متعة القراءة وأفضل الروايات مع عمر فضل الله


كتاب الأستاذ صلاح عمر الشيخ:
طالت (الحبسة). الالتزام ضروري وصعب جداً. كان لابد من الاستفادة من الوقت والعودة للقراءة التي لم تعد كما كانت قبل انتشار الانترنت الذى سهل علينا كثيراً وتدفقت المعلومات بسهولة ويسر. العالم كله أصبح أمامنا عبر جهاز صغير، لو قيل لنا فى السبعينات إن ذلك سيحدث لاعتبرناه خيالاً علمياً غير ممكن.

متعة القراءة أصبحت ممكنة في أي وقت، إلا أن متعة البحث عن كتاب في معارض الكتب والمكتبات لم تعد جاذبة.والبقاء فى البيت أتاح لنا العودة للقراءة،

أفضل الروايات:
========
خلال هذه الفترة التي تجاوزت الشهرين قرأت العديد من الروايات لكتاب نعشقهم ولا نمل إعادة قراءتها: الطيب صالح، غابريل غاريسا ماركيز.

توقفت عند سلاطين باشا والسيف والنار واكتشفت كتاب جدد: عبد العزيز بركة ساكن فى امرأة من كمبو كديس، وحجي جابر الكاتب الارتري فى سمراويت.

أما صديقي الدكتور عمر فضل الله ذلك الروائى الرائع القادم بقوة والحاصل على جوائز قيمة جائزة الطيب صالح و كتارا عن راويته أنفاس صليحة وتشريقة المغربى، فقد قرأت كل ما أنتج وهى: ترجمان الملك، وتشريقة المغربي، وأنفاس صليحة، ونيلوفوبيا، ورؤيا عائشة، وفى انتظار القطار، وأطياف الكون الاخر.

دكتور عمر فضل الله كاتب بارع يمكن أن يكون امتدادا وخليفة الطيب صالح لأسلوبه السلس وعباراته الرشيقة. يتميز فى سرده الروائي الممتع باستدعائه للتاريخ، فهو كما نقول بالعامية (حكاي) يجذبك كما الحبوبات زمان لحكاياته والتى يحول فيها الأحداث التاريخية إلى رواية ممتعة وشخصيات حية تعيش معها الحكاية والأحداث لحظة بلحظة ولن تترك الكتاب إلا حينما تنتهى الحكاية.

أهم ما يلفت النظر لروايته هو تعريف القارئ العربي بالتاريخ السوداني خاصة الممالك السودانية الاسلامية سنار والعبدلاب وعلوة المسيحية ومعالجة الأحداث من وجهة نظر سودانية. وفى رؤيا عائشة أحداث المهدية. وكما أشرت المعالجة والسرد يعالج أخطاء فى الروايات المكتوبة من أجانب في التاريخ السوداني مثل السيف والنار وحرب النهر.

أما روايته أطياف الكون الآخر فهي محاولة جريئة لدخول عالم الجن وتقريب الصورة من الخيال والأساطير إلى قصص القرآن وحقيقة هذا العالم الآخر. وأما نيلوفوبيا فهي سرد لمأساة غرق الباخرة النيلية العاشر من رمضان في مصر بذات الاسلوب الشيق فى السرد والحكاية.

هذه انطباعات سريعة عن روايات الدكتور عمر فضل غزير الإنتاج الذي حبب لنا جزءاً من تاريخنا وأعاد كتابته بشكلٍ روائي ليصحح أخطاء تاريخية انتشرت خاصة عند القاريء العربي.

صلاح عمر الشيخ.

تفرد تقنية استجلاء الجواهر الدفينة في التاريخ وتقديمها في قالب روائي مغلف بالعجائبية.


د. إيهاب بديوي:
رواية ترجمان الملك للمبدع الكبير الدكتور عمر فضل الله نموذجا
مقدمة
لا تكاد تخلو جائزة أدبية كبرى في السنوات الأخيرة من رواية يمكن تصنيفها تحت المصطلحات المتقاربة في الدلالات المباشرة وغير المباشرة بالعجائبية او الواقعية السحرية والذي قدم من خلاله الكاتب ايضا رواية اخرى بعنوان اطياف الكون الآخر. ومن هذا المنطلق يمكننا القول أننا أمام تيار فكري روائي مستقل بدأ في العالم في منتصف القرن العشرين وتحديدا في أمريكا الجنوبية والذي يمكن أن نؤرخ له برواية بيدرو رامو الرواية الوحيدة للكاتب المكسيكي خوان رولفو. ومزج هذا التيار العجائبي بالتاريخ أيضا هو من علامات السرد الحديث. وفي اعتقادي أن أقصر طريق للجوائز العربية الكبرى حاليا هو اختيار مرحلة تاريخية غامضة في التاريخ العربي والاسلامي على وجه الخصوص ودراستها جيدا ثم تحدد براعة الكاتب مدى قدرته على عرض الأحداث في قالب روائي. والكاتب باحث تاريخي معروف. يظهر ذلك جليا في أسلوبه التوثيقي في روايتنا الذي حرص على سرد الحوادث الحقيقية بحيادية الباحث الأمين. لكن التفاصيل الروائية تؤكد مشروع الكاتب الذي توج بالحصول على جائزتين رفيعتين في عام 2018 جائزة الطيب صالح العالمية عن روايته تشريفة المغربي وجائزة كتارا عن روايته أنفاس صليحة التي هي في الحقيقة تطور لرواية ترجمان الملك حيث أنها تركز على مملكة علَوَة المسيحية في القرن السادس عشر الميلادي وخراب عاصمتها سوبأ. والكاتب دائما يذكر أنه يملك مشروع روائي معرفي يقدم فيه حقائق التاريخ في صورة روائية. ويعتبر فوز عملين في عام واحد بجائزتين هامتين نجاح لمشروعه وتتويج له.
مدخل إلى الرواية
العتبات
أولا / الغلاف
على الرغم من البساطة التي يبدو عليها، إلا أنه في الحقيقة يعبر بعمق عن محتوى الرواية بنقل التفاصيل الصغيرة التي تتجمع لتكون صورة كاملة عن البيئة التي تدور فيها الأحداث. مجموعة من الرجال الذيت يرتدون الملابس العربية يمتطون جمالا . أمام راعي غنم يحمل عصاه يصحبه كلب تقليدي. في عمق الصورة تظهر شخصية منحنية لشرب الماء من النهر الصغير. في الخلفية تبدو على البعد مجموعة اخرى من الجمال بجانبها مبنى حجري عملاق يبدو أنه قصر مشيد. صورة متكاملة مشوقة تعود بنا ذهنيا الى تصور أن الرواية لابد تحوي أحداثا تاريخية تناسب الملابس والدواب.
العنوان
يتكون العنوان من مقطعين. الأول تُرجُمان ويعني لغة من ينقل معنى الكلام من لغة إلى أخرى. والثانية هي الملك وتعني الحاكم المالك لمنطقة جغرافية محددة
الإهداء
قدم الكاتب في صورة غير تقليدية ثلاثة إهداءات. الإهداء الأول لشخصية الملك أصحمة بن الأبجر نجاشي ذلك الزمان. ونجاشي لقب يطلق على الحاكم في تلك المنطقة.
مقدمتان
المقدمة الأولى طغت فيها شخصية الباحث وشرح العوامل المحيطة بالرواية. المقدمة الثانية قادمة من قلب الرواية الذي اختاره الكاتب وهو الراوي سيسّي الذي تخيل الكاتب انه عاد للحياة ليروي اهم ما حدث نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الميلادي مع ظهور النبي الجديد في بلاد العرب
سوبأ عاصمة مملكة علَوَة
سيسّي بن أبيلّو بن دلمار الرواي الخيالي الذي استدعاه الكاتب من خرائب مقبرة الغنج.
شرح للرواية من خلال شخصية الكاتب
الحقيقة لا يمكن التعامل مع رواية تاريخية بعيدا عن شخصية وثقافة ورؤية الكاتب. والدكتور عمر ولد في السودان عام 1956 وحفظ القرآن مبكرا جدا. في السادسة من عمره. وهذا يعني بالضرورة تمكنا لغويا رفيعا وقدرة خاصة على استيعاب كل الثقافات ومعرفة وثائقية بالتاريخ والبلاد. كذلك قدرة بلاغية متفردة على عرض القضايا الفكرية بصورة سلسة وهادئة دون انفعال مذهبي أو تعصب لوجهة نظر محددة مسبقا. وقد كان متفوقا طوال عمره حتى انه من العشرة الاوائل في الثانوية. وذلك يحيلنا بالضرورة إلى ظهور النبوغ المبكر الذي اتضح بعد ذلك في كل خطوة من حياته. ثم حدثت في حياته ثلاث هجرات الأولى وهو في العشرين من عمره لاستكمال تعليمه في السعودية وتخصص في الحاسب الآلي وتفوق فيه تماما ثم حصل على الماجستير والدكتوراة في نفس التخصص من الولايات المتحدة. عاد إلى السودان وأسهم مباشرة في تطويع علمه لخدمة بلده. ثم جاءت الهجرة الثانية إلى الإمارات وهو في الأربعين من عمره عام 1996 وأسهم أيضا بصورة مباشرة في النهضة الحديثة لها. وأعتقد أن هذا الرحلة الطويلة العلمية والعملية هي التي أخرت ظهور عمله الأدبي الأول إلى عام 2007. ولا أتعجب كثيرا إذا كان ذلك العمل هو ديوان شعري. لكن الكاتب لأنه يمتلك مشروع أدبي معرفي واضح بالنسبة له. تحول إلى كتابة الرواية. ديوان العرب والعالم منذ نهايات القرن العشرين. ورغم تمكنه اللغوي أيضا. جاءت الرواية في عبارات سلسة واضحة مباشرة. وذكاء الكاتب جعله يمزج في روايته الأولى بين العجائبية والسرد التاريخي والوصف التفصيلي الذي برع فيه بوضوح في نقل أجواء الصراع. بداية من شخصية سيسّي الراوي الرئيسي ووصف انبهاره بقصر الملك ويحكي له جده الترجمان دلمار خصوصية العلاقة مع الملك الصغير الذي تعرض لمحنة العبودية ثم عاد ملكا حكيما. ويروي الكاتب خصوصية علاقة سيسي بحبيبته سنجاتا ثم يكبر ويصبح ترجمانا مكان جده. ويأتي وفد الشرق الهارب من اضطهاد الحكام في مكة فيحسن استقبالهم ويمنحهم الأمان على عكس رغبة الكنيسة. ثم يأتي وفد مكة بقيادة عمرو بن العاص ويطلب رد من جاءوا فيرفض النجاشي ويظل محافظا على عهده وشخصيته السوية الحكيمة العادلة .
لا يخفى على القارئ تركيز الكاتب على شخصيات في السرد وخاصة الزبير ابن عمة الرسول ووصفه بالحكمة ودخوله في حوار فلسفي مع سيسي. ودخوله في حوارات يشرح كل منهما دينه للآخر. ويتفقان على أن الهدف الأسمى من التدين هو عبادة رب واحد.
مشاهد مثيرة كثيرة حفلت بها الرواية. منها
مشهد الساحرات الصغيرات مع الامير أصحمة في جزيرة التمساح
انقاذ دلمار جد سيسي للأمير أصحمة من العبودية بعد حدوث خيانة من الوزراء وهذا يفسر سر تعلقه به.
مشهدى حب بين (سيسي وسنجاتا) و (أبيلو والده وتانيشا) بعد عودته في نهاية الرواية واكتشافنا انه لا يزال على قيد الحياة
المشاهد الحوارية بين سيسي والزبير
المشاهد الحوارية بين امية بن الصلت وعبدالله بن ابي ربيعة الاحناف قبل البعثة مما يدل على وجود حوار بين العرب والاحباش منذ فترة طويلة
استطاع الكاتب ملئ الفراغ الحادث في الروايات التاريخية التي تصلنا بأحداث وشخصيات وحوارات أجاد الربط بينها وخلق حوار فني منطقي بالغ الخصوصية ينتمي للبيئة التي قضى فيها الكاتب أيامه الأولى واستطاع عبر رحلة عمره استيعاب الثقافات المسيحية والمسلمة واستطاع عرضها بحياد الروائي وقدرته على تكوين حبكة درامية قوية مستندا على وقائع تاريخية حقيقة وهو ما يزيد من صعوبة التناول وحذر القارئ الذي سيصبح بالضرورة ناقدا مباشرة إذا لم يقتنع بمنطقية الأحداث الخفية.
مزيدا من الإبداع ونجاحا للمشروع المعرفي الذي ينتهجه ويتبناه الكاتب الكبير والذي سيمنحنا رؤية خاصة على منطقة هامة جدا لحاضرنا ومستقبلنا.
د. إيهاب بديوي

شاهيناز الفقي تكتب: سوسيولوجيا الأدب الإفريقي بين السرد التاريخي وشخصية المكان في “ترجمان الملك” لعمر فضل الله


رواية ترجمان الملك للكاتب السوداني عمر فضل الله، تجري أحداثها خلال حقبة مهمة في القرون الوسطى في بقعة من العالم ربما تكون غائبة عن ذهن القارئ العربي، وهي منطقة الحبشة في شمال شرق أفريقيا، يهتم فيها فضل الله بالتاريخ وبحكم قربه من المنطقة التي جرت فيها الأحداث فقد استطاع بمهارة أن يروي لنا تاريخ يغفل عنه الكثيرون، وقد استند في روايته للمصادر الموثوق منهامثل كتب السيرة والحكايات الشعبية والأساطير.
المفتاح الأول أو العتبة الأولى للنص هو العنوان ومن المعلوم أن سيمائية العنوان هي النسق الأول للدلالة على بنية النص وجوانبه الفنية، وهو بمثابة الشعاع الذي يضيء للقارئ ما استشكل عليه في النص، وقد جاء عنوان ترجمان الملك للدلالة على شخصية البطل والشخصية الرئيسية في الرواية وهو الملك النجاشي.
الإهداء أماط اللثام عن محبة تصل حد القداسة والتبجيل الشديد من الكاتب للنجاشي، ومن منا لم يعرف أو يسمع عن نجاشي الحبشة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ملك لا يُظلم عنده أحد وعادل في حكمة كريم في خلقه” والذي آوى المسلمين إليه عندما اشتد بهم التعذيب فآواهم، ورفض تسليمهم لقريش وأحسن ضيافتهم وعند وفاته في السنة التاسعة صلى عليه سيدنا محمد صلاة الغائب قائلًا لأصحابه: “قوموا فصلوا على أخٍ لكم مات بغيْر أرضكم”.
ولكن للحكاية بعدا آخر استمتعت به في رواية الكاتب عمر فضل الله، وقد استخدم في السرد أسلوب التأطير أو الحكاية داخل الحكاية ومن هنا اختلفت زوايا الرؤية، فالراوي يستدعي لنا سيسي بن ابيلو ليحكي لنا قصته ليقرر ذلك المُستدعى من الماضي أن يزيح الراوي ويروي هو حكايته قائلًا: “سوف أتولى رواية قصتي بنفسي في الصفحات التالية لن أسمح أن يرويها أحد غيري”.
يبدأ الحكي عن جده دلمار ترجمان النجاشي وكاتبه لملوك العرب، لندخل في حكاية أخرى هي حكايات الجد عن علاقته بهاشم جد أبي طالب من الجزيرة العربية وكيف كان يحبه، وهو صغير في السن فيطعمه الثريد ويتعجب من سرعة إتقانه للغة العربية، ويتجلى هنا شدة إعجاب بن ابيلو بجده فهو يصفه بأنه كان حكيمًا وله معرفة مدهشة بالرجال ونظرته ثاقبة وحكمه صائبًا لا يخطئ.
ومن خلال الحكي عن الجد يحلق بنا لمتعة أخرى في حكايات أخرى على لسان الجد وهو يحكي للحفيد عن علوة وأكسيوم وسوبأ الجديدة ومملكة سبأ القديمة، عاداتهم ومظاهر الحياة في تلك المناطق وعن رحلاته لإخميم وإيكبوليس (أسيوط) وغيرها، ويحكي له قبل موته عن النجاشي أصحمة بن الأبجر وقصة مقتل أبيه، وحادثة خطفه لبيعه في سوق العبيد وكيف تم تخليصه من بين أيادي التجار وتنصيبه ملكًا.
يدخلنا الراوي (سيسي بن ابيلو) بعد ذلك في تفاصيل عالمه. البيت الذي نشا فيه وأمه تانيشا، علاقته بجده واختفاء والده المريب حتى إن الجد يعنفه عندما رآه يرتدي قميص أبيه، زياراته للكنيسة وأسئلته الدائمة للأب يؤانس وللجد مما ينم عن شغفه للمعرفة، سنجاتا الحب الأول والقبلة الأولى تحت شجرة الأراك.
ننتقل معه لجزية التمساح حيث الساحرة سيمونة وبنات اليهود من بني قريظة وبنو قنيقاع اللاتي يرسلهن الأهل لتعلم السحر الأسود، ودور هذه الساحرة في حراسة التابوت المقدس الذي نقله اليهود لكنيسة مارية في شمال أفريقيا.
من اليهود والكنيسة وتعاليم الكتاب المقدس لرحلة العرب للحبشة فارين من بطش وتعذيب قريش لهم وكيف استقبلهم النجاشي وأحسن ضيافتهم، وصداقة نمت بين سيسي بن ابيلو والزبير.
يتطرق الكاتب لقضايا مهمة مثل تجارة الرقيق من تعرضه لقصة خطف النجاشي أصحمة بن الأبجر لبيعه في سوق العبيد بعد مقتل أبيه الملك حتى يبعده الوزراء عن الحكم ويستفيض في الحديث عن هذه التجارة الغير إنسانية، وكيف كان التجار يغيرون على القبائل فيخطفون النساء والغلمان لبيعهم ونفوذهم وسيطرتهم على الوضع في تلك المناطق.
وجانب من حياة العرب من خلال الأحاديث بين نسوة سوبأ وبين المهاجرات إلى الحبشة فيتحدثن عن الختان ورفض العرب الختان الكامل للفتاة الذي يضر بها في الزواج والولادة بخلاف اليهود الذين يعيرون المرأة التي لم تختن ختانًا كاملًا.
استخدم الكاتب أسلوبا سلسا للحكي لغة راقية، بناء الشخصيات موفق جدًا، استفاض الكاتب في وصف المكان بما يتناسب مع طابع الرواية المعرفي السيسيولوجي إن جاز التعبير.
الكاتب عمر فضل الله الحائز جائزة الطيب صالح عن رواية تشريقه المغربي وجائزة “كتارا” عن رواية أنفاس صُليحة وله العديد من الروايات الناجحة، استطاع أن يفرض الأدب الإفريقي العربي بقوة على الساحة المتعطشة لأدب جديد مختلف عما ألفناه في عالمنا العربي.

