العيلفون صانعة تاريخ وأرض أمجاد


(الحلقة 1)
الذكرى الثامنة والثمانون بعد الأربعمائة لميلاد أول دولة إسلامية في السودان يتم الإعلان عنها من مسيد الشيخ إدريس بن محمد الأرباب بالعيلفون
في مثل هذا العيد – عيد الأضحى – منذ 488 عاماً من الآن تم الأعلان عن قيام سلطنة الفونج والعبدلاب كأول دولة سودانية ذات هوية موحدة وذلك في أول أيام عيد الأضحى الموافق ليوم الأحد العاشر من ذي الحجة عام 935هـ – الخامس عشر من أغسطس عام 1529م. من مسيد الشيخ إدريسبن محمد الأرباب بمنطقة بتري الشرقية (العيلفون).
أهدي هذه السلسلة من المقالات إلى أبينا وجدنا الأكبر الشيخ إدريس وإلى نسله وأحفاده من بعده ومحبيه، وإلى الأمة السودانية التي مازالت تتطلع إلى مصلح رباني مثله يوحد شتاتها ويقوم معوجها ويقيم أركانها وينصح سلطانها.
عمر أحمد فضل الله

هل قلت لكم إن الشمال الشرقي لإفريقيا هو المحور الذي دارت حوله عجلة تاريخ الدول والسلطنات والممالك في المنطقة كلها؟ وأنا الذي كنت أظن – مثل كثيرين- أن هذه البقعة من العالم بقيت جزيرة يتيمة معزولة ومنسية في محيط تاريخ الأحداث التي دارت حولها، وأنها كانت ذات أثر قليل وذكر خامل. لكنني حين قرأت التاريخ القديم المدون في التوراة ثم تاريخ العرب في الأندلس (غرب أوربا) وتاريخ الفونج في السودان (شرق إفريقيا) ثم تاريخ الدولة العثمانية (شرق أوربا والشام ومصر) أيقنت أن هذه المنطقة استمرت محوراً تدور حوله أحداث التاريخ في زمان الدولة السنارية، وفيما قبله من الأزمنة، فقد بقيت صانعة أحداث وصفتها التوراة بأنها أمة طويلة وجرداء وشعب مخوف منذ وجوده على ظهر البسيطة وأنها أمة قوة وشدة ودَوْسْ أي أمة حرب وقتال وأن الأنهار قد خرقت أرضها، فهي أرض خضرة وخير ونماء ولهذا فما قويت شوكة دولة حولها إلا استهوتها أرضها، وطمعت في ثرواتها وأموالها فجمعت جيوشها لتغزوها وتبسط عليها سلطانها. لكنها ظلت على مدار الزمان أرضاً عصية على الغزاة، وعرة المسالك، وبقيت شعوبها شديدة البطش تذيق المعتدين المهالك.

ثم أدركتُ أن التاريخ يعيد نفسه بدقائق تفاصيله، وكأنه عجلة واحدة عملاقة تدور حول محورها والدول والأيام تروس فيها. كلما غابت شمس يوم من أيامها في مكان انقلبت على أعقابها لتعيد أحداث ذلك اليوم نفسه من جديد في بقعة أخرى. وكأن أقدار الله أن تقوم سلطنة الفونج في إفريقيا متزامنة مع سقوط دولة الأندلس في أوربا فما أن غربت شمس تلك من الغرب حتى أشرقت شمس هذه من الشرق لتعيد التوازن في القارتين بعد اختلال. ولم يكن بين الغروب والشروق إلا اثنا عشر عاماً من عمر الزمان مثل ساعات ليل أعقبه طلوع الفجر!
رأيت أن الدولة الفُنْجِيَّة هي أندلس أخرى إفريقية وأن ملكها السلطان المؤسس «عمارة ولد عدلان» والذي يقال إنه من سلالة ملوك بني أمية أعظم ملوك الزمان! قد أعاد بناء مجد بني أمية الذي اندثر في الأندلس فأحياه في الشمال الشرقي لافريقيا. ومثلما مضى بعض أجداده من بني أمية في القديم من الشرق إلى الأندلس فأنشأوا حضارة بقيت سبعمائة وواحد وثمانين عاماً جاء أجداه من بني أمية أيضاً إلى شرق إفريقيا ولبثوا ينتظرون دوران عجلة الأيام لينشئوا مُلكاً في قلب هذه القارة فيبقى ثلاثمائة وسبعة عشر عاماً.

لم يكن «عمارة» إذاً طارئاً على الملك! وقد وصفه من عاصره ورآه من المؤرخين بأنه أسود اللون لكنه يحكم البيض والسود معاً، فهيبته هيبة الملوك وسَمْتُهُ سَمْتُهم سجية في غير تكلف. علماء أندلسيون كثيرون جاءوه خاضعين. قدموا له فروض الولاء والطاعة وبايعوه ثم جلسوا أمامه وكأنهم يعتذرون عن التفريط في حضارة حكمت الغرب باسم الإسلام ثمانمائة عام ثم انفرط عقدها وهجرها أهلها قاصدين هذه الدولة الوليدة. هجرة علماء الأندلس كأنها تقول لنا إن هذه الدولة الجديدة هي امتداد لحضارتهم هناك فمذهبها هو مذهب مالك في الفقه ومؤلفاتها هي مؤلفات الأندلسيين، بل إن كثيراً منها جاء إلينا من هناك، وعلماؤها نزح جلهم أو بعضهم من تلك البلاد، ونظام إدارتها هو نظام الإدارة الأندلسي رغم أن هذه الدولة لم ينشأ بنيانها وتكتمل أركانها إلا بعد عقدين ونصف من الزمان منذ سقوط دولة عَلَوَة وتفرق أهلها في البلاد.

ظل «عمارة» (ملكاً) في الجنوب الشرقي مدة من الدهر وحوله عشرات الآلاف من الجند من مختلف القبائل والسحنات واللغات. منهم ذوو الألوان السمراء والسوداء والزرقاء والخضراء وفيهم الشقر وذوو الأعين الخضراء ومنهم من جاء من الغرب من كانم والبرنو وفيهم من نزح من الشرق من بني شنقول وجبال الحبشة وهضابها. وتجمع حوله الفونج من الشرق فتحالفوا مع القبائل القادمة من الغرب وبقوا سنين عدداً متنقلين لم ينشئوا دولة ولم ينصبوا عليهم (سلطاناً)، وكأنهم كانوا ينتظرون توقيتاً أو إشارة من قائدهم (الملك) «عمارة ولد عدلان» الذي كانوا يجلونه أيما إجلال. وكثيرون منهم حين جاءوه وتحالفوا معه كانوا على وثنيتهم إلا أنه لم يغصبهم على عقيدة ولم يطردهم من سلطانه بل بقي يتألفهم بالمعاملة الحسنة والرعاية والعناية فأخلصوا له ودخلوا في الدين طواعية لا كرهاً وصاروا جنوداً للدولة السنارية قاتلوا من أجلها ودافعوا عنها.

وفي الشمال تجمعت القبائل العربية وعلى رأسها القواسمة العبدلاب شمال منطقة سُوبَا بعد سقوط عَلَوَة. وكان حكامهم ملوكاً فيما بينهم لكنهم هم أيضاً لم ينشئوا (سَلْطَنَة) فقد كانوا يعلمون أنهم لو أنشأوها منفردين فإن ذلك لن يرضي «عمارة» وجيوشه كثيرة العدد التي كانت تدخل أرضهم متى شاءت وتبقى فيها كيفما شاءت فتحالفوا معه وبقوا وكلاء له بعد أن كانوا وكلاء لملوك عَلَوَة قبله فاستمروا في حكم قبائلهم العربية في الشمال وجباية الضرائب منها لصالح الملك «عمارة».
قلت لكم إنني حين قرأت تاريخ الفونج وتاريخ الأندلس رأيت تماثلاً في قيام الدولتين. ففي شمال غرب إفريقيا مثلما شرع موسى بن نُصَيْر في تثبيت الدين الإسلامي في الأمازيغ وجعل القيروان قاعدة حصينة في قلب إفريقيا، واعتمد سياسة معتدلة ومنفتحة تجاه البربر الوثنيين مما حوّل معظمهم إلى حلفاء وأنصار، فدخلوا في الإسلام وأصبحوا فيما بعد عمادَ جيشه لدخول الأندلس بقيادة طارق بن زياد، كذلك فعل «عمارة ولد عدلان» فقد نجح في جمع القبائل الوثنية المبعثرة من البَرْتَا وبني شَنْقُول والهَمَج والنوبة والبِجَة والزُّنُوج فتحالفوا معه واتبع سياسة منفتحة تجاههم وأدخلهم في الإسلام وجعلهم جنوداً للدولة.

ومثلما أرسل «موسى بن نصير» القائد الشاب «طارق بن زياد» من طنجة مع جيش صغير من البربر والعرب في الثلاثين من أبريل عام 711م عبر المضيق الذي سمي على اسمه، فاستطاع الانتصار على القوط الغربيين وقتل ملكهم لذريق في معركة جُوَادَالَيتي في التاسع عشر من يوليو عام711 م وفتح الطريق لقيام دولة جديدة كذلك فعل «عبد الله جماع» قائد عرب (القَوَاسْمَةْ) ووكيل «عمارة دُونْقُس» حين انتصر على النوبة وقتل قائد جيوشهم البَطْرِيَرْك «دِيرِين» ودخل مدينة سُوبَا عام 1504م فهدمها ومهد الطريق لقيام دولة جديدة. في حين اجتمعت عند الملك «عمارة» قبائل الأمْبَرَرُو الفُلانُو الجَافُون والمُورِي والدُّوقَّا والقرا والبَرْتَا والبُرُون والبَرْنُو وبَلْدَقُو والجَبَلاوِين والحَمْدَة والرَّقَارِيق والزَّبَالْعَة والزَّبَرْطَة الهَوْسَا والقَبَاوِين والسَّرْكَمْ والفَلاتَة الفُولاني مع قبيلة الفُونْج الكبيرة فصنعوا لهذه البلاد مجداً.

الفونج والعبدلاب ومن تحتهم من القبائل والممالك والمشيخات كانوا محتاجين أن يتوحدوا تحت سلطان واحد في دولة قوية ذات سيادة. لكن ذلك لم يحدث بعد خراب سُوبَا وسقوط عَلَوَة حتى جمعهم (الأرباب) «إدريس ولد محمد» في بُتْرِي الشَّرْقِيَّة بعد خمس وعشرين عاماً من سقوط سُوبَا لما جاء الملك «عمارة ولد عدلان» بأسرته وأهله وجاء الملك «عبد الله جماع» بأسرته وأهله.

«إدريس» وحَّدَهُم ثم أعلن قيام الدولة من مسيده في (بتري الشرقية) أول أيام عيد الأضحى في يوم الأحد العاشر من ذي الحجة عام 935هـ – الموافق للخامس عشر من أغسطس عام 1529م بعد خمس وعشرين عاماً من سقوط سُوبَا عاصمة دولة عَلَوَة لينتقل «دُونْقُس» من (لُولُ) (أُولُو) (بفازوغلي) إلى (سنار) عند (جبل موية) فتكون هي عاصمة الدولة وكرسي ملكه. وينتقل العبدلاب من بعد ذلك من (قرِّي) عند (جبل الرويان) إلى (الحلفايا) لتكون كرسي ملكهم.
جبلا (موية والرويان) إذن كانا مقار السلاطين. و(دُونْقُس وجماع) سلطانان مثل الأخوين إلا أن رتبة «عمارة» أعلى وأعظم من رتبة «عبد الله» إذا اجتمعا في مكان واحد وأما إذا غاب «عمارة» فيعامل «عبد الله» كما يعامل «عمارة» الذي جاء بأسرته الحاكمة جميعها إلى (بُتْري الشرقية) لتكون منتجعه ويكون قريباً من مفتي الدولة ومرجعها «إدريس ولد محمد الأرباب» وقريباً من «عبد الله جمَّاع» شيخ العبدلاب وملكهم.

ويتغير اسم البلدة لتوثق هذا الحدث الفريد في التاريخ حيث اجتمعت الأسرة الحاكمة للفونج والعبدلاب معاً فيطلق الناس عليها (العيلة فونج) بلغة الفونج، أي (الأسرة الحاكمة). وتقوم السلطنة ويعلن اتحاد الفونج والعبدلاب من مسيد ولد الأرباب الذي يصبح هو المرجعية الدينية لسلاطين الفونج والعبدلاب معاً، يأتونه لفض النزاعات ولتكون له كلمة الفصل فيها لا يُرَدُّ كلامُهُ ولا تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ.

وحين يعرض عليه الملك «بادي بن رباط» نصف ملكه يرفضه ويطلب أن يكون له الفصل في المنازعات. الملك «بادي» تكلم باسم الفونج وباسم العبدلاب أيضاً فعرض على «إدريس» نصف (دار العسل والبصل) وأراد أن يمنحه كركوج وسنجة ودار الشايقية ودنقلا. لكن «إدريس» قال له بصدق العلماء وزهد الأتقياء:
– الدار دار النوبة والأرض أرض النوبة وأنتم غصبتموها منهم. أنا لا أقبلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ”.
وعندما رأى ذهول الملك من هذا الرفض الحاسم عرض عليه عرضاً لا يمكن أن يرفضه. قال للملك:

– أعطوني الحجز في كل شيء والوساطة وفض المنازعات والصلح بين المتشاجرين .

فأعطاه الملك الحجز في كل شيء كما طلبه، وأصبح صاحب فض المنازعات لدى ملوك سنار. ثم جمعهم على الفقه والقضاء المالكي ونصح «عمارة» بتقريب العلماء والفقهاء. الله سخر هذا الرجل المبارك ليشد عرى السلطنة بحبل متين من رباط الدين. لكنه بقي بعيداً عن سنار وقرِّي زاهداً في السلطة والملك لا يقف عند أبواب السلاطين بل السلاطين يأتونه فيقفون عند باب خلوته ومسيده. لكن لما كثرت المظالم في سنار أكثر إدريس من الرحلة إليها لنصح السلطان برفع تلك المظالم. والسلطان لا يرد له شفاعة ولا ينقض له حكماً. ومثلما اعتمده شافعاً وقاضياً وحكماً اتخذه للبركة أيضاً فحين تشتكي والدة السلطان يؤتى لها بإدريس ليقرأ عليها القرآن ويرقيها بآياته وينفث بريقه لتشفى أم السلطان ببركة القرآن.
إليك أيها الشيخ الجليل إدريس بن محمد. أيها الأرباب. أهدي بعض ثمرات غرسك. من حفيد محب فتح عينيه على بقايا آثار الملاجيء التي أقمتها منذ نحو أربعمائة وتسعين عاماً لتكون مأوى للخائفين وملاذاً لطالبي الشفاعة والباحثين عن الأمان وداراً لحفظ القرآن ثم من بعد ذلك رمزاً وفخراً لأبناء السودان.
ترقبوا الحلقة الثانية في العدد القادم.

 

الشفاهية الرقمية وتحولاتها: الخروج على التقليدية وإمكانية التعايش – د.عمر فضل الله


المجلة العربية: عدد 492 سبتمبر 2017

نجح إنسان العصور القديمة في استخدام وسيلة خطاب ذكية تفهمها الإنسانية مهما تطاول بها الزمان وتعاقب الحدثان وتغيرت أساليب البيان. وتجلت حكمته واضحة في بساطة تلك الأساليب رغم سذاجتها في ظاهرها لكونها قامت على محاكاة الطبيعة وتقليدها في كثير من صورها البيانية. أدرك هذا كل من بحث في التاريخ القديم للإنسانية وقرأ الإشارات التي خلفها إنسان تلك العصور مشتملة على الصور المنقوشة في الكهوف والرموز التي زينت بها الجداريات القديمة وقصص الملاحم وانتصارات الملوك في الحروب أو حكاية حضارات تلك الشعوب. وكانت الصور الشفاهية في بعض العصور هي لغة خطاب بليغ قلت فيه العبارات واقتصرت على الرموز والإشارات بيد أن ذلك لم يكن دليلاً على انحطاط طرائق البيان لهذه الحضارة أو تلك وإنما كانت الشعوب تلجأ للوسائل الكفيلة بالتواصل بينها حال اختلاف الألسن فقد لجأ بعضها للتجارة البكماء حينما جهل كل طرف لغة الآخر فاضطرت للتعايش بحصر الاتصال في لغة الأبدان بديلاً عن لغة اللسان وحلت الإشارة بديلاً عن العبارة وبهذا أفلح إنسان العصور القديمة في إبلاغ رسالاته للإنسانية باستخدام لغة تفهمها الشعوب الأخرى على مدار العصور وما زالت آثارها شاخصة وطرائقها في التعبير ظاهرة. ثم إنه أعقبت ذلك عصور ازدهرت فيها الحروف والعبارة كوسيلة تواصل راقٍ بين الشعوب عبر الخط والكتابة والتأليف. حدث ذلك بتلاقح الحضارات وتقارب اللغات فانتشرت المفردات وعمدت الشعوب لاستخدام الحروف في الكتابة وبرع كل شعب من الشعوب في تطوير لغته وتطويعها وعرض ثقافته على الشعوب الأخرى، وبذلك فقد أخذت اللغات من مثيلاتها فتطورت أساليب الاتصال وتنوعت صور الجمال التعبيري والتصوير الفني للخطاب ففي حين اتسعت جماليات لغة نحو شاعرية التعابير إذا بأخرى تنحو نحو موسيقى الألفاظ والأنساق وثالثة تتميز بنصاعة العبارة وسهولة الخط والكتابة. وتنوعت أساليب التعبير ففي حين تعتبر إحدى الأمم الشعر سفيراً إذا بأخرى تبرع في الأسطورة وثالثة تعبر عن ثقافتها بالغناء والأهازيج وكلما حارت بالشعوب عبارات اللغة عادت القهقرى لمحاكاة صور الطبيعة وذلك لكونها تعتبر لغة مرجعية يفهمها الجميع. غير أن الإنسان حين اكتشف دلالات الأصوات ورموزها وعبر عنها بالحرف برع في البيان ثم عمد لتوثيق اللسان بالبنان فكتب ودوَّن إذ ليس فعل الكتابة بالحروف أو الرموز والنقوش إلا أحد صور ترجمة البيان اللساني وإن شئت أن تقول عكس ذلك فلن تبعد النجعة. وكلما اتسعت حضارة أمة ازدانت ثقافتها بالعبارة والبيان واتسعت أوعية لغتها لتعبر عن حضارتها وهويتها. وحين تطورت وسائل الإتصال ورضيت الأمم والشعوب أن تتبادل المعارف ظهرت الاختراعات فقربت المسافات واختزلت الأسفار وتبودلت الأفكار فكان في ذلك خير كبير من حيث تيسير الاتصال. إلا أن هذا التيسير انقلب نقمة في حق الكلام والكتابة والتأليف إذ أن تطور التقانات أدى إلى إلغاء الحدود والفواصل فيما بين طرائق الاتصال فجعلها عالمية في وصولها للمتلقي كما أن الأشكال المبتكرة الرقمية المحوسبة، قد أنتجت حواراً تفاعلياً متبادلاً بين الوسيلة والمتلقي فنتج عنه الشيوع والانتشار والإتاحة للجميع وتخطي حاجز المحلية إلى العالمية وتعددت وسائط وسائل عرض الأفكار والمعلومات في أشكال ومتنوعة من النصوص والصور المتحركة وقد أثر ذلك الفعل على أنماط وعادات السلوك الخاصة بوسائل الاتصال فأقبل الناس على اقتنائها واستخدامها واندمجت عناصر تقانات الحاسب مع تقانات الاتصالات وأقمارها في توليفة أنتجت أنظمة الشبكة العالمية التي أصبحت وسيطاً عملاقاً ضم بداخله جميع وسائط الاتصال الأخرى المطبوعة والمسموعة والمرئية والجماهيرية والشخصية فاختصر بذلك  حواجز الزمان والمكان وقرب بين الواقع الفعلي والافتراضي والحاضر والغائب داخل فضاء المعلومات فكأنه نقل البشر والطبيعة إلى فضاء الشبكة وإن شئت فالعكس صحيح كذلك. وبهذا فإن الإنسان قد أصبح غير محتاج للجهد الذي كان يبذله في صياغة اللغة وطرائق البيان وفصاحة اللسان فطرائق التعبير أصبحت متعددة بين يديه بل ومتاحة عبر الهواتف النقالة والحواسيب اللوحية والدفترية للتواصل مع العالم كله عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ريب أن النفس الإنسانية تميل بطبعها إلى الجمال الحسي المتمثل في الصوت والصورة والمشاهد والحركة والألوان والانفعالات. وذلك ما عبرت عنه الصور والصور المتحركة أكثر مما فعلت ألفاظ البيان وحروف اللغة. فمال شباب هذه الأجيال إلى المحتوى الشفاهي الإلكتروني لأن فيه الخروج على التقليدية وتطور تقنية المؤثرات واستثارة الخيال بصور جديدة تبهر المتلقي وتنقله إلى عوالم غريبة وهمية غير واقعية وأبنية سردية غير حقيقية تتداخل فيها عوالم الوعي والخيال ويستطيع المتلقي التعرض الانتقائي لأنماط التواصل وأشكال التأثير فهو يمزج المتعة بالعمل والجد باللهو واللعب ويعيش حياة اجتماعية افتراضية دون أن يسعى إليها بقدم أو يبذل الجهد. وهو يختزل طرائق البيان المتعددة في الخطاب باستخدام الصورة والرموز فيقدمها على البيانات والنصوص. والملوم في هذا هو تعدد تطبيقات التواصل التي جنت على ثقافة الأفراد من حيث أتاحت المعلومات للمتلقي أينما كان عبر هاتفه الصغير فلماذا لا يتجه الناس نحو ذلك فهو البديل الحديث للوسائل التقليدية التي انتظمت العالم لعقود طويلة. فلا غرو أن ينقلب النشاط الثقافي والفكري للشباب على عقبيه في العصر الحاضر إلى نشاط الكتروني  شفاهي ليعود حواراً شفاهيا فالصورة هي إحدى القوى الفاعلة المؤثرة للتواصل وتمكين (الفرد) من أداء دور مؤثر في المشاركة على مستوى العالم وقد شكلت عالماً افتراضياً موازياً للعالم الواقعي وبنية اجتماعية جديدة في المجتمع الكوني الكبير وأنشأت كيانات جديدة يربطها هذا العالم الافتراضي. لكن ما حدث من ردة حضارية ليس شراً محضاً ففيه فوائد جمة فقد أتاحت للمستخدمين وسائل سهلة للتواصل فيما بينهم دون حدود مكانية أو زمنية أو قيود بالإضافة إلى إمكانية نقل محتوى أي رسالة بسهولة ويسر. وهي قد أدت إلى سهولة التعارف والتواصل بين البشر فقد حققت قفزة مجتمعية في التعارف والاتصال وإبراز الفردية وانعدام الوصاية في الاختيار والتعبير والنشر، حيث يستطيع حتى الأمي أن يستخدم هذه الوسائل في طرح آرائه وأفكاره، ويتلقى التعليقات عليها ويناقش أصحابه فيها كما أدت إلى صقل المعرفة وزيادة الثقافة من خلال التواصل مع ثقافات جديدة وأخرى غير معروفة، خاصة في ظل وجود خبرات متنوعة بين مستخدميها. وفي ظني أن التعايش ممكن بين الحالة الشفاهية الالكترونية الجديدة وحالة التدوين والكتابة فلكل أهلها وروادها.

