الروائي العالمي عمر فضل الله يخص “الجوهرة” بمقابلة بعد صدور روايته “أنفاس صليحة” “2-2”


عمر فضل الله: ذاكرة المكان ارتباطها بالتاريخ هي مثل النسيج في الثوب كلما اتسعت رقعته وتنوعت ألوانه ازداد جمالاً
أعمال عمر فضل الله لا علاقة بين شخوصها وشخصية الكاتب
هذا ليس زمان الشعر.. وذلك لا يعني أنني طلقته فهو يعيش في حنايا العروق

حاورته: احلام مجذوب
ربما كان الدخول فى عالم الروائي عمر فضل الله مخاطرة، والسؤال حول تاريخ الرواية، وملامحها ومشكلات الكتابة وكيفية معالجتها، تدخلنا فى دهاليز متشعبه من ثقافة وألق تسكن الراوي تجعلنا نقف جميعا ونرفع القبعات تقديرا وعرفاناً لرجل بقامة وطن، دون مجاملة ولا مواربة المهمة مربكة والمواصلة فيها نوع من المجازفة، لكنها شديدة الإمتاع خاصة مع هذا الكم الهائل من التشويق والإثارة الذى يمتلكه هذا الروائي الفذ.

لماذا تحرص في أعمالك على تعميق الفضاء المكاني والتكريس له؟
أنظر للمكان نظرة شاملة وكلما اتسعت الرقعة المكانية اكتسى الحكي معرفية ثرة وعميقة، وفي تقديري أن هذا ينطبق على السفر أيضاً فكلما سافر الإنسان وساح في الأرض يجد مراغماً كثيراً وسعة وتتسع آفاقه وتزداد معارفه. وبالعودة للسرد والحكي ويعتقد الراوى أن الفضاء المكاني هو مسرح الرواية وأن ذاكرة المكان في ارتباطها بالتاريخ هي مثل النسيج في الثوب كلما اتسعت رقعته وتنوعت ألوانه ازداد جمالاً. لكن جمال مثل هذه الثياب يتوقف على قدرة الحائك وبراعته فهو ينصح كل كاتب أن لايتوسع في الفضاء المكاني إلا إن درسه بعمق وعرفه بخبرة ودراية وإلا لانخرق في يده واتسع الخرق على الراقع.

اختلف النقاد حول أعمالك فقد كتبوا في أنفاس صليحة أن الرواية تعالج المشكلة الأساسية التي عالجها من قبل عدد من الكتاب وأنها المشكلة ذاتها التي عبر عنها الرواي العالمى باولو كويلو في روايته الخيميائى وساحروبورتبيلو ومكتوب ومحارب النور وعند النرويجي جوستاين غاردر فى روايته عالم صوفي والكاتب الاسبانى لانزا ديل فاصتو فى روايته الحج الى الينابيع وقصدوا بذاك مشكلة الصراع كيف ترى ذلك؟

على افتراض أن ما أوردته هو صحيح ألا ترى أن إخراج عمل أدبي سوداني يعالج مشكلة الصراع هو في حد ذاته إضافة للأدب العالمي؟ لكني لا أتفق معك في الفرضية آنفة الذكر لأنني أعتقد أن “أنفاس صليحة” هي عمل غير مسبوق من حيث كونها كتبت في العجائبيات بطريقة مختلفة عما كتبه باولو كويلو أولانزا ديل فاصتو وغيرهما ونحن سبقنا هؤلاء الأدباء منذ القديم حين كتب ود ضيف الله عمله (الطبقات) الذي أعتبره عملاً أدبياً في المقام الأول فقد كتب عن العجائبيات لأجل صناعة الدهشة بينما تعتبر رواية أنفاس صليحة حلقة ضمن سلسلة أعمال في الرواية المعرفية التاريخية كتبت للتنوير المعرفي، وفي الوقت نفسه يعتبرها النقاد سابقة في العمل الأدبي الذي يمزج الخيال بالحقائق التاريخية دون أن يتغول عليها أو يفسدها، وسوف تجد أن كل حلقة لها أسلوبها المتفرد وشخصيتها المتميزة في معالجة التاريخ السوداني الممزوجة فيه الحقائق بالخيال والمتعة والحبكة والروي ضمن مشروعي الثقافي المعرفي المتكامل.

ذكرت كيف تأثرت الناقدة الكبيرة دكتورة زاهية أبوالمجد برواياتك حول تحليل دقيق للسردية المعرفية وقلت عنها إنه تحليل سابق لأوانه وأن المقال يصلح قاعدة لتحليل أعمالى ورواياتى المعرفية وضح لنا ذلك؟

تمكنت الدكتوره زاهية – وهي التي قرأت كل أعمالي الأدبية تقريباً- وخاصة بعد اطلاعها على مسودة آخر أعمالي غير المنشورة – من تقييم هذه الأعمال كأنموذج سوداني ناجح، للرواية المعرفية التي تجمع بين الحقيقة والتخييل كطريقة مبتكرة لتقديم التاريخ بصورة سهلة الهضم، كما لاحظت أيضاً أن بعض الشخوص التي استحدثتها في رواياتي هي مجرد شخصيات خيالية لكن الوقائع الممثَّلة في التخييل ليست كلُّها بالضرورة متخيلة، وأنها مؤسسة على وقائع تاريخية مؤكدة، تم من خلالها استغلال فراغات التاريخ وفجواته لإدخال شخصيات وأحداثا مستوحاة من خيال المؤلف. وأن عنصر التخييل في روايات عمر فضل الله يسير جنباً إلى جنب في نسيجه السردي وسداه مع الحقيقة التاريخية لكنه لا يمنحه الهيمنة الكاملة بل يجعل منه مجرد عنصر مساعد فقط لتمكين الحقائق التاريخية في ذهن القاريء عبر السرد، وأن له القدرة على مزج التخييل التاريخي والعجائبي والذاتي مع الحقيقة التاريخية في نسيج متميز ينتج لنا روايات عمر فضل الله المعرفية. وأن نجاح أعماله يكمن في قدرته على شرح علاقة السرد كخطاب بالمعرفة كتجربة وذلك لكون آلية التخييل التي تعيد بناء التجربة النوعية وتسريدها من خلال نصٍّ تعاقُبيٍّ في الحبكة الروائية المتصلة تقوم بتحريك التاريخ وتقديمه للقاريء ليس باعتباره تجربة ماضية منقطعة، بل باعتباره فكرة دائمة التدفق شاخصة في الزمان وشاهدة على أحداثه من خلال الرواية المعرفية وأن عبقرية المؤلف تتجلى في سرد الحبكة الروائية التي تستعير أحداث الماضي وتخرجها من سياجها الموضوعي والزماني لتطلقها في فضاء الحاضر متكئة على إمكانات المؤلف المعرفية وتقنياته الكتابية، وملكته اللغوية، وتدمج كل ذلك في إشكالات الحاضر وهمومه وربطه كل ذلك بأسئلة الهوية السودانية.

قال الطيب صالح أن لاجدال في أن النص الأدبي ليس سجلاً لسيرة الكاتب ولا ينبغي لها أن تكون. هل ينطبق هذا الكلام معك؟ ومارأيك؟ وإلى أي مدى تقترب منك شخوص رواياتك أم أن ماتكتبه بعيد عنك كل البعد.