رابط المقال:
http://jedariiat.net/news/2057?fbclid=IwAR2avwsjETD2Tt7aOQDT8V4dNAp0b8UksYb4FCNoJ2T1nvW8wn9rPgIlU9w

صلف الوثيقة وسماحة التخييل في تاريخيات عمر فضل الله


بقلم أسامة سليمان

السؤال الذي يتعثر فيه من يلج عوالم رواية تاريخية أو لنقل رواية تتحرك في فضاءات التاريخ هو: ما الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال؟ يشخص هذا السؤال عند كل تطور في الأحداث ويكمن في تفاصيل كل قفزة جمالية ، لكن الدكتور عمر فضل الله في رائعتيه ” ترجمان الملك ” – دار نهضة مصر ٢٠١٣ و” أنفاس صليحة” مدارات ٢٠١٧ ( الحائزة على كتارا ٢٠١٨؛ لايعمل فقط على تجريد قارئه من هذا السؤال وإنما يذهب أبعد من ذلك فما أن تدخل سوبا العامرة ( في ترجمان الملك) والمتهاوية في ( أنفاس صليحة ) حتى تندمج في حيوات أبطال الروايتين غير آبه بمدى الصحة التاريخية للعلاقة بين الترجمان الراوي وبين الزبير بن العوام في (ترجمان الملك)والحقيقة التاريخية ل( صليحة ) نفسها في ( أنفاس صليحة) حيث تمكن الكاتب وبمهارة من تجريد الحقائق التاريخية من سطوتها ، والوثيقة من صلفها منتصراً للتخييل في سبيل بناء روايته .
وإن كانت سوبا هي مسرح الأحداث لكامل أحداث ( الترجمان) وأغلب ( الأنفاس) فإن الزمن هو الفارق إذ يفصل بين الروايتين ما لايقل عن الخمسمائة عام ، بين سوبا القوية المزدهرة في عهد النجاشي وسوبا التي تتهاوى في (الأنفاس).
وبينما تعتمد الترجمان أسلوباً سردياً أقرب إلى التقليدي تتابع فيه الأحداث طبقاً لتسلسلها الزماني الواقعي ، فقد توسلت أنفاس صليحة طرائق مختلفة في السرد ؛ بل هي جديدة يسافر فيها الراوي من خلال ( أنفاس جدته صليحة / البطلة) إلى أزمان متعددة، والبطلة هي التي تسمع حكايتها من حفيدها الذي لم يشهدها وقد وقعت قبل مولده، وفي رأيي أن هذه مغامرة سردية متجاوزة.
ونحن إزاء هجرتين – على مستوى الأحداث- في زمنين مختلفين إلى سوبا حاضرة علوة المسيحية ؛ الأولى : هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة؛ وهنا نعود لنؤكد أن الكاتب لم يدع مجالاً للتساؤل حول محط الهجرة وما إذا كان لسوبا أو غيرها فقد نجح في سوقنا إلى مغامرته الجمالية التي يتضاءل أمامها السؤال ، والثانية: هجرة صليحة من المغرب ، واللافت أن الكاتب في هذه الأخيرة أوغل في التفاصيل والحياة في المغرب قبل الهجرة ، مستخدماً لهجة مغاربية في حواراته وإن لم يكثر منها فإنها أدت مقاصدها ، كما أورد تفاصيل رحلات الصحراء بدقة.
وظنّي – وليس كل الظن إثماً- أن الكاتب عمد إلى مستوى من اللغة أسميه اللغة الفارهة ذات البناء المعماري الشاهق الذي لايعمد إلى الجنوح وكثرة التجاوزات ليتناسب مع فخامة التاريخ والأحداث التي يرويها.
وبالنظر إلى الشخصيات نجد أن شخصيات ( أنفاس صليحة) على كثرتها فإنها تؤدي أدوراً مساندة ثم لاتلبث أن تختفي حتى الجد الذي تدور الأحداث بحثاً عنه يختفي منذ الصفحات الأولى ليظهر في النهاية ، وهذا يكاد ينطبق على شخصية رئيسية أخرى وهي دوانة ( عجوبة) فعلى الرغم من خطورة دورها في الرواية وفي خراب سوبا فإنها لم تشغل مساحة واسعة واستعاض الكاتب عن ذلك بتحريك الأحداث بسرعة منذ ظهورها حتى مغادرتها سوبا المحطمة ، في مقابل ذلك تعج ( ترجمان الملك ) بعدد كبير من الشخصيات الرئيسية ، وهنا أحب التوقف قليلاً عند شخصية الزبير بن العوام التي كانت أكثر شخصيات الصحابة المهاجرين بروزاً ما أعتقده دليلاً على أن الكاتب تخلص من سطوة الحدث لصالح خلق شخصياته بما يخدم عمله .
وعلى الرغم من أن العملين تفصل بينهما فترة معتبرة تاريخياً، والأغلب أن فضل الله أنتجهما في أزمان متباعدة إلا أن هناك سمات مشتركة وخيوطاً غير مرئية تربط بينهما غير المكان سوبا والحدث الرئيسي الهجرة في كليهما ؛ وأعني الشخصيات أو سماتها فهناك الكنيسة التي يمكننا تصنيفها من ضمن شخصيات العمل بما تحويه من مؤثرين في صنع القرار والدور التخريبي الذي قامت به في العملين ، كذلك دوانة/عجوبة في الأنفاس والساحرة سيمونة في الترجمان، ولا أظن أننا سنتعسف إذا قارنا بين هاتين الطفلتين صليحة في الأنفاس وسنجاتا في الترجمان : “وانطلقت تجري نحو بيتها، وكانت قد ربطت شعرها ضفيرتين، وكانتا تتقلبان بالتبادل بين كتفيها الأيمن والأيسر، وهي تجري تهز رأسها يميناً وشمالاً ، وترفع عقبيها بتكلف فيضربان على ردفيها برفق وهي تجري” ( ترجمان الملك ٤٣-٤٤) و “تركضين في جنون صوب ذراعيه المشرعتين لاحتضانك، فردة السباط تطير منفلتة من قدمك اليمنى وتتقلب في الهواء قبل أن تسقط على رمل الساحة، بينما تبقى اليسرى متشبثة برجلك تأبى أن تفارقها، لتجعلك تتعثرين فتسقطين ويمتليء فمك بالرمل لكنك لاتأبهين” ( أنفاس صليحة ٤٣).

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية :نقد

رابط المقال:
https://elaph.com/Web/Culture/2019/11/1271683.html#

القاصة وداد معروف تكتب عن رواية ترجمان الملك لعمر فضل الله


الروائي والمفكر و الباحث و المؤرخ الدكتور عمر فضل الله ، رئيس الحكومة الإليكترونية بالإمارات، صاحب المؤلفات العديدة ، و الجوائز و التكريمات و الشهادات الكثيرة.
مؤلفاته
زمان الندى و النوار ،
زمان النوى و النواح ،
ترجمان الملك ،
حرب المياه علي ضفاف النيل ،
أطياف الكون الآخر،
نيلوفوبيا،
تاريخ و أصول العرب بالسودان ،
أنفاس صليحة(فازت بجائزة كتارا العام الماضي ٢٠١٨ )
تشريقة المغربي (فازت بجائزة الطيب صالح العام الماضي )
قرأت له من قبل أنفاس صليحة فكانت بالنسبة لي فضاء مختلفا للرواية التاريخية و الخيالية في آن، أسلوب برع فيه فضل الله
ثم قرأت له ترجمان الملك، و عشت فيها مع أبطالها في مملكة علوة التي لم يعطها التاريخ المساحة التي تليق بحضارتها و بعدل ملكها النجاشى و ابنه أيضا الملك أصحمة، كانت مملكة علوة أيضا هي نهاية رحلة الجدة صليحة بعد هجرة طويلة من بلاد الأمازيغ بالمغرب و حتي مملكة علوة في رواية أنفاس صليحة ، لكنها في ترجمان الملك كانت المكان و الزمان و الشخوص و الأحداث،
أعجبني الاهداء؛ فقد أهداها للملك النجاشي بن الأبجر. اعجابا بسيرته و عدله
درس عمر فضل الله هذه الفترة التاريخية جيدا و تشربها فأدخلنا إلي مملكة علوة و هو خبير بكل دقائقها، أدخلنا بيوتها و سوقها و مر بنا في حواريها، عرفنا بساحرتها سيمونة و فصل لنا دقائق السحر الأسود الإفريقي، عرفنا المرأة في مملكة علوة ملكة كزوجة الملك أصحمة، و سيدة حرة كأم بطلها تانيشا، سنجاتا الجارية. آحببنا الجد المترجم دلمار، اقتربنا جدا من المهاجرين المسلمين إلي الحبشة، الزبير بن العوام تحدث كثيرا فعرفنا كيف كانت حياة المسلمين في جوار الملك النجاشى ، أطلعنا علي حفاوة أهل علوة بالمهاجرين، تجرعنا مرارة الظلم مع استرقاق الأمير أصحمة بن النجاشي، الرق بشع ، لكن عمر فضل الله جعلك تعيشه بكل تفاصيله مع هؤلاء النساء المخطوفات المتكومات في عربة بائسة و من خلال حوارهم اليائس و البائس عن ظروف خطفهن ترثي للانسان مسلوب الحرية. تتحول لكتلة غضب من تملك البشر للبشر ، شممنا رائحة العربة التي نز ت فيها إفرازات أجساد الرقيق
أوضح لنا عمر فضل الله قول الرسول عليه الصلاة و السلام ( إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد ) دون أن يعظ أو يقولها بمباشرة، و إنما أوصلنا لتلك الحقيقة بسلاسة و جمال، ذاق الأمير أصحمة الرق في أقسي صوره فقرر أن لا يظلم أبدا، ظلم من رجال الكنيسة و من وزرائه و من عمه الضعيف المنقاد فقرر أن تكون مملكته واحة للعدل ، حرم الرق و منعه، أجار المسلمين و آواهم، أسلم معهم،
رواية ترجمان الملك كتبها عمر فضل الله بلغة سهلة سلسة غير متقعرة، و هو المتمكن من لغته العربية، فقد حفظ القرآن و هو مازال طفلا، و كما أخبرني أنه حفظ المعلقات السبع و هو مازال في المرحلة الابتدائية، له ديوان من الشعر الفصيح،
استطاع عمر فضل الله في هذه الرواية و في رواية أنفاس صليحة أن يقدم لنا دور الأديب المنتمي كما يجب أن يكون و يقربنا من حضارة طمرت و نسيها الزمان، بعد أن أماط عنها التراب فبدت براقة مدهشة، و لم استغرب لكتابته عنها، فهو ابن هذه الحضارة فقد أخبرني أنه ينتمي إلى تلك القرية التي منها النجاشي و التي نزل فيها المهاجرون الأول،
الحوار في الرواية بلغ قمة الرقي و دقة العلم في حوار رجال الكنيسة مع أصحمة الملك ، و أيضا مع عمرو بن العاص و الملك ، وكان حوارا لطيفا بين الزبير و بين بطل الرواية سيسى بن أبيلو بن دلمار، و جنح إلي الحزن بين سيسى وحبيبته سينجاتا، و كاشفا و ناقلا للخبرات بين سيسي و جده دلمار ” ترجمان الملك و المحيط بكل أسرار المملكة و تاريخها “
و فاجأنا د.عمر فضل الله في آخر ست صفحات بحقيقة والد سيسي دلمار المختفي من أول الرواية
الحقيقة أن القراءة للدكتور عمر فضل الله متعة عقلية ووجدانية و ثراء معرفي مؤكد ، تعود من الرواية بنظرة غير التي دخلت بها، و هذا هو الابداع الحق
تحية لصاحب القلم الرشيق و لمداده الكثيف الذي يسطر لا نقول حكايات و إنما ملاحم

رواية ترجمان الملك – بروفيسور عبد الرحيم درويش


ترجمان الملك (١)