رابط المجلة:

في الشأن السياسي: اللواء عثمان عبد الله


( الشَأن السِيَاسِى )٣٧. 
[مشروع الجبهة الوطنية الموحدة] 
{الدكتور عمر فضل الله}
{{ إنّ من طبع المُجتمع البشَرى وسُنَّتِه أن يتضامَ الأفرادُ جماعةً،ويقومُ على كُلِّ جماعةٍ رأسٌ، يُمثّلهُم جميعاً وتتجسّد وحدتهُم فى شخصِهِ، ومن سَعيِهِ تنتظِمُ حركتهُم. والمُجتمعات المُؤسّسة على المُوالاةِ بسلام، والمُعاقدةِ بالرِضَا، يْقدّمُون ذاك الرأس ممن يرُونهَ من أولاهُم إلتِزَاماً بوجهتِهِم العامّة }}.
( الأنظومة الأميرِيّة/ السياسَة والحُكم / دكتور حسن عبدالله الترابى).

١- الدكتُور عمر فضل الله، صديقٌ على صفحات الرابط فيسبُوك منذ أعوام، وهو مقيمٌ بدولة الإمارات العربية المُتّحدة، مُثقّف مُتعدد المواهب، وأديب باحث فى شئون الأدب العربى، والشعر،والتاريخ ،والدين،والسياسة، والأدب الشعبى ، والتُراث، وروائي له عدّة إصدارات،،،، لهُ موقعٌ مُميّز على باحِث Google، إذا ولجتَّ فيه، صعُبَت عليك المُغادرة. 
٢- فى دعوة عشاء بداره فى چنيڤا/ سويسرا، عام ١٩٩٤، إستضافنا الصديق الدكتور كامل إدريس، أنا والصديق الراحل مولانا خلف الله الرشيد، رئيس القضاء الأسبق، عليه رحمةُ الله وغفرانه، ودار حديثنا فى الشأن الوطنى على وجه العموم، وكان الدكتور كامل يخطط وقتها للجمع بين من هٌم على قّمة النظام ، بمن هُم على قمّة المُعارضة، مُستهدِفاً يومها ،جمع شمل أهل (الشمال) فى مواجهة المد الجامح للدعوة بالإنفصال من أهل (الجنُوب).
٣- والدكتور كامل يحمل -مثل كل السودانيين الطيبين- همُوم الوطن، ويسعى للإصلاح، وكانت قد سبقت لى مُقدّماتٍ ساقها مثلهُ فى ١٩٨٦-١٩٨٨، كلٌ من الدكتور تيسير محمد أحمد، والدكتور عُمر إبراهيم عبُود، وإدوارد لينو، ودكتور لام أكول، وبعض الأكادميين، ولكن ، إزاء التوتر المُتصاعد بين شمال السودان وحركة وجيش تحرير شعب السودان ضاعت الفكرة. 
٤- فى ضيافة الدكتور كامل -ليلتها- أكّد ثلاثتُنا أنْ لا بُدَّ من إبتداع (وعاءٍ) جامعٍ يضُم معظم أهل الفكر، والقوى الناعمة فى المُجتمع، ويحشدهُم للعمل السياسى بديلاً عن الأحزاب التقليديّة، وبعيداً عن الإنتماءات بأنواعها ، ودارت الأيام ، إذ عاد الدكتور كامل إدريس بعد ترك المنصب الأُمَمى، ودعا لإجتماعٍ رتّب له الصحافى الكبير المُهندس عثمان ميرغنى بمكتب الأستاذ الصحافى محمّد لطيف بجامعة الخرطوم، وبرئاسته، وطُرحت فكرة (الوعاء) الجامع وتحمّس الحضور، لإنشاء (تيار سياسى) يطرح نفسه مُنافساً للقوى التقليديّة، ويأخذ موضعه طبقا لقانون الأحزاب والتنظيمات، وكان الأُستاذ عثمان ميرغنى قد تطوّع برعاية إجتماع عام، نواةً لجمعية عموميّة يترتب عليها تكملة المشوار. ولكن يبدو أنّ إجتماعنا ذاك كان (محضُوراً)، فنُصبت كل عراقيل الدنيا أمام دعوة الأستاذ عثمان ميرغنى، فأنفضّ السامر، وبقى عثمان ميرغنى مثلَ السيْفِ وحْدهْ. 
٥- فى منتدى على (فضائيّة أُم دُرمان)، فى برنامج (مطر الألوان)، ٢٠١١،إستضافنى الأُستاذ الإعلامى المرموق حسين خوجلى بمعيّة المُفكِر الدكتور على حمد إبراهيم، فى حِوارٍ عن (الدعوة للقبليّة) ما لها، وما عليها، وكان الحوار، والذى إمتدّ لأكثر من ساعتين، سياسِيّاً بإمتياز، حملنا ثلاثتنا فيه على تقاعُس (المثقفين) عن العمل السياسى فى أوعيِة جديدة تكون بديلاً للأحزاب التقليديّة ذات (الأرضيّة القبليّة) و (السقف الطائفى)، ومرّةً أخرى، لم يعقُب ذلك المُلتقى غير بعض التعليقات من بعض الصُحف اليوميّة، وكلها كانت مع الدعوةٍ لِ:- (الوعاء الجامع). 
٦- يعود الدكتور عمر فضل الله اليوم، واضعاً باقَةً من أهداف (الجبهة الوطنِيَّة المُوحّدة)، 
تسميةً أكثر شمولاً، وأهدافاً منتقاةٍ ومطهّرة من كل ما يدعو للِْبسْ فى الفهم، وهى – لعمرى – أهدافٌ تدعو للطُمأنينة وتبعثُ على الأمل، فالوطن فى أمسّ الحاجة لروحٍ وثّابةٍ وطمُوحٍ مفتُوحٍ على الأُفق، فالأحزاب ال :- ( بضعةٍ وثمانين ) حزباً، تتدافع على منصبٍ يضمن لرئيس الحزب مقعداً واحداً فوق مقطورة السُلطان، ولا عزاء لِوطَنْ.
٧- الدكتور عمر فضل الله، لسانُ صِدق، وأُذُنُ خير، وأفضل من يرفع القواعد من (الجبهة الوطنِيّة المُوحدة)، وهُو هادينا لوجهتنا.

اللواء م/ عثمان عبد الله

اللغة والتهديد الخارجي


إن الكلام عن لغة خطاب موحدة بين العرب بلهجة غير العربية الفصيحة هو كلام بعيد عن الواقع، فالعاميات العربية اكتسبت ملامحها المميزة عبر الأزمان تأثراً بثقافات ولغات ولهجات الشعوب من حولها أخذاً وعطاءً. ولو حدث التغيير أو التقارب فلابد أن يكون مشروطاً بغلبة ثقافة من الثقافات على الأخرى مشرقية كانت أو مغربية أو وسيلة تقارب فاعلة ومؤثرة. ولا أرى في الأفق دلائل واضحة على هذا، بل الواقع هو أن هناك تبايناً واضحاً بين لهجة المشرقيين والمغربيين فلا يفهم بعضهم بعضاً إلا إن اعتمدوا العربية الفصيحة لساناً بدل اللهجات المحلية.
العاميات أو فلنسمها (اللهجات) العربية هي بنات الفصحى تقترب منها أو تبتعد، وقد عاشت جنباً إلى جنب مع العربية الفصيحة منذ القديم، وكان العرب يفهم بعضهم بعضاً، لكنها كانت منحصرة في عدد قليل من قبائل الحجاز ونجد واليمن وحضرموت.. وغيرها، وقد أطلقوا عليها أسماء بحسب ما يميز لسان هذه عن تلك، مثل: طمطمانية حمير، وعنعنة تميم، وفحفحة هذيل، وغمغمة قضاعة، وكشكشة ربيعة.. وغيرها. واختلاف الألسن العربية هو عين السبب الذي من أجله نزل القرآن بالأوجه المتعددة للقراءات، وكذلك خاطب النبي تلك القبائل بألسنتها المتعددة. ثم لما اتسعت رقعة المسلمين، وتمدد العرب شرقاً وغرباً، وتمازجت القبائل العربية مع الأعجمية، واختلطت الثقافات؛ كثرت اللهجات، وتعددت تصنيفاتها بحسب الأماكن؛ فنشأت اللهجات المغاربية بلسان أهل المغرب العربي والمشارقية بحسب البلدان مثل لهجات جزيرة العرب الخليجية والنجدية والحجازية والعراقية ولهجات الشمال الشامية كاللبنانية والسورية والفلسطينية والأردنية، وحتى المدن والمناطق أصبحت لها لهجاتها، فاللهجة المصرية مثلاً تنسب إليها الصعيدية والإسكندرانية والقاهرية، واللهجة النيلية تنسب إليها السودانية والمحسية والشايقية والدنقلاوية.. وهكذا في كل بلد من البلدان، أضف إلى ذلك لهجات البدو في كل منطقة. وهذه اللهجات في طريقها للاتساع والتعدد أكثر من أيلولتها للتوحد، وسوف تبقى هناك فصحى وعاميات، حيث تكون الفصحى هي المرجعية كلما تفرقت بها السبل أو تعددت الألسن.
الإعلام الجديد وفر للناس إمكانية استخدام ما يشاؤون من لغات أو لهجات، كما أضاف المؤثرات النصية التعبيرية والصورة والصوت والخواص الأخرى، إضافة إلى التفاعلية في الحوار، ولذلك فقد أصبح من السهل التخاطب بين العرب باختلاف لهجاتهم، لكن نشأت إضافة إلى ذلك لهجات وطرائق مبتدعة للتواصل مثل النقحرة (النقل الحرفي Transliteration) لترجمة اللغات واللهجات واستخدام الحروف اللاتينية لكتابة العربية، وذلك مؤشر لتأثر اللهجات العربية بثقافة الغرب التي وفرت وسائل التواصل، فقد أدخلت ثقافاتها ولغاتها وفرضت على مستخدميها استخدام المصطلحات والنصوص والرموز الانفعالية Emoticons الخاصة بها؛ فأصبحت مهدداً آخر للغة العربية.
أصبحت الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من أدوات الهيمنة الثقافية على الشعوب العربية منذ انتشار التلفاز والقنوات الفضائية بالبرامج الأجنبية والغزو اللغوي، فأثر ذلك على لغتنا العربية واللهجات المحلية معاً، وغير كثيراً من أنماط حياتنا وحياة أبنائنا عن طريق البرامج والإعلانات التي تصب في آذاننا خليطاً غير متكافئ من اللغات، وأصبحت اللغات الأجنبية هي الغالبة لدرجة أننا أصبحنا نحس أننا لا نعيش في ظل مجتمع لغته هي العربية. فاللغات الأجنبية صبغت حياتنا بصبغة أجنبية غريبة، بدءاً بلغة الخطاب اليومي وكثرة المصطلحات الأجنبية، فالشوارع والأسواق تموج باللافتات والأسماء الأجنبية، كما تعمل تقنية الإعلام الجديد مثل الشبكة الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي على إضعاف بل هدم وتخريب اللغة والثقافة العربية بنشر ثقافة الغرب المدعومة بالصورة والصوت والمؤثرات. ومعظم هذه الثقافات إن لم يكن كلها هي باللغات الأجنبية التي بدأت تصبح هي المهيمنة حتى في لغة الدراسة للنشء في مدارسنا العربية، وأصبح الهاتف المحمول الذي يقدم هذه الثقافات للجميع هو أحد أخطر الظواهر الاجتماعية ذات التأثير الواضح والعميق في جميع مجالات الحياة البشرية.
ويكشف تاريخ الشعوب العربية، منذ ابتلائها بالاستعمار، وحتى تحررها، ثم ما بعد ذلك؛ أن الوجود الأجنبي لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية هامشية، وإنما كان سعياً أعد لإحلال لغة المستعمر محل العربية، لتصبح جزءاً أساسياً من الثقافة الرسمية في البلاد المحتلة، ثم ينميها ويغذيها تحت تأثير المناخ الاجتماعي والسياسي والفكري وشعارات مواكبة التحديث لانتزاع الشعوب بعيداً عن لغتها القومية، وادعاء أن العربية عاجزة عن مواكبة الحداثة والمعاصرة. والآن أصبحت مسؤولية الشعوب العربية استعادة قوة لغتها العربية عبر خطط وإستراتيجيات محكمة للتعليم والإعلام العربيين.

مقال : اللغة والتهديد الخارجي – المجلة العربية العدد 487 شعبان 1438 – مايو 2017
http://en.calameo.com/read/0001454401e86f2b10459

 

 

اللغة والتهديد الخارجي


إن الكلام عن لغة خطاب موحدة بين العرب بلهجة غير العربية الفصيحة هو كلام بعيد عن الواقع، فالعاميات العربية اكتسبت ملامحها المميزة عبر الأزمان تأثراً بثقافات ولغات ولهجات الشعوب من حولها أخذاً وعطاءً. ولو حدث التغيير أو التقارب فلابد أن يكون مشروطاً بغلبة ثقافة من الثقافات على الأخرى مشرقية كانت أو مغربية أو وسيلة تقارب فاعلة ومؤثرة. ولا أرى في الأفق دلائل واضحة على هذا، بل الواقع هو أن هناك تبايناً واضحاً بين لهجة المشرقيين والمغربيين فلا يفهم بعضهم بعضاً إلا إن اعتمدوا العربية الفصيحة لساناً بدل اللهجات المحلية.
العاميات أو فلنسمها (اللهجات) العربية هي بنات الفصحى تقترب منها أو تبتعد، وقد عاشت جنباً إلى جنب مع العربية الفصيحة منذ القديم، وكان العرب يفهم بعضهم بعضاً، لكنها كانت منحصرة في عدد قليل من قبائل الحجاز ونجد واليمن وحضرموت.. وغيرها، وقد أطلقوا عليها أسماء بحسب ما يميز لسان هذه عن تلك، مثل: طمطمانية حمير، وعنعنة تميم، وفحفحة هذيل، وغمغمة قضاعة، وكشكشة ربيعة.. وغيرها. واختلاف الألسن العربية هو عين السبب الذي من أجله نزل القرآن بالأوجه المتعددة للقراءات، وكذلك خاطب النبي تلك القبائل بألسنتها المتعددة. ثم لما اتسعت رقعة المسلمين، وتمدد العرب شرقاً وغرباً، وتمازجت القبائل العربية مع الأعجمية، واختلطت الثقافات؛ كثرت اللهجات، وتعددت تصنيفاتها بحسب الأماكن؛ فنشأت اللهجات المغاربية بلسان أهل المغرب العربي والمشارقية بحسب البلدان مثل لهجات جزيرة العرب الخليجية والنجدية والحجازية والعراقية ولهجات الشمال الشامية كاللبنانية والسورية والفلسطينية والأردنية، وحتى المدن والمناطق أصبحت لها لهجاتها، فاللهجة المصرية مثلاً تنسب إليها الصعيدية والإسكندرانية والقاهرية، واللهجة النيلية تنسب إليها السودانية والمحسية والشايقية والدنقلاوية.. وهكذا في كل بلد من البلدان، أضف إلى ذلك لهجات البدو في كل منطقة. وهذه اللهجات في طريقها للاتساع والتعدد أكثر من أيلولتها للتوحد، وسوف تبقى هناك فصحى وعاميات، حيث تكون الفصحى هي المرجعية كلما تفرقت بها السبل أو تعددت الألسن.
الإعلام الجديد وفر للناس إمكانية استخدام ما يشاؤون من لغات أو لهجات، كما أضاف المؤثرات النصية التعبيرية والصورة والصوت والخواص الأخرى، إضافة إلى التفاعلية في الحوار، ولذلك فقد أصبح من السهل التخاطب بين العرب باختلاف لهجاتهم، لكن نشأت إضافة إلى ذلك لهجات وطرائق مبتدعة للتواصل مثل النقحرة (النقل الحرفي Transliteration) لترجمة اللغات واللهجات واستخدام الحروف اللاتينية لكتابة العربية، وذلك مؤشر لتأثر اللهجات العربية بثقافة الغرب التي وفرت وسائل التواصل، فقد أدخلت ثقافاتها ولغاتها وفرضت على مستخدميها استخدام المصطلحات والنصوص والرموز الانفعالية Emoticons الخاصة بها؛ فأصبحت مهدداً آخر للغة العربية.
أصبحت الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من أدوات الهيمنة الثقافية على الشعوب العربية منذ انتشار التلفاز والقنوات الفضائية بالبرامج الأجنبية والغزو اللغوي، فأثر ذلك على لغتنا العربية واللهجات المحلية معاً، وغير كثيراً من أنماط حياتنا وحياة أبنائنا عن طريق البرامج والإعلانات التي تصب في آذاننا خليطاً غير متكافئ من اللغات، وأصبحت اللغات الأجنبية هي الغالبة لدرجة أننا أصبحنا نحس أننا لا نعيش في ظل مجتمع لغته هي العربية. فاللغات الأجنبية صبغت حياتنا بصبغة أجنبية غريبة، بدءاً بلغة الخطاب اليومي وكثرة المصطلحات الأجنبية، فالشوارع والأسواق تموج باللافتات والأسماء الأجنبية، كما تعمل تقنية الإعلام الجديد مثل الشبكة الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي على إضعاف بل هدم وتخريب اللغة والثقافة العربية بنشر ثقافة الغرب المدعومة بالصورة والصوت والمؤثرات. ومعظم هذه الثقافات إن لم يكن كلها هي باللغات الأجنبية التي بدأت تصبح هي المهيمنة حتى في لغة الدراسة للنشء في مدارسنا العربية، وأصبح الهاتف المحمول الذي يقدم هذه الثقافات للجميع هو أحد أخطر الظواهر الاجتماعية ذات التأثير الواضح والعميق في جميع مجالات الحياة البشرية.
ويكشف تاريخ الشعوب العربية، منذ ابتلائها بالاستعمار، وحتى تحررها، ثم ما بعد ذلك؛ أن الوجود الأجنبي لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية هامشية، وإنما كان سعياً أعد لإحلال لغة المستعمر محل العربية، لتصبح جزءاً أساسياً من الثقافة الرسمية في البلاد المحتلة، ثم ينميها ويغذيها تحت تأثير المناخ الاجتماعي والسياسي والفكري وشعارات مواكبة التحديث لانتزاع الشعوب بعيداً عن لغتها القومية، وادعاء أن العربية عاجزة عن مواكبة الحداثة والمعاصرة. والآن أصبحت مسؤولية الشعوب العربية استعادة قوة لغتها العربية عبر خطط وإستراتيجيات محكمة للتعليم والإعلام العربيين.

