إلى الدكتور عمر أحمد فضل الله من أحد معحبيه حجازي معتصم من الطليح


العيلفون ملتقي النبوغ والفكر والإبداع …
علي الشاطئ الأيمن من نهر النيل الأزرق الدفاق جنوبي محافظة شرق النيل تربض مدينة العيلفون بكل ثقلها الحضاري العريق؛ تقابلك مآذنها العاليات وقبابها الزاهيات متألقة وضاءة؛ وكأنما عناها أمير الشعراء ( أحمد شوقي ) – وهو يستقبل بلاده بعد غيبة – قائلآ :-
هدانا ضوء ثغرك من ثلاث … كما تهدي – المنورة – الصحابا …
تكاد تطل عليك من خلال هاتيك المآذن والقباب مواكب العلم والعلماء التي ازدانت بها العيلفون عبر القرون ؛ والعيلفون في تاريخها الحديث تشكل بوتقة إنصهرت فيها كل أجناسها العديدة ؛ في تناغم وإنسجام ينظرون بعين معجبة لذلك السجل الحافل بالأمجاد من لون الشيخ إدريس في دولة الفونج حيث كانت بلاده مورداً عذباً لكل طلاب العلم يعلمهم الشيخ ويجزل لهم القرى، حيث تدور جفونه الواسعات، من جيد الطعام تغرف من قدور راسيات ، وقد بلغ الشيخ درجة علمية عالية ، شهد له بها شيخ علماء الأزهر ( علي الأجهوري ) عندما حاوره أحد تلاميذه حاملاً رأيه في قضية تحريم التمباك ؛ فبعث الأجهوري للعالم السوداني ود الأرباب بشارة ومعها هدية إيذاناً له بالفتوى وإعترافاً باستقلال الرأي السوداني، في مجال العلم.
وتتعطر أجواء العيلفون من بعد ذلك بأريج نار القرآن ومن أشهر شيوخهم – الشيخ ( المقابلي ) الولي العارف الذاكر ، وفي العلم والفروسية يقابلك الشيخ – ( مضوي عبد الرحمن ) على صهوة فرسه يحمل سنانه ويحاصر الخرطوم من صفحتها الشرقية ، مساعداً المهدي في حصاره دولة الكفر حتي تم الظفر وانتصر الإسلام .
وسجل العيلفون الحديث به قامات تربوية عديدة آخذ منه نموذجآ – أستاذ ( أحمد حامد الفكي ) ، مشيراً إلى دوره في إعلاء شأن العلم في بخت الرضا وفي غيرها من المحافل التربوية ؛ وغير هؤلاء – فهم كثيرون .
إن هذا السجل الذي نأخذ منه شذرات ليدعو أجيال العيلفون الحديثة ، إلي تضافر جديد في إطار قومي موحد لإعادة ذلك الماضي المشرق .
لقد دارت بخلدي هذه الخواطر ، وأنا بين المثقف والمبدع والمفكر والعالم المتميز..
( الدكتور عمر أحمد فضل الله ) مثالاً .. فهو مبدع ومفكر وعالم وكاتب وأديب وباحث من مبدعي ومثقفي السودان ، تجاوز حدود الإبداع والثقافة إلى ما يمكن أن يطلق عليه
” الموسوعي اللامع ” ، يغترف من بحور الثقافة والمعرفة ما يوزن جبالا” من الذهب والمعادن النفيسة !!
ليس بمقدورك أن تصنفه من أي جيل هو ، من أجيال الأدب والثقافة والإبداع ، كلما حاولت الإقتراب منه تجد أن المسافة بينك وبينه طويلة وشاقة، ويتعذر عليك أن تقترب من شواطئها إلا بقدر معقول، وهو مايسمح لك سعيك لمجاراته دون أن تجد بمقدورك إلا أن تترك مسافة معقولة بينك وبينه ، حتى لا تغرق في أعماق مياهه الهادرة أو يصيبك الدوار من شدة ما ستواجهه من أهوال عندما تسعى للإقتراب من شواطئه ،وكأنك في رحلة سفر شاقة في بحر الظلمات!!