عندما تنتهي من قراءة الرواية تشعر للوهلة الأولى أنك في نزهة فكرية حقيقية تتحرر فيها من واقع أليم وحاضر أكثر إيلاما بعد أن عشت في حقبة بيضاء ناصعة البياض إبان فترة تاريخية ملهمة شهدت أحداثا تاريخية جساما.
عمر فضل الله كاتب من العيار الثقيل يمتلك جيدا زمام لغته فيجعلك تغوص في أحراش إفريقيا فتتنسم هواءها تارة وتلهب سياط شمسها ظهرك تارة أخري.
يصدمك بواقع مرير بأدغال الغابات فتري الأفيال وقطعان الزراف. يبهرك ويسعدك ببهاء ظلال الأشجار الكثيفة فتري صفحة النيل العظيم تنظر إليك مع زقزقة الطيور التي تسكن هذه الأشجار فتصعد إليها لتنظر في هلع إلي التماسيح التي تحيط بك.
يبني الكاتب في روايته هذه بناء فريدا يختلف تماما عن بناء نجيب محفوظ المغرق في الواقعية، كما يختلف عن بناء يوسف السباعي المغرق في الرومانسية، ويختلف أيضا عن بنيان الطيب صالح في موسم هجرته إلي الشمال وعالمه الحداثي ومفرداته التي تختلف كما وكيفا عن عمر فضل الله.
أزعم بيقين عن قراءة متعمقة ودراسة واعية متفهمة بعيدا عن كل مدارس النقد التقليدية والحديثة وبعيدا عن مناهج النقد المستوردة أن هذه الرواية حالة خاصة في تاريخ الرواية العربية كما أنها فتح جديد في عالم الرواية بشكل عام وعالم الرواية العربية بشكل خاص، وسأحاول أن أثبت زعمي اليقيني هذا بأدلة علمية وبراهين واضحة.
الرواية مكتوبة بلغة عربية سليمة واضحة، وليست هذه اللغة التي تتدفق من بين أصابع الكاتب لغة الفصحي التراثية المقعرة الصعبة المعقدة التي رأيناها في سارة رواية العقاد اليتيمة، أو لغة طه حسين الصلبة الجافة التي رأيناها في الأيام تخلو من حيوية سرد الرواية التي نسعد بها في روايات توفيق الحكيم، ولكنها لغة خاصة بعمر فضل الله.
إنها لغة يتفرد بها لأنها إحدى مبتكراته السردية، فهي أولا لغة يسيرة وسهلة إلي حد البساطة تقترب من لغة نجيب محفوظ في رواياته الواقعية التي تغوص بك في عالم سعيد مهران لصه البطل في اللص والكلاب ولغة حميدة في زقاق المدق ولغة عامر وجدي في المرايا. فاللغة عند عمر فضل الله واقعية سلسة يفهمها الجميع دوت تقغر أو تشدق أو تفيقه.
ولغة الكاتب ثانيا موحية لأبعد مدي. تجعلك لغة الكاتب تترقب وأن تقبل علي مدينته التي بناها بحرفية عالية وهندسة معمارية راقية. تشعر وأنت تقرأ بأن قلبك يدق تأهبا لكل ما سيقع من أحداث. اللغة لدي الكاتب ذات جرس متميز…

ترجمان الملك(٢)

لغة عمر فضل الله ثانيا موحية تدفعك إلي توقع الأحداث منتظرا الخير والشر والحب والخلاص والأمل.
لغة الكاتب ثالثا وظيفية حيث أراد الكاتب أن تكون لغته معبرة أولا عن موقفه وقضاياه التي يطرحها ويريد لها تبريرا، كما يستخدمها لإقناع القارئ بوجهة نظره والوجهة التي يريد أن يأخذه فيها، ولذلك لا يجد المؤلف حرجا أن يقتبس من آيات القرآن والإنجيل كيفما شاء، هذا من ناحية ومن ناحية أخري لغة الكاتب وظيفية لأن المؤلف أراد لها أن تعبر سردا وحوارا عن شخصياته الروائية بكل عمق.
ذكاء الكاتب وموهبته الفذة تدفعك إلي أن تتقبل لغته في سبيل شخصياته للحب أو للتحرر أو للخوف أو للأمل أو للوصف.
لغة الكاتب رابعا درامية. أعني بدرامية اللغة حرصها علي أن تدفعك حثيثا لتجري لا خلف الأحداث وحدها وإنما خلف مكنون كل شخصية بعد أن نجح كاتبها في إبراز كل جانب من جوانبها الجوانية والبرانية والاجتماعية.
السمة الخامسة من سمات لغة عمر فضل الله أنها كائن حي يمكنك أن تراه ناميا وكأنه يتمثل بشرا سويا، وهذا يعني حيوية اللغة وتلقائيتها سردا كانت أو حوارا. فلغة الطفل ليست كلغة الجد، ولغة المحب ليست كلغة التاجر، ولغة الملك ليست كلغة النساء اللاتي أحطن بالملك الذي تم أسره.
اللغة الحية تتضح جليا وتتناثر مفرداتها بين الشخصيات الطيبة فنراها سعيدة فرحة بانتصار الحرية ورجوع الحق لأصحابه، وتتجلي حيويتها أكثر في ربوع سوق العبيد ولدي الساحرة وفي طلاسم الأساطير، كما نجدها حية في أرقي درجاتها مع آيات القرآن الكريم وتشعر وكأنها ذات أرجل تمشي في المناظرة التاريخية بين المهاجرين المسلمين الأوائل إلي الحبشة ضد من أرسلتهم قريش من الكفار لمطاردة مهاجري المسلمين طالبين من الملك تسليمهم.
لغة الكاتب كرؤيته متميزة وتستحق أن يفرد لها العديد من الدراسات السيميائية كجانب مهم في رواية الأديب عمر فضل الله الأثيرة بالنسبة لي كأول عمل روائي له أتعرض بدراسته ونقده وتحليله.
أود أن أوجه نظر الباحثين إلي ضرورة تناول الدال والمدلول في هذه الرواية وصولا إلي القوة الفاعلة وأهمية دراسة مدي قوة التناص في هذه الرواية، وهذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة من سلسلتي عن هذه الرواية الثمينة.

ترجمان الملك (٣)

هل النص هو اللغة أم أن اللغة هي النص؟! لا نريد أن نستفيض كثيرا في هذا السؤال متابعة لأنصار العلامة دي سوسير ورفاقه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا تعد هذه الرواية عملا استثنائيا وإبداعا منقطع النظير يستحق أن نطلق عليه فتحا جديدا في مجال الرواية؟!
ليسمح لي القارئ في محاولتي توضيح نظريتي هذه بأن أقول إن الرواية لا تعد مجرد حكاية لقصة يعلمها الجميع ولا يعرفها المسلمون وحدهم، بل يعرفها كل باحث في التاريخ.
في مقابلة هاتفية بعد لقاء حقيقي مع عمر فضل عمر فضل الله اعترف لي قائلا وهو يبتسم:
” لقد ولدت في القرية التي تدور فيها أحداث الرواية، وكل أهل القرية يعرفونها “
والرواية مليئة بنصوص من القرآن الكريم وآيات من الإنجيل.
لو كان الأمر مشكلة تناص وأن الكاتب لم يضف شيئا من عنده في صفحات الرواية التي تقارب الثلاثمائة صفحة وبالتحديد تقع في مائتين وست وثمانين صفحة، لما اعتبرنا الرواية عبقرية حقيقية علي اعتبار أن الكاتب لم يأت بجديد، لأن ما جاء به لم يكن نتيجة شيطان أدبه ونتاج فكره، لأنه يسرد أحداثا يعرفها الجميع وتتعلق بهجرة المسلمين الأوائل إلي الحبشة واستقبال النجاشي لهم وإكرامهم ورفض تسليمهم إلي الكفار الذين أرسلتهم قريش لردهم مرة ثانية ليسوموهم سوء العذاب.
كما لا تعد الرواية مجرد سرد لآيات القرآن وحجج هؤلا، المسلمين الأوائل المهاجرين إلي الحبشة فرارا بدينهم وهربا بإسلامهم من جبروت و ظلم كفار قريش.
تري لماذا تنجح الرواية في شد انتباه القراء وجذبهم لإتمام الرواية وقراءتها مرة ثانية وثالثة؟!
لعل هذا هو السؤال الأكثر أهمية، وذلك لأني لا أعد الرواية تاريخية ولا دينية، ولكن أعدها رواية إنسانية تتجلي فيها أسمي معاني الإنسانية من كراهية الظلم وكراهية العبودية والرق وإعلاء قيم الحب والعدل والخير والجمال، ناهيك عن اهتمام الكاتب بالمؤثرات الدرامية التي أود أن أفرد لها عدة مقالات جديدة تتعلق أولا بالسخرية والمقالب الدرامية والحب والمفاجآت وتغيير الإيقاع والسمو بالنفس البشرية .
إنها باختصار رواية إنسانية لكاتب أشد إنسانية برواية تنتصر للإنسانية، ولعل هذا أهم سمات نجاح هذه الرواية.

ترجمان الملك (٤)

بين التناص وموت المؤلف…

بعد أن قرأت رواية عمر فضل الله ترجمان الملك عدة مرات وجدتني أقابل رولان بارت وأطلب منه أن أتحاور معه. رحب بي مبتسما وأشار لي أن أجلس قبالته. بادرني في هدوء:
– ماذا تريد يا ابن درويش؟!
– في الحقيقة يا عمنا رولان بارت ..
– هات من الآخر
– أصل
– بلا أصل بلا فصل يا درويش. هات ما عندك
– أصل نظرية موت المؤلف التي فلقت بها رؤوسنا لا تنطبق علي ترجمان الملك
– يا سلام!! نظرية اعترف بها معظم النقاد في زماني وبعد موتي وتقول إنها لا تنطبق علي ترجمان الملك؟!
– أصل عمر فضل الله كتب الرواية بعد موتك بكثير
رأيته يمسك عصاه الغليظة ويجري خلفي منفعلا، وما أن مست عصاه ظهري إلا وأفقت مبتسما!!
والحقيقة أن فحوي نظرية موت المؤلف تنطلق من افتراض مؤداه أن المؤلف لا يأتي بجديد، لأن كل شئ في الدراما عامة والرواية بشكل خاص قد تم تناوله من قبل في أعمال السابقين، كما أن أرسطو وغيره من السابقين تحدثوا في كل شئ وحصروا لنا الأفكار الدرامية كاملة، فماذا بقي للكتاب المتأخرين؟!
ولقد حاول كثيرون التأكيد علي إيمانهم بهذه النظرية، وليس ببعيد أن يصدر جورج بولتي كتابه الشهير عن المواقف الدرامية المكرورة والتي يحفظها كتاب السيناريو والدراما في ستة وثلاثين موقفا دراميا!!
وأزعم أن عمر فضل الله لم يمت، ولعله يحق لي أن أصرخ قائلا:
– عمر فضل الله لم يمت. المؤلف لم يمت.
وهناك العديد من وجهات النظر النقدية التي فجرت في نفس اتجاه رولان بارت، بل وتعدته إلي موت النص وموت الناقد وموت القارئ!!
ماذا بقي للفن إذا؟!
أراني بعد سحب كتبي من المكتبة وانهماكي الشديد في القراءة لنقد نظرية موت المؤلف، تدخل علي جوليا كريستيفا وتمسك بيدي وهي تصيح:
– ابن درويش، أغضبت رولان بارت فهل ستغضبني وترفض نظريتي الخاصة بالتناص؟! المؤلف لا يقول شىئا. كل ما تقوله أو تقول شخصياته قيل من قبل وستجد له أثرا في الأدب من قبل.
ما أن انتهت من كلماتها إلا ودخل علينا باختين. أخذ بيدها وهددني بغضب شديد ولم يلق السلام علي.
خرجا وتركاني أتناعس علي أوراق كتبي حتي أفقت لأتحدث معكم عن السبب الذي يجعلني أرفض نظريتي موت المؤلف والتناص في رواية ترجمان الملك.
والحقيقة أنني أري المؤلف لم يمت في هذه الرواية لعدة أسباب: الأول أن المؤلف فرض شخصيته علي النص وأدخل فيها من روحه الشخصية التي عرفتها منذ أول وهلة قابلته فيها،
يتبع .

ترجمان الملك (٥)

بين التناص وموت المؤلف…

السبب الأول لرفضي نظرية موت المؤلف في هذه الرواية أن الكاتب أدخل علي الرواية من شخصيته وبني بنيانه الروائي بروح منه، فهو هادئ هدوء ترجمان الملك الجد ومحب للحياة حب حفيده لها، ومفعم بالحيوية كالملك الشاب وسنجاتا، كما أنه بليغ الحجة ورافض للعبودية والسحر، ناهيك عن أنه أدخل هويته المسلمة بالرواية للدفاع عن دينه وإظهار الخطأ في الأديان الأخري.
السبب الثاني لعدم موت المؤلف أنه يحب ويكره، وهذا يعني أن المؤلف شخصية حية مفعمة بالحياة إذ ينتصر للإنسانية ولروح التحرر ويكره الرق واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. يحب الخير ويكره الشر ويتضح هذا طيلة الرواية فكيف نقول بموت المؤلف.
ثالثا أن المؤلف نراه مفكرا وحكيما طول الوقت، وليس هذا علي لسان شخصياته وأفعالهم فحسب، بل الحجج المنطقية والتفكير الذي يقودنا إليه باقتدار وخصوصا عند الحوار مع القساوسة وكهنة الكنيسة وعند التفكير بشكل عام بعد نهاية الرواية والثقة بأن هذا الكون لم يخلق سدي.
ورابعا المؤلف ينتقي ويختار مما يؤكد علي حياة عمر فضل الله وخصوصا في هذه الرواية حيث أنه انتقي شخصيات بعينها وركز عليها، في حين أغفل شخصيات أخري أو تجاهلها، ليس هذا فحسب، بل انتقائه البارع للأحداث بلقاء الملك بالساحرة، ثم آلام وقوعه بالأسر، ناهيك عن الحميمية الشديدة بين ترجمان الملك وحفيده والملك.
هذه الانتقائية المبدعة للشخصيات والأحداث تؤكد مع الأسباب السابق ذكرها علي عدم موت المؤلف.
فلنعد إذا إلي التناص مع نظرة لجوليا حيث نؤكد علي عدم صحة فكرتها، والسبب الرئيسي في هذه الرواية أن المؤلف كتبها بلغة عربية سليمة، وفي كثير من الأحيان بالتشكيل ضما وكسرا وفتحا وسكونا وتنوينا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري أن الكاتب عمد إلي اختيار الألفاظ ووضعها في مكانها، حسب شخصياتها فأسلوب كل شخصية يختلف عن الأخري.
دقة الكاتب في اختيار الألفاظ أبعدته عن الوقوع في مصيدة التناص، كما أن اختياره للآيات في القرآن والإنجيل ونسجها في إطار فكري معين يؤكد أن للكاتب رؤية وهدفا يسعي للوصول إليها، كما أن الأصوات العديدة في الرواية والنصوص المقتبس عنها كلها خيوط في يد الكاتب.
الشئ الوحيد الذي يمكن أن تصدق فيه جوليا كريستيفا والذي يحسب علي المؤلف ولعه الشديد والذي يكاد أن يصل إلي درجة العشق بشخصية الزبير التي لم يعشقها حفيد الترجمان ….يتبع

ترجمان الملك (٦)

بين التناص وموت المؤلف

بقية المقال…

أقول أن حفيد ترجمان الملك والذي صار فيما بعد ترجمان الملك ليس وحده هو الذي وقع في غرام شخصية الزبير، ولكن عمر فضل الله أيضا وقع في غرامه وأعجب به أيما إعجاب .
لعل هذا يدفعنا إلي نص ٱخر، ولكنه يتعلق بالسينما، ففي فيلم الرسالة كان مصطفي العقاد مخرج هذا الفيلم العالمي مغرما حقا وواقعا في حب شخصيته الرئيسية، والتي يمثلها البطل عبدالله غيث في النسخة العربية وأنطوني كوين في النسخة الأمريكية، شخصية حمزة بن عبدالمطلب أسد الله.
قد يكون مصطلح التناص هنا صحيحا إلي حد ما، ولكن هذا يدفعنا إلي سؤال أكبر:
ومن من الروائيين لم يحب شخصيات أبطاله؟!
أعترف أنني أيضا كروائي وناقد بأنني أحب أسد الله حمزة والزبير، لأنها نماذج تحب وتعشق.
أعترف أيضا بأنني أحببت كل شخصياتي الروائية وتعاطفت معها. أحببت.سلطان عبدالغني في روايتي الغيبوبة، وأحببت عبدالله المصري في روايتي سارة العسكر وأصداء الخيال، كنموذجين.
أعترف في نهاية مقالتي هذه عن رواية ترجمان الملك للمبدع عمر فضل الله أنني أحببت سنجاتا والزبير وترجمان الملك كما أحببت النجاشي الملك الشاب، ومن قبل كل هذا أحببت الروائي المبدع عمر فضل الله ولعل سلسلة مقالاتي هذه والقادمة منها تلقي الضوء علي رواية أظنها ستخلد في وجدان أدبنا العربي الحديث والمعاصر، ولعل الله قد سخر قلمي لها ليأتي النقاد من بعدي ليوضحوا لي ما خفي عني وليحتفلوا برواية أعدها فتحا جديدا في مجال الرواية العربية ..