هذا الأمر يختلف باختلاف الكتاب فبعض الروايات تكون مجرد اسقاطات نفسية لمغامرات وتجارب بعض الكتاب، حيث تتجلى فيها شخوصهم في شخصية أبطال الرواية لدرجة أن بعضهم يعيش في الوهم ما يعجز عنه في الحقيقة وخاصة مغامراتهم مع النساء أو بطولاتهم المتوهمة فيسجلها في أعماله الروائية أما الروايات الناضجة فليس بالضرورة أن تتماهى شخوصها مع شخصية الكاتب أو تعبر عنها بأي حال من الأحوال. وعلى كل حال فإن أعمال عمر فضل الله لا علاقة بين شخوصها وشخصية الكاتب إلا في ذهن القاريء فقط حين يحاول المقارنة أو المقاربة عبثاً لكن يبقى المؤلف هناك متميزاً ومستقلاً عن أبطال أعماله. فقط يسكب بعضاً من روحه في العمل الإبداعي ليمنحه النكهة الخاصة.

لك ديوان شعر: (زَمَانُ النَّدَى والنَّوَّار) و(زَمَانُ النَّوَى والنُّوَاح)، وغيرهما ألا ترى أن الرواية أخذت منك كثيراً وهزمت الشعر، ربما يظن بعضنا ذلك؟

يوجد في زماننا هذا شعراء وشاعرات أضافوا وأضفن للإبداع الشعري الكثير وكما تعلمون فقد بدأت بكتابة الشعر لكنني انتقلت لكتابة الرواية حين علمت أن هذا ليس زمان الشعر فالرواية مقروءة ومطلوبة من أجيال هذا الزمان أكثر من الشعر غير أن ذلك لا يعني أنني طلقت الشعر فهو يعيش في حنايا العروق.

قمت بتحقيق كتاب الفحل الفكي الطاهر: (تاريخ وأصول العرب بالسودان)،لماذا ..؟

كتاب «تاريخ وأصول العرب بالسودان» الذي ألفه الفحل بن الفقيه الطاهر وجمعه في آخر عمره، يعتبر من المؤلفات السودانية القليلة في تاريخ العرب بالسودان، التي كتبها مؤرخ سوداني، فلم يصدر قبله إلا عدد قليل من المؤلفات التي تنسب إلى مؤرخين سودانيين، مثل الدكتور مكي شبيكة والأستاذ الدكتور يوسف فضل حسن، ذلك أن معظم المؤلفات في تاريخ السودان كتبها مؤرخون مستشرقون، أو باحثون أجانب أو كتبها مؤلفون عرب من غير السودانيين من المبتعثين للتدريس في الجامعات بالسودان أو الذين تعرضوا للدراسات السودانية بحكم عملهم ووظائفهم وقد كتبت معظم هذه المؤلفات إبان الاستعمار الإنجليزي للسودان أو بعيد الاستقلال بفترة قصيرة. وأن كتاب الفحل قد بذل فيه جهدا كبيرا في جمع مادة الكتاب حيث سافر المؤلف إبان شبابه إلى كثير من القرى والأمصار وقابل الثقات ونقل عنهم، فأخذ بذلك من مصادر نادرة انفرد بها. 
وكان هدفي الأول هو أن يظل هذا الكتاب في متناول الجميع بعد أن نفدت نسخ الطبعة الوحيدة منه منذ ما يقرب من أربعة عقود واختفت من المكتبات، ولم يقم أحد بإعادة طباعتها رغم أهمية هذا المرجع الذي لا غنـى لمن يدرس أو يبحث أو يكتب في تاريخ وسير وأنساب العرب بالسودان، بل لا غنـى لمن يكتب في تاريخ السودان عنه. 
وكنت قد اطلعت على هذا الكتاب منذ عدة عقود، ولاحظت الطباعة السيئة والإخراج الرديء الذي لا يليق بهذا السفر النفيس، رغم أن من طبعه في ذلك الوقت قد بذل الجهد بما تيىسر له، كما لاحظت أنه لم ينل حظه من الدراسة والتحقيق بما يليق به فكان ذلك أول ما حفزني لإعادة جمع وإخراج وطباعة الكتاب فهو يوثق لأصول القبائل العربية في السودان، ويدعو لصلة الأرحام مثلما أراد مؤلفه الفحل رحمه الله. وقد نوهنا في المقدمة أنه ينبغي ألا يفهم من هذا إحياء لنعرة عنصرية أو قبلية أو جهوية أو تفضيل عنصر على غيره فإن السودان مليء بالقبائل غير العربية وهي قبائل ذات فضل كبير ونسب عريق ومقام رفيع وقد كتب عنها المؤرخون وأفردوا لها المصنفات ولا مجال للمفاضلة بين قبيـلة وأختها فقد ذهـب هذا العهـد الجاهلـي وانقضى. وأن من اقتنى هذا المؤلف لقصد إحياء النعرات أو المفاخرة بالقبائل والآباء فإننا ننصـحه ألا يمضي قدماً في القراءة فهذا الكتاب ليس له ولن يجد ضالته فيه.

كتاب (حرب المياه على ضفاف النيل: حلم اسرائيلي يتحقق)، لعله بعد آخر لمشروعك الكتابي كيف تراه؟

هو دراسة للصراع حول مصادر المياه التي تعتبر من أهم الدراسات في هذا العصر تناولت فيه مشكلة الصراع الاستراتيجي حول مصادر مياه النيل وتدخل اسرائيل المباشر لإدارة الصراع وتوجيهه لمصلحتها وتأثير ذلك على علاقات الدول المشاطئة، وما ينجم عن الصراع من توترات وآثار كما ناقشت فيه بعض الحلول الآنية الظرفية والدائمة لمشكلة تقاسم مياه النيل والقوانين الدولية التي تحكم تشاركية المياه. والدراسة تدخل ضمن اهتماماتي بالدراسات الاستراتجية للمنطقة.

الروائي العالمي عمر فضل الله يخص الجوهرة بمقابلة (1-2)


الروائي العالمي يخص “الجوهرة” بمقابلة بعد صدور روايته “أنفاس صليحة” “1-2”

عمر فضل الله: الأسطورة تجعل الكاتب يطير حراً محلقاً في سماوات الوهم والخيال

 استدعي أدوات اللغة وذخائر البلاغة .. أحتشد للكتابة بالعقل والمشاعر والوجدان .. وأبحث عن الرواية في زوايا الطرقات القديمة والازقة المهجورة.

خلطت الأسطورة بالحقائق التاريخية .. أنفاس صليحة دفع جديد في مشروع الرواية .. تقنيه الكتابة عندي بمثابة انتقال من عالم الحضور إلى عوالم الاستغراق.