مقال لا تنقصه الصراحة حول العلاقات السودانية المصرية


بقلم عمر فضل الله

تضافرت الجغرافيا والتاريخ على تشكيل حضارة ذات ملامح ثقافية وعرقية متشابهة في وادي النيل امتدت لأعماق التاريخ القديم فقد نشأت الحضارات في المنطقة منذ آلاف السنين وقبل أن تعرف الدول والحدود فقد كشفت البحوث والحفريات أن الحضارة نشأت وازدهرت في جنوب وادي النيل، وعلى الأخص في حوضه الأوسط ثم تمددت شمالاً وجنوباً. وأنها ليست محض امتداد للحضارات في شمال الوادي، كما كان الظن سابقاً.

أثبت التاريخ أنه كلما حاق الضعف والإنحلال بمصر، تقهقرت الأسر المالكة، والأمراء والكهنة، يطلبون الملاذ في جنوب الوادي. كما سجل التاريخ ملاحم خالدة، هبت فيها ممالك من جنوب الوادي، إلى الشمال تطرد الغزاة والمحتلين من شمال الوادي، وتنشر القوة والبعث والإزدهار وتعيد الأمن والنظام. ونقرأ في دهشة تلك اللوحة المقدسة في جبل البركل المقدس في ذلك الزمان القديم، والتي يحذَّر فيها الملك بعانخي جيشه من المساس بالمعابد المقدسة، ويأمرهم أن يحيطوها بالإجلال والتعظيم، وأن يدخلوا طيبة المقدسة خاشعين مبتهلين. ونعرف زحف الملك ترهاقا، ليخلص شمال الوادي من قبضة الآشوريين.

أخبرنا التاريخ عن ظاهرة هامة هي أنه كلما فقدت مصر استقلالها أو أجبرت على الإندماج في أمبراطوريات أكبر منها كالأمبراطورية الرومانية أو الإمبراطورية الفارسية، تضمحل العلاقات بين البلدين حتى تثوب مصر لرشدها ولنفسها وتستعيد كيانها فتزدهر الروابط من جديد. هذا ما كان من شأن التاريخ القديم.
يذكر السودانيون سنوات طويلة من المهانة والإذلال تحت حكم ولاة محمد علي التركي الشركسي حاكم مصر الذي جاء من الشمال ليعتدي على السودان المسلم سنة 1821. ويذكر السودانيون ولاة محمد علي الشراكسة والأرناؤوط وحلفاءهم الأوربيين حتى وفاق 1899م الذي اعترفت فيه بريطانيا بحق السيادة على مصر، وبالدعاوى الخديوية للسيادة على السودان، والتي يزعمون أنها تُستمد من حق الفتح، أو من الفرمانات العثمانية، أو بحق العمران. وفاق 1899 اعترف بالسيادة المصرية على السودان، لكن في واقع الأمر كانت مصر نفسها تحت قبضة الإحتلال ولم تكن تملك قرارها ولا مصيرها.

منذ ذلك التاريخ بذلت بريطانيا وسعها لتفكيك الصلات في وادي النيل. عزلت السودان من مصر، وعزلت شمال السودان من جنوب السودان، وعملت كل ما في وسعها لعرقلة الصلات الثقافية والتاريخية والتجارية بين البلدين. جعلت جنوب السودان منطقة مغلقة أمام المؤثرات الثقافية العربية والإسلامية. وانتهزت الحكومة البريطانية مقتل السير لي ستاك سردار الجيش المصري في القاهرة فقوضت آخر ما تبقى من علاقات بين البلدين. في تلك الأيام بلغت المهانة بمصر – قبل ذلك وبعده – أن أدمج منصب الحاكم العام في السودان في منصب القائد العام للجيش المصري، فكان الإنجليزي قائد الجيش المصري هو حاكم عام السودان، وهو ما يسمى بسردار الجيش المصري. وطيلة المفاوضات الطويلة المضنية بين بريطانيا ومصر حول الجلاء وحول قضية السودان كان الموقف (المصري) التقليدي هو ادعاء السيادة على السودان والسيطرة على موارد النيل.

أما بريطانيا ففي سعيها للإنفراد بالسودان كانت تتذرع بمسئوليتها نحو السودانيين وحقهم في تقرير مصيرهم. وكلنا نذكر قولة صدقي باشا: (جئتكم بالسيادة على السودان) ولكن في مواجهة ذلك كانت القوى الوطنية في مصر تنادي بالكفاح المشترك لإجلاء الإستعمار من وادي النيل بأسره. وتُوِّج هذا العمل والنضال البارز للشعبين بمذكرة مؤتمر الخريجين السوداني في 3 أبريل 1942حين رفع مؤتمر الخريجين مذكرة تاريخية للحاكم العام، حوت اثنى عشر مطلباً سياسياً. كان المطلب الأول فيها: (أن تُصدِر الحكومتان البريطانية والمصرية في أول فرصة سانحة، تصريحاً مشتركاً، يمنح السودان بحدوده الجغرافية حق تقرير المصير مباشرة، وضمان حرية التعبير مع ضمانات تؤكد للسودانيين حق تكييف علاقاتهم الطبيعية مع مصر في اتفاق خاص بين المصريين والسودانيين).

وكانت الخطوة التالية هي الثورة المصرية التي تخلت نهائياً عن دعاوى السيادة على السودان، وتوصلت مع السودانيين إلى اتفاق تاريخي هدفه الأساسي هو إنهاء الحكم الثنائي، وتصفية الإدارة البريطانية، ومنح حق تقرير المصير للشعب السوداني. وشاء السودان أن يختار الإستقلال.
هذه المقدمة التاريخية الهامة توضح مجال أو مسار العلاقات الطبيعية بين مصر والسودان منذ التاريخ القديم.

السودان تربطه بمصر إنتماءات عميقة كان ينبغي أن يستثمرها البلدان لتقوية هذه الإنتماءات ولمصلحة البلدين بتبني سياسات الحدود المفتوحة بدلاً من أن تكون بؤر للمنازعات ودعاوى للتبعية وتهريب ومشاكسات كان ينبغي أن تتحول إلى بؤر للمصالح المشتركة، والإنسجام الثقافي وتجارة الحدود وتبادل المنافع والتمازج الحضاري.

السودانيون من جانبهم قدموا أكثر ما يمكن أن تقدمه أي دولة جارة نبيلة وبلد حر لأشقائهم في الشمال. يذكرون بالإعزاز وقوفهم مع مصر حين تخلى السودانيون عن أراضيهم طوعاً وقاموا بترحيل مواطنيهم لتنعم مصر بأرض مياه السد العالي. وحين أقرضوا مصر الجزء الأكبر من نصيب السودان من مياه النيل وحين وقفوا مع مصر في الحروب فحين تهزم مصر يلجأ رئيسها عبد الناصر للخرطوم ويقول: (الخرطوم عاصمة الصمود) لتكون الخرطوم هي ملهمة عبد الناصر في الصمود. وهى التي تقود تنقية الجو العربي، ووقف الحرب اليمنية، وتدبر اللقاء التاريخي الشهير بين عبد الناصر والملك فيصل. بل ويسارع السودان قبل أية دولة عربية إلى قطع علاقاته السياسية والدبلوماسية كاملة مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا أيام الحرب. ويستضيف الطيران المصري الجريح في قاعدة وادي سيدنا، فيخليها من الطلاب والسكان والمدينة ويجعلها قاعدة جوية مصرية. ويستضيف السودان الكلية الحربية المصرية على أرضه لتدريب وإعداد الضباط المصريين وفي ملحمة السد العالي ينسى السودانيون حلفا وأهلها، فيقدمونها ضحيةً وقرباناً أمام تحدي مصر للغرب. وفي كامب ديفيد، يغامر السودان بكل علاقاته العربية والإسلامية، فيقف مسانداً لمصر ويخسر كل العالم من حوله، كل ذلك وقفه السودان بسبب هذا الإنتماء، ليس بسبب أي مصلحة مع مصر أو مصلحة خارجية.

لكن مصر تعودت أن تعض اليد التي تمتد إليها بالإحسان. تعضها في كل موقف وفي كل مرة ففي حرب الخليج حيث تمزق العرب، وأصبح البترول العربي وأصبحت قناة السويس، من جديد، عبئاً إستراتيجياً خطيراً على الحياة العربية تصبح مصر هي العصا لتأديب السودان ويسعى رئيس مصر للفتنة بين السودان وأشقائه من الدول العربية. بل وتسعى مصر لوصم السودان بالإرهاب وتصنيفه ضمن دول الضد وضمن الدول الراعية للإرهاب. مصر هي التي تقود الحملة ضد السودان.

العلاقة بين السودان ومصر لا يمكن أن تكون علاقة اعتيادية بين أي دولتين جارتين فهي إما أن تسير في اتجاه التكامل والتوافق والوحدة، أو أن تسير في اتجاه الصراع وذلك لكثرة المصالح المشتركة التي تربط بينهما لكن مصر اختارت جانب الصراع وفضلته على جانب الوحدة والإخاء واختارت أن تقطع شريان الحياة الذي يمدها بالماء والخصب والنماء فمصر كانت وما زالت هي هبة السودان عبر النيل. ونتساءل هل نهر النيل هو النهر الوحيد المشترك بين دولتين في العالم؟ بالطبع لا ولكن لهذا النهر خصوصيته فهو حين يدخل مصر يعبر أرضاً صحراوية شرقه وغربه فيحيلها إلى أرض خضراء ثم إن دول المنبع مثل إثيوبيا ويوغندا وكينيا، ليست في حاجة له، بل هي في حاجة إلى تصريفه. وحتى كثير من أراضي السودان ليست في حاجة كثيرة إلى النيل، مثل غرب السودان، وشرقه ومن باب أولى جنوبه. فالنيل سلاح ذو حدين، إما أن يكون أداةً للتكامل، أو أداةً احتراب. ومشكلة مياه النيل يمكن احتواؤها بالتكامل، خاصة وأن السودان دعا مصر للإستثمار والزراعة في الأراضي السودانية، لكن مصر في استراتيجيتها تجاه السودان ظلت تعامله معاملة الأخ الأكبر المتنمر بل وتدعو العالم للإضرار بالسودان. ظلت مصر تبحث بحثاً عن نقاط الخلاف مع السودان. مصر مازالت تتحدث عن الإرهاب الذي منبعه السودان ومصر تحزن لرفع العقوبات عن السودان ومصر تحتل الأراضي السودانية في حلايب وشلاتين وتزعم أنها أرض مصرية وترفض التفاوض حولها. ومصر تحرض إعلامها للنيل من السودان ومصر تصدر المنتجات الملوثة للسودان وتغضب حين يرفض السودان استيراد مثل هذه المنتجات. ولك أن تسأل لماذا لم ينفجر الموقف العدائي بين البلدين إلا مؤخراً؟ والجواب هو أن السودان كان يلجأ لشعرة معاوية في كل مرة، فهو دائماً الذي يطيل حبال الصبر. وقد يفسر البعض أن هذا موقف ضعف من السودان، لكن السودان كان حتى وقت قريب يرجو أن تفيق مصر من غيبوبتها وتعيد صياغة استراتيجيتها تجاه السودان. وظل موقف السودان الرسمي منطلقاً من موقف الشعبين فلا يوجد مصري واحد من عامة الشعب ولا سوداني واحد يسره أن تحدث المواجهات والعداءات بين البلدين لكن الواقع ليس هو الأماني والمشاعر والعاطفة. ومصر سوف تخسر لو راهنت على ضعف السودان فقد طفح الكيل وفاض. لاشك أنه لو حدثت مواجهة فسوف يخسر الطرفان لكن مصر ستكون هي الخاسر الأكبر. الإعلام المصري بدأ أخيراً يحرض الساسة المصريين على أن تمتد حدود مصر إلى الشلال الرابع والسودانيون في مواقع التواصل الاجتماعي بدأوا يقولون إن صعيد مصر كله يتبع للسودان. فمثل هذا الكلام من الجانبين له خطورته. وأؤكد أن مصر لو خسرت السودان فلن يبقى لها حليف بعد ذلك.

لكننا مازلنا نقول رغم مرارة الظلم الذي يعيشه السودانيون من العدوان الإعلامي المصري، فظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند ما زلنا نقول إن المسرح السياسي لن يستمر طويلاً على ما هو عليه الآن. ومازلنا ندعو العقلاء في مصر إلى قيادة الوعي وتحكيم العقل المصري وكف الأذى الذي يأتينا من إعلامهم قبل أن تقع الواقعة فمصر وحضارتها وشعبها لا يسمح أن يستمر هذا الظلم على السودان وشعبه.

أما على المستوى الاستراتيجي فنقول إن هناك خطراً كامناً لابد من التنبيه عليه وهو أن العلاقات السودانية المصرية تسير من سيء إلى أسوأ وليس العكس. فاستراتيجية مصر تجاه السودان ظلت ثابتة فهي تريد أن يكون النظام السياسي في السودان أو الحكومة في السودان، رديفاً تابعاً للنظام المصري بصورة من صور التبعية، الآيديولوجية، والثقافية والإقتصادية وفي حال عدم توفر هذا فهي تريد أن ينزلق السودان في حالة من الإضطراب السياسي والإقتصادي، وعدم الإستقرار الأمني ليكون في دوامة من الإعياء السياسي. وفي حال تعذر هذين الخيارين فإن مصر تريد أن يبقى السودان معزولاً، محاصراً وضعيفاً فقد حرصت طوال الأعوام الماضية على هذا بل إن مصر الرسمية سعت لعدم رفع المقاطعة والحصار الأمريكي عن السودان حتى لا يجد جهة حليفة له وخاصة الدول المشاطئة للنيل.

لو أرادت مصر الحفاظ على علاقات متميزة مع السودان فعليها أن تعيد صياغة استراتيجيتها للتعاون والتعامل المشترك بين الحكومتين في مصر والسودان، بحيث تسعى نحو تحقيق وحماية مصالحها في السودان انطلاقاً من الندية في العلاقات وليس ادعاء الوصاية التي لن تفلح في أي يوم من الأيام. ولو فعلت هذا لوجدت متسعاً من الترحيب من الحكومة السودانية في أن تسعى معها بل ومن الشعب السوداني أجمعه رغم كل شيء ـ في تطوير علاقات تقوم على المصالح المشتركة، لكن الحكومة المصرية لا تريد تطوير مصالح مشتركة، وإنما تريد تحقيق مطامعها في المنطقة. وفرق كبير بين المصالح والمطامع.

إن على مصر أن تعلم أنها حين تتأزم أوضاعها الداخلية فتنقلها إلى معارك خارجية بالتحرش بالمملكة العربية السعودية مثلاً أو القيام بتمثيل دور الشرطي الدولي في إفريقيا أو التحرش بجارتها الأزلية السودان فإن ذلك لن يزيد مصر إلا بعداً عن تحقيق أمنها الداخلي فالسودانيون يراهنون على العقلاء من الشعب المصري.

لقد ظلت السياسة المصرية تجاه السودان تتسم بالخداع وتكريس الأمر الواقع وأشير هنا إلى مسالة الخلاف حول حلايب والخطوات التي قامت بها مصر الرسمية والتي تدل على التحرش، والطمع الشديد، واللعب على حبل الصبر السوداني بل لا تدل على العقلانية، ولا مراعاة المصالح المشتركة. ففي بداية الأمر اتفقت مصر مع السودان على تطوير العلاقات بين البلدين، وألا تكون مشكلة حلايب عائقة في هذا الصدد، وأن تحال إلى اللجان المتخصصة لتحل حلاً سلميا. لكن لا تمضي أيام على ذلك الاتفاق إلا وتقوم الحكومة المصرية بتعزيز الوجود الآلي والبشري الكثيف في المنطقة المتنازع عليها، فتنشيء المباني، والمباني غير الثابتة تجعلها مباني ثابتة، وتعزز القوى وتقوم بتحويل قرية شلاتين إلى مدينة كاملة، وتفتتح قيادات للقوات المسلحة المصرية والشرطة والأمن في المنطقة وتوزع الجوازات المصرية وبطاقات الشخصية لقبائل البشاريين، والعبابدة السودانية في المنطقة الممتدة من جنوب حلايب إلى الأراضي المصرية وتنشيء مباني جديدة داخل النقاط المصرية الموجودة أصلاً داخل الحدود السودانية وتهجم القوات المصرية على الشرطة السودانية، فتقتل بعض رجال الشرطة السودانية وتسعى سعياً حثيثاً لتمصير المواطنين الذين يوجدون في المنطقة ثم تعلن عن قيام محافظة كاملة (مصرية) اسمها حلايب وشلاتين!

حين نقول هذا نفرق دائماً بين علاقات الشعوب وعلاقات الحكام. أما الشعوب فمن تلقاء الجوار يكفي أن تقوم بينها علاقة صديقة وحميمة لتبادل المنافع والمصالح المشتركة، وهذا هو الشأن الموجود في كل أنحاء الأرض، فالطبيعي أن علاقات الجوار وحدها كافية لأن تؤسس قاعدة للتعامل السوي الرشيد بين الشعوب لكن مصر لم تراع كل ذلك فبدأ تفقد مكانها ومكانتها بين الشعوب. كانت مصر في يوم من الأيام زعيمة الأمة العربية، وحاضنة لجامعة الدول العربية وزعيمة العالم الإسلامي، وذات دور ريادي في إفريقيا، واستطاعت أن تقيم علاقات حتى مع عدوتها التقليدية اسرائيل فتطبع علاقاتها معها، واستطاعت أن تحل مشكلة طابا بالحوار، لكن من الواضح أنه من العسير على مصر، التي فعلت هذا مع اسرائيل عدو الأمة العربية والإسلامية، أن تقيم علاقات ندية وأخوية مع السودان. ومن الواضح أن مصر لا تريد هذا أو لا يراد لها هذا.

قال أحد الإخوة المتشائمين من إصلاح العلاقات السودانية المصرية إن مصر الرسمية لو خيرت لاختارت أن يكون السودان أرضاً وماء بلا بشر ولو استطاعت لفعلت بأهل السودان ما فعلته أمريكا بالهنود الحمر. ولأن ذلك ليس سهلاً فمصر دائماً، وفي كل سنوات حكمها ومراحلها كانت تحرص أن يكون الحكم في السودان ضعيفاً تستطيع من خلاله أن تستغل مياه النيل بغير حدود وإن لم تستطع ذلك فتتحرش بالنظام في السودان وتتخذ من الذرائع والمبررات مثل حلايب. ولو تخلى السودان عن حلايب بالكامل لمصر لبحثت عن سبب آخر وجيه أو غير وجيه لاستفزاز السودان. فهذه النوايا الحقيقية لمصر الرسمية. ورغم قناعتي أن كثيراً من المصريين والسودانيين يختلفون معه في هذا الرأي إلا أن ما نشاهده مؤخراً من تصدير المنتجات الملوثة وتصدير السلاح للحركات المسلحة التي تقاتل السودانيين وغير ذلك من المؤشرات ثم الهجمة الإعلامية الظالمة للتحقير من شأن السودان وشعبه وأهله ووصمهم بالعبيد في الإعلام المصري الرسمي بل والتهجم على ضيوف السودان وزواره يجعلنا لا نستبعد هذا الرأي المتطرف كثيراً.

