نحو نظام سياسي عالمى جديد


تمهيد

  1. قبل انبلاج فجر الربيع العربي ونشوء الثورات العربية بزمان بعيد ، وبالتحديد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، نشأ ما عُرف في مصطلح أهل العلوم السياسية بالنظام السياسي العالمي ، رسم حدوده ، وعين معالمه المنتصرون في تلك الحرب ، الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي والحلفاء . وقامت المنظمات التي تحرس تلك الحدود، الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحاكم الدولية ، والبنك الدولي وصندوق النقد وما إليه  ومنظومة من الإتفاقات الدولية ، ولم يكن هنالك من خيار أمام الدول الأخرى إلاّ القبول بواقع ذلك النظام العالمي .  
  2. وبعد نحو من أربعة عقود على تأسيس النظام العالمي المذكور، وقعت ثلاث تطورات كبرى، إنهارت إمبراطورية الإتحاد السوفيتي وتشظت، وتداعى الأوربيون إلى وحدة إقتصادية متدرجةيأملون أن تنتهي في المستقبل إلى وحدة سياسية، وتحولت الصين الشيوعية طواعية إلى إقتصاد السوق. وبفضل تلك التطورات إنهار نظام القطبين، وانفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم، لتفرز هيمنتها على العالم بأطر إقتصادية وثقافية إضافية، بل وسعت الولايات المتحدة – لبرهة – للسيطرة الكاملة على قطاع الطاقة إنتاجاً وتوزيعاً، مسعى لم يكلل بالنجاح، ودفعت ثمنه المنطقة العربية والإسلامية ( ) ودماراً.
  3. وبينما ثورات الربيع العربي تنتظم العالم العربي وتطيح بالأنظمة ، كان هنالك تغيير آخر أكثر جذرية وأبعد أثراً على العالم بأسره ، يسير بخطىً متزنة وثابتة ، حتى انبلج في ذات عام الربيع العربي ، ألا وهو صعود الصين المتئد لتسنم قيادة العالم إقتصاديا فى هذه المرحلة ، من الولايات المتحدة وحلفائها ، الدول المهيمنة والأعمق تأثيراً على العالم منذ نهاية الحرب العالمية .
  4. وإذا كان الاقتصاد هو مفتاح القوى العسكرية ، وهما معاً أهم أدوات النفوذ السياسي في عالمنا المعاصر ، فإن الصين أصبحت تنفق أموالاً طائلة من مدخولاتها على تطوير قدراتها العسكرية ، الأمر الذي سيُفضى إلى تأكيد مكانتها كدولة أُولى بلا منازع ، فلا عجب أن أزعج الإنفاق العسكري المتزايد للصين الدول الكبري المهيمنة خاصة دول الغرب  .
  5. والنظر الموضوعى المتأني يهدي لحقيقة أنه فى ظل تفوق الأداء الإقتصادى الصينى البائن ، فإن قيادة العالم سياسيا ستنتهى لا محالة الى الصين ، وحلفائها .
  6. والتحليل الموضوعي أيضاً يقول بأن قواعد اللعبة في النظام السياسي العالمي السائد ..( عندما رسمت معالم النظام العالمي لم تكن الصين شريكاً بعد ) ، تلك القواعد لا بُد أن تتغير لتستوعب المعطيات الجديدة والأوزان الحقيقة للقوى العالمية الصاعدة . المثال الأشهر لذلك مجلس الأمن : لماذا يحق لدول مثل فرنسا وبريطانيا أن يكون لهما حق الإعتراض في مجلس الأمن سواء بسواء مع الصين بصوت واحد لكلٍّ ؟ وهى دول من ناحية القوى الإقتصادية وربما العسكرية متخلفة عن دول مثل الهند ، والبرازيل وماليزيا ، ناهيك عن دول أخري مثل ألمانيا وأستراليا ؟
  7. والصين الآن قد أنجزت الشوط الأعظم في ميادين تقنية المعلومات والإتصالات والشبكات ونظيراتها من البرامج ، وأصبح لها إنتاجها الخاص والمحلي ، ثم هى الآن تزحف  خارج أسوارها بمنتجات عالية الجودة ، تريد أن تُحِلَّها محل نظيراتها من المنتجات الغربية ، والتي تُسَوَّق في إطار كثيف من الإلتزامات والعقود المفروضة على المشتري ، وتخضع للرقابة المركزية في الغرب مثل شبكات الإتصال العنكبوتية ومشتقاتها . والصين إذ تفعل ذلك فهى تريد أن تحمي مجتمعها واقتصادها ونظام حكمها وقيمها من التأثيرات الغربية ، وفي نفس الوقت تقدم البدائل للتقنية الغربية لكل راغب ، والمجتمعات العربية أشدَ المجتماعات حاجة أن تحذو حذو الصين وأن تمتلك إنتاجها الخاص من نظم المعلومات والإتصالات ، كيما تتحرر من إسار الغرب المتحكم .
  8. وإن كان ثمة مجال يكاد لايزال يخضع للسيطرة الغربية فإنما هو مجال المصارف والبنوك والتأمين والمقاصة ، فما زالت أقوى المصارف ذات التصنيف الأعلي هي المصارف الأروبية الكبرى ، وما فتئت العمليات التجارية تمر عبر بواباتها ، وودائع الأفراد والدول مكدسة بها ، والمقاصات تنجز عندها وبها ، وهذه ميزة عظمى للغرب تُخَوِّلُه رقابة لصيقة على النشاط الإقتصادى ، وعلى ثروات الأمم بصفة خاصة ، وتمنحه بفضل الإيداعات الضخمة ميزات نسبية كبرى في الأسواق ، فضلاً عن إمكانية توظيف تلك الودائع بحسب أولوياتها السياسية متى ما شاءت.. مثال لذلك تجميد أرصدة الكويت عند حرب الخليج العربي ، وتجميد الأرصدة التونسية المصرية الليبية إبان مفتتح الربيع العربي ، وخنق مدفوعات العمل الخيري بدعوى مكافحة الإرهاب في العالم الإسلامي .