 حوار: احلام مجذوب

عُرفت إسهاماته المتنوعة في العديد من مجالات المعرفة والأدب والفكر والدعوة، وهو شاعر وأديب. له عدد من البحوث في المعلومات وتقنياتها، له ديوانا شعر: (زَمَانُ النَّدَى والنَّوَّار) و(زَمَانُ النَّوَى والنُّوَاح) كما له قصاصات شعريه لم تنشر بعد ومن رواياته: (تُرْجُمَانُ المَلِكِ)، و(أطياف الكون الآخر) و(نيلوفوبيا)، كما قام بتحقيق كتاب الفحل الفكي الطاهر: (تاريخ وأصول العرب بالسودان)، وله كتاب (حرب المياه على ضفاف النيل: حلم اسرائيلي يتحقق)، وأخيراً (أنفاس صليحة).. يمثّل الروائى عمر فضل الله حالة  فريدة في المشهد الروائي السوداني والعربي على حد السواء، أصدر عدداً من الكتب الشعرية بجانب الروايات. كتبت عنه دراسات كثيرة، واهتمّ عدد غير قليل من النقاد والدارسين بشعره  ورواياته كحالة خاصة.. صدرت له خلال الأيّام القليلة الماضية، رواية “أنفاس صليحة” أبحرنا معه عن بداياته الأولى في الكتابة، عن لحظات الولادة، عن شخوص رواياته وكيفية التّواصل مع الآخر ، عن دوره الوظيفيّ في حركة “روائيي العالم” بصفته ظاهر بكثافة في المشهد الثّقافي العربيّ وخارجه، ليصبح روائياً عالمياً.. تقنية الكتابة عنده بمثابة انتقال من عالم الحضور إلى عوالم الاستغراق وانتقال من عالم اليوم بالسفر إلى عوالم الأمس القديم الذي طوته الأيام وغاب بين ثنايا الأحداث، يبحث عن شخوص الرواية في زوايا الطرقات القديمة والأزقة المهجورة والقرى المنسية ثم يتقمص تلك الشخوص فيفكر بعقلها ويتصرف وفق زمانها ثم يعود إلى واقعه فيستدعي كل أدوات اللغة والبلاغة وذخائر المفردات وذاكرة التاريخ ليرسم لوحة مجسمة لذاكرة الأيام، بفرشاة يرسمها على الورق أو الحاسب الآلي يرسمها بالحرف ويحيل التاريخ إلى الخيال المحكي فيبعث فيه الحياة ويقدمه للقارئ على طبق من حب، وهنا تكتمل الرواية ويكون التوقيع عمر فضل الله.

  «الجوهرة الرياضية» حاورته فى محاولة لكشف كواليسه الخاصة لكتابة أعماله الإبداعية مثل «أنفاس صليحة» وقصاصات أدبيه لم تنشر بعد .. وناقشته فى رؤاه الجادة من أجل إصلاح فهم الكثير من الخبايا التي تختفى بين السطور معا نطالع ردوده …

 بداية ماذا عن محتوى العمل الجديد أنفاس صليحة؟ وهل هي تفسير تأريخي أم تعريف له؟

أنفاس صليحة هي دفع جديد في مشروع الرواية المعرفية، وهي ليست تفسيراً للتاريخ ولا هي تعريف به، بل هي دعوة للأجيال الحالية التي تستهويها قراءة الرواية لينتبهوا أن تاريخنا يزخر بالكثير الذي يجب أن يكون حاضراً في واقعهم ومستقبلهم.

لماذا اخترت أنفاس صليحة عنواناً للرواية الصادرة عن دار مدارات وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

ما رأيكم أن أستدعي صليحة من ماضيها لتتولى الإجابة؟ تقول لكم صليحة: (سوف أنقلكم عبر أنفاسي للماضي لتعودوا معي بأرواحكم  حيث يتوحد دفق أنفاسي مع نفث أنفاسكم فنصير روحاً واحدة، ترى بعين الروح في الماضي ما يراه النّاس بعين الحقيقة في الحاضر، فتحكون لي ما تشاهدونه، تحكونه بتفاصيله. فتتآلف أرواحنا  لتروا بأعينكم ما رأيته أنا في الماضي ولو تساءلتم  ما علاقة تآلف الأرواح بالحكايات؟ وكيف تعودون إلى الماضي في الحقيقة وليس في الخيال؟ فسوف أقول لكم إن الأمر كله متعلق بالمحبة يا أبنائي. لأنكم حين تحبون أحداً حباً عظيماً ويبادلكم ذلك الحب فإن أرواحكم  تلتقي وتأتلف وتتوحد كأنَّها روح واحدة، وتذهب حيث يريد أحدكم أن يذهب، فيرى ما يراه الآخر. فالأيام مطايا الأحداث والقلوب بوابات الزمن، وكل قلب له يومه، وكل يوم له مدخله الخاص، فهو باب إلى الماضي يسوقك عبر درب غير درب اليوم الآخر، فترى من ناحية مختلفة لا ترى مثلها في اليوم الآخر). هذه هي حكاية أنفاس صليحة.  وأما أنا عمر فضل الله فأقول لكم إن أنفاس صليحة تقدم أنموذجاً للنص الروائي العجائبي  من خلال شخص صليحة التي  تقوم بأفعال عجائبية، خارقة للواقع الإنساني ومشحونة بالتجليات العجائبية من خلال (الأنفاس) أو النقاء الروحي الذي يحكي السرد الأدبي والتاريخي عبر النص العجائبي المعرفي كجنس أدبي مستقل متفرد بحضوره السردي، الذي يتبلور من خلاله مفهوم الرواية المعرفية شاخصاً واضحاً. وهي تقدم للناس عبر أنفاسها عالماً حقيقياً لكنه مسكون بالخيال الذي يحكي الموروث الشعبي ويعيد توظيف الحكايات الشعبية بفهم جديد مثل حكاية خراب سوبا وتوظيف قصة عجوبا، ولكن عبر شخوص وأسماء ذكية تحترم ذكاء القاريء ووعي المجتمع الحديث.

أنفاس صليحة قمت بتجذيرها في المحلية هل ترى أن هذا المنحى كان سبباً فى تعتيم خطابها وحجب قيمتها الحقيقية؟

لا أدري من أين أتيت بهذا الحكم على الرواية فهي ليست محلية بكل تأكيد، فقد بدأت أفريقية مغربية عالمية تمتد حكايتها ومكانها وشخوصها وأبطالها وحتى لغتها وحوارها من أقصى المغرب العربي على امتداد الشريط الأفريقي من المحيط إلى البحر لتنتهي عند دولة علوة التي كانت تعتبر من أكبر الممالك في العالم في زمانها. ولم يكن خطاب الرواية معتماً ولا حبكتها ولا لغة السرد. أما قيمة الرواية الحقيقية فهي في كونها رواية معرفية ناضجة لم يحجبها ما أسميته أنت محلياً ولم تقعد بها مناطقيتها عن عالميتها.

الثعلب والذئب فى العبارة: (ثعلب يقف أعلى التلة وأذناه متجهتان نحوك لعله سمع وقع أقدامك، ورجلاك ماعادتا تقويان على حملك ولكنك لا تستسلمين. أصوات نباح الكلاب تأتي من بعيد فتجاوبها أصوات كلاب أخرى وهناك شىء يراقبك ويتبعك من خلفك ربما كان ثعلباً أو ذئبا..) من أنفاس صليحة ألا ترى فيها حالات مربكة ومبهمة أحيانا أخرى؟

الكاتب يحكي هنا ما يدور حول الصبية صليحة من أحداث وأخطار تحدق بها في الصحراء في ظلمة الليلة وهي غير منتبهة وغير مبالية في سبيل اللحاق بجدها، وهي مستعدة لأقصى درجات المجازفة في سبيل ما تعتقد أنه الصواب وفي سبيل اللحاق بمن تحب. بل هي تتحدى المجهول وتهزأ به. والنص المذكور يعرض ما يقابله كل من يسير في الصحراء ليلاً وأكثر الحيوانات المنتشرة في الصحراء هي الثعالب والذئاب، علماً بأن صليحة تعرضت لهجوم الذئب عليها حين وقعت على الأرض قبل أن ينقذها أهل الفريق. ما رواه الكاتب هو وصف دقيق ومتابعة لرحلة الصبية صليحة! ولو ترى أن مثل هذه الأخطار التي ذكرت في بداية الرواية تهون حينما ترى الأخطار الحقيقية بعد ذلك.