ترجمان الملك فن حقيقي (٧)تساءلت كثيرا عن سبب انجذابي الشديد وإعجابي المتزايد برواية ترجمان الملك للروائي عمر فضل عمر فضل الله ووجدتني أحاول أن أجد تفسيرا علميا مقنعا لحبي للرواية الذي أظنه قد وصل إلي درجة الوله، مستعينا في محاولتي بقراءاتي وترجماتي ودراساتي في عالم النقد.
الفن محاولة للتعبير عن الحياة وتفسير الواقع ونظرة ذاتية يحاول المؤلف أن يصبغها بالموضوعية، وكثير من الباحثين حاولوا أن يضعوا شروطا للعمل الفني الناجح، مع علم الجميع ويقينهم بأن أول قاعدة في الفن أنه لا توجد قواعد أو شروط في الفن!!
ومع ذلك فإيمان النقاد بأنه مع الفن لا قواعد، لم يمنع كثيرون من محاولة وضع أطر عامة أو تنظيم حدود تنصف العمل الإبداعي الجيد كالحيدة والموضوعية والإبهار وجذب القارئ و…. إلخ من الأطر النظرية والمحاولات العلمية.
وبعيدا عن هذه الاختلافات العلمية والقواعد المزعومة أعتقد أن هناك شروطا ثلاثة قد يتفق عليها النقاد تجعل العمل فنا يستحق الإشادة به مهما اختلف النقاد: الأول أن يثير العمل الذهن بالتفكير وأن يتسم نتيجة لهذا بالعمق، والثاني أن يثير الأحاسيس والمشاعر النبيلة، والثالث أن يصل بك إلي قناعة تامة بأن كل شئ بالعالم يسير وفقا لتخطيط رفيع وحكمة بالغة وأنه لا شئ يحدث بالعالم سدي بل لابد من حكيم خبير يسير شؤون الكون وينظمه ويديره.
الشرط الأول يتوافر في ترجمان الملك بداية من الصفحات الأولي، فأسلوب الكاتب يتوافق تماما مع مفهوم كتاب الدراما والذي يعنون به الخطاف والكلمة ترجمة للفظة Hook وتعني بالإنجليزية الصنارة أو الآلة التي يستخدمها الصيادون لصيد السمك.
خطاف الرواية يتمثل في قدرة الكاتب علي استثارتك وجذبك إلي روايته متذرعا باللغة القوية تارة وباستثارة عاطفة الحب تارة أخري.
يمتلك الكاتب أدواته الروائية جدا فمن لا يستميله الحب تستميله أساليب أخري ككراهية الظلم، وبشاعة القسوة والحاجة إلي الإحساس بضرورة انتصار الحق وقهر الباطل.
سعي الكاتب أيضا لإعمال العقل في كثير من الحجج الفكرية والمناوشات العقلية في أماكن مختلفة من الرواية.
وبالنسبة للشرط الثاني إثارة المشاعر النبيلة لا الغرائز فنجده متوفرا في مواطن كثيرة من الرواية كحب الابن والحفيد ووفاء الابن والأم والزوجة، بل إنني أزعم أن الرواية مترفة بمشاعر نبيلة راقية سامية لن يعرفها إلا من يغوص في الرواية.
أما الشرط الثالث فيتجلي

ترجمان الملك فن حقيقي (٨)

هناك إذا ثلاثة شروط يتفق معظم النقاد علي ضرورة توفرها في العمل الأدبي ليصبح فنا، وأزعم يقينا بأن هذه الشروط تنطبق حقا علي رواية ترجمان الملك للروائي عمر فضل الله وتحدثت عن الشرطين الأول والثاني بضرورة أن تثير الرواية التفكير وأن تستثير المشاعر والأحاسيس، والآن أتناول الشرط الثالث والذي يعني بأن تصل بك الرواية إلي الإيمان بأن هذا الكون له صانع مدبر وحكيم مقدر وإله مبدع مسيطر.
لا أقصد بهذا أن تكون الرواية داعية لأيديولوجية بعينها أو أن تبشر بدين بعينه، وإنما أن تصل بك الرواية إلي القوة الخارقة التي تهيمن علي هذا الكون لتحتمي فيها بضعفك وتفسر فيها عجزك وتشعر في عظمتها بنقصك.
كثير من قرائي قد يتعجبون فهناك أدباء ملحدون وقراء لا يؤمنون بدين أو يعترفون بإله، ولكن هذا لا يعني أنهم ينكرون الموت، ويعترفون ولو خفية بأنه لابد من قوة حقيقية تسير هذا الكون بنظامه الدقيق المحكم.
ولست هنا بصدد بيان فساد فكرهم أو محاورتهم، ولكن يكفيني قوله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ويكفيني إشعار العمل من يقرؤه بالضمير وإشعاره بلذة انتصار الحق وعودة الحق الضائع، يكفيني إحساس المتلقي وشعوره بالفرح لنصرة الحق وإن كان ضعيفا، واندحار الباطل مهما كان قويا جبارا عالي الصوت. فرحة المظلوم باسترداد الحق من سطوة أهل الشر والظلم والباطل.
إحساسك بسعادة البسطاء وترديدهم وأنت معهم وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
يكفيني أن يفرح القارئ مع شخوصه في الرواية والذين تعلق بهم وأحبهم.
يكفيني أن تسيل دموع القارئ علي الضعفاء الفقراء الذين غدر بهم الظالمون ونقضوا معهم العهود كما تكفيني فرحة نبعت من قلوب المساكين الذين لا رب لهم سوي الله فيدعونه ولا إله لهم سوي الجبار فيرجونه ويتضرعون إليه.
لم أتمالك دمعاتي في كثير من المواضع بالرواية، ولكن ثقتي بأنه موجود إله عظيم رب خالق معبود مطلع علي كل شئ عالم بكل نفس يري ويمهل ولا يهمل يعطي ويهب ويمنح البسطاء الضعفاء وينتقم من الظالمين الأقوياء.
الشرط الثالث هذا يتفق تماما مع مفهوم الدراما وتعريفها حسب أرسطو بأنها محاكاة لفعل نبيل تام لها طول معلوم تؤدي ولا تقال و تثير في النفس الشفقة والخوف لدي المتلقين، وهذا بالفعل ما يطلق عليه أرسطو في كتابه فن الشعر التطهير Catharisis.
وتلمح بالرواية في معظم شخصياتها رئيسية كانت أم ثانوية…

 

ترجمان الملك (٩)

المؤثرات الفنية في رواية ترجمان الملك للروائي السوداني المبدع عمر فضل عمر فضل الله كثيرة ومتنوعة، لدرجة تدفعني ليس فقط إلي إبداء الدهشة، ولكن أيضا إلي مزيد من التعجب والتساؤل عن قدرات الكاتب علي حشد كل هذا الكم من المؤثرات في رواية واحدة!!
كنت في عام ٢٠٠٦ أعد كتابا بعنوان الدراما في الراديو والتليفزيون ثم أعادت دار عالم الكتب المصريه نشره في عام ٢٠١١ بنفس العنوان، وكنت قد كتبت فيه جزء كبيرا عن المؤثرات الدرامية في الرواية، فإذا بي وأنا أقرأ ترجمان الملك في ٢٠١٩ أكتشف أن عمر فضل الله قد جمع كافة هذه المؤثرات بعبقرية فذة وقدرة هائلة تجعلني أضع هذه الرواية في مصاف الروايات العربية الكبري.
يذكر تيم كروك Tim Crook أن من أهم المؤثرات الدرامية التي تجذب الجمهور إلي أي عمل درامي المفاجأة، وإثارة روح المرح والدعابة والتوتر.
نبدأ أولا بالمفاجأة، فالرواية حافلة بكم كبير من المفاجآت والحوادث غير المتوقعة والتي برع الكاتب في أن يصدمنا بها، فعلي سبيل المثال لا الحصر نعرف أن والد الصبي راوي القصة غير موجود ويظن الجميع أنه قد مات، ولكننا نفاجأ في نهاية الرواية بأنه علي قيد الحياة، وعندما تتم مطاردة تاجر العبيد ويتم القبض عليه نفاجأ بأنه والده.
المفاجآت عديدة وكثيرة بالرواية، وقد تنشأ هذه المفاجآت بالصدمة عندما تكون علي غير توقعنا، فمن يتخيل أن يتم أسر ابن الملك وأن يباع في سوق العبيد وأن يضرب أو يهان؟! من يتوقع أن يحمي الملك النصراني مهاجري الإسلام الأوائل إلي الحبشة وأن يدخل في صراع مع الكهنة؟!
المؤثر الدرامي الثاني يتمثل في إثارة التوتر الذي يطل علينا برأسه من أول الرواية وحتي نهايتها، وهو ما يطلق عليه أساتذة الدراما خلق روح التشويق واستخدام حججه المختلفة لجذب القارئ وربطه بالرواية.
روح التشويق بترجمان الملك ترتبط ارتباطا عضويا بالبناء الدرامي المحكم الذي بناه المؤلف بداية بفكرة قوية تلتحم بشخصيات رسمها بقدر بالغ من المهارة مرورا بحبكة قوية وصراع أكسبها زيا براقا يشد القارئ من بداية العمل فيظل متابعا له حتي آخر جملة من جمل الرواية.
التوتر يسيطر علي القارئ لا من أجل معرفة ما سيحدث فقط، وإنما لأنه يرتبط بالشخصيات التي يحبها ويخاف منها وعليها.
الخوف من الشخصيات ينبع من أن تسلك سلوكا خطأ فتحاسب عليه والخوف عليها من تدبير الشخصيات العدائية ومن ثم نظل في حالة حيرة وقلق

ترجمان الملك (١٠)
المؤثرات الدرامية في الرواية
لم يكتف الروائي عمر فضل الله في روايته بالمفاجأة وإثارة روح التوتر والترقب فقط كمؤثرات درامية، ولكنه لجأ إلي استخدام مؤثرات أخري سنتحدث عنها بالتفصيل هنا، وذلك بالإضافة إلي مؤثراته الخاصة بالأسلوبية والدلالية ناهيك عن الشكلانية المفرطة التي تميز الرواية من بدايتها، والتي سنفرد لها دراسة مستقلة فيما بعد وأرجو من النقاد أن يتناولوا هذه الجوانب في دراسات تالية.
أجمل المؤثرات الدرامية الخمسة التي برع عمر فضل الله فيها كما يلي:
أولا الحوار المؤثر والحي والذي يصل في بعض الأحوال إلي أن يكون نابضا بالحياة، والكاتب في هذا يتميز بتطبيق نظرية بيتر مايوكس
Peter Mayeux
حيث يحافظ الكاتب علي الحوار فيبدو وكأنه طبيعي مناسب للشخصية، وتحس بأن الشخصية تتحدث بتلقائيتها وكأن شلالا من الكلمات يخرج منها، والحوار في الرواية لا يعبر عن طبيعة الشخصيات فحسب، ولكنه يعبر أيضا عن تكوينها السيكولوجي والسيسيولوجي، فناهيك عن حيويته تجده دافعا للأحداث وموحيا بالجو النفسي في إطار بناء فريد يجيده الروائي فتشعر لا بنبضات قلب الشخصيات ، وإنما بنبضات قلبك تترقب ما سيحدث. الحوار أيضا دافع للتشويق والاختلاف في البناء الدرامي، فحوار الطفل ولغته يختلفان عن لغة الملك وألفاظ العبيد تختلف عن ألفاظ تجار الرقيق والساحرات، ولغة المسلمين المهاجرين الأوائل تختلف عن لغة الكهنة والقساوسة ناهيك عن مظهرهم وسلوكياتهم.
الحوار طبيعي وتلقائي مناسب لطبيعة المواقف ذو رتم مختلف وتراكيب لغوية فريدة.
ثانيا التشويق المتوازي وهناك أكثر من معني له حيث لا يعني فقط توقع سير الأحداث لكل شخصية علي حدة، بل يقصد به خلق تشويق نابع من التباين لا في طبيعة الشخصيات فحسب، أو التنويع في الإيقاع الدرامي للأحداث فحسب، ولكن الرتم العام للأحداث والشخصيات في آن واحد، ويقصد بعض نقاد الدراما بالتشويق المتوازي الذي طرفاه القارئ كقارئ ومتوقع، فإن صدقت توقعاته مع ما سيره المؤلف من أحداث فرح واستبشر وواصل القراءة، وإن حدث العكس واصل قراءته متشوقا ليعرف الأسباب والمبررات. يذكر بعض النقاد في هذا الصدد أن التشويق المتوازي يحدث لتعارض الشخصيات ما بين طيبة وشريرة، متفائلة ومتشائمة، سعيدة وحزينة، رئيسية وثانوية، والكاتب يصهر كل هذا ببوتقة واحدة ينتج عنها تشويق متواز، والرواية ممتلئة بأمثلة لا مجال لشرحها 

حوار الأديان في رواية (ترجمان الملك) للدكتور عمر  فضل الله! بقلم محمد العكام


          لا شك أن الأنماط الدينية التاريخية التي تتمتع بها رواية (ترجمان الملك) تجعل منها منظومة أدبية لوحدها، حيث أنه تتعدد بها الملامح الأدبية المختلفة، وأن من يقرؤها لابد له أن يعيد قراءتها مراراً وتكراراً، ليستنبط منها دهشة الحكي والسرد التي ترتاب مخيلتك وأنت تقرأ كل هذا الزخم الهائل من المعلومات عن المنسي من تأريخ السودان، ولكن الأدهى والأمر أن تحاول استقراء السهل الممتنع لهذه الأدبيات من مشروع د. عمر فضل الله الروائي وأنت قارئ بسيط.

          فمعنى الحوار في اللغة: مراجعة الكلام وتداوله، والمحاورة: المجادلة، والتحاور: التجاوب، وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام، ومنه قولهم: لم يُحِر جوابا أي: لم يرد ولم يرجع الجواب؛ فمرجع الحوار للتخاطب والكلام المتبادل بين اثنين  فأكثر. والمعنى اللغوي العام للحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين، فإذا أضيف إلى الأديان أصبح معناه ما يدور من الكلام والحديث والجدال والمناقشة بين أتباع الأديان، وهذا يدل على أن معناه عام متعدد الأشكال والصور والأنواع بحسب نوعية الكلام والمناقشة. أما مدلوله الاصطلاحي فهو مجمل غامض، لأنه يستعمل بأكثر من معنى، فهو يحتاج إلى بيان أنواعه والفروق بينها. فعبارة «الحوار بين الأديان» تشمل معنى صحيحاً ومعنى باطلاً يحتاج كل منهما إلى بيان وتوضيح.

          إن مسألة التأريخ تشكل دائماً النموذج الذي يملك المجتمع الدراسات الإنسانية وحقائق التأريخ في قوالب أدبية متعددة الإنتاج، لكن هنا في رواية (ترجمان الملك) شيئاً ما يتمرد علي العقل ويسرح بك الخيال ليمتزج مع الحقائق التي نقبها الراوي في الفترة ما بين 340 ميلادية إلي 600 ميلادية لتأريخ مملكة (علوة) المسيحية في عهد الملك (النجاشي) ملك الحبشة والعلاقات الإنسانية من مرحلة غامضة لتأريخ تم سرده بحرفية عالية من خلال التشويق والتسلسل الحدثي، والإبداع في الحوارات مما يجعلك أحد أبطال الرواية وأنت متاح لك الاختيار كيفما تشاء، وقد اتسمت الرواية بالتشخيص الإيجابي في النضج الفكري لصناعة الرواية ومنهجها الجيد الذي ينم عن عبقرية الراوي. وبحكم أنني لست ناقداً وكوني قارئاً بسيطاً استلهمت الرواية شغفه في أن يسبر غورها، أجدني أتقمص شخصياتها وأعيش دورها، وهي تضفي إلي حبي للدراسات الأدبية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الموفور بين طياتها، شيئاً من المتعة، ثم جذبتني لأعيش نوستالجيا عهد ذلك (النجاشي) الملك الذي لا يظلم عنده أحد كما قال سيد المرسلين سيدنا (محمد) عليه أفضل الصلاة والسلام، وهجرات المسلمين القادمين في عهده من مكة للاحتماء بمظلة عدالته هروباً من قبضة قريش وعذابها.

