوليد.. في دجى الليل وحيد

وبقايا من نشيد

عبرت سمعي طيرا

في ظلام بشر الآفاق بالصبح الجديد والوعود

***

ربِّ في موطني المسلم قد عدنا إليكا

ما اعتمدنا ربنا إلا عليكا

وذكرنا الهادي المختار ذكرى

ملأت أرواحنا طُهراً وصبرا

***

صل ياربّ عليه

وتجاوز عن ذنوبي واغفر

وأعني بمتاب أكبر

 

محمد المهدي المجذوب – نماذج لأشعاره


رقصة الحمامة

فَرْحةٌ زفّها الغناءُ فزافتْ، نغماً ذا ضفائرٍ يتثنّى

عريتْ تحت ثوبِها نشرتْ منه شراعاً طوى فراراً وسجنا

أمسكتْ منه طائراً خافقَ الريشِ رهيناً براحتيها مُرِنّا

كم روتْ فيه كيف تشتاق في الليل وشادي عبيرها كيف حنّا

فالثمي كلَّ خفقةٍ لكِ في روحي ونُثّي من شَهدها ما استكنّا

لوعةٌ لا تزال أندى من الدمع وأحلى من الصباح وأغنى

واستحرّ الغرامُ دارت بها الأرضُ تلاقتْ بها المنى واقتتلنا

الزمامُ الصبيحُ طَوقُ نجاتي كم دعاني بَريقُه ثم ضنّا

حُبُّها خالد وقصّتُها الأولى جمالٌ على جمالٍ تجنّى

ويحَ ثوبٍ تلمّه وتُداريه ونهدٍ رمى القناعَ وعنّا

قمرٌ يشرئبُّ خلف الغمامات، رِدفٌ على النسائم طنّا

رمقتْني رمقتُها تبذل الحسنَ عطاءً بلا ابتذالٍ، ومَنَّا

وفَراشي يُلامسُ البُرعُمَ القادح يَنْدى به الجمالُ المغنَّى

جاءكِ الموسمُ الخصيبُ وكم أعددتِ سحراً لشاهديهِ مِفَنّا

وتهادى الحَمامُ في دارةِ العُرسِ ورجعُ الغناءِ بَاحَ ورنّا

ونفى عنّيَ القيودَ بما يُرقِصُ دُفّاً على اصطفاقٍ ووَنّا

وابتراقُ النضارِ في الشَّعَرِ المضفورِ برقُ الخريفِ شال وضَنَّا

مَزَجَ البِشْرَ بالحياءِ فما استرفد يوماً بسِحرهِ أو تدنَّى

قطرةٌ شمسُها تَشمّرُ للإحسان صانتْ وِدادنا حين صُنَّا

طهّرتْنا السياطُ والدمُ قُرْبَانٌ ولم نبْغِ أجرَهُ حين دِنّا

أنا في حُبّها الغنيُّ عن الأيام إنْساً إذا غدرنَ وجِنَّا

فاروِ يا ليلُ عن خرائدنا الطُّهْرَ وخُذْ عفّةَ الكواكبِ عنّا

إن شربنا فما غَفلْنا مَعَ السُّكْرِ، خَشَعْنا في ناره وابتهلنا

حسبُك الرقصُ كالعبير الذي أحيا وحيّا مُشاهديه وهَنّا

وتَولّتْ «تاجوجُ» كِبراً مع الأسرارِ عصماءَ والمحَلّقُ جُنّا

****

قيل استقلّ بنو السودانِ وابتدروا  يُشيّدون مع البانين بنيانا

وما وجدتُ لهم في النيل من وطنٍ إلا التفرّقَ والعدوان أوطانا

مُلوّحين بأعلامٍ مُزيّفةٍ  تذوب كالشفق الغربيِّ ألوانا

