شاهيناز الفقي تكتب: سوسيولوجيا الأدب الإفريقي بين السرد التاريخي وشخصية المكان في “ترجمان الملك” لعمر فضل الله


رواية ترجمان الملك للكاتب السوداني عمر فضل الله، تجري أحداثها خلال حقبة مهمة في القرون الوسطى في بقعة من العالم ربما تكون غائبة عن ذهن القارئ العربي، وهي منطقة الحبشة في شمال شرق أفريقيا، يهتم فيها فضل الله بالتاريخ وبحكم قربه من المنطقة التي جرت فيها الأحداث فقد استطاع بمهارة أن يروي لنا تاريخ يغفل عنه الكثيرون، وقد استند في روايته للمصادر الموثوق منهامثل كتب السيرة والحكايات الشعبية والأساطير.
المفتاح الأول أو العتبة الأولى للنص هو العنوان ومن المعلوم أن سيمائية العنوان هي النسق الأول للدلالة على بنية النص وجوانبه الفنية، وهو بمثابة الشعاع الذي يضيء للقارئ ما استشكل عليه في النص، وقد جاء عنوان ترجمان الملك للدلالة على شخصية البطل والشخصية الرئيسية في الرواية وهو الملك النجاشي.
الإهداء أماط اللثام عن محبة تصل حد القداسة والتبجيل الشديد من الكاتب للنجاشي، ومن منا لم يعرف أو يسمع عن نجاشي الحبشة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ملك لا يُظلم عنده أحد وعادل في حكمة كريم في خلقه” والذي آوى المسلمين إليه عندما اشتد بهم التعذيب فآواهم، ورفض تسليمهم لقريش وأحسن ضيافتهم وعند وفاته في السنة التاسعة صلى عليه سيدنا محمد صلاة الغائب قائلًا لأصحابه: “قوموا فصلوا على أخٍ لكم مات بغيْر أرضكم”.
ولكن للحكاية بعدا آخر استمتعت به في رواية الكاتب عمر فضل الله، وقد استخدم في السرد أسلوب التأطير أو الحكاية داخل الحكاية ومن هنا اختلفت زوايا الرؤية، فالراوي يستدعي لنا سيسي بن ابيلو ليحكي لنا قصته ليقرر ذلك المُستدعى من الماضي أن يزيح الراوي ويروي هو حكايته قائلًا: “سوف أتولى رواية قصتي بنفسي في الصفحات التالية لن أسمح أن يرويها أحد غيري”.
يبدأ الحكي عن جده دلمار ترجمان النجاشي وكاتبه لملوك العرب، لندخل في حكاية أخرى هي حكايات الجد عن علاقته بهاشم جد أبي طالب من الجزيرة العربية وكيف كان يحبه، وهو صغير في السن فيطعمه الثريد ويتعجب من سرعة إتقانه للغة العربية، ويتجلى هنا شدة إعجاب بن ابيلو بجده فهو يصفه بأنه كان حكيمًا وله معرفة مدهشة بالرجال ونظرته ثاقبة وحكمه صائبًا لا يخطئ.
ومن خلال الحكي عن الجد يحلق بنا لمتعة أخرى في حكايات أخرى على لسان الجد وهو يحكي للحفيد عن علوة وأكسيوم وسوبأ الجديدة ومملكة سبأ القديمة، عاداتهم ومظاهر الحياة في تلك المناطق وعن رحلاته لإخميم وإيكبوليس (أسيوط) وغيرها، ويحكي له قبل موته عن النجاشي أصحمة بن الأبجر وقصة مقتل أبيه، وحادثة خطفه لبيعه في سوق العبيد وكيف تم تخليصه من بين أيادي التجار وتنصيبه ملكًا.
يدخلنا الراوي (سيسي بن ابيلو) بعد ذلك في تفاصيل عالمه. البيت الذي نشا فيه وأمه تانيشا، علاقته بجده واختفاء والده المريب حتى إن الجد يعنفه عندما رآه يرتدي قميص أبيه، زياراته للكنيسة وأسئلته الدائمة للأب يؤانس وللجد مما ينم عن شغفه للمعرفة، سنجاتا الحب الأول والقبلة الأولى تحت شجرة الأراك.
ننتقل معه لجزية التمساح حيث الساحرة سيمونة وبنات اليهود من بني قريظة وبنو قنيقاع اللاتي يرسلهن الأهل لتعلم السحر الأسود، ودور هذه الساحرة في حراسة التابوت المقدس الذي نقله اليهود لكنيسة مارية في شمال أفريقيا.
من اليهود والكنيسة وتعاليم الكتاب المقدس لرحلة العرب للحبشة فارين من بطش وتعذيب قريش لهم وكيف استقبلهم النجاشي وأحسن ضيافتهم، وصداقة نمت بين سيسي بن ابيلو والزبير.
يتطرق الكاتب لقضايا مهمة مثل تجارة الرقيق من تعرضه لقصة خطف النجاشي أصحمة بن الأبجر لبيعه في سوق العبيد بعد مقتل أبيه الملك حتى يبعده الوزراء عن الحكم ويستفيض في الحديث عن هذه التجارة الغير إنسانية، وكيف كان التجار يغيرون على القبائل فيخطفون النساء والغلمان لبيعهم ونفوذهم وسيطرتهم على الوضع في تلك المناطق.
وجانب من حياة العرب من خلال الأحاديث بين نسوة سوبأ وبين المهاجرات إلى الحبشة فيتحدثن عن الختان ورفض العرب الختان الكامل للفتاة الذي يضر بها في الزواج والولادة بخلاف اليهود الذين يعيرون المرأة التي لم تختن ختانًا كاملًا.
استخدم الكاتب أسلوبا سلسا للحكي لغة راقية، بناء الشخصيات موفق جدًا، استفاض الكاتب في وصف المكان بما يتناسب مع طابع الرواية المعرفي السيسيولوجي إن جاز التعبير.
الكاتب عمر فضل الله الحائز جائزة الطيب صالح عن رواية تشريقه المغربي وجائزة “كتارا” عن رواية أنفاس صُليحة وله العديد من الروايات الناجحة، استطاع أن يفرض الأدب الإفريقي العربي بقوة على الساحة المتعطشة لأدب جديد مختلف عما ألفناه في عالمنا العربي.