          لقد استطاع الراوي أن يجمع ما بين الكنيسة (المسيحية) والإسلام في قالب أدبي لحوار الأديان لتلك الحقبة من تأريخ السودان المنسي لــ(مملكة علوة المسيحية) وسكانها الذين كانوا يطلقون عليهم اسم العنج، وهو مؤرخ لا يشق له غبار في ذلك. ويحكي لنا بلسان (سيسي) ابن دلمار بن أرياط (ترجمان الملك النجاشي)، مستصحباً أدوات الشروح والتمحيص في حوار للأديان (Interpath) من خلال نصه المشبع بالخيال والحقيقة، لأن هناك شروط عديدة بين أصحاب الديانات المختلفة، كالدعوة إلي رب السموات والأرض، بالحكمة والموعظة الحسنة والابتعاد عن العنف وكل ما يؤدي له، والتعصب لفريق معين علي حساب فريق آخر، واستخدام العقل وجوهره في جميع الأمور، واعتماد أساليب البرهان الذي يحق الحق ويزهق الباطل. والإقناع أيضاً والإيمان الكامل بالدين ومبادئه الأساسية والأهداف التي جاء بها والتوسع باستخدام العلم في الحياة الدنيوية والدينية، والحث علي الاستقلالية في التفكير. كان دلمار بن أرياط (ترجمان الملك) هو النموذج للكنيسة عندما يأتي العرب إلي الحبشة بغرض التجارة أو غيرها، فأمية إبن أبي الصلت الذي ترك بناته في اليمن وجاء إلي (سوبا) ليحاور الأسقف حول المذهب الذي تتبعه الكنيسة في مملكة (علوة) _والمعروف أن أمية بن أبي الصلت موقفه من الرسول (ص) حينها_ كان مُحباً للسفر والترحال، فاتصل بالفُرس في اليمن وسمع منهم قصصهم وأخبارهم، ورحل إلى الشام في رحلات تجارية وقصد الكهان والقساوسة والأحبار وسمع وعظهم وأحاديثهم، وكان كثير الاطلاع على كتب الأديان والكتب القديمة فاطلع على التوراة والإنجيل كما أنه كان كثير الاختلاف والتردد على الكنائس ورجال الدين، وكان مُهتماً بيوم البعث والحساب والجنة والنار فكان يكثر من ذكرها بأشعاره وأسجاعه، وكان أحد رؤوس الحنفاء في الجزيرة العربية المُنادين بتوحيد الخالق ونبذ الأوثان وما دون الله. والحنيفية قبل الإسلام كانت مدرسة ناشئة تجديدية تأثرت باليهودية والنصرانية وأدركت الوضع السيئ لحال العرب الديني الجاهلي، فالتجأت إلى التوحيد والأمر بالارتقاء العقلي والأخلاقي والثقافة والتعلم، غير أن الأحناف لم تكن لهم عقيدة معينة فكانوا يختلفون بآرائهم ويجتمعون على التوحيد ورقي التفكير، وأمية بن أبي الصلت يُعد أشهر هؤلاء الأحناف مع قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث، وغيرهم. وهنا في رواية (ترجمان الملك) نجد كل ذلك وهو يجادل ويحاور الأسقف والكهنة حول تأريخ الكنيسة ليرد عليه رئيس الكهنة في (صفحة 26 ) من الرواية قائلاً :

(( أنت سمعت القصة المختلفة من أهل غزة يا ” إبن أبي الصلت ” وهم يزعمون البشارة وصلت إلينا عن طريق “متي” العشار حين أمره “بطرس” بالقدوم إلي بلادنا بعد بني كنيسة روما، في العام 62 لميلاد المسيح له المجد، لتنفيذ وصية المسيح بتلمذة جميع الأمم، ولكنني أؤكد لك أن هذه قصة لا أساس لها وأن “متي” تنيح قبل أن يصل إلي بلادنا، وأن من جاء إلينا بهذا النور هو جدي (فرمنتيوس)، بعد أن تمت رسامته من قبل (أثناسيوس) بطريرك الإسكندرية عام 326، وهو أول مطران لبلادنا. وأنت تعلم أنه بعد مجمع (نيقية) ثم مجمع (خلقيدونية)، عام 451 انفصلنا عن روما وغيرها وأنني كمطران لكنيسة علوة لا أتبع إلا للإسكندرية. ))

ثم قال رئيس الكهنة لأمية (صفحة 28):

أنا مندهش من إجتهادك من أجل معرفة عقائد الكنيسة ( يا إبن أبي الصلت ) مع أنك أخطأت فهمها. وعلي كل حال أنت حر في أن تعتقد ما تشاء، ولكن مذهبنا هو الحق الذي أقره مجمع “أفسس” منذ عام 431 ميلادية. … إلخ !

وكل هذا السرد، لم يكن مقنعاً لــ(لأمية إبن أبي الصلت) فجعله ضاحكاً وهو يقول لرئيس الكهنة أنني أتفق معك ولكن كان رأيه مغايراً لأن دلمار كان يترجم (الإنجيل) لأمية ولذلك كان يعتبر أن ترجمة دلمار للإنجيل هي الصحيحة حيث أن دلمار _ حسب ما قاله سيسي _ قال لكبير القساوسة (صفحة 81) من الرواية :

_ ((أنتم تقرأون في الكنيسة من نسخة وصلت إليكم من الإسكندرية وفيها نصوص مترجمة تخالف ما تعلمناه من الكهنة الذين توارثوا هذا العلم منذ عهد (فرمنتيوس السرياني) وتناسيتم الترجمة الحبشية الأصلية التي عمرها أكثر من مائتين وخمسين سنة والتي كتبها فرمنتيوس السرياني باللغة الآرامية لغة المسيح، واعتمدها عيزانا ملك أكسوم منذ العام 340 حين تحولت جميع بلادنا إلي المسيحية. وهي محفوظة عندي. هذه هي الترجمة التي يجب أن تسود في بلادنا وليست الترجمة القادمة من الإسكندرية يا نيافة الكاهن.))

ولذلك كان أمية يستنبط ويستوعب الدروس والمحاضرات من الكهنة والقساوسة عن الكنيسة  أكثر مما يقوله في المقارنة، وبالطبع هي ما كانت ترنو له حينها الكنيسة في ذاك الوقت لتنفيذ الوصية بأن الكنيسة تعلم الإنسان المحبة والتسامح والرفق والاهتمام بالإنسان والحياة واعتبار قدسية الحياة والحفاظ عليها من أجل سعادة الإنسان وأمنه ورفاهيته. والرواية مليئة بالأحداث التي تنقلنا بين طيات صفحاتها عن حوار الأديان. و حوار الأديان هو مصطلح  يُشير إلى التفاعل، والبناء الإيجابي  بين الناس من تقاليد دينية مختلفة، ومعتقدات روحيّة، وإنسانيّة سواء كان ذلك على مستوى الفرديّة، والمؤسسيّة، وهو يختلف عن التوفيق بين المعتقدات أو الدين البديل؛ حيث يتم في هذا الحوار تعزيز التفاهم بين الأديان أو المعتقدات المختلفة لزيادة قبول الآخر، بدلاً من تجميع معتقدات جديدة.

 فعندما زار (الزبير) مملكة (علوة) أخذه (سيسي) بن دلمار ليتجولوا في طرقات سوبا، فــ(الزبير) من أقارب الرسول (ص) وهو إبن خاله، ويصفه (سيسي) ( صفحة 87) من الرواية قائلاً :

(( كان (الزبير) مختلفاً عن كل من عرفتهم من الأصدقاء. لم تبهره روعة سوبا ومبانيها وحضارتها، ولا حتي كنيسة (مارية). ))

فكان الزبير صامتاً بليغاً في صمته، في تجواله مع (سيسي) إلي أن دخلا النيل، وقد يدلنا هنا الحوار التالي لما يشكل علاقة الإسلام بالتسامح بتشريح إيجابي للكنيسة، وأن الإسلام كان دائماً يعلم التسامح ويفرضه حيث وجد. هذا في حين أن بقية الأديان الأخرى، وبخاصة الأقرب إليهم كاليهودية والمسيحية، كانت متعصبة وغير متسامحة، عكس ما كان يتحدثون به، قال (سيسي) ظل الزبير صامتاً ولم يجبني، وخرج من الماء علي الشاطئ ومد يده وغرف من الماء، وذاقه ثم شرب، ثم اغتسل بنفس الطريقة التي رأيتهم يفعلونها في بيت (تانيشا).

_ أنتم تغتسلون كثيراً يا زبير! رأيتك تفعل هذا في البيت.

_ نتوضأ لكل صلاة! هكذا علمنا النبي.

هنا يريد الزبير أن يلقن (سيسي) بسلاسة أن نبيه، كيف كان يعلمه الدين الاسلامي، كما كان يشرح (سيسي) لأمية إبن أبي الصلت ماهية الكنيسة وما تحويه من تقاليد دينية.  قال الزبير بذات الحوار.

_ ولكننا نتوضأ للصلاة، بل نصلي هكذا مباشرة. هل نبيكم نصراني أيضاً يا زبير؟

_ لا لا .. نبينا مسلم ونحن مسلمون.

_ من هو هذا النبي؟

_ محمد بن عبد الله، هو رسول المسلمين! وهو إبن خالي، وزوج عمتي خديجة بنت خويلد.

_ أنت ابن عمة نبي ؟!

إنها دهشة الحوار والكتابة الإبداعية التي أمتعنا بها الراوي، والتسلسل في أحداثها بحيث أنك لا تستطيع أن تنفك منها، وهذا دلالة علي أن الراوي له إستراتيجياته في الكتابة، بالإضافة لأنه يمتلك ناصية من المهارات لتحقيق التواصل والإحاطة المعلوماتية الدقيقة من خلال الخيال والحقائق، للإقناع والتفاعل مع الآخرين داخل النص.

ثم يواصل (الزبير) الحوار مع (سيسي):

_ نعم .. أمي صفية بنت عبد المطلب، وأبوه عبد الله بن عبد المطلب.

وهكذا يسرح بنا الحوار والتخيل. سأل (الزبير) هنا (سيسي) بعد صمت وتفاصيل كثيرة:

_ هل (النجاشي) نصراني؟

_ نعم نعم وكذلك جدي وأمي وأنا.

وكأنما هنا يريد أن يمجد ويفتخر بديانة الكنيسة كما إفتخر له (الزبير) بإبن خاله (محمد) رسول المسلمين، صل الله عليه وسلم، ثم يستمر في مدح جده (دلمار) بأنه يذهب للكنيسة وهو يعرف الأناجيل ويقرأ الكتاب المقدس ، إنه بارع جداً  .. وهو يملك أقدم نسخة من الإنجيل في علوة. توارثها عن أجداده ولكن الكنيسة لا تقدر أن تنتزعها منه لأن لجدي نفوذاً كبيراً عند النجاشي.

          وهكذا تأخذنا رواية (ترجمان الملك) بين هذه الحوارات حتي نهايتها، ولا يمكن لهذا المقال تشريحها كلها، ولكن هذا غيض من فيضٍ كثير للغموض الذي يكتنف التأريخ في هذه الرواية بوصفه معرفة، والتأريخ بوصفه حدثاً هو علامة علي أن التأريخ عبارة عن طريقة منضبطة يريد أن يقولها لنا _  د. عمر فضل الله _ لتصور الماضي. إنها حقاً رواية مختلفة تماماً عما نقرأه في الساحات الأدبية. وهي من روايات التأريخ المشيد بروحية الحداثة والذي بدوره هو تأريخاً تنويرياً يستند إلي تقنيات كـ(البحث في الماضي) والسعي وراء أخلاقيات معينة أرادها الراوي أن تكون سياحية تاريخية روائية بتكنيك المحترف في الكتابة الإبداعية داخل قالب حداثوي كما قرأناه في هذه الرواية التاريخية (ترجمان الملك).

وختماً حاولت جاهداً من خلال هذه الومضة أن أجوس سريعاً مع (حوار الأديان _ Interpath) في ديار مملكة (علوة المسيحية) آخذاً نماذج خفيفة  داخل هذا النص من الرواية التي تجمع أيضاً أنماطاً أدبية أخري .

والله ولي التوفيق والمستعان

                                                                         محمد العكام

                                                                     كسلا _ السودان

                                                                   13/ ديسمبر 2016 م

الصادق عبد الله يكتب عن رواية ترجمان الملك


Alsadig Abdallaترجمان الملك

عندما بدأ تعليقات المعلقين تترى على صفحات التواصل. اكتفيت على استحياء بالتعليق على صورة الغلاف. وذلك أضعف التعليق.. حتى جاء بي العيد. وذهبت وسألت أيكم ترجمان الملك، أيكم دلمار، أو سيسي أو حتى أصحمة. أريد سيمونة وبناتها.. فكان لي.

عزيزي القارئ.. إذا أريد لهذه كلمة أن تكون على هامش رواية ترجمان الملك. فستكون هي الكلمة الرابعة.. من القارئ وإليه. هذا بعد كلمة المؤلف والراوي وكلمة الناشر. ولعمري هنا كلما يلمع ذهباً.

تبدأ الرواية بالترجمان حفيد الترجمان، حيث تعلم الترجمان الجد العربية من اختلاطه بقوافل تجارة العرب المتجهة غرباً في العدوة الغربية من البحر الأحمر. تنقل المنافع في سلع ذلكم الزمان. وتحط في سوبا أو سبأ في العدوة الشرقية للنيل قبل مقرنه الكبير. وقد تعلم الترجمان الحفيد من جده وأخذ منه العلم والحكمة. وقد تجاوزت وظيفة الترجمان إلى الترجمة وأشياء أخرى من شأن البلاط والسياسة. ومنها الوصل بين الملك والرعية (إعلامي داوكاتي)، ثم دخوله عرّاباً وسيطاً لاستراداد العرش وإعادة الأمير إلمختطف إلى عرش والده.

الرواية تروي عن سوبأ. سوبأ عاصمة دولة مكتنزة كاملة التقاسيم. ومن يذكر سوبأ لا بد أن يذكر النيل. بأفراسه ولقالقه وتماسيحه وجزائره، شرقه وغربه.وتذكر الممالك أعلاه واسفله. وما حوله من بلاد. ويذكر تاريخ الملوك. سوبا وشعبها العنج العماليق، هي وريثة سبأ، بمجدها وسحرها. وسوبا بوتقة لغات العالم في وقتها. سوبأ مدينة المنازل الفخيمة والبساتين. كنائسها وأجراسها. مدينة تحيطها اسوارها. مرابط الخيل ودور الجند العنج. والأسواق، أسواق تعج بالجالبين والطالبين. الثياب من جزر أعالي البحار. الدمقس والحرير. الذهب. لم تعرف بلاد في الدنيا بالذهب مثل سوبا العاصمة. قصر السلطان الملك. ومنحوتاته الذهب والمرمر. عاصمة استخدمت العربة والخيول كما استخدمت عجلة الماء (النواعير والسواقي) تضاهي نينوى، دمشق أو روما أو أثينا إن شئت .

عندما أعلنت الرسالة السماوية الخاتمة في جزيرة العرب، كانت أخبارها طازجة، كدتّ أقول صحف الصباح توزع مع زلابيا الصباح. يتداولها الراي العام في سوق سوبا. كان قوم سبأ أو سوبا إن شئت يعرفون أسلاف هذا النبي الخاتم، الذي ملأت شهرته الآفاق. فقد كان هناك أبو طالب، بل كان الجد هاشم من رواد هذه السوق الافريقية. أما آخرا، فقد كان شاعر العرب أمية ابن الصلت يرتاد مجلس الملك في سوبا ويتعبد في كنائسها، ينتظر مقدم الرسالة. حتى قدم المهاجرون بدينهم، باسمائهم ونسائهم. يغسلون أجسادهم يرتلون صلواتهم ويقيمونها ركوعا وسجودا. وكعادة العرب يحتفظون بكامل هويتهم ونسبهم حتى الجد الاخير. وبينهم صبيهم الزبير بن العوام الذي امه صفية بنت عبدالمطلب. والذي صادق وصاحب الترجمان الحفيد (السيسي). وقد قص الزبير كل قصة ما يدور في مكة للترجمان الصغير. ثم عودتهم ورجوعهم شرقاً من حيث أتوا. جاءوا مرة أخرى، ويستقبلهم النجاشي اصحمة بن الابجر، لترسل قريش على إثرهم وفدها ليجادل الملك. وعندما تمددت الامبراطورية الاسلامية كان كل شيء هادي في الميدان الغربي (افريقيا).

