د. عمر فضل الله. فوز مستحق – صلاح عمر الشيخ


ألوان الحياة: صلاح عمر الشيخ وصحيفة أخبار اليوم:عدد اليوم الأحد 4 مارس 2018

أبيض: أعود للكتابة بعد غيبة بسبب السفر ولعل عودتي تكون مفرحة كتعليق وتهنئة متأخرة لفوز الصديق العزيز الدكتور عمر فضل الله بالجائزة الثانية في الرواية من ضمن جوائز الطيب صالح عن روايته (تشريقة المغربي).

عرفت الدكتور عمر فضل الله في أواخر التسعينيات بدولة الإمارات العربية المتحدة جاء زائراً ثم عاد بحثاً عن الاستقرار فيها، عرفته ذلك العالم المطلع والباحث المثابر. من الطرائف أنه حينما تقدم لأول وظيفة في أبوظبي استدعي لمعاينة وهو المتخصص في التقنية والبرمجيات كان امتحاناً طويلاً وصعباً ظل يعمل طوال اليوم حتى انتهى من الامتحان وعاد إلى عجمان حيث كنا نسكن في انتظار النتيجة. وبعد أسبوع لم يتصل أحد فاتصل بهم كان الرد طريفاً جداً. سأله المسئول من أنت قال أنا فلان من السودان فضحك الرجل وقال له: أنت الذي جعل الممتحنين معه يشردون! وهكذا نال الوظيفة لأنه الوحيد الذي استطاع أن يحتمل ذلك الامتحان الصعب.

لم يكن وقتها قد بدأ في كتابة الرواية وحينما أصدر أول رواياته (ترجمان الملك) كانت قمة في الإدهاش والسلاسة والإمتاع والإبداع ذلك أنه مزج التاريخ بالخيال والتراث مما أخرج رواية قاربت منذ البداية للعالمية والشهرة ولفتت الأنظار بقوة أظهرت تميزه وقدرته وموهبته العالية في السرد الروائي الممتع والجاذب.

وتوالت إصداراته (أطياف الكون) و(أنفاس صليحة) وأخيراً (تشريقة المغربي). وكما يقول إنه طرح أسئلة تاريخية لم تجد إجابة من خلال روايته بل حقق مشروعه الثقافي في الرواية المعرفية والسرد التاريخي الإبداعي من خلال روايته عن مملكة علوة نهضتها وسقوطها ثم مملكة سنار. وهكذا استطاع ابن العيلفون المتأثر بالبيئة الصوفية والتاريخ الإسلامي أن يحرك الساحة الثقافية ويعيد للسودان أملاً في مبدع جديد يمكن أن يكون خليفة للطيب صالح الذي يقاربه في أن الاغتراب عن الوطن هو ما جعله يخرج إبداعاته ويكتب عن بيئة محلية اشتاق إليها لكنها ستقوده للعالمية.

صلاح عمر الشيخ

 

فابريقة عمر فضل الله: تشريقة المغربي – بقلم الصادق عبد الله


احتفاءاً.. حباً وكرامة..
فابريقة.. عمر فضل الله.. تشريقة المغربي


اليوم السادس عشر من فبراير 2018م، ومنذ أن فتحت وسائطي للتواصل في الصباح، مكثت يومي أسمع وأرى نصوص وأصوات التهاني كزخات المطر تنهال وتنهمر على الدكتور عمر أحمد فضل الله تطرق مسمغي.. ولا تزال.. فرواية عمر أحمد فضل الله .. تشريقة المغربي .. قد حازت قصب السبق.. في مضمار مهرجان الخرطوم العالمي لجائزة الطيب صالح.

أما الطيب صالح رحمه الله.. فلا يزال الناس يجلسون معه تحت شجرة الطلح على حافة النيل . وتذهب أخيلتهم بعيداً مع موجه وتياره المناسب. أو أمام تلكم النخلة على جدول أدبه.. تتمايل أوراقها على مساومة حسين التاجر .. مع صاحب النخلة.. يفتح الله.. يفتح الله.. وتلك قصة أخرى، كما يقول رحمه الله.

ندري أن عمر فضل الله. (ما بتصاقع).. لقد أثبت عمر فضل الله علو كعبه.. وقد حجز مقعده هناك بجدارة.. وما نتيجة اليوم إلا ذاك. أترك يا أستاذ مكانك فأنت هناك بين محكمي الجائزة نفسها.. فقت المعاك فى الجيل فقت المعاك فى الدور. والنتيجة تقول ذلك.. ينعم صباحك خير ويسعد مساك النور. تتبارك أخي عمر فضل الله.