وليس ثمة مناص من تغيير هذا الأنموذج أو تعديله أو إستبداله بمنظومة جديدة تخضع لأصحابه في المقام الأول  لأصحاب الودائع والمال وليس للغربيين الذين كانوا وكلاء علي ودائع الشعوب فنصبوا أنفسهم أولياء عليها. وهل من العسير أن تنشأ مقاصة خاصة بالعالم العربي والإسلامي تنجز عندها المعاملات التجارية دون توسيط المصارف الغربية ؟

  1. وبإزاء حتمية التحول فى قيادة العالم الجديد إلى الصين ، فإنه يثور فى الأذهان تساؤل حول مصائر التحالفات السائدة في المنطقة العربية والإسلامية ، وهي تحالفات تدور وتتمحور حول الدول المهيمنة اليوم بصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، أوليس الأجدى والأعقل والأحكم وربما الأقل تكلفة أن يعاد ترتيب التحالفات للدخول في أو التنسيق مع المحور الصينى الصاعد وإعادة كتابة النظام العالمي القديم ، بمشاركة الدول التي فاتها شرف المشاركة في صياغة النظام الحالي ، والتي لم تسأل رأيها أصلا ، وتغيير تركيبة علاقاته الدولية ومنظماته وقوانينه على أسس جديدة تعكس الأوزان الحقيقة الراهنة لهذه الدول ، لا الأوزان التأريخية لدول ما بعد الحرب العالمية الثانية .

قضايا الإنتقال

     والانتقال من النظام العالمي السائد نحو نظام جديد يقتضي تحضيراً جاداً وإعداداً رصيناً ، فالتحول المطلوب خطير ومقتضياته معقدة ، ونتائجه إن كتب له النجاح هائلة . فمن القضايا التي تستلزم المعالجة  على مستوى العالم العربي والإسلامي:

  1. قضايا إعادة ترتيب البيت العربي الإسلامي ، وتدخل فيها مسائل استكمال التغيير السياسي في البلدان التي ما زالت عصية علي التغيير ، وترسيخ القيم الجديدة ، واستنباط أشكال التعبير العملي عن تلك القيم ، ويدخل في إعادة ترتيب البيت موضوع حل النزاعات في الدول العربية وفيما بينها ، تلك النزاعات التي تستنزف الوقت والجهد والموارد ، بلا طائل يرتجى .
  2. قضايا تحرير الموارد الإقتصادية : النفطية ، والمعدنية والزراعية لدول العالم العربي والإسلامي والسيطرة عليها وإدارتها لمصلحة تلك الدول واستنباط الآليات والأدوات لإنفاذ الخطط لتحقيق ذلك الهدف.
  3. قضايا الوحدة والتكامل بين تلك الدول ، وهي متنوعة وشتى ، فمن ذلك الأشكال الموجودة ، منظمة الوحدة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، ومنظمة التعاون الخليجي ، وغيرها . وقد يقتضي الأمر إنشاء منظومات جديدة أو تعديل وظائف المنظومات الموجودة .
  4. ومن ذلك قضية بناء التحالفات الجديدة الضرورية للانتقال إلى النظام العالمي الجديد ، وتعيين واستقطاب أعضاء هذه التحالفات .
  5. ثم هناك مسألة حماية التحالفات الجديدة ، وتفادي الصراع والنزاع المبكر قبل نضوج التحول ، وهي مسألة في غاية الأهمية لأن الإنتقال من نظام عالمي متمكن إلى نظام جديد يهدد مصالح دول النظام القديم وقد يفضي إلى العنف والحروب .
  6. ولن يتم الإنتقال المنشود ويكتمل إلا في إطار منظومة قيمية ومرجعية فكرية مستقلة وأصيلة تهدي التحول والتغيير، وتنشأ منها الأهداف والنظم والنماذج التطبيقية والسياسات والبرامج ، وتكون بديلاً للمنظومات القيمية السائدة والمرجعيات الفكرية المتحكمة.

 وإنما هذه عناوين عريضة يقتضي تفصيلها وتنزيلها علي الواقع خططاً وبرامج كثيرة ، وإرادة فوق ذلك حرة ومستقلة .

الربيع العربي ودينامية ما بعد التغيير: النماذج الجاهزة والمضامين


 

ما انقشع العام الأول لما اصطلح على تسميته بالربيع العربى ، إلاّ وقد زالت أنظمة كان الإعتقاد أنها راسخة لا تهتز ، ولن تتغير ، وكانت تلك الأنظمة قد أحاطت أنفسها بمنظومات من الأعراف والتقاليد والقوانين  التى تحكم : قضايا توزيع السلطة والثروة ، ومسألة تداول السلطة ، وقضايا الشرعية السياسية ونظم الحكم  وفي كل تلك القضايا المرجعية، لم يكن الحكم رضائياً بتفويض من الشعب، بل تصرفت الأنظمة الحاكمة وفق مبدأ القوة والاستحواذ، وتوسلت لتحقيق ذلك بتراتيب جبرية قهرية ، وانحصر تداول السلطة في يد أقلية منسوبة إلى الأنظمة الحاكمة ، ونُهبت الثروات ومقدرات الأمم بذات المجموعات النافذة الحاكمة أو بطانتها. فكانت السيادة للاستبداد السياسي، والفساد الإقتصادي والظلم الإجتماعي.

هذا على الصعيد الداخلي ، وأما على الصعيد الخارجي فقد كانت تلك الأنظمة تحمي مصالحها من خلال شبكات من العلاقات الإقليمية والدولية ، والتحالفات الثنائية والمتعددة الأطراف ، فضلاً عن مجموعات من الإتفاقات في شتى الجوانب.  ولم تكن تلك الأنظمة، في سبيل حماية مصالحها لتنحرج أن  ترهن سيادة البلاد واستقلال القرار ، بل وثروات الأوطان، تبذلها لضمان استمرارها وبقائها، وكانت السمة المائزة لنمط الحكم أن السياسات والمواقف

السياسات والمواقف كانت تمليها النخب الحاكمة حسب مصالحها ،  دونما اكثرات لشعوبها ، فلا عجب أن ثارت الشعوب وأطاحت بالانظمة . وكانت النتيجة الطبيعية المتوقعة من تلك الثورات أن تسقط المسلمات السائدة والنماذج القديمة لتنشأ محلها نماذج وأنماط جديدة في الحكم ، وعندي أن ذلك هو جوهر التحدي الذي يواجه الثوار والثورات.