الرواية ملئية بالفعل السياسي. التنصيب. المكيدة. الحرب.الاختطاف. سطوة المؤسسة الدينية ونفوذها في تعيين الوزراء دون اعتبار لمؤهلات أو كفاءة. وهم شرهون للثراء بكافة الوسائل. ومكيدتهم لازاحة الملك واختطاف ولي العهد. والسحر والاتجار بالبشر. بل وشن الحرب على الملك القائم. والرواية تتوسع قصة اختطاف الأمير. تدبيرها. بيعه. نقله. معاناته. دعائه. وانفراج أمره وعودته للعرش. كأنها قطعة من رواية أليكس هيلي (الجذور). الرواية دائرية. الملك الصغير يظهر في بداية القصة كملك ثم يأتي لاحقا الحديث عن اختطافه ثم عودته للحكم. والراوي الترجمان يحكي عن جده الترجمان..

بالرواية وصفات كاملة لبعض فلكلور مملكة سوبا: مبروكة بائعة الروب، جنازة دلمار (الترجمان الكبير)، حمام الدخان والدلكة. زفة العريس (السيرة)، بل وصورة جزيرة التمساح المزبلة المتسخة .. ضفادع، خنافس، ونباح الكلاب (ألا زالت جزيرة التمساح متسخة؟)

ومفردات النبلة، القلابة، الدردور، المسقوفة (الراكوبة) الطهارة (الختان)، ساري الليل. جزيرة التمساح. شطة القبانيت (شطة سودانية، أم حبشية أم كلاهما). البرذعة (البردعة).. اليرابيع (الجرابيع). المدرة. متمطق (تحريك اللسان). محفظة (محفضة). المرق (العمود). الدانقة (الغرفة). التُّكل.. المرحاكة (المحراكة). البرجوب. استقاء الماء من النيل بالجرار. والنسوة يغسلن الملابس باقدامهن.

رواية ترجمان الملك عن دار نهضة مصر، عن عمر فضل الله. كتاب يتأهل لمقولة ابن قدامة المقدسي.. حمل الاسفار في الاسفار. فهو كتاب بحجم جهاز التلفون (تاب فور). سهل الإدارة، في بيتك أو جيبك أو حقيبتك. صفحاته من الثلاثمائة أقل قليلاً. جاءت رواية ترجمان الملك، كما قيل عنها في مسار الروايات التي مدارها التاريخ. تصنع من حقائق التاريخ خبزاً ومتاعا حسناًً. ذكرتني الرواية فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي.. ورجال حول الرسول لخالد محمد خالد، والذي كتب فيه السيرة بصورة أقرب للدراما. ثم ذهبت بي ترجمان الملك إلى أليكس هيلي في رائعته الجذور.

ترجمان الملك لها قابليتها للتوسع في الجغرافيا والتاريخ والفلكلور والسياسة. لها قابلية أن تلتهم قصص الرحالة الذين صعدوا أو هبطوا مجرى النيل.. الذين وصفوا النيل، هضابه ووهاده وشعوبه الطوال منهم والقصار. يمكن لرواية ترجمان الملك أن تنمو من الداخل. أو نحو الممالك المجاورة. أو نحو التاريخ اللاحق إلى عهد الفونج، بما في ذلك قصة الخراب الشهيرة.. وكفيلة بأن تدخل عهود لاحقة حتى إدريس ود الأرباب وحسن ود حسونة ورثاء سوبأ. ولها مرونتها أن تصبح فيلماً أو مسلسلاً مسموعاً أو مشاهداً بكامل صوره، مشاهداته. والرواية بدون شك ستجد موقعها في سنار عاصمة الثقافة.. عاش ملكنا أصحمة. وعاش كاتبنا عمر بن أحمد بن فضل الله.

الصادق عبدالله عبدالله
20 سبتمبر 2016

هيثم أحمد الطيب: رواية ترجمان الملك هي الطريق لتحقيق المعرفية


رواية (تُرجُمان الملك) للروائي دكتور عمر فضل الله،ليست قراءة للتأريخ أو توثيقاً له،هي التحالف بين ذلك مضافاً له حركية سردية تعرف كيف تفتح للقاريء مسارات اكتشاف الرواية نَفَسَها وصخبها..
الرواية (معرفة)،ثم متعة قراءة سردية،واكتشاف لعالَم ثاني وروائي يكتب للاكتشاف وليس للإمتاع فقط،وهنا الفرق بين رواية معرفية ورواية للقراءة فقط..
كثيراً ما كنت أقول لطلابي وطالباتي في الدورات التدريبية الإعلامية إن (الرواية المعرفية) حركية إعلامية حقيقية،والأعمال الأدبية هي (معرفة)،للتأريخ والانسانية..
نفتقد فلسفة ورؤية (الرواية المعرفة)..
الرواية (فكرة وخيال)..
الخيال (معرفة حقيقية)..
فلو كان الخيال مع الحقيقة التأريخية في تحالف سردي،فهذا هو جمال (الرواية المعرفة) التي نحلم بها..
(تُرجُمان الملك) تحقق الفكرة المفتقدة في عالمنا،أن تكون لنا فلسفة معرفية في الرواية،لليقين أن الرواية تشكل رؤية إعلامية،والمعرفة من باب الإعلام تأتي..
قرأت رواية (تُرجُمان الملك) وفي ذهني سؤال : هل تحقق هذه الرواية (رؤية معرفية،مضافاً لها خيالاً سردياً)..؟
واكتشفت تحقيقها لذلك..
تطورنا المعرفي يتحقق بهكذا روايات..
تطور العالم معرفياً يتحقق برؤية أن تكون الرواية باباً للمعرفة والعلم..
لماذا لا تحقق الرواية السودانية هذا الحلم،يمكن أن تحقق معرفة وامتاعاً في تحالف بين الحقيقة والخيال..
الرواية بجدلها ووزنها بين أجناس الأدب هي الطريق لتحقيق (المعرفية)..
وانتاجنا الروائي السوداني يبدو كثيفاً بعض الشيء،فحلمنا فيه تحقيق (معرفية بنا وبإنساننا،ثقافتنا وحركتنا كلها)،معرفة كثيفة وقليلاً من خيال يجعلنا نقول للعالم (هذه رواياتنا)..
هكذا نحن..
وهذا هو الحلم..
برواية (تُرجُمان الملك) للروائي الدكتور عمر فضل الله تحقق بعض الحلم..
معرفة بتأريخنا،ثم خيال بين ثنايا التأريخ يحكي ثم يحكي..

حول ترجمان الملك – سارة عبد الله محمد


السلام عليكم أستاذي د. عمر فضل الله

قرأت الرواية بتمهل وعايشتها وأحببت عمقها وتفاصيلها …. أعجبني أسلوبك الرائع ورصانة اللغة ودقة التصور والتصوير. جزيت خيراً أيها الراوي لموافقتك علي العودة لتروي، وليتنا نستطيع أن ننبش القبور ونجد حضارتنا

عذرا نيلنا العظيم علي طول الإنتظار  وصبرك  وأملك في أن يستنطقك أحد، وليس من مبالٍ..

نحن كما قال (سيس) بارعون في القضاء علي كل جميل …. تميزنا بالفشل في الحفظ علي قيمنا دعك من حضاراتنا

أين ذهب كل هذا يا (سيس) .. أين العاج والذهب؟ ، أين الأبنوس وريش النعام؟؟؟  وحتي الصمغ أبت الهشاب أن تبكيه بسخاء كما السابق.
Sara Abdalla1لي بعض الوقفات التي كان لها أثر في نفسي أذكر منها:

  • عايشت وصف تلك الحقبة من زنجية وإنفعالات وحب وهيبة وحضارة ورقي وقيم ، والذكريات …. جميلة ذكريات (سيس) عن جده (دلمار) ،،، وجميل لقاءه ب (سنجاتا) بعد كل تلك السنوات ،،، فذكرياتنا دائما تجرنا للماضي.
  • رائع وصف هيبة (دلمار) عند إستقباله للقافلة العربية بزعامة عثمان بن مظعون ، وفي صياغتك أنه رحب بهم بالعربية ، أحسست أن ماذكر هو عربي فصيح
  • عمتمصباحاً . أهلاً ومرحباً بكم، مَنْ القوم ومن أين قدمتم؟
  • ونعم القوم ونعمت البلاد ، أنا ” دلمار بن أرياط” ترجمان الملك النجاشي ” أصحمة بن الأبجر” ! نزلتم أهلاً وحللتم سهلاً.

وأن ما ذكر مختلف عن لغة باقي الرواية.

  • لفت إنتباهي ما صورته عن حياة (الزبير) في لقائه مع (سيس) وصداقته به، حيث عكس جانب آخر لحياة الصحابة بشكل مختلف عن ما قرأته دوماً عن الصرامة والحزم،، فهم يتسامرون ويمرحون ويلعبون.
  • ذكرت بتفصيل وعمق وصف (دلمار) الدولة ل (سيس) وفرض الكنيسة فسادها بإسم الدين والتعيين بالولاء وليس الكفاءة ، هو وصف مشابهه لحال دولتنا اليوم بخلاف خلووها حتي من ملك عادل أو رجل رشيد.
  • عصارة خبرة (دلمار) بوصاياه لحفيده هي بمثابة منهج لكل قائد، دبلوماسي ، سياسي وإستراتيجي ( إعمل في صمت – إفتح عينيك جيداً ، إشتر ولا تبع ، إسمع ولا تتكلم ، وضع نفسك مكان عدوك ، أنظر كيف يفكر واستبق الأحداث ).
  • وصف مكتب الترجمان يعكس المستوي الإداري الرفيع والسلطة التنفيذية بمعناها العميق لإحتوائه علي :

–         الإرشيف

–         مفاتيح إقتصاديات الدولة

–         المخاطر والمهددات

–         إدارة شؤون الأفراد بالقصر

–         المخاطبات والمكاتبات الواردة والصادرة

–         كتم الأسرار

سلطت الرواية الأضواء بعمق على كيفية نقل المعرفة من جيل لآخر، وضرورة الإهتمام والتفرغ للجيل الجديد وإعداده الإعداد الجيد لحمل الرسالة وأن كل ما تبذره سينمو يوما ويزهر ، كما أني أري ان الجهد المبذول في تربية أبناء الحسب والنسب وتربيتهم وتعليمهم بكفاءة ينتج منهم قادة مؤهلين أكثر من غيرهم للإدارة والقيادة، بخلاف حال قياداتنا اليوم الهشة ومستجدي النعم، ليحكموا بعقلياتهم القاصرة وأهوائهم الشخصية وقصر نظرهم وتفكيرهم ورؤاهم وبعدهم عن القيم والأخلاق وعن الزهد هو ما أضاعنا،، فأصبحنا في زمان يعاب فيه صاحب الأخلاق ونفخر بصاحب المفسدة.

  • رغم أن أصحمة هو أمير …. إلا أن وضعية الذل التي عاشها ووصفه لنفسه وهو عبد مباع ، يأكل كما يأكل الكلب، كانت نقطة تحول كبير في حياة الأمير أصحمة لتجسد أصحمة الإنسان العادل الذي لا يظلم أحدا. وهي الجزئية المكمله في إعداد وتنشئة القائد الحقيقي من وجهة نظري.
  • الأسلوب رائع وتصويري وعايشت الأحداث كأني جزء منها من لحظات الفرح والحزن، والخوف والترقب .. ومن أمثلة ذلك ترقبي عودة الزبير بالخبر اليقين عندما بدأت الحرب، وعندما لوح بثوبه وصاح بصوت قوي ونقل البشارة، قلت لا شعوريا : الحمد لله.
  • الرواية أجابت علي تساؤلات كثيرة، أهمها ما استغربته عن حضارات وقصص الأحباش والنجاشي وإيواء العرب المسلمين ، وأن أثيوبيا لا تزال بلداً مسيحياً ! ! !
  • صححت الرواية عدداً من الأحداث التأريخية الكبيرة التي كنت أعلمها بشكل مغاير.
  • علمت من الرواية بروعتها أن التاريخ والحضارة العظيمة والملك النجاشي هو إرثنا نحن،،،،، نعم هو نحن وليس سكان أثيوبيا
  • من الجيوش القوية ،،،، هؤلاء نحن
  • من عادات الزواج والختان والولادة والدخان النسائي ،،،، هؤلاء نحن
  • من أجواء الفرح وقرع الطبول والنحاس ،،،، هؤلاء نحن
  • من حسن الإستقبال والكرم ،،،، هؤلاء نحن
  • من السحر والسحرة ،،،، هؤلاء نحن
  • من إنصهار العرب المهاجرين لاحقا مع أهالي علوة ،،،، هؤلاء نحن
  • وثقت الرواية العديد من الأحداث المهمة والإرث الحضاري لحضارتنا كشعب
  • أحببت الرواية وأنا من من يتعلق ببعض الروايات التي أقرأها عادة  وأعاود قراءتها مرات عديدة … ومؤكد أني سأعاود قراءة هذه الرواية لمرات أخري.
  • أحببت دلمار وسيسي وتانيشا وأبيلو الغائب ، وحتي سيمونة الساحرة وأسرارها ، وفاق حد الوصف حبي وإعجابي بسليل الملوك ومجسد العدل والهيبة (أصحمة بن الأبجر)

 

قراءة نقديّة تحليليّة لرواية ترجمان الملك الأستاذ الأديب/ عبيد المجذوب


Alobaid_Majzoubفي تاريخ السودان فترات تستحق الوقوف عندها وكشفها لما فيها من أسرار وتعتيم، أو مسكوت عنها وبعض تاريخنا منسوب لغيرنا. بعضه طمرته الصحراء، وبعضه طمرته البحيرات سواء عن عمد أو عن جهل، وكلّ هذا يجب الوقوف عنده. وقد حاول روائيون معاصرون التعرّض لمثل هذا الشيء مثلما تعرّض له الأخ الصديق “الزين بانقا” في روايته (ثورة العبيد). و(زهرة الصبّار). والروائي الرائع “حمور زيادة” في روايته (شوق الدرويش) تعرّض لفترة دقيقة نهايه العهد التركي وبدايات الثورة المهديّة وفترة “عبد الله التعايشي” والفوضى التّي صحبتها. وكذلك الأخ الروائي الدكتور/ إبراهيم جبريل في روايته (رحلة الشركسي من الشيشان إلي شيكان). تعالج ذات الفترة من نهاية الحكم التركي وفترة المهديّة وحتّى نهاية عهد “عبد الله التعايشي”. والآن الروائي الرائع الدكتور “عمر فضل الله” في رائعته “ترجمان الملك” ….

• المقدمة عبارة عن مدخل لنبش مقبرة بـ”سوبا” وجعل الشابّ “سيسّي بن أبيلو بن دلمار” يستيقظ من قبره ليروى لنا حكايته، وهي لفتة تكنيكيّة ذكيّة من الكاتب شبيهة بلفتة “يوسف زيدان” حيث استحدث لفتة تكنيكيّة ذكيّة مدعياً أنّه عثر علي مخطوط قديم وهو لا يفعل شيئاَ سوى ترجمة المخطوط.

• لاحظت أنّ الرواية تحتاج لجرعة أكبر من اللغة الأدبيّة بدلاً من اللغة الأقرب للغة الإعلاميّة.