لكنه واضح كوضوح الشمس لايتلون ولا يهوى قلب أعناق الحقيقة أو يقبل بالمراوغة معها أو الإلتفاف عليها ، يقول كلمته بلا خوف أو تردد حتى وإن أغضبت الكثيرين أو لم تعجبهم ، شامخ كشموخ النيل في أعماق حضارته وسعة معرفته ، ويغترف من مياه النيل منابع إبداعه الفلسفي والأدبي والثقافي عموما” لكنها ثقافة من نوع خاص ،وهو ربما يتمنى دوما” لو أن السودان قد أوقعته الطبيعة قرب أحد المحيطات، لكي يكون بمقدور من يلج من أغوار الثقافة وعالم الإبداع أن يستزيد منها ، وهو ينهل من سحر الطبيعة وجمالها الخلاب ما يمكن أن يداعب مخيلة هذا المبدع المتميز على كل أطر وجوانب الإبداع، وكانك أمام مثقف عملاق إرتقى الى مكانة أولئك الكبار من أعمدة الثقافة والأدب والعلوم ممن كتبوا في سفر السودان مايخلد ذكرهم الطيب لقرون، وهو قليل الإنتاج الثقافي، بالرغم مما صدر له من روايات ومقتطفات أدبية إبداعية هنا أو هناك ، لكن موسوعيته الثقافية والعلمية حين تقابله أو يتسع لك الوقت لمحاورته أو الدخول في جدل فلسفي معه تكفي لمجلدات من الفلسفة والنظريات ، وكم تتمنى لو يكون بمقدورك أن تلم ببعض من إضافات هذا الرجل، الذي يفتخر السودان بأنه أحد نجومه بل كواكبه المضيئة علماً وثقافة وأخلاقاً وأدباً جم وقيماً وإبداعاً ونظريات وفلسفات ، وما أن تريد أن تغترف من أي علم من علومه حتى تجد مبتغاك في أن تشبع نهمك مما أنت تحلم به من أمنيات وما يختلج في دواخلك من معالم الإبداع، ويكبر بك لينقلك إلى عوالم أنت تجهل عنها الكثير، أو ربما لم تكن لديك القدرة على مجاراة تلك الثقافة الموسوعية التي أودعها الله في عقل هذا الرجل وضميره، حتى أوصلته الأقدار إلى تلك القيمة الإبداعية النادرة كندرة المعادن النفيسة والمياه النقية بين ينابيع الطبيعة وسحرها الخلاب!!
رجل ليس من السهولة أن تخوض في مكنوناته ، لكنك ما إن تقترب منه لفترات أطول ، حتى تجد أنه ليس بمقدورك إلا أن تستزيد من غزارة علمه وسعة مداركه، يحول الكلمة إلى لغة مصقولة موجزة بليغة يختزل بك البلاغة إلى أقصى حدودها ، ويخرج منه النص الإبداعي رشيقاً حلو المذاق طيب المنبع ، وقد يحول بعض الكلمات إلى سيوف يقاتل بها، في الوقت الذي يطوع الكلمة في وعاء آخر أو مناسبة أخرى ليجعل منها إبداعاً سحرياً يداعب مخيلة الحالمين بالمجد، أو ربما يبلغ بك عندما تقترب منه مبالغ أمراء الحرب وأمراء السلام، فهو لايهوى الحرب إلا في إطار المعرفة الإنسانية، “حرب العقل والمعرفة” وسيفه عقله وجواده هو هذا الخيال الجامح الذي يصهل بعالمه ، حتى لتجد أنك أمام فارس مغوار يلوي ذراع منافسيه، ومن يود مبارزته، حتى لتتخيل نفسك أمام مبارزة من نوع خاص قد تضطرك للتراجع عن مواجهة سهامه، ومع هذا تبقى تهوى تراقب مشهد المعركة التي يود الخوض فيها وكيف يرمي سهامه لانها لاتصيب أياً من جسمك بكدمات، بل تزيدك قدرة على أن تبلغ مديات الرجال المحاربين بسلاح المعرفة والثقافة فوق قدراتك المعرفية إن صح التعبير، إذ أن محسوساتها صعبة الإدراك إلا عندما تبلغ من العلم رسوخاً وعلو شأن !!