تقنية الكتابة عندك من أين ترتكز تفاصيلها؟

عمر فضل الله يحتشد للكتابة بكل ما أوتي من عقل ومشاعر ووجدان. لحظات الكتابة عنده هي بمثابة انتقال من عالم الحضور إلى عوالم الاستغراق وانتقال من عالم اليوم بالسفر إلى عوالم الأمس القديم الذي طوته الأيام وغاب بين ثنايا الأحداث، يبحث عن شخوص الرواية في زوايا الطرقات القديمة والأزقة المهجورة والقرى المنسية ثم يتقمص تلك الشخوص فيفكر بعقلها ويتصرف وفق زمانها ثم يعود إلى واقعه فيستدعي كل أدوات اللغة والبلاغة وذخائر المفردات وذاكرة التاريخ ليرسم لوحة مجسمة لذاكرة الأيام، بفرشاة يرسمها على الورق أو الحاسب الآلي يرسمها بالحرف ويحيل التاريخ إلى الخيال المحكي فيبعث فيه الحياة ويقدمه للقارئ على طبق من حب.

استخدامك الأسطورة فى أطياف الكون هل يعفيك من رفض الواقع كماهو أم هو حال كشف وتبحر أكثر للوقائع؟

الأسطورة تجعل الكاتب يطير حراً محلقاً في سماوات الوهم والخيال واللامعقول ليقول للناس ما لا يمكن أن يقال في الحقيقة، وليجعل العقول تتوهم قبول ما لا يمكن أن تتعايش معه لو احتكمت إلى الواقع وبذا فالأسطورة هي وسيلة يلجأ إليها الكاتب ليبحر بالقاريء في عوالم جميلة قبل أن يعود به إلى مآسي الواقع وبهذا يكون الوقع عليه أقل وطأة. فأطياف الكون الآخر طافت بنا في عوالم الأسطورة لتنتهي بنا إلى عوالم حقيقية وناقشت قضايا فلسفية وآيديولوجية بطريقة مشوقة وخلطت الأسطورة بالحقائق التاريخية فطرقت تاريخ العقائد والأديان (بدءاً بالوثنيات القديمة ثم الحنيفية الإبراهيمية ثم اليهودية والنصرانية لتنتهي بالإسلام) من مدخل لم يتطرق إليه أحد من قبل وخلصت إلى مناقشة الواقع من باب خفي يكتفي بالإشارات عن صريح العبارات.

أنفاس صليحة ومهارات عمر فضل الله النجم الساطع !!!


كتب مبارك صباحي:
______
مدخل أول :
(…عند الفجر سقطت( سوبا) العاصمة ، وحين أشرقت شمس النهار غربت شمس (علوة) كلها ، وانتقض ملكها ، ولم تبق منها إلا اﻷطلال ، واﻷنقاض لتشهد على مجد غابر مضى ولن يعود مثلما كان باﻷمس …)
مدخل ثان :
يكفي فقط أن تلقي نظرة سريعة على عنوان الكتاب أنفاس صُليحة (بضم الصاد) وبعض الأسطر المنتقاة في المدخل اﻷول كي تدرك أن إبداعاً مذهلاً يطلع به ذلك الشاب الأسمر الوسيم النحيل فتى السودان وابن العيلفون الهمام دكتور عمر فضل الله… ثقافته العميقة والمتنوعة والمتجددة وخياله الواسع وذكاؤه الوقاد ، وتمكنه من اللغة العربية ومهاراتها المتعددة جعلته يروي ويحكي ويصف ويحلل ويقارن ويتحفنا بالجديد بل يرفد المكتبة السودانية بالروائع والدرر في صمت ودون ضوضاء أو جلبة إعلامية في سلسلة مشروع أو مدرسة جديدة وعملاق قادم إلى سماء الأدب السوداني والعربي اسمه عمر فضل الله ….لكل هذه الاعتبارات فالمرء لايملك إلا أن يحس بالإعجاب والتقدير لهذا الكاتب المجيد الذي عانق الثريا وطبقت شهرته اﻵفاق كما يقول الدكتور بدر الدين السر.

على هامش الحدث :

__
شهدت قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم أمس الأول بتاريخ الأحد الموافق 2017/9/10 م وبرعاية دار (مدارات للطباعة والشر والتوزيع ) حفل إطلاق رواية (أنفاس صليحة) ، تأليف الكاتب د.عمر فضل الله، وتولى عملية تقديم الكتاب وتحليله الناقد والباحث والقاص بروفسير محمد المهدي بشرى والدكتور مصطفى الصاوي وقدمت الحفل الأستاذة سناء أبو قصيصة وشارك في الاحتفال حضور نوعي من الأدباء الشباب والمهتمين بالشأن الأدبي إلى جانب وكالة سونا للأنباء وممثلين لأسرة الكاتب عمر فضل الله ورئيس قروب مجتمع العيلفون الاستاذ /عبد العظيم محمد عثمان والأستاذ/ سيف الدين عبد الله عن أسرة دار الشيخ ادريس ود الارباب والأستاذ/ أسامة محمد أحمد قيامة رئبس تحرير مجلة الخرطوم الجديدة ومبارك عبد الرحيم صباحي رئبس تحرير صحيفة العيلفون.

البروفيسور محمد المهدي بشرى أشار في تقديمه للرواية بأنها تشتغل على التاريخ وتحديداً فترة مملكة علوة وعاصمتها سوبا ونهاية المسيحية التي سادت لاكثر من 600 عام وأن الكاتب انتبه بذكاء لهذا المصدر المهم ، واصفاً المؤلف بان لديه مشروع روائي متكامل ﻹعادة سرد تاريخ السودان في بناء درامي جديد كما شمل الاحتفال مداخلات أدبية مشوقة وممتعة تصلح هي الأخرى لعمل كتاب نقدي قيم مصاحب للرواية الاصل وتناول هذه المساجلات كل من دكتور عز الدين ميرغني والأديب السفير جمال محمد ابراهيم والروائية الاستاذة بثينة خضر مكي والاستاذ أسامة قيامة. 


الدكتور الصاوي أشار إلى أن تفسير الأعمال الأدبية هو محاولة منضبطة يشترك فيها ذوق الناقد وفكره للكشف عن مواطن الجمال أو الإخفاق في الأعمال الأدبية وأن البصر الثاقب يكون خير معين على إصدار الحكم فالادب ونقده ذوق وفن قبل ان يكون معرفة وعلما وان كانت المعرفة تعين صاحب الحس المرهف والذوق السليم .

في خاتمة اللقاء اشاد الدكتور عمر وشكر الذين تكبدوا المشاق بالحضور واعدا بانه سيرفد المكتبة السودانية والعربية بالكثير من الروايات والتي وصل بعضها مرحلة الطبع وقال إنه سواصل في هذا المضمار إلى أن يصل الي نهايته ويترك الحكم للقراء لتقويم التحربة سواء بالنجاح أو الفشل ..