• الرواية المعاصرة بعيدة عن استخدام الزمن الخيطي المتتابع، لا بدّ من تكتيكات أخرى مثل الفلاش باك والحوار، والتقطيع وتداخل الزمن. وتداخل الأمكنة والرسم بالكلمات، والإهتمام بموسيقى المفردة والعبارة، واستعمال اللغة الصوتيّة حتّى تكون الرواية بحقّ هي (ديوان العصر) قادرة علي استيعاب كلّ الأجناس الفنيّة؛ من قصّة قصيرة ومسرح وشعر وتشكيل وموسيقى. • بناء الشخصيّات منتهى الروعة؛ مثل “دلمار” و”سنجاتا” و”تانيشا” كما أنّ الأسماء موسيقيّة وتجمع بينها علاقات حميمة ومدهشة.

• يجب أن يتذكّر الكاتب أنّه يكتب للمتلقّي العادي، وحتّى للمثقف العادي، لا للصفوة أو صفوة الصفوة؛ من غيرهم يفهم أنّ “سوبا” عاصمة الحبشة هناك قلّة قليلة جدّاً يدّعون أنّ الهجرة الأولى كانت للسودان “علوة” ربّما وليست للحبشة… مَن غير “عبد الله الطيّب” و”حسن مكّي” وأمثالهما يمكن أن يناصر هذه الإدعاءات؟ الإنسان العادي يعرف أنّ الحبشة شيء غير السودان..غير “علوة” وأنّ “النجاشي” ملك الحبشة وعاصمته غير “سوبا”، أنا أتفهّم قصد الكاتب جيّداً لكن ربما يجد هذا الوضع رفضاً من البعض؛ ربما يعتبرون أن تكون “سوبا” عاصمة الحبشة مجرّد هراء. بعض المثقفين الإرتريّين يدّعون أن المهاجرين نزلوا في “مصوّع” التي قطعاً كانت وقتها تابعة لـ”علوة” وكما يدّعي البعض أنّ أحد المهاجرين تزوّج من إرتريّة وأنجبا بنتاً سمّياها “زينبش” وأنّ إحدى حفيدات “زينبش” هذه اصطادت سائحاً روسيّاً تزوّجها وأنجبا طفلاً هو “بوشكين” شاعر “روسيا” الأشهر، وأنّ “بوشكين” يتفاخر دائماً بالدم الحبشيّ والدم القرشيّ الذي يجري في عروقه، وأنا أتفهّم التداخل بين “علوة” و”الحبشة” “علوة” تمتدّ إلي مناطق شمال غرب بحيرة “تانا” وجنوب شرقها حتّى “قندر” وأنّ “عيناتا” كان يسمّي نفسه ملك الحبشة وحضرموت وبلاد “تنهسو” يعني (الحبشة واليمن والسودان) لكن علي الكاتب أن يحسب مثل هذه الأمور حساباً دقيقاً في مثل هذه الروايات التّاريخيّة

• في الرواية المعاصرة ما يسمّي اللغة الإشاريّة؛ أن تستدعي أشخاص ومواقف وأحداث بلغة الإشارة دون استعمال أيّ تقرير؛ أن ينادي “سيسّي” أمّه : يا “ماكدة”! الكاتب هنا يستدعي “بلقيس” ملكة “سبأ” وكلّ الإشارات الحبشيّة أنّهم من نسل “بلقيس وسليمان” فـ”بلقيس” في “سبأ” يسمّيها العرب “ماقدة” لاحظ الإشارة الصوتيّة، لا فرق سوى لكنة الحبش. العلاقة الحميمة بين “سيسّي” و”الزبير” وإعجاب “سيسّي” بأخلاق العرب وصلاتهم ودينهم الجديد وإعجابه بزجر جدّه لرئيس الكهنة، وكون “سيسّي” مستشار “النجاشي” فيه إشارة ربّما لاعتناق “النجاشي” للإسلام دون أن يقرّر ذلك قولاً. • الإشارات الذكيّة والإستشهاد بآيات التوراة ما يفيد بقدوم “المسيّا” وحديث الساحرة “سيمونة” عن قدوم “شيلون” وأنّ “المسيّا” من خارج ملة اليهود وهو من أبناء “إسماعيل” أي العرب مما حدا باليهود لتزوير التوراة حتّي يكون النبيّ من أبناء “اسحق” وليس من أبناء ” إسماعيل” ونسوا أن يعدلوا (ابنك الوحيد) لأنّ “إسحق” لم يكن ابن “إبراهيم” –عليه السّلام- الوحيد عندها فـ”إسماعيل” أكبر من “إسحق” و(ابنك الوحيد) تعني “إسماعيل” وليس “إسحق” فأسقط في يد اليهود.

• حبّ “تانيشا” لزوجها الذي افتقدته وحسرة “سيسّي” على أبيه جميل هو إخفاء كيفيّة موت “أبيلو” إلي النهاية يشوّق القارئ أن يقرأ ويقرأ علّه يكتشف كيف مات “أبيلو” وكما يبدو لي فإنّ الكاتب تعمّد عمليّة الإخفاء كنوع من التكنيك الداعم لعمليّة التشويق والبحث.

• “ديمونة” والفتاة العربيّة التّي أرسلها والدها اليهودي “لبيد بن الأعصم” لتتعلّم السحر في “علوة” “سوبا” فيه إشارة ذكيّة للعلاقات بين العرب والسودان حتّى قبل الفتوحات الإسلاميّة.

• بعض الأحداث الغريبة مثل ذهاب الأمير “أصحمة” بن النجاشي مع الساحرات الصغيرات إلي جزيرة “التمساح” وكيف خدّرنه بـ”الخشخاش” وعبثن به، وزيارته للكنيسة وتقبيل الراهبات له وأنّ إحداهنّ قبّلته في فمه قائلة أنّ هذه قبلة مقدّسة، والغرف داخل الكنيسة ممنوع الدّخول فيها، وفي الكنيسة غرفة خاصّة بالساحرة “سيمونة” رغم عدائها لكبير الكهنة …إشارات لمعتقدات شعب “علوة” المتناقضة بين الوثتيّة والنصرانيّة. • مشهد الجولة في سوق العبيد مع “أبرهيت” ومن بعدها اختطاف الأمير “أصحمة” مشهد رائع مؤثّر تمّ رسمه بدقّة واحترافيّة شديدة … وتجارة الرقيق من القضايا المسكوت عنها في تاريخ السّودان، وقد أبدع الكاتب في كشفها وتصويرها وتعريتها.

• رحلة أصحمة مع العبوديّة كانت مدهشة لكن أن ينقذه “دلمار” كانت مفاجأة لي (تحسب للكاتب). • العادات والتقاليد وبعض الملابس تمّ عرضها بتقريريّة، يجب أن تأتي من خلال حياة النّاس العادية كأن تدعو “ناتيشا” إحدى العربيّات لحفرة الدخان ثمّ يأتي التعرّف عليها وهكذا. • الحوار بين كبير الكهنة وسيسّي أكبر من “سيسّي”. وعلي وجه العموم: الرواية جميلة… جميلة… جميلة!

ترجمان الملك لعمر فضل الله – مزيج من روعة التاريخ وأصالة أهل السودان – د. إيمان شريف


Iman Sherifكل مهموم بوطنه عليه أن يقرأ (ترجمان الملك) لعمر فضل الله

كما يقال دوما إن الحضارات تنمو وتزدهر علي ضفاف الأنهار .. أما نيلنا وأرضنا الخضراء مهد السنا فلم تكن أرض حضارات وحسب وإنما كانت تحولات في تاريخ البشرية والإنسانية كما تشير إلى ذلك رواية ترجمان الملك، إذ يستهل الكاتب روايته بنص استراتيجي بأن الرسول الكريم في دبلوماسيته ونظرته البعيدة اختار أن يؤمن ظهره إلى أن يستقر الحال بالدين الجديد، فقد كانت سوبا وعلوة أرض خير وفير وقوة كبيرة، فجنودها العنوج وإبلها البجاوية مصدر خطر .. ذات الإبل البجاوية والعنوج في عصور لاحقة صنعت لبلادنا مجداً تغني به أهل الإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس (الفزي وزي fuzzy wuzzy ). فما كان لدى علوة من عز وسلطان لم يكن لدي بلاد العرب الذين كانوا يأتون مهاجرين. وكما أورد الكاتب في المقدمة أن كل ذلك كان من الدبلوماسية السلمية .. عندما قدم المهاجرون بدينهم من بطش أهلهم مكثوا وسط الناس فكسبوا عقولهم وقلوبهم (They won their hearts & minds) بحسن خلقهم وكما كان يقول أهل هذه البلاد إن القادمين على غير المعتاد ليسوا مثل من يأتون عادة للتجارة فأؤلئك كانوا أفظاظ وعندما يتأمل القاريء ويربط بين حديث المؤلف والراوي فكأنما فعلاً قد تم انتقاء هؤلاء المهاجرين لرسالةٍ ما.. كان لابد أن تصل السيدة التي تزوجها النبي من أرض علوة والتي سافرت بكامل عدتها وعزوتها وخدمها وحشمها وكان قد خطبها له النجاشي ودفع مهرها “يعني بالأصول” .. ربما ارتأى النجاشي أن في ذلك التحول خيراً له ولبلاده لذلك لم يمانع في أن يتزوج النبي من المهاجرين الذين في كنفه والذين هم من رعاياه وربما فكر النجاشي في أنه للمستقبل هذا الجوار الجديد وسيلة ما للافتكاك من النفوذ اليهودي/الروماني الذي كان يخنق بلاده ويهدد ملكه..

 كتب مسرحي بحريني موخراً عن عشقه لبلاد السودان فذكر أن أباسفيان لو كان قد توجه إلى بلاد (السودان) بدلاً من بلاد (البيضان) لازددنا رسوخاً وأصالة، تماماً مثل إنسان السودان ..

Torgoman_in_Winterشخصية الجد (دلمار) المستنير المتنور العارف المترقب المتواضع هي شخصية كل رجل سوداني يمشي علي قدمين. وطريقة نقل العلم الى حفيده (سيسي) ما زالت مثلما يحدث عندنا.. وكما قال الأديب الراحل الطيب صالح: “نحن قوم أنبياء”..

عندما صلى العرب في بيت (تانيشا) لم تكن ممارسه غريبة على أهل علوة فقد قالوا هكذا كان يصلي المسيح عليه السلام.. مجتمع سوبا أثقلته خطيئة الرق والاسترقاق والتي كانت تتم بإشراف الكنيسة وتهدد سلطان الملك والمجتمع. فأسرة سيسي كذلك كانت أحد ضحايا تلك التجارة البغيضة.

موخراً كتبت السيدة (فيرجس) الباحثة عن عهود تجارة الرقيق كتبت تقول إنه قد تم استرقاق ثلاثين مليون مواطن إفريقي وتم بيعهم في أوروبا وأميريكا ليبنوا ويعمروا للبيض مدنهم هناك وكان ذلك بموجب قانون وضعته الكنيسة .. كان ملك علوة قوياً ذا سلطان لكن القوى الروحانية الأعلى كانت تأتي من الكنيسة في الإسكندرية إذ كان ولاء الوزراء للسلطة الكنسية أكبر من ولائهم للملك. يقول فيكتور هوغو (إن العلاقة بين الملك ووزرائه مثل العلاقة بين الزوح وزوجته وعشيقاته، فالزوجة لا تعلم شيئاً أبداً..) مشهد النساء العربيات ومجالسهن يحكي كيف أن الاندماج والتوحد قد حدث بكل إخاء ومحبة بين أؤلئك المهاجرين ومجتمع سوبا فهم قوم التقوا وتحابوا في الله وهكذا فعلاً دخل الإسلام السودان.. مجلس النساء منذ ذلك الزمان ومشهده في الرواية ما زلنا نراه في مجالس أمهاتنا وجداتنا (حبوباتنا) ففي ترجمان الملك كانت النساء العربيات يملن إلى الجلوس والحديث بينما واقع نساء سوبا وعلوة  يختلف قليلاً إذ كانت النساء دوماً مشغولات.. ومجالس نسائنا اليوم وغداً تجمع بين هذا وذاك ففريق منهن ينصرف لتقاسم العمل وفريق آخر يجلس ليسامر ويتآنس ويحكي.. الرواية تحكي عن زينة النساء السودانيات في ذلك الزمان القديم (Sudanese ladies toilet) والذي بقي كما هو منذ ذلك الزمان وربما منذ زمان أقدم لم يتغير.. وذكر (التواليت) النسائي هو إشارة الى مستوى الرقي والحضارة التي كان يتمتع بها القوم وما زالت ذات الطقوس سارية كما يقول الفرنجة (nous sommes un pays à l’etat brut) (نحن كما نحن لم نتغير).. بلادنا كانت دوماً تأكلها الدسائس ويقع أهلها في الشرك.. مشهد المهددين لعلوة والذين كانوا يتجمعون لمحاربتها تكرر مراراً وتكراراً حتى في زماننا الحديث هذا وما زلنا نعيش تبعاته.. كان اليهود في انتظار ظهور النبي الحديد كما أخبرتهم التوراة وكانوا يتحسبون لذلك ولم يكونوا يعرفون في أي البلاد سيظهر فقد كانت هناك إشارات عامة ومبهمة للمنطقة التي سيظهر فيها لذا توزعوا ما بين اليمن والجزيرة العربية وأرض علوة والحبشة وفي داخل علوة نصبوا سمومهم فالساحرة الشريرة (سيمونة) هي نفس المشهد يتكرر في زماننا هذا ولو في صور وأشكال مختلفة. وبعدما ظهر الدين في بلاد العرب وعرفت الوجهة بدأوا في سحب الثروة وتجريد علوة مما لديها وما زال هذا يحدث..

 شجرة الحب بين (أبيلو) و(تانيشا) كأنما هي الشجرة التي أظلت سيدنا آدم وأمنا حواء عندما نزلا إلى الأرض.. وربما سوبا أو علوة هي حقاً أرض اللقاء فسوبا بكل تفاصيلها تشبه أرض اللقاء..

الرواية حدثت عن مشهدى حب بين (سيسي وسنجاتا) و (أبيلو وتانيشا) بعد عودة الغائب..