رابط المقال:
http://jedariiat.net/news/2057?fbclid=IwAR2avwsjETD2Tt7aOQDT8V4dNAp0b8UksYb4FCNoJ2T1nvW8wn9rPgIlU9w

صلف الوثيقة وسماحة التخييل في تاريخيات عمر فضل الله


بقلم أسامة سليمان

السؤال الذي يتعثر فيه من يلج عوالم رواية تاريخية أو لنقل رواية تتحرك في فضاءات التاريخ هو: ما الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال؟ يشخص هذا السؤال عند كل تطور في الأحداث ويكمن في تفاصيل كل قفزة جمالية ، لكن الدكتور عمر فضل الله في رائعتيه ” ترجمان الملك ” – دار نهضة مصر ٢٠١٣ و” أنفاس صليحة” مدارات ٢٠١٧ ( الحائزة على كتارا ٢٠١٨؛ لايعمل فقط على تجريد قارئه من هذا السؤال وإنما يذهب أبعد من ذلك فما أن تدخل سوبا العامرة ( في ترجمان الملك) والمتهاوية في ( أنفاس صليحة ) حتى تندمج في حيوات أبطال الروايتين غير آبه بمدى الصحة التاريخية للعلاقة بين الترجمان الراوي وبين الزبير بن العوام في (ترجمان الملك)والحقيقة التاريخية ل( صليحة ) نفسها في ( أنفاس صليحة) حيث تمكن الكاتب وبمهارة من تجريد الحقائق التاريخية من سطوتها ، والوثيقة من صلفها منتصراً للتخييل في سبيل بناء روايته .
وإن كانت سوبا هي مسرح الأحداث لكامل أحداث ( الترجمان) وأغلب ( الأنفاس) فإن الزمن هو الفارق إذ يفصل بين الروايتين ما لايقل عن الخمسمائة عام ، بين سوبا القوية المزدهرة في عهد النجاشي وسوبا التي تتهاوى في (الأنفاس).
وبينما تعتمد الترجمان أسلوباً سردياً أقرب إلى التقليدي تتابع فيه الأحداث طبقاً لتسلسلها الزماني الواقعي ، فقد توسلت أنفاس صليحة طرائق مختلفة في السرد ؛ بل هي جديدة يسافر فيها الراوي من خلال ( أنفاس جدته صليحة / البطلة) إلى أزمان متعددة، والبطلة هي التي تسمع حكايتها من حفيدها الذي لم يشهدها وقد وقعت قبل مولده، وفي رأيي أن هذه مغامرة سردية متجاوزة.
ونحن إزاء هجرتين – على مستوى الأحداث- في زمنين مختلفين إلى سوبا حاضرة علوة المسيحية ؛ الأولى : هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة؛ وهنا نعود لنؤكد أن الكاتب لم يدع مجالاً للتساؤل حول محط الهجرة وما إذا كان لسوبا أو غيرها فقد نجح في سوقنا إلى مغامرته الجمالية التي يتضاءل أمامها السؤال ، والثانية: هجرة صليحة من المغرب ، واللافت أن الكاتب في هذه الأخيرة أوغل في التفاصيل والحياة في المغرب قبل الهجرة ، مستخدماً لهجة مغاربية في حواراته وإن لم يكثر منها فإنها أدت مقاصدها ، كما أورد تفاصيل رحلات الصحراء بدقة.
وظنّي – وليس كل الظن إثماً- أن الكاتب عمد إلى مستوى من اللغة أسميه اللغة الفارهة ذات البناء المعماري الشاهق الذي لايعمد إلى الجنوح وكثرة التجاوزات ليتناسب مع فخامة التاريخ والأحداث التي يرويها.
وبالنظر إلى الشخصيات نجد أن شخصيات ( أنفاس صليحة) على كثرتها فإنها تؤدي أدوراً مساندة ثم لاتلبث أن تختفي حتى الجد الذي تدور الأحداث بحثاً عنه يختفي منذ الصفحات الأولى ليظهر في النهاية ، وهذا يكاد ينطبق على شخصية رئيسية أخرى وهي دوانة ( عجوبة) فعلى الرغم من خطورة دورها في الرواية وفي خراب سوبا فإنها لم تشغل مساحة واسعة واستعاض الكاتب عن ذلك بتحريك الأحداث بسرعة منذ ظهورها حتى مغادرتها سوبا المحطمة ، في مقابل ذلك تعج ( ترجمان الملك ) بعدد كبير من الشخصيات الرئيسية ، وهنا أحب التوقف قليلاً عند شخصية الزبير بن العوام التي كانت أكثر شخصيات الصحابة المهاجرين بروزاً ما أعتقده دليلاً على أن الكاتب تخلص من سطوة الحدث لصالح خلق شخصياته بما يخدم عمله .
وعلى الرغم من أن العملين تفصل بينهما فترة معتبرة تاريخياً، والأغلب أن فضل الله أنتجهما في أزمان متباعدة إلا أن هناك سمات مشتركة وخيوطاً غير مرئية تربط بينهما غير المكان سوبا والحدث الرئيسي الهجرة في كليهما ؛ وأعني الشخصيات أو سماتها فهناك الكنيسة التي يمكننا تصنيفها من ضمن شخصيات العمل بما تحويه من مؤثرين في صنع القرار والدور التخريبي الذي قامت به في العملين ، كذلك دوانة/عجوبة في الأنفاس والساحرة سيمونة في الترجمان، ولا أظن أننا سنتعسف إذا قارنا بين هاتين الطفلتين صليحة في الأنفاس وسنجاتا في الترجمان : “وانطلقت تجري نحو بيتها، وكانت قد ربطت شعرها ضفيرتين، وكانتا تتقلبان بالتبادل بين كتفيها الأيمن والأيسر، وهي تجري تهز رأسها يميناً وشمالاً ، وترفع عقبيها بتكلف فيضربان على ردفيها برفق وهي تجري” ( ترجمان الملك ٤٣-٤٤) و “تركضين في جنون صوب ذراعيه المشرعتين لاحتضانك، فردة السباط تطير منفلتة من قدمك اليمنى وتتقلب في الهواء قبل أن تسقط على رمل الساحة، بينما تبقى اليسرى متشبثة برجلك تأبى أن تفارقها، لتجعلك تتعثرين فتسقطين ويمتليء فمك بالرمل لكنك لاتأبهين” ( أنفاس صليحة ٤٣).

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية :نقد

رابط المقال:
https://elaph.com/Web/Culture/2019/11/1271683.html#

رؤية عن رواية “تشريقة المغربي” للكاتب عمر فضل الله.. بقلم : هبة السيهت


1- الرواية ممتعة ، والسرد سلس ، والتشويق كان تلقائي دون افتعال او استدعاء من الكاتب . والانتقال بين الشخصيات سار بشكل متسق لم نشعر فيه بانقطاع .