إننا في السودان نحمل السلطة في مصر المسئولية كاملة فهي المتهم الأول عندنا فالسلطة في مصر لم تتصالح مع الشعب المصري والوجدان المصري في أي يوم من الأيام والدليل على ذلك هو الثورات المستمرة على مدار الحكومات التي تعاقبت على الحكم في مصر. وفي تقديري أيضاً أن الخلاف بين النظامين المصري والسوداني يندرج في إطار المصالح بين النظامين الحاكمين وليس بين الشعبين السوداني والمصري. لكنه الآن بدأ ينحو منحى الخلاف بين الشعبين أيضاً. فمصر الرسمية لاتعبر عن الوجدان المصري والشارع المصري تجاه السودان. ومصر تلعب الدور وفقاً لتغير المصالح ففي قضية حلايب، ذكر د. بطرس غالي في كتابه “أضواء على الدبلوماسية العربية” أن حلايب هذه أرض مقفرة وليس لمصر أي مصالح حقيقية فيها، ولكنها كانت تدخلاً من مصر حتى تتم الإنتخابات السودانية بعد قيام الوحدة المصرية السورية، فتتمكن الأحزاب الموالية لمصر في ذلك الوقت من الاستفادة من هذه الوحدة كرتاً رابحاً لها للفوز بالإنتخابات في السودان. إذن قضية حلايب بدأت سياسية في المقام الأول، والآن مصر تنقل لها الماء من السويس وحتى شلاتين، لأن حلايب ليس بها ماء أصلا. ومصر قصدت أن تستفز السودان وتجره إلى معركة لم يحدد زمانها وإن كان مكانها معلوماً.

إن النظرة الخديوية أن يظل السودان مزرعة خلفية أو حديقة خلفية لمصر هي ذهنية واضحة في الوجدان السياسي المصري، والإعلام المصري ينفخ فيها فيقول إن مصر كان يحكمها ملك مصر والسودان! وهذه فرية في أذهان المثقفين في مصر والسودان. فبعض المثقفين المصريين والسياسيين المصريين يعتقدون أن مصر استعمرت السودان وهذا غير صحيح. فمصر استقلت في عام 1954 بجلاء الإنجليز وهي لم تستعمر السودان في أي يوم من الأيام حتى يكون لهم يد وشعور بالعلوية علينا أوشعور بالدونية من جانبنا. وما كان لمصر في أي يوم من الأيام أن تستعمر السودان حتى تشعر بهذا الشعور. ومع أن فصل جنوب السودان كانت تعتبره مصر من مهددات الأمن القومي المصري. لكنها لم تستطع أن تقف في وجه الولايات المتحدة حينما حرضت جنوب السودان على الانفصال مع أنه حدث ضد إرادتها.

كلمة أخيرة ونصيحة للعقلاء من الشعب المصري:
بدلاً من أن توجهوا سهامكم نحو الغاضبين من الشعب السوداني وجهوها نحو الإعلام المصري الظالم الذي نعتقد أنه هو القنبلة الموقوتة التي من الممكن أن تنفجر وحينا نقول للشعبين في وادي النيل لقد ولى عهد السلام والاستقرار في المنطقة.

التعليم الثانوي في السودان: بئر معطلة وقصر مشيد


التعليم الثانوي في السودان: بئر معطلة وقصر مشيد

بعد شهور من المذاكرة المستمرة والاجتهاد المتواصل، خرجت مي شوكت في صبيحة 14 مارس/آذار باكراً من منزلهم بضاحية الشجرة بالعاصمة السودانية الخرطوم لأداء أول امتحانات الشهادة الثانوية السودانية، بعد ثلاث سنوات دراسية قضتها في مدرسة خاصة، حسنة التأسيس، مكتملة الكادر التعليمي. ويجلس نحو 470 ألفاً من الطلاب السودانيين لامتحان موحد ينتظم البلاد كافة ويتنافسون على نحو 125 ألف مقعد لمستوى البكالوريوس والدبلوم بمؤسسات التعليم العالي لهذا العام، حيث يوجد بالسودان نحو 31 جامعة حكومية تمنح البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، بجانب 64 مؤسسة تعليمية، تتنوع بين أهلية وخاصة.ليس كل الطلاب السودانيين يحصلون على فرصة دراسية مثل تلك التي تنعم بها الطالبة مي، فقد نشر ناشطون صورا لطالبات في محلية طويلة بشمال دارفور يؤدين امتحانات الشهادة السودانية في نفس اليوم 14 مارس/آذار 2016 وهن جالسات على سجادة مهترئة في فصل لا يكاد يحجب عنهن أشعة شمس السودان الحارقة.
ينبه الدكتور شهاب موسى الأستاذ بجامعة سنار إلى أن مثل هذه المشكلات تعاني منها حتى مدارس العاصمة السودانية الخرطوم، يقول لـ”العربي الجديد”: “عملت قبل سنوات قليلة أستاذا بمدرسة الكدرو الثانوية بالخرطوم بحري، وكان الطلاب لا يجدون أدنى مقومات العملية التعليمية، حتى الكتاب المدرسي كان منعدما وربما يوجد أحيانا كتاب واحد يكون من نصيب الأستاذ بينما يضطر الطلاب لشراء الكتاب إن استطاعت أسرهم لذلك سبيلا”. 
ويضيف شهاب “قد تضطر الأسر المقتدرة ماديا أحيانا إلى جلب أستاذ خصوصيا للطالب حتى وإن كان يدرس في مدرسة خاصة تدفع لها الأسرة الملايين سنويا”.تباهي الأمهات ويقول البعض إن الأمهات اتخذن من أولادهن وسيلة للتباهي الاجتماعي، وهذا جعلهن يمارسن نوعا من الضغوط النفسية المباشرة وغير المباشرة على طلاب الثانوية العامة من أجل النجاح والتفوق، حتى أن جلب أستاذ خصوصي يدخل في التباهي أكثر من كونه حاجة حقيقية للطالب، يقول الدكتور عمر فضل الله “هذه ليست سمة عامة وقد تنحصر في المدن فقط، لكنها ظاهرة موجودة، لا يمكن أن نتجاهلها”.
 في المقابل، يرى الدكتورعباس محجوب أن “ظاهرة الدروس الخصوصية تزيد مشكلات الأسر وتهدد كيان المجتمع حيث يكون التعليم للقادرين مادياً وضياع ديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص وإضعاف وظيفة المدرسة الرسمية وتهميشها زيادة على تدني المستويات التعليمية في المدارس الحكومية”.
تسرد الناشطة (ناهد علي) جملة من المشكلات التي تكتنف التعليم الثانوي في السودان “رغم التوسع الأفقي الذي نشهده في التعليم إلا أن هنالك كثيرا من السلبيات منها: عدم مجانية التعليم، ضعف المناهج التعليمية وعدم مواكبتها لمتطلبات المرحلة، ضعف تأهيل الأساتذة، عدم توفر الكتاب المدرسي، تصدع بناء المدارس- سوء البنية التحتية- وعدم توفر الأثاث اللازم من أدراج ومقاعد
مسارات التعليم
عن مسارات التعليم الثانوي، يشير الخبير الإستراتيجي السوداني الدكتور عمر فضل الله مدير مشاريع الحكومة الإلكترونية بحكومة أبو ظبي “في التعليم الثانوي الجميع يسعى للتعليم الأكاديمي، ومتدنو الدرجات يتجهون للتعليم الفني أو الزراعي أو الصناعي أو التجاري وبذلك فإن الغالبية العظمى تتجه نحو التعليم الأكاديمي، وهذا يكون على حساب التخصصات المهنية الأخرى، كما أنه يزحم المدارس الأكاديمية بكميات هائلة من الخريجين الذين لا يجدون فرصاً لمواصلة التعليم الجامعي فيكتفون بالتعليم الثانوي ويعدّون فاقداً تربوياً”. ” التعليم الثانوي لا يصاحبه توجيه لتخصص الطالب من منطلق مهاراته ومقدراته العلمية والأدبية والفنية، فالطالب يكون في حيرة من أمره هل يتجه للمساق العلمي أم للمساق الأدبي فالطالب يكون في حيرة من أمره هل يتجه للمساق العلمي أم للمساق الأدبي؟ وكثيرون يخطئون في اختيارهم وتكون النتيجة هي الفشل في امتحانات الشهادة الثانوية ليس لأن الطالب غير كفء أو غير مؤهل ولكن لأنه أخطأ المسار فلم يوجه طاقاته التوجيه الصحيح ولم يتلق الإرشاد السليم”. تهتم الأسرة الحضرية في السودان اهتماما مبالغا فيه بأبنائها في المرحلة الثانوية على وجه الخصوص بإرسالهم للمدارس الخاصة المتميزة وباستجلاب الأساتذة الخصوصيين لهم، في المقابل – بحسب فضل الله – فإن “الطلاب في المجتمعات الفقيرة والمتخلفة في معظمها لا تولي العملية التربوية حقها من الاستعداد والعون من جهة الآباء فيقتصر دور الآباء أو الأمهات على القليل من الدعم المعنوي والكثير من التوبيخ والتقريع والتحطيم المعنوي والنفسي”. 
ويقول الخبير الإستراتيجي “علاوة على ذلك أدت الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد إلى هجرة كثير من الآباء والاغتراب في دول أخرى مما أدى إلى تولي الأمهات مهام الآباء في الإرشاد والتوجيه، وهذا لا يكفي في تلك المرحلة الخاصة بالمراهقة والتمرد فتكون النتيجة انحدار مستوى الإرشاد والتوجيه، وحين تأتي امتحانات الشهادة الثانوية تستعد لها الأسر بتوفير بيئة الاستذكار ولكن كثيراً من التلاميذ الذين استذكروا الدروس لا يملكون الاستعداد النفسي لمواجهة لحظات الامتحان نظرا للرهبة الفطرية من الاختبار”.في الأرياف تنتشر الأمية وينخفض مؤشر التعليم العالي بين الآباء والأمهات في الأرياف، وبالتالي فإن الطالب يخوض معركة التعليم وحيدا ويقاسي الفقر وشدة الحياة وغياب الموجّه التربوي؛ لأن “كثيرا من الآباء لم يكونوا قد بلغوا المستوى التعليمي لأبنائهم وبهذا فهم لا يملكون الخبرة والمعرفة الكافية لتوجيه أبنائهم كما أن وزارة التربية والتعليم لم تضع ضمن خططها واستراتيجياتها المرشدين التربويين الذين يتولون هذه العملية مع الآباء”. بحلول نهاية مارس/آذار الجاري، سيطوي الطلاب السودانيون آخر أوراق امتحانات الشهادة الثانوية، وينتظرون ما تسفر عنه النتائج، وتتعلق قلوب مئات الآلاف من الآباء والأمهات، ينتظر الأغنياء منهم والذين حصلوا على تعليم جيد في صباهم الباكر نجاحا جديدا تتباهى به الأسرة في مسيرتها الاجتماعية، وينتظر الفقراء أملا جديدا يساعد في انتشالهم من مستنقع الفقر إن ابتسم له الحظ والتحق بإحدى كليات القمة… وبين هذا وذاك تبقى مشكلات التعليم الثانوي في السودان تنتظر حلا ناجعا. 

وليد الطيب
العربي الجديد

من زوايا الذاكرة – أدب الشوارع بقلم د. عمر فضل الله


حدث ذلك وأنا طالب في المرحلة المتوسطة. فحين كنا صغاراً ما كان أهلنا في القديم يتحرجون في إرسالنا للسوق لشراء اللحم والخضار أو للبقالة لشراء الملح أو الزيت والسكر أو كلما احتاجت أمي لشيء ما يلزمها في عملها كل يوم عند صنع الطعام أو عمل القهوة. ورغم أنني كنت أذهب متذمراً من تلك المراسيل في كل مرة لكونها تحرمني اللعب إلا إن كانت وراءها منفعة من أكل ونحوه أو بعض قروش مما يبقى من قيمة المرسال إلا أن هناك مرسالاً خاصاً كنت أنشط له جداً بل وأترقبه كل أسبوع وأفرح حين يأتي رغم أنني لم أكن أنتظر من ورائه عائداً مادياً. هذا المرسال كان هو مرسال القراءة كل يوم جمعة حين يدعوني أخي الأكبر علي أحمد فضل الله وفي يده كتاب أو رواية يتبادلها مع ثلاثي القراءة المشهور في العيلفون في ذلك الزمان: الأديب القاص الراحل أبوبكر خالد مضوي والأستاذ هشام إدريس الخليفة والأستاذ النور أو مصطفى أحمد المكاوي. كنت أنشط لهذا الأمر لأنني كنت أعلم أن فرصتي الوحيدة للمس وحمل تلك الكتب التي لم أكن أحلم باقتنائها أبداً هي حين أحملها من بيتنا إلى بيت الأديب القاص الأستاذ أبي بكر خالد في الحي الأمامي وقد كان رحمه الله يقيم في نفس بيت صهره القاضي عبد الرحيم صباحي. كان أخي يعطيني الكتاب لأذهب به إلى بيت أبي بكر خالد وأعود بكتاب آخر وذلك على طريقة التبادل بينهما وأحياناً أخرج بكتابين لأمر في طريقي على هشام الخليفة لأعطيه أحد الكتابين وآخذ منه آخر إلى بيت أبي بكر وبذلك تتاح لي الفرصة مضاعفة لاختيار أحد الكتابين وتصفحه في الطريق ولو أعجبني فإنني أجلس في ظل أحد البيوت لأقرأ ذلك الكتاب أو تلك الرواية. بهذه الطريقة كنت أقرأ الكثير من قصص وروايات إحسان عبد القدوس المنشورة كتباً أو المضمنة في مجلة روز اليوسف. ولأن القصة تكون طويلة أحياناً فإنني كنت أتصفح الكتاب أو أمر مروراً سريعاً على أحداث القصة فأقرأ سطوراً هنا وسطوراً هناك. ارتبطت روايات وأعمال الأديب إحسان عبد القدوس وكذلك مؤلفات الأديب نجيب محفوظ عندي بمعالم معينة في القرية فلا زلت أذكر أين قرأت رادوبيس أو زقاق المدق (قرأتها بين دكان ود البر وزقاق إدريس الخليفة) واين قرأت السراب أو تصفحت بين القصرين أو قصر الشوق أو السكرية ولا زالت اللص والكلاب تذكرني بكلب العم عبد الكريم الأمين في القرية حين أمر من بيتنا إلى بيت العم عبد الرحيم صباحي على طريق عبد الكريم الأمين. أستطيع أن أقول إنني قرأت السمان والخريف كاملة في الطريق لكنني تصفحت ثرثرة فوق النيل وميرامار وأولاد حارتنا ثم لم أتمكن من قراءتها بعد ذلك كاملة إلا بعد أن أصبحت طالباً في الثانوية العامة. ولهذا فلما أعدت قراءة هذه القصص والروايات ذقت لها طعماً خاصاً لأنها ارتبطت عندي بذاكرة التاريخ القديم في القرية وبالأماكن والطرقات. قرأت تلك الروايات والقصص متلصصاً وخائفاً أن يضبطني أخي الأكبر أو يعثر علَّى أحدهم في الطريق جالساً منهمكاً في القراءة. وأظن أن الأستاذ أبوبكر خالد قد لاحظ أنني أقرأ تلك الكتب أو أتصفحها لأنه كان دقيق الملاحظة وكان واضحاً أن تلك الكتب تصل إليه متربة متسخة وبصمات أصابعي مطبوعة في كل صفحة من صفحاتها لكنه كان ذا أدب جم فتجاهل ذلك ولم يسألني يوماً عن السبب. لست أدري هل يصح أن أطلق عليه أدب الشوارع أم لا لكنني فتحت عيني على قراءة الأدب في الشوارع.

عمر فضل الله

بل إنقاذ السودان أهم من محاسبة الإنقاذ. د. عمر فضل الله رئيساً للوزراء


tariqد. طارق عبد الهادي

هناك لحظات فارقة ومنعطفات خطيرة في حياة الشعوب ما لم تهب هذه الشعوب وتمسك بزمام الأمور بنفسها فستعض أصابع الندم لاحقا ، المنحنى خطير و المرحلة دقيقة و علينا تلمس الخروج الآمن من سطح صفيح الإنقاذ الساخن بدل الوقوع في فوهة البركان.
لا شك أن الإنقاذ أخطأت كثيرا جدا وأهدرت الكثير من الوقت وأضاعت الكثير من فرص التنمية على البلاد والعباد، في هذه لا تنتطح عنزان. في عهدها تردت كل مرافق الخدمة المدنية و لم يقدم الحزب الحاكم للناس ما ينفعهم في معاشهم وحياتهم و اقتصادهم ولم يقدم الحزب للناس رخاء اقتصاديا كما فعل و يفعل حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي لم يحوز على ثقة الناس بالخطب والمواعظ والتغني بالمشروع الحضاري بل بالاهتمام بما ينفع الناس في معاشهم ، فشل إسلاميو السودان في النهوض بالزراعة والصناعة في بلد بإمكانات السودان بل قتلت روح المبادرة الفردية لدى السودانيين و تعطلت الصناعات الزراعية والتحويلية ، لذلك أسعار السلع الغذائية مرتفعة عندنا، والشباب عاطلون والنيل ممددا وبئر معطلة وقصر مشيد، و قد خرج النائب الأول السابق السيد علي عثمان طه على الناس بعضمة لسانه قائلا ان قفة الملاح لم تكن في يوم من الأيام موضع اهتمامهم بالحكم! وانه أتوا ليربوا الناس على تحمل الجوع والعطش كما حدث في شعاب بني طالب!، بئس هذا الحكم الذي كنت تسوس به، ذلك الذي لم يكن مقصدك فيه قفة الملاح وإشباع الناس. الم تسمع قول سيدنا عمر (ان لم نوفر لهم، أي للرعية، مأمنهم وحرفتهم ونسد جوعتهم فلماذا نسوسهم).

ما أوصلنا لكل هذا عاملان اثنان لا ثالث لهما ، الفساد الذي استشرى كالسرطان في مرافق الدولة والحصار الخارجي الذي تسببوا هم فيه بسياستهم الخارجية الرعناء مما لا داعي لتكراره مما هو أصبح معلوم بالضرورة لدى السودانيين، بل الحصار نفسه هو ادعى لهم ان كانوا وطنيين ليشاركوا الآخرين شراكة حقيقية من اجل ان يرفع الحصار و تذهب صادراتنا لأوربا ويعود ريع الصادر ويرفع الحظر البنكي الدولي على السودان فما من بنك عالمي إلا و فيه أسهم أمريكية تمنعه من التعامل مع السودان وبرفع الحصار تعود مساعدات الاتحاد الأوربي ونصبح جزءا طبيعيا من هذا العالم بدل البقاء في الهامش ورمي الآخرين بالطوب.

معاداة روسيا وأمريكا منذ طفولة عهدهم الباكر وآخر تخبطهم قبل ان يتوقفوا عن ذلك كان التحرش بإسرائيل عبر تهريب السلاح في معاكسة للرأي العام السوداني الذي يميل لإقامة علاقات معها بالحد المقبول كسائر معظم بلدان العرب والأفارقة وبالحد الذي يجلب لنا احتراما دوليا ويفتح آفاق علاقتنا مع الدول الغربية لأبعد حد ممكن، لماذا نعادي اسرئيل أكثر من العرب هل نكون ملكيين أكثر من الملك. (راجع مقالي بعنوان الوصفة لتجنب الطيران الإسرائيلي، http://www.alrakoba.net/articles-act…w-id-26412.htm )

بفذلكة تاريخية قصيرة لتاريخ الإنقاذ نجد ان خلط الموقف الديني بالسياسي اضر بالممارسة السياسية في الداخل و الخارج فالسياسة نسبية ، هي فن الممكن ، فن المنطقة الوسط او المنطقة الرمادية والدين مطلق وخلط المطلق بالنسبي يفسدهما معا ، والتوجه الإسلامي الصارخ كانت نتيجته الدخول في حرب مع الغرب ومع الكنيسة والسودان لا قبل له بذلك ، والغرب نفسه عدة مستويات لماذا نعاديه أصلا؟ ، هناك غرب القيم والتكنولوجيا، وهذا علينا ان نتعلم منه كما تعلم منا فقد اخذوا هم من الحضارة الإسلامية التي بدورها كانت أخذت من اليونانية والإغريقية فالمسالة تبادلية ، وهناك غرب المجتمعات المدنية وهذا غربٌ حليف لنا وصديق، وهناك غرب ملايين السياح ذوي الحس الإنساني الرفيع ترونهم بين ظهرانيكم في بلادنا في البجراوية وغيرها ، إذن من الغباء وضع كل هؤلاء في السلة ذاتها مع غرب الأنظمة.