ما بعد التغيير .. وإشكال النماذج المستعارة

  1. الهبات الشعبية التى أطاحت بالأنظمة القديمة واستبدلتها بأنظمة جديدة ، كانت تنشد فى المقام الأول التحرر من الإستبداد السياسى ، وباستثناء مسألة الحرية السياسية ، فإن حركات التغيير جميعها كانت بلا مضامين ولا برامج ، شهدنا ذلك فى كل البلاد التى انتصرت فيها الثورات الشعبية . فالنخب السياسية إسلامية كانت أو علمانية أبدت ارتباكاً واضحاً حول قضايا  ما بعد جلاء الديكتاتورية ، مثل قضايا الانتقال والتحول الدستورى . فكأنما انتظمت الحرية ولم تنتظم الخيارات الجديدة بعد .

  1. وإن كان ثمة نوع من الإجماع في الدول المتحررة على الديموقراطية أسلوباً للحكم فإن الحوار حول مضامين هذا الهدف والأشكال العملية للتعبير عنه ، وهي متعددة ومتنوعة ، وأى هذه الاشكال هو الأنسب لهذه الدولة او تلك ، أو هذا المجتمع أو ذاك ، لم يتبلور بصورة مرضية ، وإنما اندفع الجميع يتبعون في عجالة الأشكال والنماذج الجاهزة للتعبير الديموقراطي، وبصفة خاصة النموذج الليبرالي النيابي . والنظرة المتأملة فى التجارب المعاصرة للدول التي انتهجت هذا النموذج ، تشي بأن مخرجات العملية الديمقراطية ليست بالضرورة هي أحكم المخرجات ولا أعدلها ، وأنها قد لا تعبر عن أكثرية الشعب ، بل تعكس في كثير من الأحيان رغبات أقليات نافذة ، ومصالح مجموعات ضيقة ، بل إنّ الآليات الإنتخابية التي تختار النواب ورأس الدولة تنتج في كثير من الأحيان المفضول دون الفاضل .
  1. ولم يكن الامر مختلفاً عما أسلفنا على صعيد النظام الإقتصادي، فتبنى الثوار مرة أخرى بدون كثير تحفظ النموذج الغالب فى عالم اليوم ، وبصفة خاصة أنموذج السوق الرأسمالي التنافسي الحر .  ومعلومٌ  من النظرية الاقتصادية الرأسمالية أن آلية السوق الحر التنافسي تقوم بدور حاسم في إعادة توزيع الثروة في المجتمع ، وأن إعمال تلك الآلية في اقتصاد تتفاوت فيه الدخول ، مثلما هو الحال فى مجتمعاتنا العربية ، يعيد توزيع الثروة بشكل يعزز التفاوت الحاصل ابتداءًا ، فيزداد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً ، وتتركز الثروة فى أيدى القلة ، والنتيجة المتوقعة لتركيز الثروة عند مجموعة من الناس دون غيرها أن يتعاظم وقعها السياسي  وأثرها على صناعة القرار ، وتنحسر بالتالي قدرة الأغلبية الجماهيرية في التأثير على واقعهم السياسى ..

  1. وعلى المستوى المجتمعي فإن التغيير الثوري الناجح هو الذى ينقل مقاليد السلطة والثروة ومقدرات المجتمع من أيدى القلة إلى الأكثرية ، في إطارٍ من نظرية إجتماعية ترسم الحدود بين السلطة التنفيذية ومؤسسات المجتمع لصالح هذا الاخير ، وتبتدع الآليات لتمكين المجتمع من الوفاء بحاجاته دون كثير تعويل على آلية السلطة ، وتلك أهداف يصعب ، بل يستحيل أن تتحقق في ظل الأنماط الإقتصادية والسياسية التي تضع مقاليد السلطة والثورة في أيدي الأفراد والصفوة . فضلاً أن المجتمعات العربية موبوءة بالطائفيات والمذهبيات والعصبيات القبلية والجهوية ، وكلها مما يؤثر سلباً على عاقبة تلك المجتمعات ، لأنها ، أي تلك الأمراض، تهدم مباديء المساواة والمواطنة، والعدالة والحرية، وتعرقل السعي نحو الإجماع الوطني والوحدة، وهما شرطان لازمان لأي نهضة مجتمعية. فإذا انضاف لذلك توزيع مخل للثروة والسلطة (بتغيير)!! النظام السياسي والاقتصادي الذي رغم جريته الظاهرية يعزز تركيز المال والسلطة، فلن يبقى بعد إلا مجتمعاً معوزاً موبوءاً عاجزاً عن مداواة أمراضه، ناهيك بالإنطلاق إلى آفاق النهضة.