إنه الكاتب والأديب والروائي والمفكر والباحث والموسوعي والعالم الجليل السوداني الدكتور عمر فضل الله الذي وهبه الله من قدرات الإبداع والتميز الفكري الخاص ما يشكل جبلاً من جبال الإبداع الشاهقة، كلما حاولت الصعود وأن تلج وديانه ومرابعه، لتصعد إلى أعالي قمته حتى تعود قهقرياً إلى الوراء !!
من مواهبه التي من الله بها عليه أن لديه في القدرة على تطويع الكلمة وأن يستخرج من معادنها، كلمات مصقولة تغنيك عن قراءة كتب ومجلدات، فتقف حائراً أمام هذا الرجل الذي تتدفق كل مجريات الإبداع من قلبه وقلمه، مايجعلك ترتجف أن حاولت الإقتراب من شواطئه، لكنك ستبقى في كل الأحوال بعيداً بمسافة ما عنه حتى وإن سعيت لأن تمتلك إرثاً ثقافياً ومعرفياً يدخلك في منتجعات الإبداع ، وكلما حاولت الإقتراب لشغف في معرفة قيمته الإبداعية تشعر أنك أمام بحر متلاطم الأمواج، ليس بمقدورك مضاهاة أمواجه أو معرفة إلى أي المديات بمقدورك أن تغوص في أعماق تلك البحيرات التي تتدفق عذوبة ورقة وسماء صافية رقراقة، تجد فيها كل مايشدك الى سحرها الخلاب.
المبدع المتميز في بلدتنا ممن على هذا المستوى من الرجال هو من شق طريقه وسط منظومات فكرية وأخلاقية وسياسية ويخرج من كل هذه المنظومات بإطار جديد مختلف تماماً؛ ويضيف إلى المعرفة الإنسانية ما يشكل عالماً خاصا به، يشكل إطار إبداعه وتميزه وإضافاته الفكرية، فهذا مالا يتوفر للكثيرين ممن ولجوا عوالم الإبداع ،والتميز وصار إسماً لامعاً ليس من السهولة الدخول في عوالم مكنوناته الفكرية والقيمية، بعد أن بلغ شأناً من القيمة الإبداعية ما لا يمكن بمقدور أحد من أن يجاريه أو يقترب من شواطيء إبداعه ، ولهذا تبقى هناك مسافة يصعب على الكثيرين الولوج في مياهها وسط صخب البحر الهائج دوماً، وهو مايؤهله لأن يبقى أحد أهم الروافد التي تسقي بحور الإبداع ويرتشف منها محبوه ومن أهلتهم الأقدار للإقترب منه ان يجدوا فيه مبتغاهم الى حيث علو المنزلة ومنازل الكبرياء !!
السؤال الذي يراود الكثيرين ممن يعرفون عنه ثقافته الموسوعية، لماذا لايحب هذا الرجل تسليط الأضواء عليه في وسائل الإعلام، وتبدو إجابته مقنعة إلى حد ما أن حال الزمان الذي نعيشه، وما يواجهه من أهوال، وعزوف كثير من المبدعين عن الظهور ، وإهمال الكثيرين للثقافة وللمبدعين وعدم الاكتراث بهم وبقيمتهم الفكرية والأخلاقية هو ما يرغم الرجل للابتعاد عن الأضواء، لكن كثيرا من المبدعين في مجالات الأدب والثقافة والإعلام يدركون معنى مايحمله الأديب والمفكر الكبير من بحور الإبداع، مايشكل زاداً يغترف منه كل حالم بمجد او الصعود الى حيث ما يتمنى الأخيار ان الكواكب اللامعة ليس بمقدور الغيوم والسحب وأمطارها الكثيفة أن تحجب أضواءها، إن لم تزدها تالقاً وعلو شأن، وهو مالا يتوفر إلا لقلة قليلة وهبها الله كل هذه الخصال الفريدة ؛ والمواهب النادرة، لكي يبقى إشعاعها يتوهج ونورها يضيء ، ويبقى برغم إشكالات الزمن الثقافي الرديء هو أحد رجالات الثقافة والأدب والفكر والعلم وعملتهم النادرة ممن يشار لهم بالبنان !!