2- يتحكم الكاتب بمهاره كبيرة في ضبط الوضع الخاص للعدسات التي نراقب عالم القصة من خلالها .فيوجهنا الي مجلس الملك ، ويصف لنا عظمة هذا المجلس ، ثم يعرفنا بنفسه بطريقه لطيفه – جالسا يمين الملك ككاتب حججه.

فيبني علاقة حميميه سريعة ، ويزيد التعاطف الوجداني بين القارئ والشخصية الرئيسية .

3- يرفع مستوي التشويق في بداية الرواية بحكاية اعتقاله واصفا حالة خوفه ورعبه ثم يحكي قصة رحلته الي السلطان وتفاصيلها مع القائد (شاور)

الخطوط البنائية في الرواية

———————–

4- الخط الرئيسي في القصة هو حياة (عبدالسميع المغربي ) وهي شخصية من اختراع الكاتب ، ومن خلال قصة حياته يستعرض الكاتب مادته التاريخية .

– ومن هذا الخط تتفرع خطوط اخري كبيرة وصغيرة :

فيتولي عبد السميع وهو الشخصية المحورية تعريفنا بمجلس السلطان ونظم التعامل فيه ودرجات الناس قربا وبعدا من السلطان ، ويسأل شاور ليجيبه ، ويسأل ادريس ود محمد ليجيبه ، ويسأل الشيخ السمرقندي ليجيبه ، فتتجمع من هذه الاجابات المادة التاريخية التفصيلية .

– شخصية ( زوجته صليحه) : احتفظ لها بالعاطفة والحنان ، والموئل ، والملاذ ، والاحلام ، وليس لها كبير دور اللهم الا في مجلس النساء التي استمعت فيه لاخبار النساء وعادتهن في الولادة والتوليد . فدورها كقناة توصيل للمادة التاريخية كان محدودا .

– هناك خط ثانوي : هو خط ( شاور) وقدم بعض المادة التاريخية في اول القصة

– خ

شاور مع الطريفي مع زوجة السلطان ، ومحنة كتابة الحجج . وهو خط درامي ولم يكن قناة للتوصيل

– خط ثانوي: هو خط (الاميره بياكي وابنها ) ومحنة قتله . ومبدأ قتل السلطان الجديد لاخوته ذكر سابقا ، فلم يكن هدف هذه الحادثة الا معايشتنا لمعاناة عبدالسميع لموت امه وابيه وتصوير بشاعة هذا الحدث ومدي تأثره نفسيا به . ليجهزنا لاستقبال حياة الام والاب في نهاية القصة .

– خط ثانوي اخر: هو الحوار بين عبد السميع وداود روبيني اليهودي من اسئلة لداود يجيب عنها عبد السميع، (وروبين هذا بالفعل رحاله وله كتاب يعد احد مراجع هذه الفتره) .

5- اول ما يلفت انتباهنا اختيار الكاتب لرواي القصة والشخصية المحورية فيها ، وهو (عبدالسميع المغربي ) ، وهذا الاختيار يشير الي :

-ان الراوي غريب عن المجتمع الذي يقوم باستعراض موضوعه التاريخي لنا ، بل هو يصرح بذلك ولا يخفيه فهو ينظر اليه من الخارج (كسائح) ، وينقل ما سمعه او اطلع عليه، او حُكي له ، فاقتربت الرواية من ادب الرحلات ، كابن بطوطه مثلا حيث يحكي ما يشاهده كسائح .

6- الشخصيات الثانوية في القصة كلها سُخرت كقنوات لنقل التاريخ .حتي مجالس النساء حملت من المعلومات التي يريد الكاتب ان يعرفنا عليها ويبثها لنا .

ومن هنا فان الجرعة التاريخية المباشرة كانت احيانا اكثر من اللازم ، وتضاءل اشتراكهم في البنية القصصية.

7- علي الصعيد اللغوي :

” قالوا ان ان اطفال كثيرين ماتوا جراء ذلك بعد ما لمسوا جثث رصفائهم الموتي ” ص9

– كلمة (رصفائهم )، كانت فاقدة للدلالة ،وان لوحظ انها مستخدمه في الفضاء الادبي السوداني .

– لن تمل من النظر حولك عند الصباحات ..) ص 79

– كلمة (الصباحات ) ، قلقه معجميا ، فالجمع المعجمي (اصباح)

علي صعيد المادة التاريخية :

8- قصة المباهلة بين تلميذ الشيخ (ادريس ود محمد) ، والشيخ (علي الاجهوري) ، مضطربه للغاية ، ولا تتسق مع ما ورد في (طبقات ود ضيف الله) وهو اقدم المراجع في الموضوع ، والمذكور اقرب للروايات المتداولة شفهيا ، وبالتالي فهي لا تثبت تاريخيا بالشكل الذي ذكر في الرواية . فكانت تستحق المزيد من التدقيق ، وهي علي كل حال مقحمه علي النص فلم تضف لبنيته شيئا .

– ول(علي الاجهوري) ترجمه حافلة في (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) (لابن محب الحموي) ، لم يذكر فيها هذه القصة ، فلتراجع

9 – يبدو ان الفترة التي حكم فيها الفونج كانت فترة انتشار الاسلام وتمكنه وهو ما يكاد يكون مغايرا لما نلمحه في وصف الكاتب للمجتمع في تلك الفتره (انظر كلامه في فصل (سناريات ) عن انتشار الزندقه ، وعن الفقرا وانهم في اكثرهم يعملون بالسحر ، ثم قلة الكتب والمخطوطات لدرجة الندرة ).

– حيث يقول الباحث (تاج السر عثمان ) ” تفاعلت تعاليم الإسلام مع الموروث المحلى ، وكانت الحصيلة الإسلام السوداني المتميز الذي اتسم بالتسامح وتنوع الطرق الصوفية والدينية ، ووحدة الفقه والتصوف ، وتعدد الذاهب ( المذهب المالكي والشافعي ) ، وظهور التنظيم الصوفي الاجتماعي كشكل أرقى واوسع من التنظيم القبلي ، واصبحت الطريقة الصوفية تضم أشخاصا من قبائل مختلفة مما اسهم في خلق رابطة أوسع من رابطة القبيلة وبالتالي شكل ذلك البذور الأولى للشعور القومي “.

– ويذكر الباحثون انتشار مؤلفات السيوطي والشعراني ايام الفونج انتشارا كبيرا .

10- ونأتي الي نهاية الرواية :

نهاية الرواية والتي احيا فيها الكاتب الابوين بعد موتهما المؤكد ، كان يمكن ان تكون نهاية مسطحه ومبتذله ، لكن الكاتب استطاع بمهاره فائقه ، ان يجهز لها من اول الرواية ، بالاسر المتجمعة في بيت واحد ، ثم رفع اسانا وتعاطفنا للذروة مع هذا اليتيم في فصل (الاميرة بياكي ) وهو الفصل قبل الاخير ، ثم الهانا قليلا بقصة الامير الذي رفض الهرب للعوده لامه ، واوهمنا ان قصة الامير هي اساس الموضوع وان قصة طفولته ويتمه قصة ثانوية ، والامر كان علي العكس من ذلك تماما .