  1. وأما علي صعيد العسكرية والدفاع فقد سادت المدارس العسكرية الغربية ، فالجيوش العربية الحديثة هي نسخ من نظيرات لها غربية ورثتها دول المنطقة من زمن المستعمر ، فالعقيدة العسكرية ، ونظم التدريب ، والترقي ، والعلاقات الرأسية التراتبية ، والعلاقات الأفقية هي في جملتها مما خلّفه المستعمر ،  ، وهي نماذج تعكس ما في مجتمعاتها الأم من ثقافات ، حتي الطبقية الإجتماعية التي ما زت تلك المجتمعات وحدت التعبير عنها في نظمها وتقاليدها العسكرية ، وهي ذات النظم التي نجحت بعد ذلك لتتوطن في البلدان العربية . ومن تفاصيل تلك (….) أن المؤسسات العسكرية في البلدان العربية هي أكثر المؤسسات علمانية ولا تعبر عن بيئات وتقاليد المجتمعات العربية وأعرافها. وهي بالجملة نبت غريب على  المجتمعات العربية المسلمة ونموذج أستزرع فيها ليس له في أرضها جذور .

  1. وأما علي مستوي الأمن والمخابرات فقد نشأت في مجتمعات العرب نماذج لأجهزة أمنية جعلت هدفها الأول حراسة الأنظمة الحاكمة ، قبل حماية الأمن القومي ، وصنعت لأنشطتها نظماً وقوانين خاصة تجعلها فوق المساءلة ، ثم تخللت أجهزة الدولة فصارت دولاً داخل دول ، وفي غياب المساءلة تعددت تجاوزات الأجهزة الأمنية ، وأصبحت أذرعاً للفساد والإفساد ، ونشأت في ظل هذا الوضع الكتيب نظريات الأمن القومي المبنية علي فكرة المهددات ، وهي نظريات محافظة غايتها حماية الأوضاع الراهنة ، والثورات العربية تعرف الأجهزة الأمنية فوق ذلك أدوات للقمع والبطش ، ولم تكن هذه الأجهزة إلا نسخاً من نظيرات لها  في الدول الشمولية الغربية أو المستغربة خاصة دول المعسكر الشيوعي السابق.

  1. والثورات العربية تفجرت وأمامها في بلدانها التزامات خارجية متحكمة ، ونماذج مؤثرة ، ليس أدل على ذلك من واقع القضية الفلسطينية الممتد لسنوات بل عقود من التعاطي العربي والدولي معها ، إتفاقات سلام ، والتزامات ثنائية وإقليمية ، وقرارات دولية عدة ، نشأ أغلبها والعالم العربي يحكمه طغاة ، وبعضها مثل اتفاق كامب ديفيد ما كان ليتأتى لولا تغييب الشعوب في ظل أنظمة الإستبداد .

ولم تغير الإتفاقات والمعاهدات والقرارات من طبيعة الدولة الإسرائيلية بل عززتها ، ولم تتقدم بالقضية الفلسطينية بل عطلتها ، بيد أن الثوار حتى يومنا هذا يؤكدون احترامهم للمعاهدات والإتفاقات الدولية التى أنتجت نموذج الدولة الفلسطينية الكسيح ، وليست القضية الفلسطينية إلاّ واحدة من النماذج المختلة في مسرح العلاقات الدولية ، وغيرها أمثلة عِدة .

  1. إلا أن التحدي يظل قائماً أمام كل دول الربيع العربي ، أن تدير الحوار الداخلي حول القضايا التي تفجرت بعد نجاح الثورات ولما تحسم بعد ؛ قضايا الهوية ، والتعددية الدينية والإثنية ، ومسألة توزيع الثروة والسلطة ، وشكل النظام السياسي الذي يتواءم مع المكونات الثقافية والإجتماعية لكل بلد ، ويضمن توزيع السلطة بالشكل المنشود ، والنظام الإقتصادى الذي يتوافق مع مكونات المجتمع الفكرية ومعطياته الثقافية ، ويضمن التوزيع الأعدل للثروة ، ثم أنَ تصنع لنفسها مكاناً في العالم الحديث المتشابك والمتواصل من جهة ، والمتصارع من جهةٍ أخرى ، يُعلي المباديء ولا يهمل المصالح ، ويصنع نموذجاً جديداً للعلاقات الدولية نموذجاً يرفض ويرعى الحرية للأفراد والجماعات، ويصون حقوق الإنسان والمجتمعات، ويشيع العدل والمساواة ، وينبذ إزدواجية المعايير ويأخذ بأيدي المستضعفين، تهديه في كل ذلك قيمة وحدة الإنسان في الأصل والمصير. 