إحقاقا للحق أهل الإنقاذ لديهم انجازات ولكن تقل و تقصر قيمتها النوعية مع طول مدة بقاءهم في الحكم 27 سنة مقارنة مع مشاريع فترة عبود ست سنوات، لديهم اختراق في التعليم العالي فقد وسعوا مواعينه وان كانت الناس دفعت من حر مالها بالخاص وأقاموا جسور وطرقا كان يمكن ان تكون أفضل من طرق الموت هذه (راجع مقالي عن الحل الوحيد لطرق الموت السريع هذه.

في المحصلة النهائية نقول أن حزب المؤتمر الوطني ليس مثاليا لشعب عظيم كالشعب السوداني وليس قويا ، هو قوي لان معارضيه هم هؤلاء! الذين ترونهم! في الساحة، هو قوي بضعف هذه المعارضة الهزيلة وليس هناك من يلتقط الحبل على الأقل حتى الآن0

السؤال هو ما المخرج اليوم بعد حراك الأطباء السلمي وبعد لقاء الرئيس البشير التلفزيوني الذي خرج اقل من المتوقع بكثير؟
هناك حلان لا ثالث لهما، أولهما هو فن الممكن الذي يمكن عمله شراكة من الطرفين معا مؤسسة الرئاسة من جهة والمعارضة من جهة أخرى ورمزها السيد الصادق المهدي صاحب الأكثرية بآخر برلمان منتخب، والخيار الثاني هو فن الممكن الذي تقوم به مؤسسة الرئاسة منفردة كفترة انتقالية.

الحل الأول هو ان تقدم المعارضة السبت لتحصد الأحد، اي ان تبادر المعارضة للرئاسة وتتعهد بتسوية قضية الجنائية الدولية في الإطار السوداني السوداني لدفع الرئيس ليمضي قدما في انفتاحه على عملية الإصلاح، على المعارضة ان تقدم السبت بل والأحد ان كان ثمن ذلك إخراج الرئيس من براثن حزب المؤتمر الوطني العتيق، فالكرة اليوم هي في ملعب المعارضة و الحبل ملقي فمن يتقدم ويلتقط الفرصة التاريخية السانحة والشراكة بين مؤسسة الرئاسة والمعارضة هي الخيار الاوفق للسودان للنهوض سيكون البشير حينها حليف للمعارضة ان كانت الناس تفهم في السياسة حقا! ، حيث لا تنتظر في السياسة ان تحصل على كل شيء، في السياسة الذي يلتقي معك على 40% هو شريك والذي يلتقي معك على 60% أو أكثر هو حليف.
يقول توماس فريدمان في كتاباته عن نهايات ومصارع الطغاة في الشرق الأوسط ، يأتوه (للدكتاتور) للمصالحة والتنازل قليلا فيقول أنا قوي لماذا أتنازل حتى يفوت الأوان و تأتي للمعارضة الضعيفة ان تقبل بحل وسط يقولون نحن ضعفاء لن نقبل بالتفاوض الآن!

لقد تأخرت المعارضة كثيرا فمنذ خطاب الوثبة الشهير بمطلع 2014م لم تقم المعارضة بخطوات جدية وظلت تراوح مكانها لغياب الخيال ولغياب فراسة انتهاز الفرص وظلت تطالب بتسليم السلطة كاملة!، هو غياب الثقة وبدون الاتفاق على تسوية سودانية سودانية فلا احد سيسلمك رقبته او يعطيك حبلا لتشنقه

على قوى المعارضة الرئيسية بالبلاد ان تعلن إدانتها الصريحة للعنف والعمل المسلح كوسيلة للتغيير، من لم يقل صراحة انه ضد العنف للتغيير سيخسر في هذه المرحلة ، نعم إن المرحلة القادمة هي مرحلة تصنيف وغربلة القوى السياسية الناضجة من المراهقة ونبذ وإدانة العنف المسلح كوسيلة للتغيير هو الذي يجعل المعارضة تكبر في نظر الشعب والعكس صحيح الذي يحمل السلاح ويمارس العنف إن أيدته وأوصلته للسلطة بمجرد أن يصل للسلطة سوف يقصيك!، فالمزاج الشعبي الآن إن كنا نستنطقه هو أن (من الأفضل الاحتفاظ بالسيئ المتاح الآن إذ أن من سيأتي أسوا و أشوم).
لقد فشل خيار الانتفاضة ببساطة لأن هناك جهويات تحمل السلاح ففي أكتوبر وابريل لم تكن الجهويات تحمل السلاح فالإخوة في دارفور وجبال النوبة مدخلهم للنضال خاطئ وثبت ان حمل السلاح يقوي النظم العسكرية ولا يزيحها.

اذا أردنا ان ننفذ هذا السودان على الجميع الترفع عن شعار المحاسبة عن كل الفترة الماضية منذ الاستقلال و حتى فترة الإنقاذ ان كان ثمن ذلك هو حكومة قومية تجبر الكسر وتعوض من يستحق التعويض العادل ممن فقدوا أرواحهم او وظائفهم ويكون التعويض بحسب إمكانات الدولة ودعم المانحين وإمكانات الشعب السوداني نفسه للنفير ان دبت فيه روح وطنية جديدة و سترون انه كيف سيهب للنخوة والعزم ان شعر بالثقة وبالصدق وان هناك فرصة جدية للسلام والنهوض من كبوتنا، سيهب الشعب للدعم والتبرع من الداخل ومن قارات العالم الخمس .

إذن علينا إبداع حل نابع من التسامح السوداني ومن الحكمة ان تعلن القوى السياسية إنها ليست اقصائية وستسمح للمؤتمر الوطني نفسه بالمشاركة في المرحلة اللاحقة اذ من شأن هذا أن يحد من العرقلة النابعة من داخل المؤتمر الوطني نفسه فتيار من بقي من الإصلاحيين داخله سيميل للاستجابة للتغير الديمقراطي على أمل أن يتمكن في الفترة الانتقالية وبعدها في الفترة الديمقراطية من إجراء جراحاته وإصلاحاته على الحزب الشيء الذي عجزوا عنه تماما والحزب في قمة السلطة منفردا،
من الجيد بل ومن المفيد للسودانيين ان يروا حجم حزب المؤتمر الوطني بعد ان تزول أشرعة السلطة عنه وبعد الفترة الانتقالية تركه لينافس عبر صناديق الاقتراع حينها سيتولى أمر عقابهم الشعب السوداني بإبعادهم ديمقراطيا. نريد ان ننهي دورة العنف ألاجتثاثي من حياتنا السياسية مرة واحدة والى الأبد.

علينا ان نعلي من قدر القضاء الوطني بديلا عن لاهاي فالذين قتلوا في الحرب في دارفور هي كانت حرب بين جيشين كل منهم مسلح بالاربجي والدوشكا والجيم ثري والحركات المسلحة لم يكونوا ينثروا الورود والزهور بل كانوا يقتلون عناصر الجيش و الشرطة ولديهم تجاوزاتهم في المدنيين أيضا لذلك ينبغي أن تحصر تجاوزات الطرفين في المدنيين للتعويض العادل. هذا هو فن الممكن اليوم و الرد لمن هو قائل والدماء التي سفكت في دارفور هو ان هذه الحركات لم تكن تلقي الزهور والرياحين على أهل السودان لقد قتلت من الشرطة والجيش وبعضها تفلت وكسرت البنوك ودمرت أبراج الاتصالات والكهرباء ومن الذي لم يخطئ في الفترة السابقة؟

ان تسليم الرئيس البشير للجنائية لن يفيد أهل دارفور ولن يفيد السودان بل تعويض من قتل من كل الأطراف تعويضا عادلا وإدماج كل الأقاليم بما فيها دارفور في الدورة الاقتصادية لحين إجراء انتخابات تحدد الأوزان للجميع. إذن الحركات المسلحة عليها ان تجنح الى السلام و قد فعل كثيرون منهم ذلك، فالعنف لن يقود إلى نتيجة والتحرش بالقوات المسلحة بأطراف البلاد لتحقيق هدف سياسي هذا عمل لا يخلق شعبية ولا يسقط حكما وهو عمل عبثي وإزهاق لأنفس كريمة من الطرفين و غير جائز شرعا وغير موفق سياسيا ومضر وطنيا إذ واجب القوات المسلحة هو الحفاظ على ما تبقى من هذا السودان بعد ذهاب الجنوب لحاله ومن يتحرش بها ومن بدا سيتحمل نتيجة فعله ، أما الدعوة للتغير سلما وتجمع القوى المحبة للخير لهذه البلاد والقوى المحبة للازدهار والديمقراطية والتسامح والاعتدال والتصالح فهي الدعوة حق مشروع ومن يقف في طريقها لن تكون له الغلبة.

هذا هو الحل العقلاني الشامل وإذا لم تسمو المعارضة ولم ترتقي الى اللحظة الحرجة التي نحن فيها فلا بد من سيناريو الحل الثاني والذي تقوم به مؤسسة الرئاسة منفردة.

في الحل الثاني ستكون الكرة في ملعب الرئاسة ومؤسسة الرئاسة بل هذه بالضبط هي أيام الرئيس!، حيث الرئيس البشير ونائبيه بيدهم الجيش والأمن ويمكن ان يتكئ عليهما فقط للإصلاح وعليه ان يرشح شخصية وطنية وقومية لمنصب رئيس للوزراء بعد استحداث المنصب وأمامه كثيرون في الداخل و الخارج من أهل الكفاءات من التكنوقراط، ان أراد شخصية من الداخل عليه بالإداري و التنفيذي الطوربيد والنموذج الناجح أسامة داود عبد اللطيف وان يمنح كامل الصلاحيات للإصلاح وان أراد من كفاءات الخارج فعليه بالدكتور عمر فضل الله الخبير الاستراتيجي و ألأكاديمي البارز المقيم بدولة الإمارات العربية وهو شخصية وطنية تجمع بين صفات الكاتب والمفكر والباحث والمؤرخ، ويشغل د. عمر فضل الله حاليا مدير مشاريع تقنية المعلومات و مشاريع الحكومة الالكترونية بابوظبي.

على الناس الصبر على حكومة تكنوقراط وستكون هذه فرصة عظيمة للبلاد ولاستعادة عافية الخدمة المدنية وتكون هذه بداية مرحلة رشد سياسي للجميع فمن الذي لم يخطئ في الفترة السابقة؟

الشعب السوداني سيقبل بحكومة التكنوقراط ككبري نحو الديمقراطية، فهو شعب قد نضج وجرب كل شيء واستوي عوده وليس بحاجة إلا إلى القدوة الحسنة وبلغ من نضجه ان الفكرة عند المفكر يمكن ان يدلك عليها صبي الدكان وسائق التاكسي وسيكون الشعب منتجا و جبارا ، ستقوم حكومة التكنوقراط باستخدام الطاقة الشمسية وستنتج كهرباء إضافية فورية بإقامة محطات حرارية بالنفط الرخيص عالميا الآن لتمتد أعمدة الكهرباء في الفيافي والوديان خضرة وزرعا وضرعا وقمحا ووعدا ، و سنلحق بالآخرين في وقت قياسي اذ التكنولوجيا للتنمية نفسها حدثت فيها طفرات هائلة بالسنوات الاخيرة ومن حسن اهل السودان انهم سيستخدمون آخر واحدث طرق الإنتاج الزراعي والحيواني حيث الإنتاج السريع والوفير وبعد ان يعم الرخاء ستنتهي الحروب دون رجعة و أمامنا تجربة البرازيل من الفقر الى الحكم الرشيد والى الوفرة والغنى و ماليزيا للتجانس وصهر الوطنية بعيدا عن هذا التشرذم الحالي. إنها الفرصة ستكون قد أتت في بلد واعد بإمكانات السودان، وانه ليس حلما، مثل حلم د كنج، ان تم هذا السيناريو وهو ليس صعبا ولا مستحيلا، في غضون عامين او ثلاث فقط ستسير البلاد على الطريق الصحيح حتى موعد الانتخابات لتحديد الأوزان بعدها من يختاره الناس سينطلق بالتنمية بذات المسار المتين الذي وضع وبدون خطب وضجيج فالناس شعارها التنمية والرفاهية في المرحلة القادمة و ستختار على هذا الأساس ومن تختاره في انتخابات ديمقراطية لاحقة سيواصل عملية النهوض بالبلاد و ستكون معه معارضة راشدة في إطار ديمقراطية راشدة ومستقرة تنتظر الانتخابات القادمة هذه المرة لتكسب بعد ان وعى وتعلم الجميع دروس القدوم من وادي سيدنا، من أقصى اليمين الى اليسار فقد جربنا كل شيء وآن أوان الحكم الرشيد للخروج من النفق لمن يحكم هذا البلد السودان ذي الإمكانيات الهائلة المعطلة لسوء الاختيار و تنكب الطريق ، يمكن لرئيس الوزراء من التكنوقراط ان يواصل مساره السياسي بعد ان يسلم منصبه بنهاية الفترة الانتقالية وان يؤسس لحزب خدمي تنموي وهذا الحزب سيلهم الشباب بالأمل وسيكون إضافة حقيقة وضمانة للديمقراطية المستدامة واحترام الدستور و تشكيل حزب شعاره تنموي بحت سيثري الحياة السياسية بعقد ندواته ويعرف ببرنامجه ويطوف ببرنامجه أنحاء البلاد وفي أي انتخابات بعدها وبما يناله من نصيبه الشرعي في السلطة سيحدث حراكا وأفكارا وسينطلق ويرسخ أقدامه في الساحة ويوجه فكر الناس للتنمية عبر الإعلام التنموي فالناس شعارها التنمية والرفاهية في المرحلة القادمة و ستختار على هذا الأساس.
والله من وراء القصد

tarigelsheikh@hotmail.com

محاربة النجاح والإبداع مرض نفسي يجب علاجه


مشكلة بعض السودانيين أنهم لا يشجعون المبادرات وإنما يعملون فكرهم وجهدهم وربما عرقهم من أجل التفكير في الأعذار للتشكيك في النجاحات وإيجاد العراقيل والعقبات أمامها. يريدون أن يولد كل شيء ناجحاً وكاملاً ومتقناً وعملاقاً منذ اليوم الأول. لا يريدون أن يجهدوا أنفسهم من أجل النجاح أو يشاركوا في البدايات وإنما يريدون النجاح دون بذل الجهد. وإذا سبقهم أحد لفكرة جديدة أو عمل إبداعي لا يعجبهم هذا فهم يريدوcooperateن أن ينسب إليهم العمل دون أن يقوموا هم بأنفسهم به ولهذا فإنهم لا يرضون عنه فيسعون لقتله أو عرقلته أو تخذيل الآخرين من المشاركة فيه. يبدأون بتصنيف المبدعين والرواد في أي عمل والتشكيك في من يقف وراءهم فإذا لم يجدوا ضالتهم اختلقوا تصنيفًا لصاحب العمل أو الإبداع ثم ألصقوه به. أمثال هؤلاء مرضى وعلينا تفاديهم وتجنبهم حتى لا يعدوا بقية الشباب. لن يتقدم السودان بمثل هؤلاء ولكن يتقدم بالشباب الإيجابي المتحفز لعمل الخير والمشاركة في إنجاح الأعمال ودعم الغير لينجحوا.
ياشباب السودان:
ادعموا كل عمل مفيد وإيجابي ولو بكلمة طيبة. ساندوا كل من يريد الخير للبلاد ولو بدعوة صادقة. تجردوا من مشاعر الغيرة أو الحسد وتحلوا بمشاعر إرادة الخير لأنفسكم وللغير. الوطن يحتاج كل جهد وكل عرق وكل تكاتف وتعاون من أجل الخير. هذه البلاد واسعة تسع الجميع وخيراتها وفيرة. لا تحصروا فكركم في عمل واحد محدود ولا منطقة واحدة ولا جهة واحدة. اسعوا في أرض السودان وكونوا الجمعيات والمجموعات والشركات والمؤسسات وأنشئوا الأعمال ونظموا أوقاتكم وانطلقوا على بركة الله. لن تنهض البلاد إلا بعمل الصادقين وجهد الحادبين ونصح الناصحين.
بلادنا تحتاج لكل العقول والأيدي والسواعد من أجل البناء والنهضة والتقدم.
هيا بنا. متوكلين على الله وحده.
‫#‏قادة_السودان‬ ‫#‏شباب_السودان‬ ‫#‏عمر_فضل_الله‬ ‫#‏بيت_الخبرة_سوداني

 نحو نظام سياسي عالمى جديد


تمهيد

  1. قبل انبلاج فجر الربيع العربي ونشوء الثورات العربية بزمان بعيد ، وبالتحديد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، نشأ ما عُرف في مصطلح أهل العلوم السياسية بالنظام السياسي العالمي ، رسم حدوده ، وعين معالمه المنتصرون في تلك الحرب ، الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي والحلفاء . وقامت المنظمات التي تحرس تلك الحدود، الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحاكم الدولية ، والبنك الدولي وصندوق النقد وما إليه  ومنظومة من الإتفاقات الدولية ، ولم يكن هنالك من خيار أمام الدول الأخرى إلاّ القبول بواقع ذلك النظام العالمي .  
  2. وبعد نحو من أربعة عقود على تأسيس النظام العالمي المذكور، وقعت ثلاث تطورات كبرى، إنهارت إمبراطورية الإتحاد السوفيتي وتشظت، وتداعى الأوربيون إلى وحدة إقتصادية متدرجةيأملون أن تنتهي في المستقبل إلى وحدة سياسية، وتحولت الصين الشيوعية طواعية إلى إقتصاد السوق. وبفضل تلك التطورات إنهار نظام القطبين، وانفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم، لتفرز هيمنتها على العالم بأطر إقتصادية وثقافية إضافية، بل وسعت الولايات المتحدة – لبرهة – للسيطرة الكاملة على قطاع الطاقة إنتاجاً وتوزيعاً، مسعى لم يكلل بالنجاح، ودفعت ثمنه المنطقة العربية والإسلامية ( ) ودماراً.
  3. وبينما ثورات الربيع العربي تنتظم العالم العربي وتطيح بالأنظمة ، كان هنالك تغيير آخر أكثر جذرية وأبعد أثراً على العالم بأسره ، يسير بخطىً متزنة وثابتة ، حتى انبلج في ذات عام الربيع العربي ، ألا وهو صعود الصين المتئد لتسنم قيادة العالم إقتصاديا فى هذه المرحلة ، من الولايات المتحدة وحلفائها ، الدول المهيمنة والأعمق تأثيراً على العالم منذ نهاية الحرب العالمية .
  4. وإذا كان الاقتصاد هو مفتاح القوى العسكرية ، وهما معاً أهم أدوات النفوذ السياسي في عالمنا المعاصر ، فإن الصين أصبحت تنفق أموالاً طائلة من مدخولاتها على تطوير قدراتها العسكرية ، الأمر الذي سيُفضى إلى تأكيد مكانتها كدولة أُولى بلا منازع ، فلا عجب أن أزعج الإنفاق العسكري المتزايد للصين الدول الكبري المهيمنة خاصة دول الغرب  .
  5. والنظر الموضوعى المتأني يهدي لحقيقة أنه فى ظل تفوق الأداء الإقتصادى الصينى البائن ، فإن قيادة العالم سياسيا ستنتهى لا محالة الى الصين ، وحلفائها .
  6. والتحليل الموضوعي أيضاً يقول بأن قواعد اللعبة في النظام السياسي العالمي السائد ..( عندما رسمت معالم النظام العالمي لم تكن الصين شريكاً بعد ) ، تلك القواعد لا بُد أن تتغير لتستوعب المعطيات الجديدة والأوزان الحقيقة للقوى العالمية الصاعدة . المثال الأشهر لذلك مجلس الأمن : لماذا يحق لدول مثل فرنسا وبريطانيا أن يكون لهما حق الإعتراض في مجلس الأمن سواء بسواء مع الصين بصوت واحد لكلٍّ ؟ وهى دول من ناحية القوى الإقتصادية وربما العسكرية متخلفة عن دول مثل الهند ، والبرازيل وماليزيا ، ناهيك عن دول أخري مثل ألمانيا وأستراليا ؟
  7. والصين الآن قد أنجزت الشوط الأعظم في ميادين تقنية المعلومات والإتصالات والشبكات ونظيراتها من البرامج ، وأصبح لها إنتاجها الخاص والمحلي ، ثم هى الآن تزحف  خارج أسوارها بمنتجات عالية الجودة ، تريد أن تُحِلَّها محل نظيراتها من المنتجات الغربية ، والتي تُسَوَّق في إطار كثيف من الإلتزامات والعقود المفروضة على المشتري ، وتخضع للرقابة المركزية في الغرب مثل شبكات الإتصال العنكبوتية ومشتقاتها . والصين إذ تفعل ذلك فهى تريد أن تحمي مجتمعها واقتصادها ونظام حكمها وقيمها من التأثيرات الغربية ، وفي نفس الوقت تقدم البدائل للتقنية الغربية لكل راغب ، والمجتمعات العربية أشدَ المجتماعات حاجة أن تحذو حذو الصين وأن تمتلك إنتاجها الخاص من نظم المعلومات والإتصالات ، كيما تتحرر من إسار الغرب المتحكم .
  8. وإن كان ثمة مجال يكاد لايزال يخضع للسيطرة الغربية فإنما هو مجال المصارف والبنوك والتأمين والمقاصة ، فما زالت أقوى المصارف ذات التصنيف الأعلي هي المصارف الأروبية الكبرى ، وما فتئت العمليات التجارية تمر عبر بواباتها ، وودائع الأفراد والدول مكدسة بها ، والمقاصات تنجز عندها وبها ، وهذه ميزة عظمى للغرب تُخَوِّلُه رقابة لصيقة على النشاط الإقتصادى ، وعلى ثروات الأمم بصفة خاصة ، وتمنحه بفضل الإيداعات الضخمة ميزات نسبية كبرى في الأسواق ، فضلاً عن إمكانية توظيف تلك الودائع بحسب أولوياتها السياسية متى ما شاءت.. مثال لذلك تجميد أرصدة الكويت عند حرب الخليج العربي ، وتجميد الأرصدة التونسية المصرية الليبية إبان مفتتح الربيع العربي ، وخنق مدفوعات العمل الخيري بدعوى مكافحة الإرهاب في العالم الإسلامي .