تفاصيل اوفى عما دار في الحفل نتركها في مقام آخر لأننا لم نقرأ الرواية حتى لحظة كتابة هذا التقرير وحاولنا ان ننقل لكم الإطار العام فقط و (أنفاس) قاعة الشارقة في تلك الليلة الأدبية البهيجة، ونجمها الساطع دكتور عمر فضل الله والتي يمكن أن نطلق عليها تاريخية …هنيئاً لمن حضر … وفي أمان الله.
منقول

مشاركة السفير جمال محمد ابراهيم حول رواية أنفاس صليحة


(السلام عليكم شكراً جزيلاً والتهنئة أولاً لدار مدارات والشكر أيضاً لدكتور عمر على هذا العمل المميز المتفرد. أنا ليس عندي كلام كثير لأقوله لأنني لست بناقد ولكني أدردش واقول انطباعاتي. لقد غرقت في هذه الرواية بصورة لم تحدث من قبل فلم يحدث أن شوقتني رواية مثل رواية عمر هذه. واستغرقت قراءتي لها أقل من يوم وأنا من أوائل الذين قرأوها.
الذي لفت نظري في هذه الرواية أن أحداثها تدور على مدى الحزام التاريخي القديم (الحزام السوداني) الذي يبدأ من المحيط وينتهي بالبحر الأحمر. الرواية مساحتها في هذا الجزء. والرابط بين السودان والمغرب لم يتناوله أي شخص في أي عمل روائي أو عمل قصصي أو حتى شعري بالرغم من أنه يوجد رابط قوي جداً بين السودان والمغرب. وإذا كنا نتكلم عن التاريخ القديم وقت دخول الإسلام وحركة الهجرات القديمة فلم تكن كلها قد جاءت إلى السودان من المشرق لكن من المغرب أيضاً جاءتنا هجرات مؤثرة للغاية. بيد أنها لم تظهر في كتابة التاريخ بالرغم من أنها كانت واضحة جداً. ابن عمر التونسي الذي وفد من تونس وأقام في السودان بشكله الحالي كتب عن السودان وعن تاريخه وعادات الناس وأشياء أخرى كثيرة. قليل من المؤرخين تناولوا هذا الجانب لكن الكثير من الهجرات جاءت من منطقة المغرب العربي من تونس ومن ليبيا ومن الجزائر ومن المغرب جاءوا مهاجرين إلى السودان. وجود مجموعة ما نطلق عليه المغاربة الموجودين في بحري وفي الخرطوم وفي كوستي وفي سنجة هي مجموعة تؤكد قدم الصلات بين السوداني النيلي والمغرب.


تحضرني رواية ليون الإفريقي لأمين معلوف ففيها أيضاً رحلة لكنها انتهت إلى روما فانتهت إلى أوربا لكن فيها مساحة من الحراك ومن الأحداث تدور من الأندلس من المغرب مروراً بموريتانيا والسودان ولحد دونقلة ولحد مصر ثم بعد ذلك إلى أن وصل روما. ذلك هو ليون الإفريقي والرواية المشهورة لأمين معلوف.
هذه المنطقة لم تتم الكتابة عنها كثيراً كما قدمت لكم لكن دكتور عمر أخذ راحته تماماً فكتب لنا عملاً مشوقاً للغاية، جاذباً للغاية، يمس التاريخ من ناحية ولكن أيضاً فيه الخيال الواسع للكاتب ولديه المقدرة العالية في سرد الأحداث التي تمت من خلال هذه الرواية.
الذي لفت نظري أيضاً هو موضوع اللغة. فاللغة سامية للغاية، مترابطة، وما فيها أخطاء في كل صفحات الكتاب. الراوية كاملة وسليمة لغوياً ونحوياً وصرفاً وفي كل شيء! حتى اللهجة المغربية!.
(تصفيق حاد من جمهور الحاضرين)
وأنا ما عارف هل دكتور عمر هذا فعلاً عاش في المغرب فترة طويلة؟ وكنت حريصاً جداً على معرفة هذا لأنني عشت في تونس حوالي سنتين أو ثلاثاً.. فكنت حريصاً على تقصي اللغة فرأيت اللغة المغربية عنده سليمة مائة بالمائة! حتى أنني شككت فقلت سأرى إلى أين ينتهي نسب هذا الرجل فيكون اسمه عمر فضل الله من؟ ماذا بعد فضل الله من أسماء؟
(تصفيق حاد من الجمهور)!
على كلٍ هذه تهنئة حارة على رواية وعمل مميز يستحق أن يكون علامة فارقة في الأدب الروائي السوداني فألف تهنئة دكتور عمر وألف شكر لكم للاستماع.
السفير جمال محمد إبراهيم حول رواية أنفاس صليحة.
قاعة الشارقة الخرطوم – الأحد 10 سبتمبر 2017