، بحيث انه لما زف الينا خبر حياة الوالدين قَبِلها القارئ بل ارادها في اعماق نفسه ، اذ كان قد تم تجهيزه لها تماما ، فقد وجه الكاتب قارئه ، وتلاعب بمشاعره ، ووضعه حيث اراده تماما ، لقبول احياء الوالدين ، وهي براعة كبيرة من الكاتب .

رؤية عن رواية “تشريقة المغربي” للكاتب عمر فضل الله.. بقلم : هبة السيهت

ملتقى السرد و”غادة صلاح” يحتفيان بـ”تشريقة المغربي” لعمر فضل الله


أقيمت ضمن مبادرة سلسلة الجوائز بملتقى السرد العربي، برئاسة الدكتور حسام عقل بالتعاون مع صالون غادة صلاح الدين، ندوة لمناقشة رواية “تشريقة المغربي” للروائي السوداني الدكتور عمر فضل الله، والتي حصلت على جائزة الطيب صالح العالمية.

استهلت المناقشة الكاتبة غادة صلاح الدين بحوار أجرته مع الكاتب عمر فضل الله ، وضح فيه سيرته الذاتية والأدبية بوطنه الأم السودان والمؤهلات التي حصل عليها ما بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، كما حصل على دكتوراه في تقنية المعلومات من لوس أنجلوس في العام 1987، مؤكدا أن ما يكتبه يتماشى مع الواقع من خلال تدعيمه للرواية المعرفية عبر كتابته للشعر التي دعمت كتابته للرواية، مضيفًا أن من ينجح في كتابة الشعر يستطيع أن يكتب الرواية بملكة قوية.

استهل الدكتور عبد الرحيم درويش وكيل كلية الإعلام ببني سويف مداخلته النقدية مؤكدا عملقة عمر فضل الله في الرواية، فكل رواية عبارة عن جزيرة لو تم جمعها سنُكَوِن مجموعة من الجزر الثرية وهي عبارة عن أدب فضل الله الغزير والعميق في رؤياه.

وأضاف “درويش” أن “فضل الله” كاتب عروبي وإسلامي بنزعة الصوفية وهي منبت تأسيسه كإنسان ومبدع ، تشعر في كلماته فيوضات نورانية وسبوحية تعطي لنا العمق في التفكير تجاه مختلف القضايا الإنسانية.

فيما أكد الدكتور حسام عقل أن “فضل الله” قدم صورة جديدة للقص والحكي السوداني بشكل مميز في “تشريقة المغربي” وهي نزعة جذرية تتمثل بالتلاعب الصوتي للكلمات من خلال رحلة البطل من المغرب إلى السودان وهي رواية تندرج تحت أدب الرحلة.

وأضاف “عقل” أن أسلوب “فضل الله” ساخر يجعلك تضحك وتفكر ثم تبكي مع ترسيخ الفضاء الشمولي وتأكيد النزعة الصوفية التي تشعرك بالمكابدات، وهو هنا قريب من أسلوب الكاتبة التركية ألف شفق صاحبة التحفة الإبداعية “قواعد العشق الأربعون”.

رابط الخبر:
http://jedariiat.net/news/1986?fbclid=IwAR33u2Qg-cw2G6sxQJpVfCAg4IPjjzTAUdTTbkxEXHzn2OWacC5s31E0l-0

د.عمر فضل الله: نعتني النّقاد براوي الأسطورة. – حوار عائشة محمد عسيري


حوار/ عائشة محمد عسيري

من بلاد الطيّب صالح، ومن على  ضفاف النيل الأزرق، نبتت موهبة غنية بالإبداع، والتميز، كما تنبت الزنابق، وتتفتح. حفظ القرآن، وأنشد الشعر، وأولع بالتاريخ، والحكايات، والأساطير. كل ذلك، أثمر لنا مبدعاً بشكلٍ استثنائيٍ مدهش.
ضيف حوارنا لهذا العدد هو الروائي، والشاعر، والمؤرخ السوداني،  الدكتور/ عمر فضل الله.

في مستهل هذا اللقاء يسعدني أن أرحب به، وأن أشكره أن أتاح لنا فرصة محاورته ، ونبدأ معه حوارنا لهذا العدد.

  • نبذة تعريفية عن الضيف.

– دكتور عمر، هلا أعطيتنا نبذةً تعريفيةً بك؟

_ ولدت عام 1956 بقرية العيلفون على ضفاف النيل الأزرق ونشأت فيها. حفظت القرآن، والشعر، وقرأت الأدب منذ الصغر.
كنت متفوقاً في جميع المراحل الدراسية، ومن الأوائل في المراحل الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، ومن المتفوقين في الجامعة.
اجتزت امتحانات الشهادة الثانوية بتفوق، وكنت من العشرة الأوائل.
التحقت بجامعة الخرطوم عام 1976، فأمضيت فيها سنة واحدة، ثم غادرتها بسبب الاضطرابات آنذاك، وعدم استقرار الدراسة، فسافرت إلى المملكة العربية السعودية لأكمل تعليمي الجامعي.
حصلت على منحة دراسية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، وفيها نلت درجة البكالوريوس بدرجة امتياز عام 1980 – 1981
التحقت بجامعة كاليفورنيا لوس انجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1981، حيث نلت درجتي الماجستير، والدكتوراة عام 1987.
عملت بالمملكة العربية السعودية حتى عام 1991.
عملت محاضراً بالجامعات السودانية، ومؤسساً لعدد من مؤسسات، ومراكز البحوث، والدراسات.
أسست مركز الدراسات الاستراتيجية، والمركز القومي للمعلومات بالسودان، وأسهمت في إنشاء المكتبة الوطنية السودانية.
هاجرت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1996، حيث عملت مديراً لمشاريع تقنية المعلومات، وأنظمة الحكومة الإلكترونية بأبوظبي.