وليس ثمة مناص من تغيير هذا الأنموذج أو تعديله أو إستبداله بمنظومة جديدة تخضع لأصحابه في المقام الأول  لأصحاب الودائع والمال وليس للغربيين الذين كانوا وكلاء علي ودائع الشعوب فنصبوا أنفسهم أولياء عليها. وهل من العسير أن تنشأ مقاصة خاصة بالعالم العربي والإسلامي تنجز عندها المعاملات التجارية دون توسيط المصارف الغربية ؟

  1. وبإزاء حتمية التحول فى قيادة العالم الجديد إلى الصين ، فإنه يثور فى الأذهان تساؤل حول مصائر التحالفات السائدة في المنطقة العربية والإسلامية ، وهي تحالفات تدور وتتمحور حول الدول المهيمنة اليوم بصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، أوليس الأجدى والأعقل والأحكم وربما الأقل تكلفة أن يعاد ترتيب التحالفات للدخول في أو التنسيق مع المحور الصينى الصاعد وإعادة كتابة النظام العالمي القديم ، بمشاركة الدول التي فاتها شرف المشاركة في صياغة النظام الحالي ، والتي لم تسأل رأيها أصلا ، وتغيير تركيبة علاقاته الدولية ومنظماته وقوانينه على أسس جديدة تعكس الأوزان الحقيقة الراهنة لهذه الدول ، لا الأوزان التأريخية لدول ما بعد الحرب العالمية الثانية .

قضايا الإنتقال

     والانتقال من النظام العالمي السائد نحو نظام جديد يقتضي تحضيراً جاداً وإعداداً رصيناً ، فالتحول المطلوب خطير ومقتضياته معقدة ، ونتائجه إن كتب له النجاح هائلة . فمن القضايا التي تستلزم المعالجة  على مستوى العالم العربي والإسلامي:

  1. قضايا إعادة ترتيب البيت العربي الإسلامي ، وتدخل فيها مسائل استكمال التغيير السياسي في البلدان التي ما زالت عصية علي التغيير ، وترسيخ القيم الجديدة ، واستنباط أشكال التعبير العملي عن تلك القيم ، ويدخل في إعادة ترتيب البيت موضوع حل النزاعات في الدول العربية وفيما بينها ، تلك النزاعات التي تستنزف الوقت والجهد والموارد ، بلا طائل يرتجى .
  2. قضايا تحرير الموارد الإقتصادية : النفطية ، والمعدنية والزراعية لدول العالم العربي والإسلامي والسيطرة عليها وإدارتها لمصلحة تلك الدول واستنباط الآليات والأدوات لإنفاذ الخطط لتحقيق ذلك الهدف.
  3. قضايا الوحدة والتكامل بين تلك الدول ، وهي متنوعة وشتى ، فمن ذلك الأشكال الموجودة ، منظمة الوحدة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، ومنظمة التعاون الخليجي ، وغيرها . وقد يقتضي الأمر إنشاء منظومات جديدة أو تعديل وظائف المنظومات الموجودة .
  4. ومن ذلك قضية بناء التحالفات الجديدة الضرورية للانتقال إلى النظام العالمي الجديد ، وتعيين واستقطاب أعضاء هذه التحالفات .
  5. ثم هناك مسألة حماية التحالفات الجديدة ، وتفادي الصراع والنزاع المبكر قبل نضوج التحول ، وهي مسألة في غاية الأهمية لأن الإنتقال من نظام عالمي متمكن إلى نظام جديد يهدد مصالح دول النظام القديم وقد يفضي إلى العنف والحروب .
  6. ولن يتم الإنتقال المنشود ويكتمل إلا في إطار منظومة قيمية ومرجعية فكرية مستقلة وأصيلة تهدي التحول والتغيير، وتنشأ منها الأهداف والنظم والنماذج التطبيقية والسياسات والبرامج ، وتكون بديلاً للمنظومات القيمية السائدة والمرجعيات الفكرية المتحكمة.

 وإنما هذه عناوين عريضة يقتضي تفصيلها وتنزيلها علي الواقع خططاً وبرامج كثيرة ، وإرادة فوق ذلك حرة ومستقلة .

الربيع العربي ودينامية ما بعد التغيير: النماذج الجاهزة والمضامين


 

ما انقشع العام الأول لما اصطلح على تسميته بالربيع العربى ، إلاّ وقد زالت أنظمة كان الإعتقاد أنها راسخة لا تهتز ، ولن تتغير ، وكانت تلك الأنظمة قد أحاطت أنفسها بمنظومات من الأعراف والتقاليد والقوانين  التى تحكم : قضايا توزيع السلطة والثروة ، ومسألة تداول السلطة ، وقضايا الشرعية السياسية ونظم الحكم  وفي كل تلك القضايا المرجعية، لم يكن الحكم رضائياً بتفويض من الشعب، بل تصرفت الأنظمة الحاكمة وفق مبدأ القوة والاستحواذ، وتوسلت لتحقيق ذلك بتراتيب جبرية قهرية ، وانحصر تداول السلطة في يد أقلية منسوبة إلى الأنظمة الحاكمة ، ونُهبت الثروات ومقدرات الأمم بذات المجموعات النافذة الحاكمة أو بطانتها. فكانت السيادة للاستبداد السياسي، والفساد الإقتصادي والظلم الإجتماعي.

هذا على الصعيد الداخلي ، وأما على الصعيد الخارجي فقد كانت تلك الأنظمة تحمي مصالحها من خلال شبكات من العلاقات الإقليمية والدولية ، والتحالفات الثنائية والمتعددة الأطراف ، فضلاً عن مجموعات من الإتفاقات في شتى الجوانب.  ولم تكن تلك الأنظمة، في سبيل حماية مصالحها لتنحرج أن  ترهن سيادة البلاد واستقلال القرار ، بل وثروات الأوطان، تبذلها لضمان استمرارها وبقائها، وكانت السمة المائزة لنمط الحكم أن السياسات والمواقف

السياسات والمواقف كانت تمليها النخب الحاكمة حسب مصالحها ،  دونما اكثرات لشعوبها ، فلا عجب أن ثارت الشعوب وأطاحت بالانظمة . وكانت النتيجة الطبيعية المتوقعة من تلك الثورات أن تسقط المسلمات السائدة والنماذج القديمة لتنشأ محلها نماذج وأنماط جديدة في الحكم ، وعندي أن ذلك هو جوهر التحدي الذي يواجه الثوار والثورات.

ما بعد التغيير .. وإشكال النماذج المستعارة

  1. الهبات الشعبية التى أطاحت بالأنظمة القديمة واستبدلتها بأنظمة جديدة ، كانت تنشد فى المقام الأول التحرر من الإستبداد السياسى ، وباستثناء مسألة الحرية السياسية ، فإن حركات التغيير جميعها كانت بلا مضامين ولا برامج ، شهدنا ذلك فى كل البلاد التى انتصرت فيها الثورات الشعبية . فالنخب السياسية إسلامية كانت أو علمانية أبدت ارتباكاً واضحاً حول قضايا  ما بعد جلاء الديكتاتورية ، مثل قضايا الانتقال والتحول الدستورى . فكأنما انتظمت الحرية ولم تنتظم الخيارات الجديدة بعد .

  1. وإن كان ثمة نوع من الإجماع في الدول المتحررة على الديموقراطية أسلوباً للحكم فإن الحوار حول مضامين هذا الهدف والأشكال العملية للتعبير عنه ، وهي متعددة ومتنوعة ، وأى هذه الاشكال هو الأنسب لهذه الدولة او تلك ، أو هذا المجتمع أو ذاك ، لم يتبلور بصورة مرضية ، وإنما اندفع الجميع يتبعون في عجالة الأشكال والنماذج الجاهزة للتعبير الديموقراطي، وبصفة خاصة النموذج الليبرالي النيابي . والنظرة المتأملة فى التجارب المعاصرة للدول التي انتهجت هذا النموذج ، تشي بأن مخرجات العملية الديمقراطية ليست بالضرورة هي أحكم المخرجات ولا أعدلها ، وأنها قد لا تعبر عن أكثرية الشعب ، بل تعكس في كثير من الأحيان رغبات أقليات نافذة ، ومصالح مجموعات ضيقة ، بل إنّ الآليات الإنتخابية التي تختار النواب ورأس الدولة تنتج في كثير من الأحيان المفضول دون الفاضل .
  1. ولم يكن الامر مختلفاً عما أسلفنا على صعيد النظام الإقتصادي، فتبنى الثوار مرة أخرى بدون كثير تحفظ النموذج الغالب فى عالم اليوم ، وبصفة خاصة أنموذج السوق الرأسمالي التنافسي الحر .  ومعلومٌ  من النظرية الاقتصادية الرأسمالية أن آلية السوق الحر التنافسي تقوم بدور حاسم في إعادة توزيع الثروة في المجتمع ، وأن إعمال تلك الآلية في اقتصاد تتفاوت فيه الدخول ، مثلما هو الحال فى مجتمعاتنا العربية ، يعيد توزيع الثروة بشكل يعزز التفاوت الحاصل ابتداءًا ، فيزداد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً ، وتتركز الثروة فى أيدى القلة ، والنتيجة المتوقعة لتركيز الثروة عند مجموعة من الناس دون غيرها أن يتعاظم وقعها السياسي  وأثرها على صناعة القرار ، وتنحسر بالتالي قدرة الأغلبية الجماهيرية في التأثير على واقعهم السياسى ..

  1. وعلى المستوى المجتمعي فإن التغيير الثوري الناجح هو الذى ينقل مقاليد السلطة والثروة ومقدرات المجتمع من أيدى القلة إلى الأكثرية ، في إطارٍ من نظرية إجتماعية ترسم الحدود بين السلطة التنفيذية ومؤسسات المجتمع لصالح هذا الاخير ، وتبتدع الآليات لتمكين المجتمع من الوفاء بحاجاته دون كثير تعويل على آلية السلطة ، وتلك أهداف يصعب ، بل يستحيل أن تتحقق في ظل الأنماط الإقتصادية والسياسية التي تضع مقاليد السلطة والثورة في أيدي الأفراد والصفوة . فضلاً أن المجتمعات العربية موبوءة بالطائفيات والمذهبيات والعصبيات القبلية والجهوية ، وكلها مما يؤثر سلباً على عاقبة تلك المجتمعات ، لأنها ، أي تلك الأمراض، تهدم مباديء المساواة والمواطنة، والعدالة والحرية، وتعرقل السعي نحو الإجماع الوطني والوحدة، وهما شرطان لازمان لأي نهضة مجتمعية. فإذا انضاف لذلك توزيع مخل للثروة والسلطة (بتغيير)!! النظام السياسي والاقتصادي الذي رغم جريته الظاهرية يعزز تركيز المال والسلطة، فلن يبقى بعد إلا مجتمعاً معوزاً موبوءاً عاجزاً عن مداواة أمراضه، ناهيك بالإنطلاق إلى آفاق النهضة.

  1. وأما علي صعيد العسكرية والدفاع فقد سادت المدارس العسكرية الغربية ، فالجيوش العربية الحديثة هي نسخ من نظيرات لها غربية ورثتها دول المنطقة من زمن المستعمر ، فالعقيدة العسكرية ، ونظم التدريب ، والترقي ، والعلاقات الرأسية التراتبية ، والعلاقات الأفقية هي في جملتها مما خلّفه المستعمر ،  ، وهي نماذج تعكس ما في مجتمعاتها الأم من ثقافات ، حتي الطبقية الإجتماعية التي ما زت تلك المجتمعات وحدت التعبير عنها في نظمها وتقاليدها العسكرية ، وهي ذات النظم التي نجحت بعد ذلك لتتوطن في البلدان العربية . ومن تفاصيل تلك (….) أن المؤسسات العسكرية في البلدان العربية هي أكثر المؤسسات علمانية ولا تعبر عن بيئات وتقاليد المجتمعات العربية وأعرافها. وهي بالجملة نبت غريب على  المجتمعات العربية المسلمة ونموذج أستزرع فيها ليس له في أرضها جذور .

  1. وأما علي مستوي الأمن والمخابرات فقد نشأت في مجتمعات العرب نماذج لأجهزة أمنية جعلت هدفها الأول حراسة الأنظمة الحاكمة ، قبل حماية الأمن القومي ، وصنعت لأنشطتها نظماً وقوانين خاصة تجعلها فوق المساءلة ، ثم تخللت أجهزة الدولة فصارت دولاً داخل دول ، وفي غياب المساءلة تعددت تجاوزات الأجهزة الأمنية ، وأصبحت أذرعاً للفساد والإفساد ، ونشأت في ظل هذا الوضع الكتيب نظريات الأمن القومي المبنية علي فكرة المهددات ، وهي نظريات محافظة غايتها حماية الأوضاع الراهنة ، والثورات العربية تعرف الأجهزة الأمنية فوق ذلك أدوات للقمع والبطش ، ولم تكن هذه الأجهزة إلا نسخاً من نظيرات لها  في الدول الشمولية الغربية أو المستغربة خاصة دول المعسكر الشيوعي السابق.

  1. والثورات العربية تفجرت وأمامها في بلدانها التزامات خارجية متحكمة ، ونماذج مؤثرة ، ليس أدل على ذلك من واقع القضية الفلسطينية الممتد لسنوات بل عقود من التعاطي العربي والدولي معها ، إتفاقات سلام ، والتزامات ثنائية وإقليمية ، وقرارات دولية عدة ، نشأ أغلبها والعالم العربي يحكمه طغاة ، وبعضها مثل اتفاق كامب ديفيد ما كان ليتأتى لولا تغييب الشعوب في ظل أنظمة الإستبداد .

ولم تغير الإتفاقات والمعاهدات والقرارات من طبيعة الدولة الإسرائيلية بل عززتها ، ولم تتقدم بالقضية الفلسطينية بل عطلتها ، بيد أن الثوار حتى يومنا هذا يؤكدون احترامهم للمعاهدات والإتفاقات الدولية التى أنتجت نموذج الدولة الفلسطينية الكسيح ، وليست القضية الفلسطينية إلاّ واحدة من النماذج المختلة في مسرح العلاقات الدولية ، وغيرها أمثلة عِدة .

  1. إلا أن التحدي يظل قائماً أمام كل دول الربيع العربي ، أن تدير الحوار الداخلي حول القضايا التي تفجرت بعد نجاح الثورات ولما تحسم بعد ؛ قضايا الهوية ، والتعددية الدينية والإثنية ، ومسألة توزيع الثروة والسلطة ، وشكل النظام السياسي الذي يتواءم مع المكونات الثقافية والإجتماعية لكل بلد ، ويضمن توزيع السلطة بالشكل المنشود ، والنظام الإقتصادى الذي يتوافق مع مكونات المجتمع الفكرية ومعطياته الثقافية ، ويضمن التوزيع الأعدل للثروة ، ثم أنَ تصنع لنفسها مكاناً في العالم الحديث المتشابك والمتواصل من جهة ، والمتصارع من جهةٍ أخرى ، يُعلي المباديء ولا يهمل المصالح ، ويصنع نموذجاً جديداً للعلاقات الدولية نموذجاً يرفض ويرعى الحرية للأفراد والجماعات، ويصون حقوق الإنسان والمجتمعات، ويشيع العدل والمساواة ، وينبذ إزدواجية المعايير ويأخذ بأيدي المستضعفين، تهديه في كل ذلك قيمة وحدة الإنسان في الأصل والمصير. 

  1. ونخلص في الختام، عطفاً على ما قدمنا به المقال، أن الثورات العربية رغم نجاحها في إزالة الاستبداد افتقرت للبرامج والمضامين التي تحكم ما بعد التغيير، فراحت تستنسخ نماذج جاهزة مستوردة في الحكم والاقتصاد، أفرغت فيها روح الثورة وجهد الثوار، وهي نماذج مترعة بالنواقص والعيوب ، وليس بدٌّ من الإعتراف بأنها ، أي تلك النماذج، لن تفي بحاجات الثورة ، ولن تنتج نهضة حقيقية، وأنه ليس بد من ثورة ثقافية شاملة ، ورؤي أصيلة ومتجددة تنتظم فيها باتساق نظريات الحكم مع نظريات الأمن القومي ، مع النظريات الإقتصادية والإجتماعية ، ونظريات العلاقات الخارجية.     ثم إعمال الجهد لتتحول تلك الرؤى والحوارات إلى سياسات وبرامج عملية لإنجاز التحول ، وإكمال مسير ة التغيير .

  1. وجملة ما أشرنا إليه إنما يثير الأسئلة دون أن يتكلف الأجوبة ، ويرسم مجرد مؤشرات ومفردات أولية وأساسية لمشروع بحثي كبير ، نأمل أن يساهم في الحوار الذي نثق بأنه سيثري بمفرادته وبمضامينه الهدف الأسمى لمسيرة التغيير ، وينتج مشروعاً نهضوياً ونماذج جديدة وأصيلة في السياسة والإقتصاد والإجتماع ، والحكم بمعناه الأوسع .

المواطنة أولى خطوات الإصلاح في السودان


مهما فعل النظام الحالي في السودان من محاولات الإصلاح فإن واقع الحال لن يتغير إلا إن بدأ بانتهاج واتباع سياسات جديدة صارمة لحقوق المواطنة في السودان. وأول ما ينبغي أن يبدأ به من الحقوق هو التخلي عن سياسة تفضيل عضوية المؤتمر الوطني على غيرهم واعتبار جميع السودانيين أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق وتمكينهم من التمتع بحقوق المواطنة السودانية وجميع الحقوق والحريات التي ينص عليها دستور البلاد  دون أي تمييز، بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، ودون أية تفرقة بين الرجال والنساء، وأن يضمن لكل فرد سوداني الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية، وأن يمتنع البتة عن تعريض المخالفين في الرأي أو التوجه الحزبي للإقصاء والتعذيب والعقوبات والمعاملات القاسية والوحشية الحاطة للكرامة.