ولعمري مسار عمر فضل الله مسار فريد في أدب الراوية المعرفية.. المبنية على حيثيات وخلاصات معرفية سابقة يزفها الخيال المترع بالمعلومات والمعارف.. ممزوجة بعناية مثل عطر الخمرة.. أما مع عنوان الرواية فدندنو.. ستجدونه موزوناً: تش.. ريق..تال .. مغ..ري.. بي.. من يحدثنا يا جماعة الخليل الفراهيدي.

عندما كنا في ضفاف ترجمان الملك.. ثم جاءت أنفاس صليحة.. قلت للدكتور عمر.. هذه روايات لها هوامش في الزمان والجغرافية.. يمكنها النمو من الداخل ومن الهوامش كذلك.. وها الآن قد تمددت رواية عمر فضل الله في تاريخ السودان الشرقي.. علوة قيامها.. اندثارها.. ثم قيام سنار..

بقي أمر جديد. واستطيع أن أجزم أنه مقاربة لا تقف قربها مقاربات كثير من المؤرخين والنسابة .. مما قيل في تاريخ الفونج.. فعندما أورد دكتور عمر كلمة لولو (وأضاف أنها تنطق مفخمة) انقدح في ذهني أني قد وجدت الكنز.. إذ ينسب المؤرخون أن الفونج جاءوا من لولو..أو لامول هي لامو (في كينيا وانتقلوا عبر الحبشة إلى فازوغلي في النيل الازرق.. ثم انتقلوا إلى سنار اتخذوها عاصمة لهم).. لكن الآن أرى أن جبل (رورو) وبلدة رورو في ولاية النيل الازرق، البلدة المعلومة القريبة من الدمازين هي منبع الفونج وليست أي مكان آخر. والمعلوم أن اللام والراء يتم اقلابها في بعض اللغات.. بل لدى بعذ الافراد هكذا.. واعلم أن لدى قبيلة الكوكويو في كينيا أنه استعيض عن اللام راء.. فليعاد البحث في اللغات وفي علم الاجناس.

أما تشريقة المغربي فمحورها عبدالسميع المغربي، زوج صليحة.. هو ذاته عبد السميع.. الفتى المغربي اليتيم المرافق لرحلة الحج.. الملازم والمتتلمذ على يد عمه عبدالحميد اللقاني .. الضائع إثر هجمات اللصوص .. المنجز بعدها لرحلة الحج.. القادم إلى سوبا والشاهد لخرابها .. المتزوج من صليحة.. (المتوفاة والمدفونة في البطانة إلى جوار جدها عبدالحميد.). الآن في هذه الرواية هو ذاته الذي استدعاه سلطان سنار.. الكاتب للمراسيم السلطانية.. الشاهد على بروتوكول السلطان.. الذي فيه الككر.. وأم قرين.. لكل مقام.. ومقال.. هو عبدالسميع المستمع للسمرقندي.. وللرحالة اليهودي روبيني.. هي قصة طويلة سوف أحكيها لك إن سنحت سانحة..

مقتطفات من الابواب الاولى: 
يقول عبدالسميع .. سأحكي كيف أخذني الجنود إلى مدينة السُّلْطَان. دون زوجتي .. وكيف صلى قائدهم وتلى: الصَّلَا صَلَاتَكْ والوَطَا وَطَاتَكْ. نَقَعْ وُنْقُومْ عَلَى انْجِلَّاتَكْ. وكيف تعجب حين رآني قائد الجنود أنا النصراني (للون بشرتي) أصلي مثل صلاة المسلمين، فظن أني دِرْوِيش نصارى! وكيف أنه في الطريق أصطادوا غزالا وأكلوا .. أمعاءه.. مرارة. مرارة! والمريسة كانت شراباً ذا رائحة نفاذة.. سألتهم عن منطقتهم .. قالوا اسمها (لولو.. يفخمونها). ثم أجلسوه على عَنْقَرِيب، منسوج من الحبال، وكان مرهقاً، فاستلقى على ظهره في ذلك الكوخ بثياب السفر، وسرعان ما نام نوماً عميقا