المؤهلات الأكاديمية:

دكتوراة علوم الحاسب الآلي تخصص نظم المعلومات جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس 1983 – 1987

ماجستير علوم الحاسب الآلي (نظم المعلومات) جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس 1981 – 1983

بكالوريوس الإعلام والاتصال جامعة الملك عبد العزيز جدة  1976 – 1980

المؤلفات

مؤلفات باللغة العربية:

موسوعة، ومعجم مصطلحات الحاسوب – الهيئة العليا للتعريب – الخرطوم 1994

مجموعة بحوث وأوراق عن التعريف بالشبكة الدولية (الانترنت) 1992 – 1998

دليل أنظمة المعلومات والشبكات في افريقيا. 1995

مجموعة أوراق عن أنظمة المعلومات ضمن أعمال مؤتمر الشبكة القومية للمعلومات بالسودان. 1994

مناهج وكتيبات ومحاضرات لطلبة علوم الحاسوب في جامعة السودان وجامعة الخرطوم وغيرها. 1994

حرب المياه على ضفاف النيل – حلم اسرائيل يتحقق – دراسة عن سد النهضة الإثيوبي وآثاره – دار نهضة مصر 2013

ترجمان الملك – رواية – دار نهضة مصر 2013 (تجري ترجمتها إلى 7 لغات عالمية)

أطياف الكون الآخر – رواية – دار الياسمين – إمارة الشارقة 2014 (تجري ترجمتها إلى 7 لغات عالمية).

زمان الندى والنوار – ديوان شعر – جدة 1990

زمان النوى والنواح – ديوان شعر – ابوظبي 2009

تحقيق كتاب تاريخ وأصول العرب بالسودان للفحل الفكي الطاهر – دار المصورات للنشر – الخرطوم 2015

نيلوفوبيا: رواية – دار مدارات للنشر – 2016

أنفاس صليحة: رواية – دار مدارات للنشر 2017 (الرواية الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الرابعة 2018)

تشريقة المغربي : (الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في دورتها الثامنة – 2018)

ذاكرة الأرض: مخطوطة رواية

رؤيا عائشة: مخطوطة رواية

الحيتان لا تطير إلا في سماء برمودا: مخطوطة رواية

نافذة في سماء الكهرمان: مخطوطة رواية

مؤلفات باللغة الإنجليزية:

Automated Libraries 1983

RDBMS on Small Scale Computers. 1987

Fundamentals of Strategic Planning. 1991

The Future of Information Network Systems in the Sudan. 1992

  • بَدَأْتُ نظم الشعر مبكراً، لكن تَأخرتُ في كتابة الرواية.

– متى بدأ د/ عمر فضل الله  مشواره الأدبي؟

_ بدأت مشواري الأدبي مبكراً في الابتدائية، حين ألفت القصائد، بعدما حفظت الشعر الجاهلي، واشتهرت بكوني شاعر الفصل، ثم شاعر المدرسة، ثم عرفني زملائي الطلاب في جميع المراحل، بكوني شاعراً.
لكن كتابة الرواية، جاءت متأخرة بعد الأربعين! ولبداية كتابتها قصة، فقد نظرت فيما كتبه كثير من الروائيين، فوجدت أن أعمالهم بعضها إسقاطات لسيرة حياتهم، أو سردٌ لواقع مجتمعاتهم، ونظرت أيضاً، فرأيت أن البعض كتب الرواية من أجل إمتاع القارىء، أو زيادة حصيلته في اللغة. وكثيرون كتبوا في الأسطورة، أو الروايات التاريخية، لكنّي لم أجد من كتب رواية معرفية؛ تقدم للقارئ معرفة حقيقية عن التاريخ، والجغرافيا، والأدب، وعلم النفس، وغيرها من المعارف، فعزمت أن أقدّم للقارئ الرواية المعرفية.

  • حفظ القرآن، أثر على أعمالي الأدبية لاحقاً.

–من خلال البحث في سيرتك الموفقة، عرفت أنك حفظت القرآن في سن مبكرة. مامدى تأثير ذلك على مسيرتك الأدبية، والعلمية؟

– القرآن نعمة من الله لمن يحفظه، فهو يغير حياته، ويرقّي فهمه، ويصقل معارفه. فقد كان حفظ القرآن في هذه السن حافزاً لي، أثرى مفردات اللغة عندي، ووجدت أن في القرآن الكثير من القصص، والحكمة، والعلوم والمعارف، وأبواب العلوم، فلما شرعت في كتابة الأدب، كان القرآن قد زودني بحصيلة لغوية، ومفردات أدبية، وفهم للحياة، وانعكس ذلك على أعمالي، ومؤلفاتي سواء في الأدب، والرواية، والشعر، أو في غير ذلك من الأعمال العلمية.

  • روايتي (ترجمان الملك)، تستحق جائزة نوبل.

– بلاد الطيب صالح عبقري(الهجرة إلى الشمال)، هل نراها تُخرج لنا روايةً خالدةً، في القرن الحادي والعشرين، مماثلةً لرواية الطيب صالح، والتي صُنفت من ضمن أعظم مئة رواية في القرن العشرين؟

_ كنت قد كتبت رواية (ترجمان الملك)، ونشرت عام 2013م؛ لكنها لم تنتشر بالقدر المطلوب، وحينما انتبه الناس إليها مؤخراً، أنصفها النقاد أيّما إنصاف، فقد قدمت حولها أوراق المؤتمرات العلمية، وقال أحد النقاد، وهو الدكتور صبري زمزم: (ترجمان الملك حالة فريدة في الرواية العربية، لا يجرؤ أي أديب مصري أن يكتب بالطريقة؛ التي كتب بها عمر فضل الله في ترجمان الملك، فقد سار فوق الخطوط الحمراء، وعبر دون أن يمسها. عمر فضل الله تفوق على السوداني الطيب صالح، والمصري نجيب محفوظ. ترجمان الملك تستحق نوبل.) وكتب عنها كثير من النقاد، وهي رواية تحكي أحداث الهجرة الأولى للصحابة الكرام إلى الحبشة.

*استحقت أعمالي الفوز بجوائز عالمية.

– الشعر بالنسبة لك موهبةٌ فطريةٌ، وقد نظمته منذ المرحلة المتوسطة، لكن الرواية فنٌ يحتاج إلى الكثير من الجهد، والإبداع لدى الكاتب؛ لينجح فيه، فكيف استطعت أن تنجح في كتابة الرواية، وأن تبدع فيها إلى حد الفوز بجوائز عالمية؟

– قدمت في أعمالي الروائية شيئاً جديداً، من حيث النظرية؛ فقد قدمت نظرية (الرواية المعرفية)، وكتبت في مناطق مجهولة في أعماق افريقيا، وجمعت بين الحقيقة، والخيال، والأسطورة، وكتبت بلغة قال عنها النقاد، إنها لغة سامية متميزة. كنت أكتب الرواية بوجداني؛ فأعيش شخوصها، وأحداثها، لأروي بلسان كل واحد منهم ما أحس به، وأنا أتقمص شخصيته، فجاءت أعمالاً صادقة، استحقت الفوز بالجوائز العالمية.