مشاركة الدكتور عز الدين ميرغني في حفل إطلاق رواية أنفاس صليحة


(أنا من أوائل الذين قرأوا الرواية قبل أن تطبع. الاسم رائع جداً أعجبني الاسم: أنفاس صليحة، يُخَلِّدْ الرواية. لأن اختيار الأسماء دائماً يجعل الناس تحفظها حتى ولو لم تقرأ الرواية. (أنفاس) معناه أن هناك شيئاً يخرج من صليحة مثل التداعيات. وفعلاً حينما تقرأ الرواية تشعر بأن هذه هي أنفاس صليحة. إذن فالإسم معبر جداً ومتناغم ومتماهي مع أحداث الرواية ومافي شك تشدك الرواية من أول مرة.
الرواية استخدمت – كما قال أساتذتنا – عنصر التخييل لنقل التاريخ لأني لا أبحث في أن صليحة شخصية حقيقية أو غير حقيقية فهذا لا يهمني أبداً. وحتى لو كانت شخصية حقيقية فكل ما يجري في الرواية هو تخييل فملكة الخيال عند الكاتب كبيرة جداً.
والتاريخ كما قال الأساتذة يخص فترة دولة علوة وخراب عاصمتها سوبا لكن لم يكن هذا هو الموضوع الأساسي في الرواية وإنما هي رمزية مفتوحة الدلالة. صحيح أن دولة علوة وسوبا كمادة خام تاريخية استخدمت كثيراً ولكنها مازالت مفتوحة للتخييل والتداعيات. وكانت هناك محاولات للحسن البكري في استخدام تاريخ سوبا ودولة الفونج غير أن الواقعية السحرية كانت طاغية فيها فلم يستوعبها كثير من الناس إلا الصفوة منهم.
أعتقد أن (أنفاس صليحة) محاولة من الكاتب لتأكيد هوية الوسط السوداني بأنها ليست حكراً على قبيلة معينة وإنما هي تكوين من خليط من حضارات قديمة أنتجت هذا الوسط السوداني. لأن سوبا جغرافياً تمثل هذه الوسطية الجغرافية والثقافية في السودان والجذور الضاربة في القدم بل تؤرخ لحضارة قديمة وفيه تأكيد لعراقتها فلو أن عاصمة استمرت 600 سنة فمعناه أن هذه حضارة عريقة جداً. بمعنى أن فيها التسامح الديني وفيها الاستقرار ثم جاء بعد ذلك الدمار والخراب إذن النص مفتوح الدلالة والسؤال من الذي خرب سوبا إذا كانت بكل هذا الاستقرار وهذه الحضارة القائمة فإن خرابها يكون إدانة لمن خربها. وبمعنى أن هذا الامتداد الحضاري وهذه الهجنة عند الوسط تمتد من المغرب الأقصى إلى منطقة سوبا بمعنى ان هذه المنطقة كانت شيئاً واحداً وأرضاً مفتوحة والاستقرار أيضاً مفتوح والزواج أيضاً متاح ومفتوح. من قوافل الحج القديمة من تيمبوكتو إلى مكة الناس كانوا يتخلفون ويبقون. والغريب دائماً الناس يتخلفون في السودان! بمعنى أنه بلد تسامح منذ القدم تمر به هذه القوافل.
ما استشففته من هذه الرواية أن الرواية أفلحت في تأكيد ذلك دون أن يحدث ذلك تقريرياً فالكاتب لم يفرض أي نوع من الوصاية أو نصر قبيلة على قبيلة أو حضارة على حضارة لكن ذكاء الكتابة يأتي هنا في أن الحدث يقنعك، فإما أن تخالفه في منطقه بمنطقك أنت دون تبخيس لمنطقه وإما أن يقنعك بمنطقه أيضاً.
كيف تغامر فتاة من المغرب بهذه السن وهي شابة غريرة من أجل أن تلحق بجدها فالراوي أوجد بداخلها كماً كبيراً من المعرفة بجدها وهو ما دفعها لأن تلحق بذلك الجد.
هذه المغامرة من صليحة سبقتها مغامرة كتابة. لأن أعظم الروايات ليست كتابة المغامرة وإنما هي (مغامرة كتابية) بمعنى أنه غامر بأن يكتب رحلتها فالدكتور عمر غامر مغامرة كبيرة جداً بأن يكتب رحلتها حتى وصلت إلى سوبا من أقصى بلاد الشنقيط وهذه مغامرة كبيرة جداً.
تتمثل هذه المغامرة في الآتي:
– أن الكاتب وقع في امتحان معرفة المكان وثقافته ودروبه ولغته ولهجاته وطريقة معيشته وقبائله قبل أن تتحرك صليحة واجتاز هذا الامتحان بنجاح.
وقد انتقل بالقاريء إلى المكان بجغرافيته المميزة وبزمانه التاريخي الذي جعلنا نحسه ونحس بأننا نعيش مع صليحة في المكان وقبل أن تغادره ونحس بزمانه أيضاً لأنه زمان مختلف جداً فالنجاح هنا في هذه المغامرة الكتابية زماني ومكاني.
– والمغامرة الأخرى التي دخل فيها الكاتب هي مغامرة اللغة لأن امتحانها كبير. وهناك من الكتاب وخاصة كتاب الرواية من يملك الخيال ولا يملك اللغة وهناك من يملك اللغة ولا يملك الخيال ولكنه وازن بين الاثنين فالكتاب العظام دائماً هم الذين يملكون الخيال واللغة معاً.
– ثم ترابط الحدث فالحدث مترابط جداً لم يفلت خيط السرد أبداً من يد الكاتب، وكانت اللغة هي الوعاء الجيد للمكان بثقافته فكان يأتي باللهجة المغربية في وقتها بقدرة كبيرة أعجبتني جداً رغم أن معرفتي بها متواضعة ولكني فهمت ما يقصده، ولو لم يذكر هذه اللهجة المغربية لاختلَّت الرواية.
– لقد كانت الرواية رائعة أيضاً متوالية في وصفها وهي تتحرك مع صليحة محطة محطة حتى تصل إلى سوبا بمعنى لغة وصفية محسوسة ومجردة معاً فلم تكن وصفاً إنشائياً مدرسياً وإنما هي وصف يورد الإحساس بالوقت فكانت اللغة في كل مكان تلبس لبوسه الخاصة، ففي الصحراء يورد ألفاظ الصحراء ووصفها الرومانسي، في المدينة، في الوهاد، في الجبال حتى تجعلك تقبض أنفاسك وأنت تتابع رحلة صليحة وتتعاطف معها وتخاف عليها مع أنك تعلم مسبقاً أن صليحة موجودة الآن في سوبا وهذه هي عظمة الرواية. فعندما تحكي لك صليحة أنت كقاريء تعرف أنها وصلت سوبا لكن كيف وصلت سوبا وكيف أوصلها الكاتب؟ كان هذا هو الامتحان الثالث الذي نجح فيه الكاتب أيضاً.
هنا مقطع يقول: (كل خطوة تخطوها الجمال في هذه الصحراء تزيد معرفتك بها. هذه الصحراء متقلبة المزاج والأحوال ففي حين تكون صحراء لطيفة تتدثر بالرمل الناعم وتتلوى وهادها وكثبانها طيعة تحت أخفاف الإبل في أحيان أخرى تقسو بترابها ونباتها وتصفر الريح غاضبة قبل أن تهب العواصف مزمجرة تنفث الرمال على وجوهكم وتحثو التراب فوق رءوسكم…)
هذا وصف رائع جداً للصحراء لم يكتبه كثير من الناس إلا الذين عاشوا في الصحراء مما يؤكد كلامي بأن الرواية صارت معرفة وليست كتابة فقط. يجب أن تعرف جيداً المكان الذي تكتب فيه.
– اللغة راسخة جداً ومتتبعة لمسار صليحة جعلت الراوي نفسه دليلاً وخبيراً بالمكان، وهذا يمثل خبرة الكاتب وبحثه قبل الكتابة لأن الرواية هي بمثابة بحوث أيضاً، زيادة على الموهبة والخيال وجماليات اللغة وثقافة المكان الذي تتحرك فيه الشخصية والزمان الذي تعيش فيه وأعتقد بأنها معرفة (زمكانية) كما يقول النقاد. وأعتقد أن الكاتب اجتاز امتحان اللغة بمقدرة هائلة.
– ثم يأتي بعد ذلك التكنيك الفني في البناء الروائي فقد كان رائعاً جداً حيث أن الراوي هو راوٍ عليم، يعرف كل شيء يدور في المكان والزمان لكنه يسلم السرد لصليحة بدون أن تقول أنا لأنها صغيرة في السن لا تستطيع أن تخلق تيارا من الوعي (Stream of Consious) ولكن كان هذا ذكاء الكتابة والامتحان الخامس الذي نجح فيه المؤلف.
شكراً جزيلاً)

الدكتور عز الدين ميرغني
في حفل إطلاق رواية أنفاس صليحة – دار مدارات لللنشر ، قاعة الشارقة الخرطوم
الأحد 10 سبتمبر 2017

العيلفون صانعة تاريخ وأرض أمجاد


(الحلقة 1)
الذكرى الثامنة والثمانون بعد الأربعمائة لميلاد أول دولة إسلامية في السودان يتم الإعلان عنها من مسيد الشيخ إدريس بن محمد الأرباب بالعيلفون
في مثل هذا العيد – عيد الأضحى – منذ 488 عاماً من الآن تم الأعلان عن قيام سلطنة الفونج والعبدلاب كأول دولة سودانية ذات هوية موحدة وذلك في أول أيام عيد الأضحى الموافق ليوم الأحد العاشر من ذي الحجة عام 935هـ – الخامس عشر من أغسطس عام 1529م. من مسيد الشيخ إدريسبن محمد الأرباب بمنطقة بتري الشرقية (العيلفون).
أهدي هذه السلسلة من المقالات إلى أبينا وجدنا الأكبر الشيخ إدريس وإلى نسله وأحفاده من بعده ومحبيه، وإلى الأمة السودانية التي مازالت تتطلع إلى مصلح رباني مثله يوحد شتاتها ويقوم معوجها ويقيم أركانها وينصح سلطانها.
عمر أحمد فضل الله