يقول عبدالسميع : أيقظني صياحُ الديكة .. وباعة اللبن على ظهور الحمير والنساء يحملن آنية الماء فوق رؤوسهن.. وهذه الفتاة ستقوم بخدمتي .. سأناديك زينة.. والناس هنا في سنار.. ألوان شتى ولم أر قط في حياتي أن هناك ترفاً وبذخاً كهذا في هذه الدولة الوليدة. فمن مقتنيات السلطان: البُنْ والتُنْبَاك والتَّبْغ والشَّمَار والكُزْبَرَة، والفطائر (يا ربي دا الرغيف حتى الآن مالكنا؟) ولحم الضأن، يأكلها كل يوم في وجباته الاعتيادية. ولم أقابل السُّلْطَان بعد. ثم علمت أن السُّلْطَان «عِمَارَة» كما عرف بأمري من الشيخ «عَبْد الله جَمَّاعْ» و يوم استدعاني السُّلْطَان فرأيت الابتسامة في وجه السُّلْطَان، ولم أفهم السبب. ثم رأيت أن كل ما يقوله السُّلْطَان فوق الككر يتخذه الناس قانوناً

ثم يستانف عبدالسميع .. أقرأ رسالة زوجتي «صُلَيْحَة» كعادتي، إذ قدم موكب الشرق يزحم الأفق. جاء فيها الشريف داود من آل البيت يريد أن يزور السُّلْطَان «عِمَارَة» قابله مُقَدَّمُ القَوَاوِيد -القائد العام للجيش- والجنود وضاربو النَّوْبَة والطبول والصَّنْج، وحاملو الأعلام والبيارق والرايات، والزغاريد، جاء الشريف مع القافلة المحملة بالبضائع من اليمن.

الشريف «داود» رجل وسيم فارع الطول. لم ينحن للسلطان كما يفعل الناس. أجلسه السلطان بالقرب منه ثم بقي في ضيافة وصحبة السُّلْطَان عشرة أشهر. ثم قدم الشيخ السَمَرْقَنْدِي كان رجلاً زاهداً عالي الهِمَّة، مجتهداً عالماً بالأنساب. عرف عند السلطان ب(عَبْد اللطيف)! . أخبر السمرقندي السُّلْطَان عن التهديد القادم من مصر، وعن عزم سليم العثماني غزو البلاد. كان السُّلْطَان «عِمَارَة» مهتماً بأمر السُّلْطَان سليم العثماني. وفي ذلك اليوم جرت الأحداث حين أذن السلطان للسمرقندي بالكلام . وعندما الشيخ عبداللطيف يصاب بالدهشة. فقد فوجيء بالرجل؟ اليهودي «داود رُوبِينِي»؟ يالطيف. هذا ليس الشريف «داود» يامولانا. سبحان الله. ما الذي أتى بك إلى هذه البلاد يا «رُوبِينِي»؟ من يهود اليمن! نهض «رُوبِينِي» واقفاً وسُرْعان ما استأذن في الخروج. فأذن له السُّلْطَان وهو مستغرق في الضحك. ثم استأذن «رُوبِينِي» في اليوم التالي مباشرة لمغادرة البلاد كلها، فأذن له. فقد فوجيء بحديث (السَمَرْقَنْدِي).

رأيت أن أزور «السَمَرْقَنْدِي» يوماً، بعد أن انتقل إلى سِنَّارْ. قام واستقبلني ورحب بي، فقلت له: ما الذي جاء بك إلى هذه الأصقاع . قال: سمعت اليهود هناك يتحدثون عنها بحرقة ثم ذهبت إلى بيت المقدس في رحلة الصيف، فسمعت النصارى يتحدثون عن هذه الدولة الوليدة .لذا فقد رأيت أن ألزم السُّلْطَان لأدفع عنه المؤامرات، وأذب الطامعين. لاحظت خلال وجودي قريباً من السُّلْطَان أن له عدداً كبير من الزوجات يا أبا محمود! للسلطان ستمائة زوجة يا «عَبْد السَّمِيع» ! أمضيت مع «السَمَرْقَنْدِي» يوماً واحداً لكني تعلمت منه الكثير. هذا الرجل ممتليء علماً وحكمة. وسوف أكثر من زيارته كلما وجدت لذلك سبيلاً.