يجب أن تنتهج سياسات الإصلاح تعزيز الشخصية القانونية للمواطن السوداني أينما وجد حتى تعود للسودانيين ثقتهم في وطنيتهم وهويتهم وانتمائهم وحتى يسود الاعتقاد بين جميع السودانيين أنهم سواسية أمام القانون ولهم حق التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة وأن لهم جميعاً الحق في الحماية المتساوية ضد أي تمييز وضد أي تحريض على أي تمييز وأن لكل مواطن سوداني الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أي أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون والدستور دون تخويف أو إرهاب أو تدخل من أية جهة أمنية أو سياسية.

يجب أن تتضمن سياسات الإصلاح الجديدة التوقف الفوري عن القبض على المواطنين واعتقالهم واحتجازهم تعسفياً ونفيهم خارج بلادهم بالسياسات التعسفية التي لا يدعمها قانون ولا دستور. كما يجب أن يحرص النظام الحالي على زرع الثقة في نفوس المواطنين ليعلموا أن لكل سوداني الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه له وأن كل متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه وألا يدان أي شخص من جراء أداء عمل أو الإمتناع عن أداء عمل إلاّ إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون السوداني أو الدولي وقت الارتكاب. كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة. وأن تمتنع الأجهزة الأمنية عن التدخل التعسفي في حياة الأفراد الخاصة وأسرهم ومساكنهم ومراسلاتهم واتصالاتهم وتعريضهم للحملات التي تنال من شرفهم وسمعتهم كما يجب أن يضمن النظام فعلاً لا قولاً حماية القانون للمواطنين من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.

يجب أن تضمن سياسات الإصلاح الجديدة لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود السودان وحرية مغادرة السودان في أي وقت والعودة في أي وقت دون مساءلة وحقه في أن يلجأ إلى أية دولة أخرى هرباً من الاضطهاد والظلم – إن وقع عليه – مع ضمان تمتعه الكامل بالجنسية السودانية في جميع الأوقات وعدم حرمان أي مواطن سوداني من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.

يجب أن تتضمن سياسات الإصلاح حقوق المواطن السوداني في حرية التفكير والضمير والدين بما لا يتنافى مع العرف والقانون وأخلاق المجتمع وأن تضمن له حرية الإعراب والتعبير عن ذلك بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع جماعته. وأن تضمن له الحق في حرية الرأي والتعبير وحرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية وبما لا يضر بمصلحة البلاد والمجتمع وما لا ينافي القانون والدستور والأعراف الاجتماعية وأن تضمن له حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية.

إن المشاركة في تنمية البلاد ونهضتها لا تكون إلا بمواطن حر مستقل يشعر بالمواطنة السودانية والانتماء الذي يفرض عليه واجباته نحو رفعة بلده ونهضتها ولا يتم ذلك ولن يكون بمواطن مقهور مضطهد مظلوم محبط خائف ومعدم فقير. فهل يصدق النظام هذه المرة فيما وعد به أم ننتظر الثورة؟

حقوق المواطنة في السودان


المواطنة حقوق وواجبات والتزامات وسلوك. وقد كتبنا في ورقة سابقة عن الواجبات والالتزامات. وسوف نحاول في هذه الورقة تلخيص حقوق المواطن السوداني ونرجو أن يسهم الجميع بالتعليقات والإضافة:

جميع السودانيين أحرار في بلادهم ومتساوون في الكرامة والحقوق وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء والحب والتسامح.

لكل مواطن سوداني حق التمتع بكافة الحقوق والحريات التي ينص عليها دستور البلاد  دون أي تمييز، بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء.

لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية.

لا يجوز إسترقاق أو إستعباد أي شخص. ويحظر الإسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما.

لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.

 لكل مواطن سوداني أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية.

 كل السودانيين سواسية أمام القانون ولهم حق التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة. كما أن لهم جميعاً الحق في الحماية المتساوية ضد أي تمييز وضد أي تحريض على أي تمييز.

 لكل مواطن سوداني الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أي أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون والدستور.

 لا يجوز القبض على أي مواطن أو حجزه أو نفيه تعسفاً.

 لكل سوداني الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه له.

 (1) كل متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.

(2) لا يدان أي شخص من جراء أداء عمل أو الإمتناع عن أداء عمل إلاّ إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون السوداني أو الدولي وقت الارتكاب. كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة.

 لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو يتعرض لحملات على شرفه وسمعته. ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.

 (1)  لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود السودان.

(2)  يحق لكل فرد أن يغادر السودان كما يحق له العودة إليه.

 (1)  لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد.

(2)  لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو لأعمال تناقض الدين والعرف والقانون السائد في السودان.

 (1)  لكل فرد مولود في السودان حق التمتع بالجنسية السودانية .

(2) لا يجوز حرمان أي مواطن سوداني من جنسيته تعسفا أو إنكار حقه في تغييرها.

 (1)  للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة بما يتفق مع العرف والقانون السوداني. ولهما جميع الحقوق التي يقرها الدين والعرف والقانون عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله.

(2) لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضى كاملا لا إكراه فيه.

(3) الأسرة هي الوحدة الطبيعية الأساسية للمجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.

 (1) لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.

(2) لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا.

لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين بما لا يتنافى مع العرف والقانون وأخلاق المجتمع وله أيضاً حرية الإعراب عن ذلك بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع جماعته.

 لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافي وبما لا يضر بمصلحة البلاد والمجتمع وما لا ينافي القانون والدستور والأعراف الاجتماعية.

 (1) لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية.

(2) لا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.

 (1) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة للبلاد إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا.

(2) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.

(3) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بالأسلوب الذي يجمع عليه الشعب سواء بالتشاور أو الاجماع أو بالانتخابات النزيهة الدورية التي تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

 لكل شخص بصفته عضوا في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية وفي أن تحقق بوساطة المجهود القومي وبما يتفق ونظم البلاد ومواردها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لا غنى عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته.

 (1) لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة.

(2) لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.

(3) لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

(4) لكل شخص الحق في أن ينشأ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته.

 لكل شخص الحق في الراحة، أو في أوقات الفراغ، ولا سيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.

 (1) لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته. ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة. وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.

(2) للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين. وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية.

 (1) لكل شخص الحق في التعلم. ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزاميا وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة.

(2) يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة والسلام وأن تعزز من قدرات الفرد على المشاركة الإيجابية في تنمية أسرته ومجتمعه والنهوض ببلاده.

(3) للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أولادهم.

 (1) لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكا حرا في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه.

(2) لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني.

 (1) على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نموا حرا كاملا.

(2) يخضع الفرد في ممارسته حقوقه لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق.

(3) لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع القانون والدستور في البلاد.

 

الإصلاح الذي نريد (1)


الإصلاح الذي نريد (1)

تملك بلادنا بإنسانها وأرضها إمكانات هائلة تؤهلها لأن تصبح في طليعة الدول الإفريقية والعربية بل ودول العالم إن أحسن استغلال وتوظيف هذه الإمكانات. إن بلادنا تقف على قمة تاريخ مجيد وحضارات عريقة شامخة بناها الأجداد والآباء بعزمهم وحكمتهم وقدرتهم على قراءة الغد والتخطيط لمستقبل أبنائهم من بعدهم  حيث تجمعوا حول النيل مصدر النماء والحياة فزرعوا الأرض وحموا الحمى وشادوا الحضارات ونهضوا بأجيالهم نهضة سجلها التاريخ وتحدثت بها بقية الشعوب. واليوم تقف بلادنا على مفترق طرق، أحدها يقود للدمار والخراب والآخر يقود للرخاء والتنمية والسلام والاستقرار. إن أجيالنا التي أضناها انتظار التغيير وأرهقها التخلف عن ركب الأمم تتطلع إلى التغيير نحو الأفضل وتنظر إلى المستقبل، وترجو التمكين للوطن والمواطن. وتواجه تحديات جمة  تواجه الخطر المحدق بنسيج السودان الاجتماعي، وقدرته الاقتصادية؛ وهويته الوطنية، وحق المواطن في العيش الكريم وحقه في الصحة، والتعليم، والبيئة، والسلامة والأمن.. إن العيش الآمن المستقر وتحقيق الرفاه لن يكون إلا بوحدة الصف وحشد القوى والعمل الدءوب والرؤية الواضحة للمستقبل والتنظيم الدقيق والقراءة الصحيحة لما حولنا. وإن أهم مقومات النجاح توحيد الشعب والدولة حول المسئولية المشتركة والهدف المشترك والمصير الواحد، والعمل معاً من أجل الوصول إليه والثقة في إمكانية تحقيقه والمشاركة الفاعلة من الجميع في بناء الدولة وإدارة البلاد.

 إن بناء الفرد هو اللبنة الأولى في صرح الوطن. وأول ما ينبغي على الدولة عمله هنا هو رفع جميع الوصايات السياسية والحزبية عن المواطن السوداني ليتمكن من إستعادة الثقة في نفسه وامتلاك إرادته وقراره والإمساك بزمام مستقبله من أجل الانطلاق إلى الأمام لبناء الغد بشخصية متوازنة. ويجب أن تؤدي الدولة دورها في بناء الفرد حتى يصبح عضواً فاعلاً في إدارة الدولة وبناء الوطن، الفرد الذي يتميز بالالتزام والتفاني في العمل والتحلّي بالأخلاقيات المهنية الرفيعة، وحب العمل والاعتماد على النفس وروح المبادرة والحس الريادي وتخطي العقبات والعمل الجمعي.

 

مهارات القيادة – فن الإصغاء والاستماع – 2


الإنصات الجيد للآخرين أحد أهم المهارات التي يجب أن نتقنها إذا رغبنا في تطوير خبراتنا القيادية وبناء علاقات متينة وراسخة مع الآخرين. عندما تنصت جيداً فإن الإنصات يدل على أنك مهتم بما يقوله محدثك وأنك تحترم هذا المتحدث. الاستماع الجيد هو قوة خارقة لها جاذبية مغناطيسية تجتذب حب الآخرين لنا. هل جربت يوما أن تتحدث إلى شخص ولاحظت أنه لا يستمع إليك وليس منتبهاً لما تقول؟ صف لي شعورك حينها؟ هل أشعرك أنك شخص غير مهم؟ هل شعرت أنه لم يحترمك أو لم يوقرك؟ أنه احتقرك؟ أنه أهانك؟ أنه أساء إليك؟ تذكر هذه الأحاسيس والمشاعر واستصحبها معك وتأكد أن تجنب الآخرين الإحساس بها حين يخاطبونك ويتكلمون إليك حتى لا يشعروا بنفس ما شعرت به مع ذلك الشخص. الإصغاء الجيد يدل على اهتمامك بالآخرين ويمنحك ثقة الآخرين وحبهم واحترامهم لك على الفور بل واستعدادهم للتواصل المستمر معك. إن القيادة الحقيقية تبدأ بالاستماع والانصات الجيد للآخرين.
1. التواصل بالنظر – أول خطوة لتكون مستمعاً جيداً هي الإقبال على محدثك وعدم الالتفات عنه. استخدم لغة الجسد ووظفها بطريقة إيجابية. انظر في عيني محدثك لأن العين تقوم بتوصيل رسالة هامة هي أنني أرى وأتابع ما تقول وأهتم بوجودك معي الآن وبكلامك.
2. الانتباه – التواصل بالنظر لا يعني بالضرورة أنك منتبه تماماً حتى لو بقيت تنظر في عيني محدثك باستمرار لأن النظر ليس كل شيء وعليك أن تكون منتبهاً وحاضراً بعقلك مع من يتكلم معك. قد تأتي أوقات تكون منشغلاً فيها بعقلك بأشياء أخرى رغم أنك تنظر في عيني محدثك. والآخرون يلاحظون هذا وربما لا يذكرونه لك حتى لا يحرجونك. عليك أن تنتبه إلى أن انشغال ذهنك عنهم يكون ملاحظاً من قبلهم ولهذا فعليك التركيز على المحادثة التي تجري بينك وبين محدثك ولا تنشغل بأي موضوع آخر.
3. لا تعط محدثك انطباعاً بأنك اكتفيت وأنك مستعد وجاهز للرد. لا تشر بأصبعك ولا تفتح فمك ولا تجلس متحفزاً. حينما أتكلم مع الآخرين وأرى أن من أحدثه أصبح متحمساً وعلى أحر من الجمر ليرد على كلامي فإنني سوف أفهم أنه ما عاد يستمع لأنه أصبح معنياً بكيفية الرد على كلامي أكثر من اهتمامه بالمزيد من الإصغاء لبقية الكلام.
4. تمهل ثانيتين قبل أن تبدأ في الرد. في أي محاورة بعد أن يكمل محدثك كلامه اجتهد أن تتمهل ثانيتين قبل أن تبدأ بالكلام حتى تتأكد أنه قد انتهى من توصيل فكرته. ويتأكد هذا إذا كنت تتحاور عبر الهاتف لأنك حينها لا ترى وجه محدثك ولا تعابيره. ففي كثير من الأحيان يتوقف من يحدثك ليستجمع أفكاره ولا يكون قد أنهى كلامه. إذا وجدت نفسك أنت ومحدثك تتكلمان في الوقت نفسه فتذكر هذه النقطة. تمهل ثانيتين.
5. دعه يكمل كلامه أولاً. إذا بدأت الكلام ومحدثك لم ينته بعد فعليك أن تتوقف فوراً وتقول” آسف. فضلاً أكمل”. وتنتظر حتى يكمل كلامه حتى لو كان ما تريد أن تقوله غاية في الأهمية أو كان إجابة على سؤال قام بطرحه فعليك أن تظهر له الاحترام بتركه يواصل كلامه حتى النهاية.
6. أظهر الاهتمام لما يقال. حتى لو كان الكلام غير مهم بالنسبة لك لأنك بالاستماع تظهر لمحدثك أن كل ما يقوله هام وأن محدثك له قيمته ووزنه بالنسبة لك.
7. اجعل كلام محدثك مفيداً حتى لو كان حديثاً تافهاً أو قليل الأهمية وانطلق به نحو حوار هادف. استمع للحديث واستخلص منه ما يجعله حواراً قيماً. كثير من الناس يأتي أحدهم للحوار يبحث عن التشجيع وعن الأجوبة التي تحفزه لتطوير نفسه أو تمنحه الثقة أو تحثه على المضي قدماً في أي عمل من الأعمال أو تضيء لهم الطريق وتعطيهم أفكاراً.
8. لا تغير الموضوع. في أي حوار لا تغير الموضوع إلا إذا انتهت المحادثة. إذا قمت بتغيير الموضوع قبل أن تكتمل المحاورة أو تحقق أهدافها فإنك بهذا تظهر عدم الاهتمام لما يقال وتظهر أيضاً أن ما سوف تقوله هو أكثر أهمية من كلام المتحدث.
9. يمكنك طرح الأسئلة. عندما تقوم بطرح الأسئلة في أي حوار فإنك تظهر اهتماماً بالموضوع. إن كثيراً من الناس يتجاوبون مع المشاعر والانفعالات والأحاسيس أكثر من تجاوبهم مع الأفكار حتى لو كانوا مفكرين وعقلانيين بطبعهم. إن أكثر سؤال يمكن أن يثري الحوار هو: ما هو شعورك تجاه هذا الموضوع؟
10. لا تبدأ أي مناقشة أو محادثة جانبية أثناء الحوار. إذا كنتم مجموعة فلا تبدأ أي حوار جانبي مع أي شخص حتى لو كان الشخص الذي يتحدث لا ينظر ناحيتك أثناء كلامه. بالطبع يجب أن ينظر إليك وإلى كل فرد في المجموعة ولكن لا تجعل خطأه في عدم التواصل سبباً في منعك أن تكون مستمعاً جيداً.
بالطبع كل ما ذكرناه من معلومات ليس جديداً عليك ولا مدهشاً فأنت تعلم وتميز الصواب من الخطأ في مهارات الاستماع ولكن قيامك بتطبيق هذه المهارات على الواقع هو التحدي ويتطلب مجهوداً منك واهتماماً وتركيزاً. هو مهارة مطلوب منك اتقانها.

مهارات القيادة – فن الإصغاء والاستماع – 1



مهارات القيادة –  فن الإصغاء والاستماع

في عالم الاتصالات والتواصل الذي نعيشه الآن لا يمكننا الاستغناء عن فن الاستماع للآخرين. يتوجب عليك كقائد ناجح وفعال أن تحسن فن الاستماع لمن هم حولك. أنت تحتاج إلى أن تستمع إلى رسائل الآخرين التي يرغبون في توصيلها إليك وأن تفهمها بصورة صحيحة وفي إطارها السليم.

الاستماع الفعال يختلف عن السماع. فالسماع هو كل ما يصل لأذنك من أصوات أي أصوات وهو عملية تلقائية سلبية لا تملك تجاهها أي فعل متعمد من جهتك. أما الاستماع فهو أن تقصد وتتعمد الإنصات لما يقوله الآخرون وما يحسون به. (وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا). في الاستماع الفعال ينبغي عليك أن تجتهد عند تلقي الرسالة في فهم أحاسيس ومشاعر المرسل ومقاصد الرسالة. ثم تقوم بترجمة تلك الرسالة وصياغتها بعباراتك الخاصة وإعادة إرسالها لمحدثك بهدف التأكد والتحقق من أنك فهمت الفهم الصحيح. ومن المهم جداً ألا تضيف للرسالة أي إضافة من عندك وأن تلتزم بما فهمته من رسالته بدون زيادة أو نقصان. هذه الطريقة توجد جواً أو بيئة من القبول والفهم الذي يتيح لمرسل الرسالة شرح المشكلة والتوصل إلى  قرار أو حل. الاستماع الفعال ليس نشاطاً سلبياً أو بسيطاً.

وإليك الآن بعض سمات ومواصفات الإصغاء والاستماع الجيد:

1. الانتباه والحضور

لتستمع جيداً يجب أن تكون حاضراً بقلبك وعقلك وروحك مع محدثك ومنتبها لما يقوله. إذا لم يكن لديك الوقت الكافي أو كنت منشغلاً بشيء آخر أو ببساطة كنت لا ترغب في الاستماع في تلك اللحظة فلا تستمع حتى تفرغ نفسك تماماً.

2. قبول الآخر

ينبغي عليك قبول محدثك كما هو بدون أحكام مسبقة أو تحفظات أو تصنيف طريقة تفكيره أو عقليته بأي تصنيف حتى لو كان مختلفاً عنك في طريقة تفكيره أو انتمائه.

3. الثقة

عليك أن تثق في قدرة محدثك على توصيل مشاعره وأحاسيسه وعلى قدرته في معالجة مشكلته وحتى التوصل إلى الحلول. فقط استمع.

4. الإنصات

لا تخطط لما تنوي أن تقوله. لا تفكر في طريقة وكيفية مقاطعة محدثك. لا تفكر في كيف تحل مشكلته أو كيف تلومه أو كيف تعزيه أو ما الذي يجب أن يفعله محدثك أو ما الذي يجب أن تفعله من أجله. لا تنشغل بأي من هذه الأشياء ولا تتعارك مع أفكارك ولا مع ما يقوله. فقط استمع وأنصت.

5. ابق خارج المشكلة

لا تجعل نفسك جزءاً من المشكلة ولا طرفاً فيها. وكن موضوعياً. لا تقحم نفسك ولا تتدخل بالكلام ولا بالجسد ولا بالعقل. فقط ابق هادئاً واستمع. لأنه من الصعب جداً على محدثك أن تتدخل بصورة سلبية.

6. ضع نفسك في جلباب محدثك

تخيل نفسك في وضع صاحب المشكلة. لا أطلب منك أن تكون أنت هو صاحب المشكلة ولكن أريد منك أن تفهم وتتخيل تماماً ما يحس به وما يقوله وما يفكر فيه ولكن أبق نفسك مستقلاً بما يكفي لتكون إيجابياً وفي الوقت نفسه مشاركاً أصيلاً في إيجاد الحل.

خصائص القيادة ومواصفات القائد


leadershipهذا ملخص لأهم الخصائص التي ينبغي أن يتصف بها أي قائد يتطلع للنجاح. اقرأها بتمعن فإن كان ينقصك منها الكثير فلا أنصحك بالتصدي للقيادة. وذلك على جميع المستويات.