هل قلت لكم إن الشمال الشرقي لإفريقيا هو المحور الذي دارت حوله عجلة تاريخ الدول والسلطنات والممالك في المنطقة كلها؟ وأنا الذي كنت أظن – مثل كثيرين- أن هذه البقعة من العالم بقيت جزيرة يتيمة معزولة ومنسية في محيط تاريخ الأحداث التي دارت حولها، وأنها كانت ذات أثر قليل وذكر خامل. لكنني حين قرأت التاريخ القديم المدون في التوراة ثم تاريخ العرب في الأندلس (غرب أوربا) وتاريخ الفونج في السودان (شرق إفريقيا) ثم تاريخ الدولة العثمانية (شرق أوربا والشام ومصر) أيقنت أن هذه المنطقة استمرت محوراً تدور حوله أحداث التاريخ في زمان الدولة السنارية، وفيما قبله من الأزمنة، فقد بقيت صانعة أحداث وصفتها التوراة بأنها أمة طويلة وجرداء وشعب مخوف منذ وجوده على ظهر البسيطة وأنها أمة قوة وشدة ودَوْسْ أي أمة حرب وقتال وأن الأنهار قد خرقت أرضها، فهي أرض خضرة وخير ونماء ولهذا فما قويت شوكة دولة حولها إلا استهوتها أرضها، وطمعت في ثرواتها وأموالها فجمعت جيوشها لتغزوها وتبسط عليها سلطانها. لكنها ظلت على مدار الزمان أرضاً عصية على الغزاة، وعرة المسالك، وبقيت شعوبها شديدة البطش تذيق المعتدين المهالك.

ثم أدركتُ أن التاريخ يعيد نفسه بدقائق تفاصيله، وكأنه عجلة واحدة عملاقة تدور حول محورها والدول والأيام تروس فيها. كلما غابت شمس يوم من أيامها في مكان انقلبت على أعقابها لتعيد أحداث ذلك اليوم نفسه من جديد في بقعة أخرى. وكأن أقدار الله أن تقوم سلطنة الفونج في إفريقيا متزامنة مع سقوط دولة الأندلس في أوربا فما أن غربت شمس تلك من الغرب حتى أشرقت شمس هذه من الشرق لتعيد التوازن في القارتين بعد اختلال. ولم يكن بين الغروب والشروق إلا اثنا عشر عاماً من عمر الزمان مثل ساعات ليل أعقبه طلوع الفجر!
رأيت أن الدولة الفُنْجِيَّة هي أندلس أخرى إفريقية وأن ملكها السلطان المؤسس «عمارة ولد عدلان» والذي يقال إنه من سلالة ملوك بني أمية أعظم ملوك الزمان! قد أعاد بناء مجد بني أمية الذي اندثر في الأندلس فأحياه في الشمال الشرقي لافريقيا. ومثلما مضى بعض أجداده من بني أمية في القديم من الشرق إلى الأندلس فأنشأوا حضارة بقيت سبعمائة وواحد وثمانين عاماً جاء أجداه من بني أمية أيضاً إلى شرق إفريقيا ولبثوا ينتظرون دوران عجلة الأيام لينشئوا مُلكاً في قلب هذه القارة فيبقى ثلاثمائة وسبعة عشر عاماً.

لم يكن «عمارة» إذاً طارئاً على الملك! وقد وصفه من عاصره ورآه من المؤرخين بأنه أسود اللون لكنه يحكم البيض والسود معاً، فهيبته هيبة الملوك وسَمْتُهُ سَمْتُهم سجية في غير تكلف. علماء أندلسيون كثيرون جاءوه خاضعين. قدموا له فروض الولاء والطاعة وبايعوه ثم جلسوا أمامه وكأنهم يعتذرون عن التفريط في حضارة حكمت الغرب باسم الإسلام ثمانمائة عام ثم انفرط عقدها وهجرها أهلها قاصدين هذه الدولة الوليدة. هجرة علماء الأندلس كأنها تقول لنا إن هذه الدولة الجديدة هي امتداد لحضارتهم هناك فمذهبها هو مذهب مالك في الفقه ومؤلفاتها هي مؤلفات الأندلسيين، بل إن كثيراً منها جاء إلينا من هناك، وعلماؤها نزح جلهم أو بعضهم من تلك البلاد، ونظام إدارتها هو نظام الإدارة الأندلسي رغم أن هذه الدولة لم ينشأ بنيانها وتكتمل أركانها إلا بعد عقدين ونصف من الزمان منذ سقوط دولة عَلَوَة وتفرق أهلها في البلاد.

ظل «عمارة» (ملكاً) في الجنوب الشرقي مدة من الدهر وحوله عشرات الآلاف من الجند من مختلف القبائل والسحنات واللغات. منهم ذوو الألوان السمراء والسوداء والزرقاء والخضراء وفيهم الشقر وذوو الأعين الخضراء ومنهم من جاء من الغرب من كانم والبرنو وفيهم من نزح من الشرق من بني شنقول وجبال الحبشة وهضابها. وتجمع حوله الفونج من الشرق فتحالفوا مع القبائل القادمة من الغرب وبقوا سنين عدداً متنقلين لم ينشئوا دولة ولم ينصبوا عليهم (سلطاناً)، وكأنهم كانوا ينتظرون توقيتاً أو إشارة من قائدهم (الملك) «عمارة ولد عدلان» الذي كانوا يجلونه أيما إجلال. وكثيرون منهم حين جاءوه وتحالفوا معه كانوا على وثنيتهم إلا أنه لم يغصبهم على عقيدة ولم يطردهم من سلطانه بل بقي يتألفهم بالمعاملة الحسنة والرعاية والعناية فأخلصوا له ودخلوا في الدين طواعية لا كرهاً وصاروا جنوداً للدولة السنارية قاتلوا من أجلها ودافعوا عنها.

وفي الشمال تجمعت القبائل العربية وعلى رأسها القواسمة العبدلاب شمال منطقة سُوبَا بعد سقوط عَلَوَة. وكان حكامهم ملوكاً فيما بينهم لكنهم هم أيضاً لم ينشئوا (سَلْطَنَة) فقد كانوا يعلمون أنهم لو أنشأوها منفردين فإن ذلك لن يرضي «عمارة» وجيوشه كثيرة العدد التي كانت تدخل أرضهم متى شاءت وتبقى فيها كيفما شاءت فتحالفوا معه وبقوا وكلاء له بعد أن كانوا وكلاء لملوك عَلَوَة قبله فاستمروا في حكم قبائلهم العربية في الشمال وجباية الضرائب منها لصالح الملك «عمارة».
قلت لكم إنني حين قرأت تاريخ الفونج وتاريخ الأندلس رأيت تماثلاً في قيام الدولتين. ففي شمال غرب إفريقيا مثلما شرع موسى بن نُصَيْر في تثبيت الدين الإسلامي في الأمازيغ وجعل القيروان قاعدة حصينة في قلب إفريقيا، واعتمد سياسة معتدلة ومنفتحة تجاه البربر الوثنيين مما حوّل معظمهم إلى حلفاء وأنصار، فدخلوا في الإسلام وأصبحوا فيما بعد عمادَ جيشه لدخول الأندلس بقيادة طارق بن زياد، كذلك فعل «عمارة ولد عدلان» فقد نجح في جمع القبائل الوثنية المبعثرة من البَرْتَا وبني شَنْقُول والهَمَج والنوبة والبِجَة والزُّنُوج فتحالفوا معه واتبع سياسة منفتحة تجاههم وأدخلهم في الإسلام وجعلهم جنوداً للدولة.