نقاط عبور – صديق الحلو: رواية أنفاس صليحة


أنفاس صليحة رواية عمر فضل الله. صدرت من مدارات للطباعة والنشر 2017 في 245 صفحة من القطع المتوسط. رواية شاملة كتبت بذوق رفيع. تتماهى مع الراهن بمعرفة. تمس أسباب الوهن دون لجاجة. “عند الفجر سقطت سوبا العاصمة وحين أشرقت شمس النهار غربت شمس علوة كلها وانتقض ملكها ولم تبق منها إلا الأطلال والأنقاض لتشهد على مجد غابر مضي ولن يعود مثلما كان بالأمس”. هنا كل شيء أصيل في رواية أنفاس صليحة: دفق العاطفة، الواقع المدهش، التعبيرية الباذخة، الرومانسية الشغوفة والرمزية المحببة. الفكرة متماسكة ومسبوكة جيداً. الهدف واضح والمنهج بين عمق يوصلك حد الثراء الفكري والرؤية واضحة. تحس بقوة المنطق ومتانة الحجة.

“النيل اختبأ في مجراه وغطى وجهه بأجساد الموتى وكأنه يخشى أن تنال منه سيوف المقاتلين ورماحهم بعد أن جرى ماؤه دماً أحمر، والتماسيح شبعت من الجثث الطافية على وجه الماء”. بلاء محيق يحيط بأرض النيلين ومؤامرات المحيطين تدعو للرثاء. الركاكة أصابت حركة المجتمع. ذلك شيء لايزيله سوى الصالحين والمصلحين. حين تصاب البلاد بالتكلس وعدم الإحساس تنمو الأخطاء وتفرهد. تروح البلادة وتجيء ويسود الغباء والتهور.

“وأشرعة القوارب والسفن اشتعلت ناراً ودخانها المتصاعد تراقص فبلغ عنان السماء وسحبه الكثيفة غطت الأرجاء فقد أحرقوا أسطول الملك وسفنه والمراكب الشراعية الراسية غربي قصره قبالة الطرف الشمالي التي طالما شهدت مجونه ولياليه العابثة”.
عندما يسود النزق والضحالة يتحول كل شئ إلى مسخ. الغموض والعناد وتضخم الذات يؤدي إلى خداعٍ كبير وإلى النهاية والتلاشي .خواء الروح يؤدي الى الدمار. وأنفاس صليحة رواية مدهشة حد التخمة عرضت كل الصور الجميلة والمشوهة الممسوخة والمسخوطة. وتلك الملأى بالنبل والفروسية. شروخات كثيرة أصابت المجتمع وعمت الأرواح.
“ها أنت تشهدين الخاتمة بأم عينيك بعد ما كان أهل سوبا يقصون عليك من قبل أساطير البدايات ويقرأون في ساحة المدينة كل ليلة أخبار الحروب القديمة وصمود أسوار سوبا في وجه الغزاة في جميع الأزمنة الماضية”.
السلبية والسطحية هي ما أدى لخراب سوبا. هذا الزخرف ماهو إلا زيف خالٍ من المضمون. رواية أنفاس صليحة سردٌ كما قصيدة موشاة بلحن الحنين مدعمة بالخيال الوثاب، ومنفتحة في كل الاتجاهات بحس قوي مليء بالكبرياء والألق. كتابة كاملة الدسم. نظمت فوضي حياتنا ورفدتها بالخصوبة والجمال. أنفاس صليحة رواية رائعة فائقة الجمال شكلاً ومحتوى.
وظف عمر فضل الله التاريخي والنفسي والفني مواكباً العصر في أحداث عظيمة ومؤثرة.

في الشأن السياسي: اللواء عثمان عبد الله


( الشَأن السِيَاسِى )٣٧. 