  • أتنقل بين الشعر والرواية والحاسب.

–من يغلب على الدكتور عمر فضل الله، الشعر، أم الرواية، أم التاريخ، أم علم الحاسب الآلي؟

– بدأت بالشعر، وقرأت التاريخ، فساعداني حين كتبت الرواية. واستعنت بما تعلمته في مجال الحاسب الآلي، على أن أقدم أعمالي للناشر مجموعة، ومدققة، وجاهزة للطباعة. حين تتقمصني روح الشاعر،  أقول الشعر، وحين أنشط لكتابة الرواية، أتحول سارداً، وبين هذا، وذاك، أعمل في مجال الحاسب الآلي، وتقنياته.

  • القصة تزاحم الرواية

–هذا العصر، هو عصر الرواية بامتياز، هذه هي المقولة السائدة في الأوساط الأدبية الآن، فهل تتفق، معهم على صحة ذلك؟ ولماذا حظيت الرواية بكل هذه الحفاوة أكثر من الشعر، والقصة، سواءً لدى الكُتَّاب،أو القراء؟

– ربما قيل إن هذا عصر الرواية، لكثرة كتاب الرواية، وانتشارها، وتقلص مساحة الشعر، لدى أهل العربية، إلا أن القصة تزاحم الرواية أيضاً، فكثير هم كتاب القصص في هذا الزمان، والبعض منهم، ينشر القصص في مواقع التواصل الاجتماعي. أما الشعر فلا يحسنه إلا من أوتي ملكة كتابة الشعر، وعرف الروي، والوزن، والقوافي والعروض، وهم قلة في هذا الزمان. وقل متذوقو الشعر الفصيح.

  • إذا لم تقدم الجديد، فلا تكتب الرواية.

–متى يستطيع الكاتب الاتجاه إلى كتابة الرواية؟ وماهي شروط كتابة رواية ناجحة؟

_ كثيرون اتجهوا في هذا الزمان لكتابة الرواية، لكني دائماً أذكر نصيحة أحد النقاد حين قال: إذا لم تستطع أن تقدم للناس الجديد، المفيد، بلغة راقية، ورسالة واعية، ومعالجة عالية؛ تحقق المتعة للقاريء، فينشغل بروايتك عما حوله، ومن حوله، حتى يفرغ من قراءة عملك، ثم يرغب في إعادة الكرة، بعد المرة، ويخرج في كل مرة بفائدة جديدة، وفهم مختلف، ثم يأسف أنه وصل نهاية الرواية بهذه السرعة، فدع كتابة الرواية، فإنك لست من أهلها.

  • (تشريقة المغربي) تاريخ حقيقي.

– كيف نجحتَ في توظيف التاريخ في بلادك، في كتابة رواياتك مثل(تشريقة المغربي)، بالرغم من أن الخيال عنصر هام في كتابة الرواية؟

_ مزجت بين الخيال، والحقائق التاريخية، لأطرح أسئلة في فجوات التاريخ؛ توقظ عند القاريء توق العودة لقراءة المجهول من تاريخنا، أو المنسي، والمسكوت عنه. وهكذا تكون الرواية، قد أدت أحد أغراضها، فالرواية لا تحكي تاريخاً، وإنما تحبّب القاريء في قراءة التاريخ. (تشريقة المغربي) -على سبيل المثال- تناولت الهجرة المغاربية نحو المشرق إلى بلاد السودان، فكتبت عن تاريخ حقيقي، من خلال شخوص، وأحداث متخيلة.

  • الحقيقة والخيال في شخصيات رواياتي.

–الشخصيات عنصر أساس في الرواية، فمن أين تستمد كل تلك الشخصيات الموجودة في رواياتك؟

_ بعض شخصياتي حقيقية؛ عاشت حياة حقيقية، وتناقل قصصها الناس، جيلاً بعد جيل، وبعضها متخيل من واقع الأحداث، والتاريخ، والمجتمع القديم؛ الذي كتبت عنه. الأشخاص في رواياتي يؤدون أدواراً معينة، لأقدّم عبرهم رؤيتي في الحياة، والتاريخ، وأتحدث -عبرهم- مع القارىء، فهم مجرد وسيلة، وليسوا غاية.

  • ( راوي الأسطورة).

-ما نسبة الأسطورة في رواياتك؟وهل تأثرت في ذلك بالثقافات الأجنبية، أم أنها مستمدة من الأساطير في السودان فقط؟

_ لا تكاد رواية من رواياتي، تخلو من الأسطورة، وهي الحكي الشعبي، المتداول، والمتناقل في المنطقة، لكن الأسطورة عندي؛ هي أداة من أدوات التشويق قراءة الرواية. ثم إنّي اَستخدمها لأحدّث القارىء بالمسكوت عنه، أو الممنوع في المجتمعات القديمة؛ التي أكتب حكاياتها، وأسرد واقعها. لم أتأثر في كتاباتي بأي ثقافة أجنبية، رغم أني قرأت الكثير من الأدب العالمي، شرقيه وغربيه. فما عندنا من أساطير محلية، يكفي ويزيد. بل إن كل ما سردته من أساطير، منحصر في منطقة واحدة، في وسط السودان، لدرجة أن بعض النقاد أطلق عليَّ مسمى: (عمر فضل الله راوي الأسطورة).

  • هذا ماتناولته روايتي ترجمان الملك.

– روايتك (ترجمان الملك)، حدثنا عنها قليلاً لو سمحت؟

_ هي أول أعمالي الروائية، وقد نشرت عام 2013 م، فهي تجمع بين الخيال، والحقائق التاريخية في قالب إبداعي، وتروي قصة حياة الشاب سيسي بن أبيلو، ذي الستة عشر ربيعاً؛ الذي نشأ في العام 600 للميلاد في منطقة الحبشة القديمة، بوسط أفريقيا، وعاصر الأحداث العاصفة؛ التي شهدتها السنوات الأولى من القرن السابع الميلادي، وعاصر وفود العرب القادمين من مكة للاحتماء بالدولة المسيحية، والنجاشي، ثم الصداقة التي نشأت بينه وبين أحد الشباب العرب القادمين من مكة (الزبير). كما يروي حكاية جده (دلمار بن أرياط)؛ الذي كان يعمل ترجماناً للملك النجاشي، ويسرد صوراً لممارسات تجارة الرق، وبيع العبيد في ذلك الوقت، من خلال مذكرات الملك النجاشي الصغير. وتعكس الرواية الصراع الفكري؛ الذي كان يدور في ذلك الوقت بين الكنيسة، والقصر من خلال حوارات (دلمار) ترجمان الملك مع الكاهن أنطونيوس أسقف الكنيسة في سوبا، والحوارات بين الكاهن أنطونيوس، والشاب سيسي،  وبينه وبين الملك النجاشي.
كما تضمنت حوارات الملك مع وفود العرب القادمين من مكة، ووصفت قصر الملك، والكنيسة، والبيوت، والمباني والأسواق في سوبا، وأنماط الحياة، وسبل العيش، والتجارة في مجتمع (سوبا)، ومكونات البيت الأفريقي القديم في مملكة علوة، وواقع المجتمع المسيحي في سوبا، وهيمنة السحرة على بعض جوانب الحياة.
تميزت الرواية، بأنها تناولت بقعة مجهولة من أفريقيا، لم تنل حظها من الاهتمام، كما سلطت الأضواء على إحدى الممالك المسيحية الأفريقية القديمة، وسبل العيش، وأنماط الحياة، والشخصية الأفريقية بجاذبيتها وسحرها.