ومثلما أرسل «موسى بن نصير» القائد الشاب «طارق بن زياد» من طنجة مع جيش صغير من البربر والعرب في الثلاثين من أبريل عام 711م عبر المضيق الذي سمي على اسمه، فاستطاع الانتصار على القوط الغربيين وقتل ملكهم لذريق في معركة جُوَادَالَيتي في التاسع عشر من يوليو عام711 م وفتح الطريق لقيام دولة جديدة كذلك فعل «عبد الله جماع» قائد عرب (القَوَاسْمَةْ) ووكيل «عمارة دُونْقُس» حين انتصر على النوبة وقتل قائد جيوشهم البَطْرِيَرْك «دِيرِين» ودخل مدينة سُوبَا عام 1504م فهدمها ومهد الطريق لقيام دولة جديدة. في حين اجتمعت عند الملك «عمارة» قبائل الأمْبَرَرُو الفُلانُو الجَافُون والمُورِي والدُّوقَّا والقرا والبَرْتَا والبُرُون والبَرْنُو وبَلْدَقُو والجَبَلاوِين والحَمْدَة والرَّقَارِيق والزَّبَالْعَة والزَّبَرْطَة الهَوْسَا والقَبَاوِين والسَّرْكَمْ والفَلاتَة الفُولاني مع قبيلة الفُونْج الكبيرة فصنعوا لهذه البلاد مجداً.

الفونج والعبدلاب ومن تحتهم من القبائل والممالك والمشيخات كانوا محتاجين أن يتوحدوا تحت سلطان واحد في دولة قوية ذات سيادة. لكن ذلك لم يحدث بعد خراب سُوبَا وسقوط عَلَوَة حتى جمعهم (الأرباب) «إدريس ولد محمد» في بُتْرِي الشَّرْقِيَّة بعد خمس وعشرين عاماً من سقوط سُوبَا لما جاء الملك «عمارة ولد عدلان» بأسرته وأهله وجاء الملك «عبد الله جماع» بأسرته وأهله.

«إدريس» وحَّدَهُم ثم أعلن قيام الدولة من مسيده في (بتري الشرقية) أول أيام عيد الأضحى في يوم الأحد العاشر من ذي الحجة عام 935هـ – الموافق للخامس عشر من أغسطس عام 1529م بعد خمس وعشرين عاماً من سقوط سُوبَا عاصمة دولة عَلَوَة لينتقل «دُونْقُس» من (لُولُ) (أُولُو) (بفازوغلي) إلى (سنار) عند (جبل موية) فتكون هي عاصمة الدولة وكرسي ملكه. وينتقل العبدلاب من بعد ذلك من (قرِّي) عند (جبل الرويان) إلى (الحلفايا) لتكون كرسي ملكهم.
جبلا (موية والرويان) إذن كانا مقار السلاطين. و(دُونْقُس وجماع) سلطانان مثل الأخوين إلا أن رتبة «عمارة» أعلى وأعظم من رتبة «عبد الله» إذا اجتمعا في مكان واحد وأما إذا غاب «عمارة» فيعامل «عبد الله» كما يعامل «عمارة» الذي جاء بأسرته الحاكمة جميعها إلى (بُتْري الشرقية) لتكون منتجعه ويكون قريباً من مفتي الدولة ومرجعها «إدريس ولد محمد الأرباب» وقريباً من «عبد الله جمَّاع» شيخ العبدلاب وملكهم.

ويتغير اسم البلدة لتوثق هذا الحدث الفريد في التاريخ حيث اجتمعت الأسرة الحاكمة للفونج والعبدلاب معاً فيطلق الناس عليها (العيلة فونج) بلغة الفونج، أي (الأسرة الحاكمة). وتقوم السلطنة ويعلن اتحاد الفونج والعبدلاب من مسيد ولد الأرباب الذي يصبح هو المرجعية الدينية لسلاطين الفونج والعبدلاب معاً، يأتونه لفض النزاعات ولتكون له كلمة الفصل فيها لا يُرَدُّ كلامُهُ ولا تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ.

وحين يعرض عليه الملك «بادي بن رباط» نصف ملكه يرفضه ويطلب أن يكون له الفصل في المنازعات. الملك «بادي» تكلم باسم الفونج وباسم العبدلاب أيضاً فعرض على «إدريس» نصف (دار العسل والبصل) وأراد أن يمنحه كركوج وسنجة ودار الشايقية ودنقلا. لكن «إدريس» قال له بصدق العلماء وزهد الأتقياء:
– الدار دار النوبة والأرض أرض النوبة وأنتم غصبتموها منهم. أنا لا أقبلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ”.
وعندما رأى ذهول الملك من هذا الرفض الحاسم عرض عليه عرضاً لا يمكن أن يرفضه. قال للملك:

– أعطوني الحجز في كل شيء والوساطة وفض المنازعات والصلح بين المتشاجرين .

فأعطاه الملك الحجز في كل شيء كما طلبه، وأصبح صاحب فض المنازعات لدى ملوك سنار. ثم جمعهم على الفقه والقضاء المالكي ونصح «عمارة» بتقريب العلماء والفقهاء. الله سخر هذا الرجل المبارك ليشد عرى السلطنة بحبل متين من رباط الدين. لكنه بقي بعيداً عن سنار وقرِّي زاهداً في السلطة والملك لا يقف عند أبواب السلاطين بل السلاطين يأتونه فيقفون عند باب خلوته ومسيده. لكن لما كثرت المظالم في سنار أكثر إدريس من الرحلة إليها لنصح السلطان برفع تلك المظالم. والسلطان لا يرد له شفاعة ولا ينقض له حكماً. ومثلما اعتمده شافعاً وقاضياً وحكماً اتخذه للبركة أيضاً فحين تشتكي والدة السلطان يؤتى لها بإدريس ليقرأ عليها القرآن ويرقيها بآياته وينفث بريقه لتشفى أم السلطان ببركة القرآن.
إليك أيها الشيخ الجليل إدريس بن محمد. أيها الأرباب. أهدي بعض ثمرات غرسك. من حفيد محب فتح عينيه على بقايا آثار الملاجيء التي أقمتها منذ نحو أربعمائة وتسعين عاماً لتكون مأوى للخائفين وملاذاً لطالبي الشفاعة والباحثين عن الأمان وداراً لحفظ القرآن ثم من بعد ذلك رمزاً وفخراً لأبناء السودان.
ترقبوا الحلقة الثانية في العدد القادم.

 

حفل إطلاق رواية أنفاس صليحة – قاعة الشارقة الخرطوم سبتمبر 2017


[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][metaslider id=16399][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]