إن قلتُ يا قومُ خلّوا القيدَ وانطلقوا قالوا: أتملك للأصوات أثمانا؟

وليس رأيُكَ ذا مالٍ وما ضمنتْ لكَ الأجانبُ أموالاً وأعوانا

****

القومُ تحت ظلال النيلِ في سَمَرٍ  حلوٍ تبسّمَ في الأضواء نشوانا

الخمرُ تسهر والأكوابُ غافيةٌ  حيناً وتصحو على الشادين أحيانا

وفي الخميلة تحت الليلِ نائمةً سيّارةٌ لمعتْ كالنجم نعسانا

أنثى تُقصّر فستاناً يغالبه حسنٌ رويٌّ يردّ الصبَّ ظمآنا

تختال تِيهاً وتمشي غيرَ حافلةٍ ببائسٍ يتملّى الحسنَ عُريانا

ما أكذبَ الفجرَ لما جاء مبتسماً مثلَ البغيِّ تُريكَ الوصَل هِجرانا

هل كنتُ أحلم بالأوطان آمنةً وبالعدالة في النيلَيْن قرآنا

حسبتُ أن جلاءَ الجندِ يعقبهُ صبحٌ ألاقي به السودانَ سُودانا

ولا أزال وبي قيدٌ أُنازعهُ ليلاً وغاباً لدى روحي وثُعبانا

هاتوا سوى الصبرِ سلواناً فما وجدتْ نفسي الحزينةُ عند الصبرِ سلوانا

يا قاتلَ اللهُ أياماً صحبتُ لها صبراً جريئاً على الجُلّى وإيمانا

لا يعرف العدلَ إلا الفكرُ في يدهِ سيفٌ يصول على الطغيان طغيانا

وفي المساجد كم أبصرتُ من وثنٍ يُفرّق الدينَ دينَ اللهِ أديانا

يُصيّر الزهدَ أطماعاً، ومن عجبٍ أن يصبحَ الزهدُ بالأطماع سكرانا

أغوى ذوي العلمِ، باسوا رجلَه وسعَوْا يُقرّبون له السودانَ قُربانا

كان المطيّةَ للكفّار يحملهم طوعاً تُقلّد صلباناً وأرسانا

إن المقابرَ في السودان مُثمرةٌ نخلاً ونخلاً وأقطاناً وأقطانا

إنْ قلتُ أسكتُ قالوا ضاع منطقُهُ وباع بالعيش، لا يُغنيه، أوطانا

وإن نطقتُ فلا ربٌّ يحاسبني ربٌّ من الناس أعيا اللهَ كفرانا

بالأمس قال أنا الساعي لأنقذَكمْ وعاد يُلبسنا الأقيادَ ألوانا

كم غيّرَ الحكمُ قِدّيساً وصيّرهُ من سكرة الحُكمِ بعد الصحوِ شيطانا

فإنْ يكن عملُ الأحزابِ بهتانا  فلم يكن دمُنا االمسفوكُ بهتانا

وكيف هان عليهم أنهم نَفَرٌ لا يحفلون بهذا الشعب إن هانا؟

(لو كنتُ من مازنٍ لم تستبح إبلي بنو اللقيطةِ من ذُهْل بنِ شيبانا)(1)

إني لأعلم أن الصدقَ مهلكةٌ فلنَلقَ يا نفسُ هولَ الصدقِ شجعانا

أَوْرقْ بعودكَ ساقينا وغنِّ لنا  (بانَ الخليطُ ولوطُووِعْتُ ما بانا)(2)

يا شعبُ! شعبيَ من ذلّ ومسكنةٍ  وقد تحطّم أرواحاً وأبدانا

لقد سعينا وما نُجزَى على عملٍ إلا كفافاً نُقاسيه وإهوانا

لبّثْ قليلاً فعند الليلِ خابيةٌ وسوف نشرب حتى الموتِ أضغانا

إن القيامةَ أشراطٌ وقد ظهرتْ وأرهفَ الصُّورُ في السودان آذانا