[مشروع الجبهة الوطنية الموحدة] 
{الدكتور عمر فضل الله}
{{ إنّ من طبع المُجتمع البشَرى وسُنَّتِه أن يتضامَ الأفرادُ جماعةً،ويقومُ على كُلِّ جماعةٍ رأسٌ، يُمثّلهُم جميعاً وتتجسّد وحدتهُم فى شخصِهِ، ومن سَعيِهِ تنتظِمُ حركتهُم. والمُجتمعات المُؤسّسة على المُوالاةِ بسلام، والمُعاقدةِ بالرِضَا، يْقدّمُون ذاك الرأس ممن يرُونهَ من أولاهُم إلتِزَاماً بوجهتِهِم العامّة }}.
( الأنظومة الأميرِيّة/ السياسَة والحُكم / دكتور حسن عبدالله الترابى).

١- الدكتُور عمر فضل الله، صديقٌ على صفحات الرابط فيسبُوك منذ أعوام، وهو مقيمٌ بدولة الإمارات العربية المُتّحدة، مُثقّف مُتعدد المواهب، وأديب باحث فى شئون الأدب العربى، والشعر،والتاريخ ،والدين،والسياسة، والأدب الشعبى ، والتُراث، وروائي له عدّة إصدارات،،،، لهُ موقعٌ مُميّز على باحِث Google، إذا ولجتَّ فيه، صعُبَت عليك المُغادرة. 
٢- فى دعوة عشاء بداره فى چنيڤا/ سويسرا، عام ١٩٩٤، إستضافنا الصديق الدكتور كامل إدريس، أنا والصديق الراحل مولانا خلف الله الرشيد، رئيس القضاء الأسبق، عليه رحمةُ الله وغفرانه، ودار حديثنا فى الشأن الوطنى على وجه العموم، وكان الدكتور كامل يخطط وقتها للجمع بين من هٌم على قّمة النظام ، بمن هُم على قمّة المُعارضة، مُستهدِفاً يومها ،جمع شمل أهل (الشمال) فى مواجهة المد الجامح للدعوة بالإنفصال من أهل (الجنُوب).
٣- والدكتور كامل يحمل -مثل كل السودانيين الطيبين- همُوم الوطن، ويسعى للإصلاح، وكانت قد سبقت لى مُقدّماتٍ ساقها مثلهُ فى ١٩٨٦-١٩٨٨، كلٌ من الدكتور تيسير محمد أحمد، والدكتور عُمر إبراهيم عبُود، وإدوارد لينو، ودكتور لام أكول، وبعض الأكادميين، ولكن ، إزاء التوتر المُتصاعد بين شمال السودان وحركة وجيش تحرير شعب السودان ضاعت الفكرة. 
٤- فى ضيافة الدكتور كامل -ليلتها- أكّد ثلاثتُنا أنْ لا بُدَّ من إبتداع (وعاءٍ) جامعٍ يضُم معظم أهل الفكر، والقوى الناعمة فى المُجتمع، ويحشدهُم للعمل السياسى بديلاً عن الأحزاب التقليديّة، وبعيداً عن الإنتماءات بأنواعها ، ودارت الأيام ، إذ عاد الدكتور كامل إدريس بعد ترك المنصب الأُمَمى، ودعا لإجتماعٍ رتّب له الصحافى الكبير المُهندس عثمان ميرغنى بمكتب الأستاذ الصحافى محمّد لطيف بجامعة الخرطوم، وبرئاسته، وطُرحت فكرة (الوعاء) الجامع وتحمّس الحضور، لإنشاء (تيار سياسى) يطرح نفسه مُنافساً للقوى التقليديّة، ويأخذ موضعه طبقا لقانون الأحزاب والتنظيمات، وكان الأُستاذ عثمان ميرغنى قد تطوّع برعاية إجتماع عام، نواةً لجمعية عموميّة يترتب عليها تكملة المشوار. ولكن يبدو أنّ إجتماعنا ذاك كان (محضُوراً)، فنُصبت كل عراقيل الدنيا أمام دعوة الأستاذ عثمان ميرغنى، فأنفضّ السامر، وبقى عثمان ميرغنى مثلَ السيْفِ وحْدهْ. 