قابلت الشيخ إدريس ود الارباب. شاب لم يتجاوز العشرين جميل المحيا. له شلخ على هيئة سلم في كلا صفحتي وجهه. لما رآني قام وعانقني . صلى الشيخ «إِدْرِيسْ» بالناس صلاة عيد الأضحى، قام يكبر الله ويعلن قيام السلطنة، وذلك قبل انصراف الناس من صلاة العيد، فصار العيد عيدين. وأعلن أن أن حدود السلطنة معلومة من جَنْدَل تُنْبُس عند كَرْمَة في السافل إلى جبال فازوغلي في الصعيد ومن سواكن في الشرق إلى بحر أبيض في الغرب. أَرْبَجِي هي حدود مَشْيَخَة قَرِّي والحَلْفَايَة مع مملكة الفُونْج فمنها صعيداً يتبع لسلطان الفُونْج لا دخل لمشايخ قَرِّي فيه. ومنها للسافل إلى تُنْبُس المَحَس وكَرْمَة تديره مَشْيَخَة قَرِّي تحت الشيخ عبدالله ويخضع للملك «عِمَارَة» .. في ذلك اليوم أمر الشيخ «جَمَّاعْ» بنحر الأضاحي وأمر السُّلْطَان بنحاسه فأهداه للشيخ «إِدْرِيسْ».

ثم زرت الشيخ «إِدْرِيسْ» يوما إذ جاءت إمرأة هاربة هاربة تطلب الأمان عنده. عرف الشيخ على الفور أنها من بنات الملوك. كشفت اللثام فوجيء بأنها الأميرة «بياكي» الفُونْجية، زوجة السُّلْطَان «عِمَارَة» نفسه فانزعج الشيخ. فصرف الحاضرين وطلب مني البقاء برفقته. فانطلقت تحدث الشيخ أنها أنجبت للسلطان ولداً ذكراً أخرجوها من القصر ليمنعوها من معاشرة زوجها السُّلْطَان، بعدما أخذوا منها ولدها لتتم تنشئته في (قصر السواكرة). لكن فؤادها انفطر على ولدها، فجاءت متخفية ليشفع لها .. لكن السُّلْطَان لا يملك أن يعيد الولد، ولا يتدخل في شئون (مقدم السَّوَاكْرَة) فلدى الفُونْج عند وفاة السُّلْطَان أن واحداً فقط من أبنائه يتم اختياره خلفاً له ثم يقومون بقتل الأبناء الآخرين حتى لا يظهر منافس للملك وسط العدد الكبير من الأمراء.

بعد إعلان السلطنة انتقل «عِمَارَة» من لولو إلى سِنَّارْ لتكون عاصمة ملكه. شارف قصره على الانتهاء. فقد جلب المعماريين من مصر والشام. وبعد انتقال السُّلْطَان إلى قصره الجديد سرعان ما هاجرت كثير من القبائل والأجناس إلى سِنَّارْ، وكثر (الجلابة) استقروا في أسواق المدينة وأنشأوا الصناعات الحرفية، فظهر نسيج الدمور والقطن والمصنوعات الجلدية، وصناعة الأحذية الصَّرْمُوجَة والفُونْجاوي، وأباريق الجلود (الرِّكْوَة) والخُرْج وسوط العَنَج، والرَّحْط والحِزام والشِّكَال، والِمخْلاة والدَّرَق (من جلود فرس النهر أو الخرتيت) وأغماد السيوف والخناجر!

ثم جاءت الصاغة من مصر وبلاد المغرب، وانتشرت صياغة الحُلِي وصناعة المراكب والسَّواقي وأدوات الزراعة، من مِنْجَل ونَجَّامَة وسَلُّوكَة وَوَاسُوقْ، وازدهرت النجارة لصناعة الأبواب والشبابيك بينما بدأ التجار يجلبون صناعات الفخار من أزيار وقُلَلْ وأباريق وقَوَاديس من بُتْرِي. ثم أمر السلطان بإنشاء صناعة سك النقود من الذهب والفضة. والسلطان أمر أعوانه باستخراج الذهب والفضة والحديد والنحاس كما أمر بصناعة الأسلحة من سيوف وحراب وَدَرَق.
الصادق عبدالله 16 فبراير 2018

 

د.عثمان أبوزيد يكتب: لمحة أولية عن تشريقة المغربي


رواية عمر فضل الله الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية

osmanلم يكن مفاجئاً لي فوز الدكتور عمر أحمد فضل الله بجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي التي أقيمت فعالياتها النهائية الليلة الماضية (الخميس 15 فبراير). وكنت غردت قبل وقت قصير في (تويتر) بأن الدهشة سوف تصيبني إن لم يفز (…)!