الاستباقية وليس ردود الأفعال: القائد الحقيقي يسبق الآخرين ويتقدمهم بخطوات في تفكيره ويعمل دائماً للسيطرة على بيئة عمله مع العمل على تفادي المشكلات قبل وقوعها.

المرونة والتكيف: كيف تتصرف تجاه أي موقف مزعج أو محرج ولم يكن في الحسبان؟ القائد الفعال سوف يتكيف مع بيئته الجديدة ومحيطه ويبذل وسعه للتأقلم.

التواصل الجيد: كقائد ناجح عليك أن تستمع لللآخرين كثيراً. ويجب عليك أن تبذل جهدك من أجل فهم ما يريده الآخرون ويرغبون فيه. القائد الجيد سوف يطرح العديد من الأسئلة ويدرس جميع الخيارات ثم يقود الآخرين في الاتجاه الصحيح.

الاحترام: معاملة الآخرين باحترام سوف تكسبك احترام الجميع وتدفعهم ليعاملوك باحترام.

الثقة مع التواضع: كن واثقاً من نفسك ولكن بتواضع ونية حسنة.

الحماس: الإثارة مسألة معدية بلا شك. فعندما يكون القائد منفعلاً بالقضية ومتحمساً لها فإن الآخرين سوف يقلدونه ويحذون حذوه.

سعة الأفق: عليك أن تراعي جميع الخيارات عند اتخاذ القرارات. القائد الناجح هو الذي يقوم بتقييم جميع الآراء والمقترحات والتوجهات للآخرين ثم يعمل من أجل الأصلح للجميع.

الدهاء وسعة الحيلة: عليك استغلال جميع الموارد المتاحة لديك وتوظيفها لمصلحتك. إذا كنت لا تعرف الإجابة لسؤال أو موضوع ما ابدأ بطرح الأسئلة. القائد الناجح هو الذي يعرف مفاتيح الوصول للمعلومات.

مكافيء: القائد الاستثنائي هو الذي يقدِّر مجهودات الآخرين ويعترف بها ويكافئهم عليها ويوظفها لمصلحة العمل.

المعرفة والخبرة: المعرفة سلاح وقوة. القائد الناجح هو الذي أكمل تعليمه ويمتلك الخبرات العملية عن سياسات وأساليب مجتمعه وقواعده التنظيمية. وبعد ذلك فإن معلوماتك ومعرفتك بالقضايا والمشكلات سوف تزيد من عوامل نجاحك في قيادة الآخرين.

القابلية والاستعداد للتغيير: القائد يجب أن يأخذ في حسبانه جميع وجهات النظر الأخرى ويكون لديه الاستعداد لتغيير سياساته وبرامجه وحتى إرثه الثقافي إذا كان قد عفا عليه الزمن أو أصبح غير مفيد للمجموعة التي يقودها.

الاهتمام بملاحظات الآخرين وآرائهم: القائد الناجح لا يغضب من ملاحظات الآخرين ونقدهم له ولنهجه وطريقته في القيادة بل يعتبر ذلك هدية وفرصة له لتحسين أدائه، بل ويجب على القائد أن يبتدر الآخرين بالأسئلة ليحملهم على تزويده بمثل هذه الملاحظات.

التقييم: تقييم وتثمين الأحداث والبرامج هو أمر أساسي لتحسين وتطوير أي منظمة أو مجموعة. والقائد الحقيقي هو الذي يمارس التقييم المستمر والتغيير للبرامج والسياسات والمشاريع غير الناجحة من أجل تحويلها إلى أعمال ناجحة.

النظام: القائد الناجح هو الذي يكون دائماً مستعداً قبل الاجتماعات والعروض التقديمية والأحداث والمناسبات بل ومتأكداً أن جميع من حوله ومن يعملون معه هم أيضاً مستعدون ومنظمون.

الاتساق والتماسك: لن تستطيع إحراز الثقة والاحترام من قبل الآخرين دون اتساق وتماسك الشخصية القيادية لديك. يجب أن يثق الآخرون في أن آراءهم وأفكارهم سوف تجد لديك الأذن الصاغية والاهتمام والاعتبار.

التفويض: القائد الحقيقي هو الذي يعلم أنه لن يستطيع أن ينجز كل الأعمال منفرداً أو يقوم بكل شيء وحده دون الحاجة للآخرين. القائد الحقيقي هو الذي يعرف مهارات وقدرات الآخرين من حوله ويقوم بتفويضهم تلقائياً لأداء الأعمال الملائمة.

المبادرة: القائد هو الذي يقوم بدور المحفز والمبادر والمحرض على العمل ويجب أن يكون هو العنصر الرئيسي في تخطيط وابتكار وتنفيذ الأفكار الجديدة والبرامج والسياسات والمشاريع والأحداث.

مشروع حكومة الكفاءات (التكنوقراط)


‏11 يوليو، 2014‏، الساعة ‏10:06 مساءً‏

من أجل إنقاذ البلاد وإعادتها لوضعها الطبيعي بين الأمم أدعو إلى:

  1. وقف الحوار مع الأحزاب السياسية جميعها فهو مضيعة لوقت السودانيين في هذه الفترة الحرجة من عمر البلاد.
  2. إعادة الثقة لمركز الدراسات الاستراتيجية وتمكينه من مباشرة مهامه في التخطيط الاستراتيجي للبلاد.
  3. إعادة إحياء مشروع علماء بلا حدود لتمكين العلماء السودانيين في المهجر من المشاركة في بناء البلاد ونهضتها.
  4. تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى إدارة شئون البلاد والخروج بها من التخلف الحالي واللحاق بركب بقية الأمم.

ما معتى تكنوقراط وهل هناك دول شهدت مثل هذا النوع من الحكومات:؟

التكنوقراط معناها الحرفي حكومة التقنية أو حكومة الكفاءآت وتعني إبعاد رجال السياسة وتولية الأمر في إدارة الدولة لأصحاب الكفاءات من المهندسين والمعماريين والاقتصاديين والمشتغلين بالعلوم والنخب المثقفة من أصحاب التخصصات. والدعوة إلى التكنوقراط هي الدعوة إلى حكم النخب المثقفة الأكثر علما وتخصصا في مجال المهام المنوطه بهم، وهم لا ينتمون للأحزاب فانتماؤهم هو للوطن الواحد وولاؤهم هو لتخصصاتهم العلمية الفنية وبهذا فإن حكومة التكنوقراط هي الحكومة المتخصصة في الاقتصاد والصناعة والتجارة والزراعة وهي حكومة غير سياسية وغير حزبية ولا تهتم كثيرا بالفكر الحزبي ولا الحوار السياسي.

تجربة الصين:

تولى التكنوقراط الأمور في الصين في أواخر السبعينات من القرن العشرين واعتمدت الصين عليهم تماماً في حل مشاكل الصين الشعبية والتطور بها وتشغيل الصينيين، فكان التكنوقراط خير نخبة يعتمد عليها في حل المشاكل في الصناعة والتطوير العملي والانتقال من مجتمع زراعي بحت إلى مجتمع صناعي. وبعد عام 1985 أصبح المجلس المركزي يغلب فيه التكنوقراطيون عن غيرهم من النواب. وأصبحت المجموعة الحاكمة معظمها منهم وساروا على هذا السبيل حتى يومنا هذا. فالمجموعة الحاكمة في الصين هم حاليا من أكثر السياسيين على مستوى العالم النابغين في العلوم الهندسية والاقتصادية والإدارة، وتعليمهم كان بصفة رئيسية في العالم الغربي، ولا يزالون يرسلون البعثات إلى أحسن كليات الاقتصاد والعلوم والهندسة في بريطانيا والولايات المتحدة لاكتساب المعرفة وإدخالها إلى الصين الشعبية ولا غرو فقد أصبحت الصين اليوم إحدى القوة العظمى التي اكتسحت العالم باقتصادها القوي ومنتجاتها في جميع المجالات.

مابعد التغيير نصيحة للنظام القادم


القاريء الحصيف لوقع الأحداث السياسية ومسارها في السودان لن يجهد في اكتشاف ارهاصات التغيير القادم في السودان وأنه سيكون ربيعاً سودانياً لا يشبه ثورات الربيع العربي الماضية والتي حاول السودانيون تقليدها وفشلوا نظراً لضعف تنظيم المعارضة أمام بطش السلطة الحاكمة وجبروتها. فالنظام القائم كان حينها قد أحاط نفسه بمنظومات أمنية ودفاعية تعاملت مع المتظاهرين باعتبار أنهم مقاتلون أو طابور مساند للمليشيات المحاربة للنظام في أطراف البلاد وأن تلك المليشيات تقوم بعمل تخريبي يمهد لإسقاط النظام فبرر لنفسه بذلك إطلاق النار على كل متظاهر ذكراً أم أنثى صغيراً أم كبيراً.

قراءتي هي أن التغيير في هذه المرة سيأتي من داخل أروقة النظام والتنظيم ويكون تغييراً غير تقليدي يعصف بالكثير من المسلمات التي درج مساندو النظام على اعتبارها حواجز لا يمكن تخطيها أو أعراف أخلاقية لا يجوز للمخالف الخروج عليها مهما بلغت عداوته ناهيك أن يكون من بني جلدتهم وعضوية تنظيمهم. ولن أتكلم الآن عن دموية التغيير أو سلميته فذلك أمر متروك لحنكة الانقلابيين وتدابيرهم.

النظام القائم الآن وصل للسلطة عن طريق الخداع وجاء بالقوة والقهر ولم يكن في يوم من الأيام حُكماً رضائياً بتفويض من الشعب، بل كان يتصرف دائماً وفق مبدأ القوة والاستحواذ، وتوسل لتحقيق ذلك بالتراتيب الجبرية القهرية، وحصر تداول السلطة في يد الأقلية المنسوبة إلى حزبه الحاكم واعتبر الولاء لها مقدماً على الكفاءة والأمانة في تولية المناصب.

وفي ظل الحماية الحزبية تمكنت الأقلية التي تتمتع بالحصانة من نهب الثروات والمقدرات تحت سمع وبصر المجموعات النافذة الحاكمة أو بطانتها وبغطاء الاستثمار الحزبي أو الحكومي أو التنظيمي، وتداخلت هذه الدوائر لدرجة أصبح من الصعب فيها التفريق بين ما هو في حيازة الحكومة وما هو من ممتلكات الحزب أو التنظيم، الذي أصبح مجموعات متباغضة متنافرة تدعي كل منها بأنها هي التنظيم وأنها هي الجماعة وأن الآخرين خارجون عليها. وياله من باب للاستبداد السياسي، والفساد الإقتصادي والظلم الإجتماعي فتحته هذه الجماعات ولم تقدر على إغلاقه.

ودعنا نغض البصر الآن قليلاً عن الحرب التي ورثها النظام ثم أجج نيرانها ليخسر آخر الأمر ما كان يقاتل من أجله منذ أن جاء، لئلا يصرفنا ذلك عن مقاصد هذا المقال ولنخلص إلى أن النظام لم يكن في سبيل حماية المصالح الشخصية للقلة المتنفذة الحاكمة ليتحرج أن يرهن مستقبل البلاد وثروات أهلها ويدخلها في قروض وديون ذات أرقام فلكية، يبذلها لضمان استمرار هذه القلة وبقائها، وهي قلة تملي السياسات والمواقف وفقاً لمصالحها، دونما اكثرات لشعبها، وكانت النتيجة هي ما نسمع ونرى ونعيش من واقع البلاد فلا عجب أن ينتهي به الأمر إلى أن يكون مثل ثور الساقية يدور حول نفسه والساقية ليست متصلة بمصدر الماء فانقطع الحبل الذي يوصله بشعبه. والنتيجة الطبيعية المتوقعة هي أن يثور الشعب ليطيح بهذا النظام. ولكن النتيجة المفاجئة وغير المتوقعة هي زوال النظام من الداخل نتيجة الصراع الخفي والمعلن حول تداول السلطة. وربما يقول قائل إن كنت تتوقع هذا والنظام لم يذهب بعد فلماذا تذيع هذا الكلام الآن؟ ألن يكون حائلاً دون تحقيقه حيث سينبه القائمين على الأمر ليأخذوا حذرهم؟ فأقول لك اطمئن فإن الحجر الساقط من رأس الجبل لن يرده شيء حتى يبلغ منتهاه – وقد بدأ الحجر رحلة السقوط فعلاً-  فالمجموعات المتصارعة حول السلطة أوصلها الجشع حداً أعماها عن رؤية ما ينتظرها من السقوط ولن تنتبه حتى يصل الحجر إلى القاع. وكثير منهم لن يقرأ هذا المقال بالطبع فهم أمة أمية وليست بقارئة، والقاريء منهم ربما يمر مقالي هذا تحت عينيه دون أن يكترث فهو مشغول بقراءة أشياء أخرى، والعاقل من يكمل قراءته حتى آخره ليرى ربما من باب التسلية والفضول إلى أي شيء يخلص.

ولن أشغل نفسي مثلما لن أشغلك بتفاصيل ما سيحدث فهو أمر واقع وكأنه يدخل في حكم الماضي، بل سأخلص معك إلى مضمون المقال.

ما بعد التغيير .. نصيحة للقادم

يها الحكام الجدد!! أيها الغرباء القادمون:

أنتم استبدلتم نظاماً قديماً بآخر جديد، تنشدون في ذلك التحرر من الإستبداد السياسي ربما ، فلا تستبدلوا استبداداً باستبداد. واحرصوا أن تكون رؤيتكم للأمور واضحة فإن لم تكن مضامين ثورتكم ومبررات مجيئكم محددة منذ البدء ولم تكن برامجكم للتغيير محكمة بعد ذهاب النظام الحالي، ولم تجيبوا على أسئلة الانتقال والتحول الدستورى من أول يوم فلا خير من مجيئكم، وليتكم لم تأتوا، فستكونون شر خلف لشر سلف وسيظل الثور يحرث نفس الساقية المشئومة.

هل ستقعون في المأزق الذي وقعت فيه جميع الثورات؟ مأزق التسليم بالديموقراطية أسلوباً للحكم دون التوافق حول مضامين هذه الديمقراطية كأسلوب والأشكال العملية للتعبير عنها، وأى هذه الاشكال هو الأنسب لبلادنا؟ هل هو النموذج الجاهز الموروث للتعبير الديموقراطي؟ وبصفة خاصة هل النموذج الليبرالي النيابي هو أنسب أشكال التعبير في السودان؟ وهل هو أحكم المخرجات وأعدلها؟ وهل يعبر عن أكثرية الشعب؟ أم أنه يعكس رغبات أقليات نافذة ، ومصالح مجموعات ضيقة ، مثلما هو حادث الآن في النظام الحالي قبل السقوط؟ وهل الآليات الإنتخابية التي تختار النواب ورأس الدولة تنتخب الشخص المناسب أم أنها تؤدي لانتخاب المفضول دون الفاضل؟

وقس على هذا في بقية الأصعدة فعلى صعيد النظام الإقتصادي، هل ستتبنون دون تحفظ النموذج الغالب فى عالم اليوم ، وبصفة خاصة أنموذج السوق الرأسمالي التنافسي الحر في اقتصاد تتفاوت فيه الدخول، مثلما هو الحال فى مجتمعنا السوداني فتقومون بتعزيز التفاوت الحاصل ابتداءًا ، ليزداد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً ؟ وتتركز الثروة فى أيدى القلة؟ لو فعلتم ذلك لأدى هذا إلى التأثير على النظام السياسي وعلى منظومة صناعة القرار فتنحسر قدرة الأغلبية الجماهيرية في التأثير على الواقع السياسى للبلاد.. فأعدوا لهذا السؤال جواباً.

هل تنوون نقل مقاليد السلطة والثروة ومقدرات المجتمع من أيدى القلة إلى الأكثرية؟

هل لديكم نظرية إجتماعية ترسم الحدود بين السلطة التنفيذية ومؤسسات المجتمع لصالح الشعب؟ هل لديكم الآليات لفطم المجتمع الرضيع دون تعسف وتمكينه من الوفاء بحاجاته دون تعويل على آلية السلطة؟ وهل ياترى سيتحقق هذا في ظل الأنماط الإقتصادية والسياسية القائمة التي تضع مقاليد السلطة والثورة في أيدي الأفراد والصفوة؟ وهل لديكم خطة محكمة للتوزيع العادل الحصيف للثروة والسلطة؟

ماذا أعددتم لعلاج وباء الطائفيات والمذهبيات والعصبيات القبلية والجهوية؟ ولمداواة تلك الأمراض التي تهدم مباديء المساواة والمواطنة، والعدالة والحرية، وتعرقل السعي نحو الإجماع الوطني والوحدة؟

هل ستكون قواتكم المسلحة نسخة قبيحة للمدرسة العسكرية الغربية أو الشرقية؟  أم لديكم نظريتكم الوطنية السودانية للعقيدة العسكرية، ونظم التدريب والترقيات، والعلاقات الرأسية والأفقية التي تعكس ثقافات أهل السودان؟ وهل سيظل جيشكم علمانياً محضاً أم ياترى سيعبر عن بيئات وتقاليد المجتمع السوداني وأعرافه؟

وعلي مستوي جهاز الأمن والمخابرات الوطني هل سيظل هدفه الأول حراسة نظامكم الحاكم الجديد  على حساب حماية الأمن القومي؟ وهل سيحصن نفسه ونشاطه بالأنظمة والقوانين الخاصة التي تجعله فوق المساءلة؟ وهل سيظل دولة داخل الدولة؟ ومن الذي سيقوم بمساءلته إن أخطأ أو تجاوز وما الضمان ألا يصبح ذراعاً للفساد والإفساد؟ وهل سيتبنى نظرية الأمن القومي المبنية علي فكرة المهددات، والتي تسعى لتحقيق غاية أساسية هي حماية الوضع الراهن والنظام الحاكم؟ وهل سيبقى كما هو أداة للقمع والبطش والفتك بالمواطنين؟

هل أعددتم أجوبة لقضايا علاقاتكم الخارجية والتزامات بلادكم؟ وهل ستحترمون المعاهدات والإتفاقات الدولية التي وقعت في غياب السيادة وغفلة الشعوب؟ وهل ستساندون الأنظمة الدولية الظالمة والعلاقات المختلة في مسرح العلاقات الدولية؟ ومع أي القوى والموازين ستقفون؟ أم أن لديكم استراتيجيتكم المحكمة للعلاقات الخارجية؟

أين مكانكم في العالم الحديث المتشابك والمتواصل من جهة، والمتصارع من جهةٍ أخرى وهل أنتم مستعدون لأعلاء المباديء وعدم إهمال المصالح؟ هل لديكم أنموذج للعلاقات الدولية يرعى حرية الأفراد والجماعات، ويصون حقوق الإنسان والمجتمعات، ويشيع العدل والمساواة ، وينبذ إزدواجية المعايير ويأخذ بأيدي المستضعفين، مستهديا بقيمة وحدة الإنسان في الأصل والمصير؟

هل أنتم مستعدون لمواجهة التحدي في إدارة الحوار الداخلي حول قضايا الهوية ، والتعددية الدينية والإثنية، وتوزيع الثروة والسلطة ، وشكل النظام السياسي الذي يتواءم مع المكونات الثقافية والإجتماعية للسودان ويضمن توزيع السلطة بالشكل المنشود ، والنظام الإقتصادى الذي يتوافق مع مكونات المجتمع السوداني الفكرية ومعطياته الثقافية ، ويضمن التوزيع الأعدل للثروة ؟

راءاتنا تقول إن النظام الحالي سينقلب على نفسه من بعض أعوانه وأنه سيسنده ويحميه عمل داخلي، فيا أيها القادمون أياً ما كنتم بالله عليكم رفقاً بهذا الوطن وأبنائه فلا تتحركوا ولا تفعلوا شيئاً حتى تجيبوا عن هذه الأسئلة. فالأجيال الحالية والتي ظلت ضحية الانقلابات العشوائية في البلاد لا تريد أن تسمع بياناً رقم واحد أو رقم مائة مثل البيانات السابقة للانقلابات القميئة التي تدخل البلاد في ساقية تدور في الهواء يجرها ثور أعمى سرعان ما يسقط في البئر المعطلة وهو يحلم بالقصر المشيد.