  1. ونخلص في الختام، عطفاً على ما قدمنا به المقال، أن الثورات العربية رغم نجاحها في إزالة الاستبداد افتقرت للبرامج والمضامين التي تحكم ما بعد التغيير، فراحت تستنسخ نماذج جاهزة مستوردة في الحكم والاقتصاد، أفرغت فيها روح الثورة وجهد الثوار، وهي نماذج مترعة بالنواقص والعيوب ، وليس بدٌّ من الإعتراف بأنها ، أي تلك النماذج، لن تفي بحاجات الثورة ، ولن تنتج نهضة حقيقية، وأنه ليس بد من ثورة ثقافية شاملة ، ورؤي أصيلة ومتجددة تنتظم فيها باتساق نظريات الحكم مع نظريات الأمن القومي ، مع النظريات الإقتصادية والإجتماعية ، ونظريات العلاقات الخارجية.     ثم إعمال الجهد لتتحول تلك الرؤى والحوارات إلى سياسات وبرامج عملية لإنجاز التحول ، وإكمال مسير ة التغيير .

  1. وجملة ما أشرنا إليه إنما يثير الأسئلة دون أن يتكلف الأجوبة ، ويرسم مجرد مؤشرات ومفردات أولية وأساسية لمشروع بحثي كبير ، نأمل أن يساهم في الحوار الذي نثق بأنه سيثري بمفرادته وبمضامينه الهدف الأسمى لمسيرة التغيير ، وينتج مشروعاً نهضوياً ونماذج جديدة وأصيلة في السياسة والإقتصاد والإجتماع ، والحكم بمعناه الأوسع .

المواطنة أولى خطوات الإصلاح في السودان


مهما فعل النظام الحالي في السودان من محاولات الإصلاح فإن واقع الحال لن يتغير إلا إن بدأ بانتهاج واتباع سياسات جديدة صارمة لحقوق المواطنة في السودان. وأول ما ينبغي أن يبدأ به من الحقوق هو التخلي عن سياسة تفضيل عضوية المؤتمر الوطني على غيرهم واعتبار جميع السودانيين أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق وتمكينهم من التمتع بحقوق المواطنة السودانية وجميع الحقوق والحريات التي ينص عليها دستور البلاد  دون أي تمييز، بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، ودون أية تفرقة بين الرجال والنساء، وأن يضمن لكل فرد سوداني الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية، وأن يمتنع البتة عن تعريض المخالفين في الرأي أو التوجه الحزبي للإقصاء والتعذيب والعقوبات والمعاملات القاسية والوحشية الحاطة للكرامة.

يجب أن تنتهج سياسات الإصلاح تعزيز الشخصية القانونية للمواطن السوداني أينما وجد حتى تعود للسودانيين ثقتهم في وطنيتهم وهويتهم وانتمائهم وحتى يسود الاعتقاد بين جميع السودانيين أنهم سواسية أمام القانون ولهم حق التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة وأن لهم جميعاً الحق في الحماية المتساوية ضد أي تمييز وضد أي تحريض على أي تمييز وأن لكل مواطن سوداني الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أي أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون والدستور دون تخويف أو إرهاب أو تدخل من أية جهة أمنية أو سياسية.

يجب أن تتضمن سياسات الإصلاح الجديدة التوقف الفوري عن القبض على المواطنين واعتقالهم واحتجازهم تعسفياً ونفيهم خارج بلادهم بالسياسات التعسفية التي لا يدعمها قانون ولا دستور. كما يجب أن يحرص النظام الحالي على زرع الثقة في نفوس المواطنين ليعلموا أن لكل سوداني الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه له وأن كل متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه وألا يدان أي شخص من جراء أداء عمل أو الإمتناع عن أداء عمل إلاّ إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون السوداني أو الدولي وقت الارتكاب. كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة. وأن تمتنع الأجهزة الأمنية عن التدخل التعسفي في حياة الأفراد الخاصة وأسرهم ومساكنهم ومراسلاتهم واتصالاتهم وتعريضهم للحملات التي تنال من شرفهم وسمعتهم كما يجب أن يضمن النظام فعلاً لا قولاً حماية القانون للمواطنين من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.