وكان تعليق الدكتور عمر بعد فوزه: “ما بين الأقواس في التغريدة هو عمر أحمد فضل الله بكل تأكيد. شكراً على حسن ظنك في أخيك بأنه لا يمكن إلا أن يفوز، والحمد لله أنني لم أخيب ظنك، فلله الحمد والشكر. طبعاً كنت زاهداً في المشاركة ودخول المسابقات، لكنه شجعني وحفزني وقال لي: توجد لجنة نزيهة للتحكيم فيما يعلم، فحفزني ذلك على الاشتراك”.

انتبهت لأعمال عمر فضل الله منذ روايته الأولى (ترجمان الملك)، وقد شرَّفني بعرض مخطوطات رواياته قبل النشر، في نهج يسير عليه كبار المؤلفين حين يتخذون لأنفسهم ما يعرف بالـ (ساوندينق بورد)، ولعل ذلك مأخوذ عن مؤلفي الموسيقى كما يوحي الاسم!

كنت قلت للأخ عمر بعد قراءتي رواية التشريقة: إنني أعجب كيف استقامت لك اللهجة المغربية، فهل عشت مع المغاربة حتى تتقنها إلى هذه الدرجة؟

وقال الروائي الجزائري المعروف واسيني الأعرج: رواية تشريقة المغربي لابد أن يكون كاتبها مولوداً في المغرب وليس سودانياً لما تضمنته من فهم الثقافة المغاربية ومصطلحاتها.

والحق إن الدكتور عمر يجتهد كثيراً جداً في أن يعيش جو الرواية، فينقب في بيئتها أيما تنقيب. والرواية المعرفية كما سماها الناقد القدير هيثم الطيب، لا تكون إلا نقلاً أميناً لوقائع التاريخ مع شيءٍ من الغموض الفني الذي يعطي النص الروائي حلاوته وطلاوته.

عندما تذكُرُ رواية تشريقة المغربي شخصية مثل الشيخ إدريس ود الأرباب، تمنحه ما قد أعرض عنه رواة التاريخ ربما عمداً…

إن السلطنة الزرقاء التي حكمت السودان قرون عديدة، نشأت نواتها على يدي هذا الرجل الذي عرض عليه الحكام نصف (دار العسل والبصل) ليصبح حاكماً عليها، غير أنه اعترض على ذلك بحسم، وآثر أن يعتصم بمهمته الروحية والدينية. فهو الذي جمع عمارة دنقس قائد الفونج وعبد الله جماع قائد عرب القواسمة في عام 1529م. وفي ذلك عبرة تاريخية مهمة أن هذه البلاد لا يستقر الحكم فيها إلا عن طريق كتلة تاريخية تؤلفها القوى السياسية الحية، وتقوم على هذا التلازم الضروري بين الدين والسياسة بشرط أن يصبح الدين عامل مزج وتوحيد لهذه القوى السياسية لا عامل تفتيت وتشتيت.

كانت سنار هي التعويض التاريخي لدولة الأندلس، فبعد انتهاء دولة الإسلام في المغرب الأقصى، سرعان ما قامت للإسلام دولة في هذه المنطقة، جذبت إليها العلماء والمثقفين للعيش في أكنافها.

إنك لكي تمتع نفسك بقراءة هذه الرواية، عليك بقراءة رواية (أنفاس صُلَيحة)، فهذه امتداد لتلك. وأبطالهما أفراد أسرة فرَّت من الأندلس وأقامت بالمغرب حيناً من الدهر قبل أن تتوجه تلقاء سنار.

وهذه الأعمال جميعاً تستحق دراسات نقدية جادة، فنلفت إليها أنظار أقسام اللغة العربية في الجامعات، والصفحات الثقافية في الصحف، وكذا البرامج التلفزيونية.

بل كنت اقترحت من قبل على منتجي الأفلام الروائية السينمائية أن يهتموا بهذه الروايات التاريخية، فهي تصلح أن تكون مادة لإنتاجهم.

يظن البعض أن الاستراتيجية والحزبية السياسية فقدتا سياسياً مرموقاً حين ابتعد عن ميادينها الدكتور عمر فضل الله. وفي ذلك كسب وأي كسب للساحة الأدبية والفكرية، فهذا مكانه اللائق به وبأمثاله. وصدق شيخنا عبد الله الطيب حين قال في قصيدته حظ الأديب:

وميدان السياسة ليس فيه *** نقيرٌ للأديب ولا فتيلُ…