  • أنا مستعد للمغامرة.

–هل الفانتازيا أسهل توظيفاً، أم التاريخ بالنسبة لك في كتابة رواياتك؟

_ كلاهما صعب، عسير؛ فالفانتازيا التي أكتبها مستمدة من حقائق علمية، وليست خيالاً محضاً، ولذا فكأني أمشي فوق الشوك، أو حقل من حقول الألغام؛ لكوني أقدم للقاريء حقائق، ومعلومات علمية، جديدة عليه، ولكن في ثوب روائي، وكذا توظيف التاريخ في الرواية. فأنا لا أكتب تاريخا، وإنما أدخل في فجوات التاريخ غير المدون؛ لأثير أسئلة تحفز القاريء للعودة لقراءة التاريخ، وهذا أمر محاذيره أكبر من فوائده؛ فهو إن لم يجلب السخط على الكاتب، فلن يسلم من القدح في أعماله. لكني مستعد عند كل عمل من أعمالي، لخوض المغامرة ومواجهة عواقبها.

–كيف أفدت من شغفك، وتمكنك من علوم الحاسب الآلي، في مشروعاتك الأدبية؟

– مجال الحاسب الآلي، هو أحد المجالات الممتعة؛ التي تقدح الخيال، وتبقي العقل نشطاً، وتفتح آفاق المشتغل بهذا العلم، فبقائي أمام الحاسب، حفزني لقراءة المكتبة الإلكترونية، كما أنه أتاح لي جمع أعمالي، وتدقيقها ثم نشرها.

  • البيئة في السودان لاتساعد على كتابة العمل الروائي.

–بحكم عملك في الإمارات، هل ترى أن البيئة فيها كانت مساعدةً لك، ومحفزة للكتابة الإبداعية أكثر، أم أن البيئة في السودان كانت أكثر تأثيراً، وتحفيزاً لك؟

_ لم أكتب أياً  من أعمالي الروائية داخل السودان؛ بل كتبت الشعر حين كنت طالباً، وذلك انفعالاً بما حولي من أحداث في حينها، ثم كتبت الرواية حين كنت في المهجر، سواء كان ذلك في الدول العربية أو الغربية، فالبيئة في السودان لا تساعد في كتابة العمل الروائي، غير أن وجودي في الإمارات، وفر لي بعض الوقت للكتابة؛ بحكم طبيعة عملي هناك.

  • أكتب الرواية…وكتابتها تحتاج طقساً معيناً.

–هل لديك طقوس معينة في كتابة الرواية، أو الشعر؟

_ كثيراً ما أجلس على الأرض للكتابة. الكتابة عندي هي عمل، أنغمس فيه بكل مشاعري، فأغيب عن دنيا الناس، وعما حولي، ومن حولي. حين أكتب الرواية؛ فكأنما يملي علي طيف، فأكتب دون توقف. الرواية تكتمل في عقلي، وخاطري قبل أن أكتب حرفاً واحداً. اَحتشد لكتابة الرواية بالقراءة في المجال الذي أريد أن أكتب فيه، وربما أقرأ أشهراً طويلة، قبل أن أكتب حرفاً واحداً. مشروعي الروائي المعرفي، كأنه رواية واحدة طويلة، ممتدة عبر الزمان، فقد كتبت عن تاريخ قديم منذ ما قبل مجيء الإنسان إلى الأرض، وكتبت عن تاريخ الحياة على الأرض، وكتبت عن المستقبل. فهذا النوع من الكتابة؛ يتطلب طقساً معيناً، هو الخروج عن دنيا الناس، والدخول في عوالم الكتابة.

  • الروائيون السودانيون مظلومون دولياً بشدة.

– ما الذي يميز الرواية السودانية عن نظيراتها في الدول العربية الأخرى؟ وهل نالت ما تستحقه من الحضور، والبروز في المحافل الخارجية؟

_ الرواية السودانية في معظمها، تكتب عن أماكن، وعادات، ومجهولة لدى القاريء العربي، وهذا النوع من الغموض يمنحها بعض التميز؛ الذي يوجد الرغبة لدى القاريء في متابعة القراءة، إضافة لندرة الروائيين السودانيين، وبذلك تأتي أعمالهم متفردة. الرواية السودانية ظلمت ظلماً مبيناً، وكذا الروائيون السودانيون لم يجدوا حظهم في المحافل الدولية، إلا أقل من القليل.

  • مقومات الرواية المستحقة نيل الجوائز .

– برأيك متى تكون الرواية روايةً ناجحةً، ومميزة، ومستحقةً للمنافسة على الجوائز؟

الرواية الناجحة؛ هي التي تعالج موضوعاً هاماً في حياة القاريء، وتشد اهتمامه، وتجذب انتباهه، وتحفزه لمواصلة القراءة، وتحتوي على حكايات ممتعة عبر أبطال، ينجح الكاتب في تمييز هوياتهم، وشخوصهم، وتعريفهم، وتجسيدهم؛ وكأنهم حقيقيون، يعيشون مع القاريء في بيته، أو شارعه، أو مجتمعه المحلي، حتى لو كانوا شخصيات وهمية من صنع خيال الكاتب، وذلك من خلال الحوار، الحبكة، التشويق، الاستحواذ على الانتباه، الصراع، والعقدة ثم الحل. وكل ذلك بأسلوب جميل، سلس في السرد، ولغة رصينة. الرواية التي تستحق المنافسة على الجوائز؛ هي الرواية المكتوبة بأسلوب أدبي جميل، ولغة سامية عالية، وعبارات جذابة، ومعالجة فريدة، وموضوع جديد؛ ذي فائدة للقاريء.