٥- فى منتدى على (فضائيّة أُم دُرمان)، فى برنامج (مطر الألوان)، ٢٠١١،إستضافنى الأُستاذ الإعلامى المرموق حسين خوجلى بمعيّة المُفكِر الدكتور على حمد إبراهيم، فى حِوارٍ عن (الدعوة للقبليّة) ما لها، وما عليها، وكان الحوار، والذى إمتدّ لأكثر من ساعتين، سياسِيّاً بإمتياز، حملنا ثلاثتنا فيه على تقاعُس (المثقفين) عن العمل السياسى فى أوعيِة جديدة تكون بديلاً للأحزاب التقليديّة ذات (الأرضيّة القبليّة) و (السقف الطائفى)، ومرّةً أخرى، لم يعقُب ذلك المُلتقى غير بعض التعليقات من بعض الصُحف اليوميّة، وكلها كانت مع الدعوةٍ لِ:- (الوعاء الجامع). 
٦- يعود الدكتور عمر فضل الله اليوم، واضعاً باقَةً من أهداف (الجبهة الوطنِيَّة المُوحّدة)، 
تسميةً أكثر شمولاً، وأهدافاً منتقاةٍ ومطهّرة من كل ما يدعو للِْبسْ فى الفهم، وهى – لعمرى – أهدافٌ تدعو للطُمأنينة وتبعثُ على الأمل، فالوطن فى أمسّ الحاجة لروحٍ وثّابةٍ وطمُوحٍ مفتُوحٍ على الأُفق، فالأحزاب ال :- ( بضعةٍ وثمانين ) حزباً، تتدافع على منصبٍ يضمن لرئيس الحزب مقعداً واحداً فوق مقطورة السُلطان، ولا عزاء لِوطَنْ.
٧- الدكتور عمر فضل الله، لسانُ صِدق، وأُذُنُ خير، وأفضل من يرفع القواعد من (الجبهة الوطنِيّة المُوحدة)، وهُو هادينا لوجهتنا.

اللواء م/ عثمان عبد الله

اللغة والتهديد الخارجي


إن الكلام عن لغة خطاب موحدة بين العرب بلهجة غير العربية الفصيحة هو كلام بعيد عن الواقع، فالعاميات العربية اكتسبت ملامحها المميزة عبر الأزمان تأثراً بثقافات ولغات ولهجات الشعوب من حولها أخذاً وعطاءً. ولو حدث التغيير أو التقارب فلابد أن يكون مشروطاً بغلبة ثقافة من الثقافات على الأخرى مشرقية كانت أو مغربية أو وسيلة تقارب فاعلة ومؤثرة. ولا أرى في الأفق دلائل واضحة على هذا، بل الواقع هو أن هناك تبايناً واضحاً بين لهجة المشرقيين والمغربيين فلا يفهم بعضهم بعضاً إلا إن اعتمدوا العربية الفصيحة لساناً بدل اللهجات المحلية.
العاميات أو فلنسمها (اللهجات) العربية هي بنات الفصحى تقترب منها أو تبتعد، وقد عاشت جنباً إلى جنب مع العربية الفصيحة منذ القديم، وكان العرب يفهم بعضهم بعضاً، لكنها كانت منحصرة في عدد قليل من قبائل الحجاز ونجد واليمن وحضرموت.. وغيرها، وقد أطلقوا عليها أسماء بحسب ما يميز لسان هذه عن تلك، مثل: طمطمانية حمير، وعنعنة تميم، وفحفحة هذيل، وغمغمة قضاعة، وكشكشة ربيعة.. وغيرها. واختلاف الألسن العربية هو عين السبب الذي من أجله نزل القرآن بالأوجه المتعددة للقراءات، وكذلك خاطب النبي تلك القبائل بألسنتها المتعددة. ثم لما اتسعت رقعة المسلمين، وتمدد العرب شرقاً وغرباً، وتمازجت القبائل العربية مع الأعجمية، واختلطت الثقافات؛ كثرت اللهجات، وتعددت تصنيفاتها بحسب الأماكن؛ فنشأت اللهجات المغاربية بلسان أهل المغرب العربي والمشارقية بحسب البلدان مثل لهجات جزيرة العرب الخليجية والنجدية والحجازية والعراقية ولهجات الشمال الشامية كاللبنانية والسورية والفلسطينية والأردنية، وحتى المدن والمناطق أصبحت لها لهجاتها، فاللهجة المصرية مثلاً تنسب إليها الصعيدية والإسكندرانية والقاهرية، واللهجة النيلية تنسب إليها السودانية والمحسية والشايقية والدنقلاوية.. وهكذا في كل بلد من البلدان، أضف إلى ذلك لهجات البدو في كل منطقة. وهذه اللهجات في طريقها للاتساع والتعدد أكثر من أيلولتها للتوحد، وسوف تبقى هناك فصحى وعاميات، حيث تكون الفصحى هي المرجعية كلما تفرقت بها السبل أو تعددت الألسن.