يجب أن تضمن سياسات الإصلاح الجديدة لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود السودان وحرية مغادرة السودان في أي وقت والعودة في أي وقت دون مساءلة وحقه في أن يلجأ إلى أية دولة أخرى هرباً من الاضطهاد والظلم – إن وقع عليه – مع ضمان تمتعه الكامل بالجنسية السودانية في جميع الأوقات وعدم حرمان أي مواطن سوداني من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.

يجب أن تتضمن سياسات الإصلاح حقوق المواطن السوداني في حرية التفكير والضمير والدين بما لا يتنافى مع العرف والقانون وأخلاق المجتمع وأن تضمن له حرية الإعراب والتعبير عن ذلك بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع جماعته. وأن تضمن له الحق في حرية الرأي والتعبير وحرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية وبما لا يضر بمصلحة البلاد والمجتمع وما لا ينافي القانون والدستور والأعراف الاجتماعية وأن تضمن له حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية.

إن المشاركة في تنمية البلاد ونهضتها لا تكون إلا بمواطن حر مستقل يشعر بالمواطنة السودانية والانتماء الذي يفرض عليه واجباته نحو رفعة بلده ونهضتها ولا يتم ذلك ولن يكون بمواطن مقهور مضطهد مظلوم محبط خائف ومعدم فقير. فهل يصدق النظام هذه المرة فيما وعد به أم ننتظر الثورة؟

حقوق المواطنة في السودان


المواطنة حقوق وواجبات والتزامات وسلوك. وقد كتبنا في ورقة سابقة عن الواجبات والالتزامات. وسوف نحاول في هذه الورقة تلخيص حقوق المواطن السوداني ونرجو أن يسهم الجميع بالتعليقات والإضافة:

جميع السودانيين أحرار في بلادهم ومتساوون في الكرامة والحقوق وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء والحب والتسامح.

لكل مواطن سوداني حق التمتع بكافة الحقوق والحريات التي ينص عليها دستور البلاد  دون أي تمييز، بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء.

لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية.

لا يجوز إسترقاق أو إستعباد أي شخص. ويحظر الإسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما.

لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.

 لكل مواطن سوداني أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية.

 كل السودانيين سواسية أمام القانون ولهم حق التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة. كما أن لهم جميعاً الحق في الحماية المتساوية ضد أي تمييز وضد أي تحريض على أي تمييز.

 لكل مواطن سوداني الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أي أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون والدستور.

 لا يجوز القبض على أي مواطن أو حجزه أو نفيه تعسفاً.

 لكل سوداني الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه له.

 (1) كل متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.

(2) لا يدان أي شخص من جراء أداء عمل أو الإمتناع عن أداء عمل إلاّ إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون السوداني أو الدولي وقت الارتكاب. كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة.

 لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو يتعرض لحملات على شرفه وسمعته. ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.

 (1)  لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود السودان.

(2)  يحق لكل فرد أن يغادر السودان كما يحق له العودة إليه.

 (1)  لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد.

(2)  لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو لأعمال تناقض الدين والعرف والقانون السائد في السودان.

 (1)  لكل فرد مولود في السودان حق التمتع بالجنسية السودانية .

(2) لا يجوز حرمان أي مواطن سوداني من جنسيته تعسفا أو إنكار حقه في تغييرها.

 (1)  للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة بما يتفق مع العرف والقانون السوداني. ولهما جميع الحقوق التي يقرها الدين والعرف والقانون عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله.

(2) لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضى كاملا لا إكراه فيه.

(3) الأسرة هي الوحدة الطبيعية الأساسية للمجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.

 (1) لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.

(2) لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا.

لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين بما لا يتنافى مع العرف والقانون وأخلاق المجتمع وله أيضاً حرية الإعراب عن ذلك بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع جماعته.

 لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافي وبما لا يضر بمصلحة البلاد والمجتمع وما لا ينافي القانون والدستور والأعراف الاجتماعية.

 (1) لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية.

(2) لا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.

 (1) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة للبلاد إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا.

(2) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.

(3) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بالأسلوب الذي يجمع عليه الشعب سواء بالتشاور أو الاجماع أو بالانتخابات النزيهة الدورية التي تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

 لكل شخص بصفته عضوا في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية وفي أن تحقق بوساطة المجهود القومي وبما يتفق ونظم البلاد ومواردها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لا غنى عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته.

 (1) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة.

(2) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.

(3) لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

(4) لكل شخص الحق في أن ينشأ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته.

 لكل شخص الحق في الراحة، أو في أوقات الفراغ، ولا سيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.

 (1) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته. ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة. وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.

(2) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين. وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية.

 (1) لكل شخص الحق في التعلم. ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزاميا وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة.

(2) يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة والسلام وأن تعزز من قدرات الفرد على المشاركة الإيجابية في تنمية أسرته ومجتمعه والنهوض ببلاده.

(3) للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أولادهم.

 (1) لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكا حرا في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه.

(2) لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني.

 (1) على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نموا حرا كاملا.

(2) يخضع الفرد في ممارسته حقوقه لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق.

(3) لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع القانون والدستور في البلاد.

 

الإصلاح الذي نريد (1)


الإصلاح الذي نريد (1)

تملك بلادنا بإنسانها وأرضها إمكانات هائلة تؤهلها لأن تصبح في طليعة الدول الإفريقية والعربية بل ودول العالم إن أحسن استغلال وتوظيف هذه الإمكانات. إن بلادنا تقف على قمة تاريخ مجيد وحضارات عريقة شامخة بناها الأجداد والآباء بعزمهم وحكمتهم وقدرتهم على قراءة الغد والتخطيط لمستقبل أبنائهم من بعدهم  حيث تجمعوا حول النيل مصدر النماء والحياة فزرعوا الأرض وحموا الحمى وشادوا الحضارات ونهضوا بأجيالهم نهضة سجلها التاريخ وتحدثت بها بقية الشعوب. واليوم تقف بلادنا على مفترق طرق، أحدها يقود للدمار والخراب والآخر يقود للرخاء والتنمية والسلام والاستقرار. إن أجيالنا التي أضناها انتظار التغيير وأرهقها التخلف عن ركب الأمم تتطلع إلى التغيير نحو الأفضل وتنظر إلى المستقبل، وترجو التمكين للوطن والمواطن. وتواجه تحديات جمة  تواجه الخطر المحدق بنسيج السودان الاجتماعي، وقدرته الاقتصادية؛ وهويته الوطنية، وحق المواطن في العيش الكريم وحقه في الصحة، والتعليم، والبيئة، والسلامة والأمن.. إن العيش الآمن المستقر وتحقيق الرفاه لن يكون إلا بوحدة الصف وحشد القوى والعمل الدءوب والرؤية الواضحة للمستقبل والتنظيم الدقيق والقراءة الصحيحة لما حولنا. وإن أهم مقومات النجاح توحيد الشعب والدولة حول المسئولية المشتركة والهدف المشترك والمصير الواحد، والعمل معاً من أجل الوصول إليه والثقة في إمكانية تحقيقه والمشاركة الفاعلة من الجميع في بناء الدولة وإدارة البلاد.

 إن بناء الفرد هو اللبنة الأولى في صرح الوطن. وأول ما ينبغي على الدولة عمله هنا هو رفع جميع الوصايات السياسية والحزبية عن المواطن السوداني ليتمكن من إستعادة الثقة في نفسه وامتلاك إرادته وقراره والإمساك بزمام مستقبله من أجل الانطلاق إلى الأمام لبناء الغد بشخصية متوازنة. ويجب أن تؤدي الدولة دورها في بناء الفرد حتى يصبح عضواً فاعلاً في إدارة الدولة وبناء الوطن، الفرد الذي يتميز بالالتزام والتفاني في العمل والتحلّي بالأخلاقيات المهنية الرفيعة، وحب العمل والاعتماد على النفس وروح المبادرة والحس الريادي وتخطي العقبات والعمل الجمعي.