  • تلاقح الثقافات…بفضل الإنترنت.

– نرى في الآونة الأخيرة أن الرواية العربية، بات لها حضور قوي في معظم الجوائز الدولية الكبرى. إلامَ تعزو ذلك؟.

– انفتاح العالم العربي على العالم، وتلاقح الثقافات، وعصر التواصل، والاتصال من خلال الشبكة الدولية، والمعلومات الرقمية، قرّب المسافات بين الثقافات، والشعوب، فصار من الممكن للرواية العربية أن تنافس على الجوائز، وقبل ذلك أصبح الروائي العربي جزءاً من المجتمع الدولي، في حين لم يكن الأمر كذلك، ما قبل عصر الانترنت.

  • القصة القصيرة تنافس الرواية.

–هل تعتقد أن الرواية ستظل محافظةً على صدارتها أمام الألوان الأدبية الأخرى، كالقصة، والشعر؟

_لكلٍّ ذائقته، فهناك رواد للقصة، وآخرون للشعر، لكني أعتقد أن القصة القصيرة، بدأت تنافس الرواية في الصّدارة، وذلك لأن شباب هذا اليوم، وقراء هذا العصر، لا يصبرون على قراءة  الروايات الطويلة؛ فتشدهم القصة القصيرة، يقرأونها في محطات المواصلات، أو في الطريق إلى العمل، أو الدراسة. ثم إن القصة القصيرة تعالج موضوعات متعددة، ومتنوعة، وذلك يثير فضول القاريء في كل مرة؛ لاكتشاف أبطال جدد، وحكاية مختلفة، وذلك على العكس من الرواية؛ التي يمتد شخوصها عبر عشرات، أو مئات الصفحات.

*كتابة القصص القصيرة أصعب من كتابة الرواية، عكس مايعتقد الكثيرون.

–الانتقال من كتابة القصص إلى كتابة الرواية. أَقد يؤثر ذلك على جودة الرواية، وتميزها؟ وهل من السهل فعل ذلك؟

– في تقديري، إن كتابة القصص القصيرة أصعب من كتابة الرواية؛ فالرواية تتيح مجالاً أرحب، لانطلاق فكر، وقلم الكاتب، ليتمدد بخياله حيث يشاء، وكيفما يريد، بينما العدد المحدود من الكلمات؛ لكتابة القصة، وكذلك الشخوص، والمساحة الضيقة؛ تجعل كتابة القصص القصيرة مغامرة صعبة، لمن يجرب هذا النوع من الكتابة، ولذا ينجح فيه القليل، وذلك على العكس من الاتجاه الشائع لدى الناس، أن الأدباء ينبغي أن يبدأوا بكتابة القصة، أو القصة القصيرة، قبل أن يكتبوا الرواية.

  • العبرة بالعمل الروائي، وليس بشخص الروائي.

– لو كنت سترشح روائياً عربياً، أو روائيةً، لنيل جائزةٍ عالميةٍ في كتابة الرواية، من كنت ستختار لترشحه؟

– العبرة هي في العمل الروائي، وليس في شخص الراوي! وبذلك، فلو كنت سأرشح، فسوف أرشح أعمالاً روائية عديدة، لعدد من الكتاب، وليس روائياً واحداً بعينه.

  • كتابة الأنثى تختلف عن كتابة الذكر.

–هل ترى أن جنس الكاتب( ذكر، أو أنثى) ، قد يؤثر في قوة، وجمال، وأسلوب، وتميز الرواية؟ أم أنه لا فرق في ذلك؟

_ كتابة الإناث، تختلف عن كتابة الذكور، فالأنثى تهتم بالشخوص، بينما الذكور يهتمون بالتفاصيل، والأنثى تكتب كثيراً في المشاعر، بينما الرجل جوّاب، آفّاق، يكتب في كل شيء، والأنثى تلميحية، والرجل تصريحي مباشر…وهكذا. وذلك نابع من فطرة كل منهما، بينما تصقله المعرفة، ومستوى التعليم، والمجتمع المحيط، والمعرفة باللغة، وغير ذلك.

  • انتظروا ( رؤيا عائشة، و نافذة في سماء الكهرمان) .

– ماهو مشروعك الأدبي القادم، هل يمكن أن تطلعنا عليه؟

_ أكتب روايتين إحداهما (رؤيا عائشة)؛ وهي عن الحياة الشخصية لمحمد احمد المهدي، برواية (عائشة) إحدى زوجاته، والرواية الأخرى هي (نافذة في سماء الكهرمان)، وهي فانتازيا علمية؛ تقوم على ما يطلق عليه فيزياء الكم، وتكتب عن الانتقال للعوالم الأخرى، الموازية، والسفر في الزمن إلى الماضي، أو المستقبل، وعن العالم بعد ألف عام من زماننا هذا.

  • هذا الشخص أنصحه بعدم كتابة الرواية.

–هل لديك نصيحة تقدمها للروائيين الشباب، أو لمن يود اقتحام عالم الكتابة الروائية؟

– اللغة السليمة، هي أول ما ينبغي أن يبدأ به من يود الدخول في عالم الرواية؛ فهي الأداة؛ التي سوف يستخدمها، لنقل أفكاره للناس، وهي بمثابة الأداة الأساسية لأصحاب الحرف، فمن يخطيء في الإملاء، ويتعثر في اللغة، ولم يقرأ الأدب العربي، فلا أنصحه بالكتابة. إن كثرة القراءة في اللغة، والأدب؛ تفتح آفاقهم، وتمنحهم ملكة الكتابة، وأدواتها. فمن لا يملك ناصية الأداة؛ التي يعمل بها، كيف يمكنه أن يتقن عمله؟ هذا ما لا يستقيم.

*كلمة الختام.

– د.عمر لديك مساحة مفتوحة، لقول كلمة أخيرة توجهها لمن تشاء، فماذا ستقول؟

ختاماً أقول:  إن كل إنسان يمتلك موهبة في مجال من المجالات، فالبعض منا يعرف ذلك، ويوظفه، وكثيرون لا يعرفون أين هو مكمن الإبداع عندهم، فليبدأ كل منا بمحاولة اكتشاف موهبته، ولا يستحي أن يجرب، فإن عالجت أمراً، ولم تستطعه، فاعلم أنه ليس مجالك وجاوزه إلى ما تستطيع، فسوف تكتشف موهبتك يوماً ما، وتبدع للناس فيها.

وفي نهاية حوارنا هذا، أتقدم بالشكر الجزيل لضيفنا الكريم، راجيةً له دوام التوفيق والإبداع.

رابط الحوار:

د.عمر فضل الله: نعتني النّقاد براوي الأسطورة.