الإعلام الجديد وفر للناس إمكانية استخدام ما يشاؤون من لغات أو لهجات، كما أضاف المؤثرات النصية التعبيرية والصورة والصوت والخواص الأخرى، إضافة إلى التفاعلية في الحوار، ولذلك فقد أصبح من السهل التخاطب بين العرب باختلاف لهجاتهم، لكن نشأت إضافة إلى ذلك لهجات وطرائق مبتدعة للتواصل مثل النقحرة (النقل الحرفي Transliteration) لترجمة اللغات واللهجات واستخدام الحروف اللاتينية لكتابة العربية، وذلك مؤشر لتأثر اللهجات العربية بثقافة الغرب التي وفرت وسائل التواصل، فقد أدخلت ثقافاتها ولغاتها وفرضت على مستخدميها استخدام المصطلحات والنصوص والرموز الانفعالية Emoticons الخاصة بها؛ فأصبحت مهدداً آخر للغة العربية.
أصبحت الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من أدوات الهيمنة الثقافية على الشعوب العربية منذ انتشار التلفاز والقنوات الفضائية بالبرامج الأجنبية والغزو اللغوي، فأثر ذلك على لغتنا العربية واللهجات المحلية معاً، وغير كثيراً من أنماط حياتنا وحياة أبنائنا عن طريق البرامج والإعلانات التي تصب في آذاننا خليطاً غير متكافئ من اللغات، وأصبحت اللغات الأجنبية هي الغالبة لدرجة أننا أصبحنا نحس أننا لا نعيش في ظل مجتمع لغته هي العربية. فاللغات الأجنبية صبغت حياتنا بصبغة أجنبية غريبة، بدءاً بلغة الخطاب اليومي وكثرة المصطلحات الأجنبية، فالشوارع والأسواق تموج باللافتات والأسماء الأجنبية، كما تعمل تقنية الإعلام الجديد مثل الشبكة الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي على إضعاف بل هدم وتخريب اللغة والثقافة العربية بنشر ثقافة الغرب المدعومة بالصورة والصوت والمؤثرات. ومعظم هذه الثقافات إن لم يكن كلها هي باللغات الأجنبية التي بدأت تصبح هي المهيمنة حتى في لغة الدراسة للنشء في مدارسنا العربية، وأصبح الهاتف المحمول الذي يقدم هذه الثقافات للجميع هو أحد أخطر الظواهر الاجتماعية ذات التأثير الواضح والعميق في جميع مجالات الحياة البشرية.
ويكشف تاريخ الشعوب العربية، منذ ابتلائها بالاستعمار، وحتى تحررها، ثم ما بعد ذلك؛ أن الوجود الأجنبي لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية هامشية، وإنما كان سعياً أعد لإحلال لغة المستعمر محل العربية، لتصبح جزءاً أساسياً من الثقافة الرسمية في البلاد المحتلة، ثم ينميها ويغذيها تحت تأثير المناخ الاجتماعي والسياسي والفكري وشعارات مواكبة التحديث لانتزاع الشعوب بعيداً عن لغتها القومية، وادعاء أن العربية عاجزة عن مواكبة الحداثة والمعاصرة. والآن أصبحت مسؤولية الشعوب العربية استعادة قوة لغتها العربية عبر خطط وإستراتيجيات محكمة للتعليم والإعلام العربيين.

مقال : اللغة والتهديد الخارجي – المجلة العربية العدد 487 شعبان 1438 – مايو 2017
http://en.calameo.com/read/0001454401e86f2b10459