د. إيمان شريف – المملكة المتحدة

خواطر عن رواية ترجمان الملك للدكتور عمر فضل الله – كتبها د. إبراهيم جبريل آدم


Ibrahim_Jibreel_Adamانطباعات هاوٍ للأدب الرفيع
د. إبراهيم جبريل آدم

  • غاية كلّ راوٍ وكاتب أن يترك نصّاً يخلّده التّاريخ وهو ميّت؛ أحسب أنّ ترجمان الملك يحقّق ذلك.
  • النّص تغلب عليه اللغة الإعلاميّة الإخباريّة لا الأدبيّة، غير أنّ السلاسة وجمال التصوير وغرائب الحقائق وسبك الحكي سدّ مسدّ اللغة الأدبيّة.
  • من الناحيّة الأدبيّة: السبك جيّد – وإن كان بالبداية بعض تفكّك فقرأت الرواية في جلسة واحدة- مشوّق سلسل فيه امتاع. ومن النّاحية العلميّة والتّاريخيّة يقدّم العمل معلومات مفيدة ذاتى قيمة عالية.
  • المعرفة التامّة بحقيقة تديّن الكنيسة الإفريقيّة ومقررات المجامع الكنسيّة متّن الحبكة الروائيّة، والحوار كالألمام بتاريخ سوبا وحياتها الإجتماعيّة ممّا وشّي النصّ حلية زاهية.
  • رغم تنوّع الأحداث وتفردها استطاع الكاتب أن يخلص لحبكة مقنعة بمهارة.
  • التحرك في فراغات الروايات التّاريخيّة بملئها بخيال مقنع يتجلّى في غير ما موضع ومن ذاك خطف النجاشي وبيعه رقيقاً ورحلة العبوديّة وتصرّف الحارسة والخاطفين وأثر ذلك على عقلية النّجاشي مستقبلاً.
  • إختيار الأسماء التّي لها جرس موافق: سيسي، أبيلو، دلمار، تانيشا، سنجاتا، بل حتّى الأرملة “بركة” من حيّ “الجنادل” مع أنّ العرب كانت تسمّي الرقيق بـ”نافع” و”ميسرة” و”ياسر” و”يسار” و”بلال” و”بركة” لأنّهم يسمونهم لخدمتهم. وأولادهم “حرب” “مرّة” “فهد” “كلاب” “صخر” “حجر” لحرب العدوّ … تجيئ تسمية الأرملة “بركة” التّي أحبت النساء العربيّات ومرافقتهنّ دلالة أنّ الاسم فاشٍ ومقبول لمدلولات تتجاوز الرقّ ومراراته.
  • “ساري الليل” في الثقافة السودانيّة هو الجراد حيت تتكامل أعداده بالآلاف بل والملايين فتطير ليلاً وتحجب ضوء القمر وحين تحطّ علي قرية تصبح وما فيها خضراء إلا وأكلها الجراد! كذلك وزراء الفساد ما تركوا خضراء إلا التهموها! موفّق جدّاً تخفّي الوزراء حول الشخصيّة الوهميّة “ساري الليل”.
  • نهاية “عمارة” الذي كاد المهاجرين تبرهن على أنّه (كما تدين تدان) والجزاء من جنس العمل.
  • تصوير كيد الوزراء الذين استطاعوا الفتك بوالد النجاشي وبيع النجاشي تصوير يذكرك بخدع ألف ليلة وليلة ومكر الساسة ودهائهم وشكّل الكاتب ذلك في الشخصيّة الوهمية “ساري الليل” الذي يتخفّي وراءه الوزراء لتنسب له كلّ الموبقات وهم في مأمن.
  • “سيمونة” وعالمها المرعب خبت نارها حين أضاء نور الإيمان وضعفت شياطينها، ويتّضح آخر الأمر خبث “يهود” وقوّة مكرهم ووقوفهم خلف أخسّ المؤامرات دون أن يحسّ بهم أحد، واستعدادهم التّام لدفع أيّ ثمن للوصول الخفي لأغراضهم.
  • الخاتمة الأدبيّة التّي أكملت جوانب المحبّة الر اقية باجتماع شمل تبدّد في غير ما وجهة يعوّض القارئ مرارة فقد “دلمار” في بداية الرواية.
  • موت “دلمار” المفاجئ مربك للقارئ وهكذا هي الحياة؛ تفارق فجأة من أحببته، بعد بناء شخصيّة روائيّة يحبّها القارئ يشقّ عليه فراقها –جرّبت ذلك من قبل يسألني النّاس: لماذا قتلت فلان؟- كأنّ “فلان” لا ينبغي أن يموت!
  • تسلّل مفردة “بليلة” العيش السودانيّة للنّص –خلسة- تجسّد محبّة قوم الكاتب للبلل والبليلة فمن الأسماء : البلّة والبلّولة والبلّال وأم بلينا (انبلينا).
  • اللهمّ نسألك “بلّة” لا جفاف بعدها! هيَ خواطر و”خطرفات” عنت لي. سلمتم من كلّ بلاء.

ترجمان الملك مستقبل واعد وأسلوب جديد للرواية السودانية – عبد السلام حسين


Abdulsalam Husseinحالفني الحظ في قراءة الرواية أخيراً …. الرواية التي قرأت آراء كثير ممن قرأها قبل أن أقرأها ، استمعت بقراءتها جداً فلذا أشكر من أهداني إياها.

أخذتني الرواية لعالم كنت أجهل الكثير عنه، الحقائق التاريخية في الرواية طغت على الخيال الذي يمنع عن القارئ الملل… قرأت الكثير من الروايات التاريخية ولم تكن بهذا الأسلوب الراقي والإنتقاء الجيد للكلمات والوصف الدقيق للطبيعة الذي يجعلك تشعر بأن الكاتب كان مرافقاً لدلمار ترجمان النجاشي وحفيده سيسِّي.

Torgoman_in_Winterسأقف على أكثر ما شدني في الرواية :

  • مقدمة المؤلف : صفحتين فقط ولكنَّها تحوي الكثير من التحليل والسرد المنطقي  فقد أعدت قراءتها أكثر من مرة، المقدمة كأنها إجابة لسؤال (لماذا أرسل رسولنا الكريم وفوده لأقوى الممالك في بلاد الحبشة ؟؟؟) . تنبئك المقدمة أن الكاتب أكثر من راوي بل محلل سياسي ومحلل عسكري محنك.
  • مقدمة الراوي الشاب سيسِّي حفيد دلمار (ترجمان الملك): كانت المقدمة بكاءً على أطلال مملكة علوة، كنيستها التي بقيت آثاراً وقصر الملك الذي صار مزارع للدواجن وكانت حسرته على النيل العظيم الذي حسبه الراوي جدولاً وافتقد أشجار الليمون والدوم والمانجو .
  • حدثنا الراوي عن قوافل تجار العرب وسيدهم هاشم بن عبد مناف التي ورد ذكرها في سورة قريش لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴿١﴾ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَـذَا الْبَيْتِ ﴿٣﴾ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾      .
  • حدثنا الراوي أن قبل هجرة الصحابة رضوان الله عليهم والتبشير بالإسلام كان هنالك حوار بين العرب الموحدين وأساقفة الكنيسة ومن هؤلاء العرب أمية بن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة الذي كان من الأحناف الذين لم يعبدوا الأوثان وهاجر من سبأ إلى سوبأ مبشراً بالحنيفية ( وبالرغم من ذلك لم يؤمن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ) للأمانة ما بين المزدوجتين لم يرد في الرواية .
  • عقد الراوي مقارنة بين زوارهم العرب قبل الإسلام وبعد الأسلام وقال عنهم دلمار “هؤلاء العرب القادمون، هم مختلفون جداً عما اعتدته من قبل من القوافل العربية القادمة.”
  • حكى الراوي كيف هددت “الساحرة اليهودية سيمونة ” أمَّه ناتيشا ونصحتها بألا تستقبل العرب الغرباء القادمين من الشرق لأن الرهبان أخبروها بظهور نجم معروف عندهم في التوراة بنجم شيلون. وحكي بعد ذلك عن وصول الصحابة في هجرتهم الأولى  ونزولهم في دارهم وقد كانت أمه فرحة وسعيدة بإستقبالهم .

تعقيب :

الرواية صرخة في أذن كل سلطان ظالم. كما إنها دعوة لأيقاف الفساد الذي استشري كالنار في الهشيم  فالفاسد يمكن أن يقتل نفساً ويمكن أن يبيع حراً كما باع الوزراء إبن الملك النجاشي عبداً للتجار العرب لولاسخر الله له ترجمان الملك لإنقاذه بعد أن اغتالوا أباه .

سبحان من بيده الملك  “جعل العبيد ملوكاً والملوك عبيداً “.

هذه الرواية أشعلت فيّ حماساً للقراءة أكثر عن تاريخ الممالك السودانية القديمة التي لم نتعرف عليها جيداً، من يقرأ هذه الرواية يتأكد له أنّ الحضارة والتاريخ مرتبطان إرتباطا وثيقاً ولا يمكننا الحديث عن حضارتنا مالم نعرف تاريخنا ولا نستطيع أن نبشر بدين الإسلام مالم نعرف حقيقة الديانات الأخري .

مرسلة بواسطة عبد السلام محمد حسين في 3:49 م روابط هذه الرسالة

حصة مطالعة في مقال الدكتور خالد محمد فرح


KhalidFarahكتب الدكتور خالد محمد فرح مقالاً أدبياً بعنوان (قراءة في رواية “ترجمان الملك” للدكتور عمر فضل الله) ونشرته جريدة الصيحة في عدد الأربعاء 18/11/2015 في الصفحة 14 ثقافي. فقد أورد د. خالد في المقال أنه قرأ رواية ترجمان الملك من النسخة المهداة بخط المؤلف للدكتور الصادق الفقيه سفير السودان في الأردن والتي أعارتها إياه زوجة السفير الأستاذة أميرة الفاضل فخففت الرواية عليه من طول الرحلة وملالها تماماً. وقد أسعدتني هذه المقدمة مثلما أسعدني أن رجلاً بمثل قامة الدكتور خالد هو من القلة القليلة في السودان التي قرأت الرواية وهو أيضا من القليل ممن كتب عنها فالرواية اشتهرت جداً خارج البلاد وكتب عنها النقاد وأفردوا لها الصفحات بل وقدمت عنها الأوراق البحثية في المؤتمرات العلمية لكنها لا تزال غير معروفة لدى القراء في السودان. وقد وفق الدكتور خالد في عرض بعض جوانبها لكن البعض القليل الآخر قد استوقفني فرأيت أن أتناول بعضه في هذا المقال المختصر فإليكم بعض خاطرات دونتها صباح اليوم.
قال الدكتور خالد بعد أن عرض تلخيص الناشر للرواية: (وهو تلخيص واف في تقديرنا على الرغم من الخطأ الجغرافي الذي شابه والذي زعم الناشر بموجبه أن الحبشة تقع في وسط افريقيا وإنما هي في شرق هذه القارة في الواقع).

وأقول: ربما يكون الدكتور خالد محقاً إن قصد الحبشة الحديثة بحدودها التي تقع شرق السودان فهي في شرق القارة بكل تأكيد. لكن الحبشة القديمة كانت تمتد حتى حدود كردفان غرباً. وقد ذكر جدنا الفحل الفكي الطاهر في كتابه تاريخ وأصول العرب بالسودان (طبعة المصورات ص 179) أن النوبة والعنج لهم مملكة قوية في اثيوبيا المسماة سوبا اليوم شرق الخرطوم ولهم في النوبة العليا والنوبة السفلى ممالك ذات قوة ونفوذ. فقلت إن قوله: (اثيوبيا المسماة سوبا). والتي معناها الحبشة كانت تطلق قديماً على مملكة علوة. وهذا القول يدعم النظرية القائلة بأن الهجرة الأولى للصحابة كانت إلى الحبشة التي هي علوة وعاصمتها سوبا.! مثلما يفهم منه أن مملكة علوة في وسط السودان (ووسط افريقيا كذلك) هي جزء مما كان يطلق عليه بلاد الحبشة. وبهذا فلم يبعد الناشر كثيراً حين قال إن الحبشة تقع في وسط افريقيا!

ضبط ألفاظ الرواية:
قال الدكتور خالد: (وأما من حيث الشكل فقد لاحظنا أن المؤلف أو الراقن (الراقم)! قد حرص على ضبط الألفاظ بالشكل من لدن العنوان على صفحة الغلاف الأمامي واستمر على ذات المنوال حتى صفحة 20 فقط ثم تخلى عن التشكيل الصارم لجميع الألفاظ بعد ذلك فكأنه قد نكل عن ذلك الصنيع أو برم به و”زهج” منه كشأن عامة السودانيين!.

وأقول: شكراً على الملاحظة وهي في محلها فقد سبقك إلى ذلك الأستاذ الدكتور عثمان أبوزيد المستشار في رابطة العالم الإسلامي حين قدم ورقة عنوانها: القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية – رواية ترجمان الملك مثالا وذلك ضمن أعمال المؤتمر العالمي الأول للسيرة النبوية الشريفة المنعقد في جامعة أفريقيا العالمية بالخرطوم خلال الفترة من 29- 30 صفر 1434هـ الموافق 11- 12 يناير 2013م حيث ورد في ورقته ما نصه: (وإذا ما رجعنا إلى أسلوب النص الروائي ولغته، فلا يخلو من بعض الملاحظات اليسيرة، ومنها بدء الكاتب بتشكيل النص في أوله، ثم عدوله عن ذلك، وخيراً ما فعل، فإن إلحاق علامات الشكل بالكامل يحيل النص وكأنه كتاب مطالعة).
وكنت قد بدأت بضبط النص حين شرعت في كتابة الرواية فمن عادتي أن أضبط ما أكتب، لكن أحد أصدقائي الأدباء حين رأى النص فزع منه وهو الذي نصحني ألا أفعل لما علم من حرصي على العناية بضبط النصوص حتى يقرأها الناس بطريقة صحيحة منزهة عن اللحن الخفي والجلي فتوقفت عن ضبط بقية النص والتزم الناشر بمادة الكتاب كما هي وقد أخبرتني مديرة القسم الثقافي أنها لما عرضت الرواية على لجنة النشر جاءت توصية اللجنة بألا يمس المحرر نص الرواية فقد يفسدها التحرير وبذلك فهموا أنه ينبغي طباعتها كما هي فأبقوا على الصفحات الأولى دون أن يمسها أحد وبقى التشكيل كما هو في الصفحات العشرين.
فالضبط والتشكيل هو ديدني لا أنكل عنه ولا أبرم به ولا أمل، أو “أزهج”!! وكنت قد فعلت ذلك للمرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب حين كلفني بإعادة نشر كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب في العام 1993 فقمت بضبط صارم لألفاظ ذلك الكتاب وأعجبه العمل جداً حتى أنه أثنى عليه ثناء جميلاً وكان ذلك في بداية تسعينيات القرن الماضي إلا أنني اضطررت بعد ذلك لمغادرة البلاد قبل أن أكمل نشر الكتاب. في حين أن مثل هذا الصنيع لم يعجب الدكتور حسن الترابي حين ضبطت له الجزء الأول من التفسير التوحيدي بالشكل الصارم أو هكذا فهمت فقد نقل لي الأخ المحبوب عبد السلام ذلك فتوقفت عن ضبط ألفاظ تفسيره.

تُرجمان أهي بالفتح أم بالضم؟
قال الدكتور خالد: (غير أن كلمة “تُرجمان” نفسها قد ضبطت خطأ في العنوان إذ أنها قد رسمت بضم التاء هكذا (تُرجمان) والصحيح هو (تَرجمان) بفتح التاء. قال أبو الطيب المتنبي في قصيدته (شعب بوان)

ملاعب جنة لو سار فيها سليمان لسار بتَرجمان

ومن قبله قال عوف بن محلم الشيباني:

إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى تَرجمان

انتهى كلام الدكتور خالد.

فهذا الجزم بأن كلمة (ترجمان) قد ضبطت خطأ يجعل القاريء يتساءل أين الصواب؟ أهي بالفتح أم بالضم. والواقع أن كلا الوجهين صحيح فهي بالفتح كما ذكر الدكتور خالد غير أن ضبطها بالضم قد ورد في اللغة كما ورد في لسان العرب عند ذكر مادة ترجم بل وأنكروا على من يقول إنها بالفتح:

قال في لسان العرب:
ترجم : التُّرجمان والتَّرجمان : المفسر للسان . وفي حديث هرقل : قال لتُرْجُمانه ، التُّرجمان، بالضم والفتح : هو الذي يترجم الكلام أي : ينقله من لغة إلى لغة أخرى، والجمع التراجم، والتاء والنون زائدتان، وقد ترجمه وترجم عنه، وترجمان هو من المثل التي لم يذكرها سيبويه ، قال ابن جني :أما ترجمان فقد حكيت فيه تُرجمان بضم أوله ، ومثاله فُعللان كعُترفان ودُحمسان ، وكذلك التاء أيضا فيمن فتحها أصلية، وإن لم يكن في الكلام مثل جعفر لأنه قد يجوز مع الألف والنون من الأمثلة ما لولاهما لم يجز كعُنفوان وخُنذيان وريهقان ، ألا ترى أنه ليس في الكلام فعلو ولا فعلي ولا فيعل؟

وقال في تاج العروس للزبيدي:
فيه ثلاث لغات الاولى (كعُنْفُوَان) بضم الاول والثالث قال الجوهرى هناك ولك أن تضم التاء لضمة الجيم فتقول تُرجمان مثل يُسروع ويَسروع وأنشد للراجز
الا الحمام الورث والغطاطا * فهن يلغطن به الغاطا*
كالتُّرجمان لقى الانباطا
(و) قال الجوهرى يقال تَرجَمان مثل (زَعْفَرَان) أي بفتح الاول والثالث قال والجمع التراجم مثل زَعفران وزعافر وصَحصَحان وصحاصح ورأيت في هامش الكتاب ما نصه : (تَرجمان بفتح الجيم من مناكير الجوهرى وليس بمسموع من العلماء الاثبات قال (و) يقال تَرجمان مثل (رَيهقان) أي بفتح الاول وضم الثالث * قلت وهذه هي المشهورة على الالسنة .. الخ

ومن هذا يتضح أن كلمة تُرجمان في العنوان (بضم التاء) صحيحة وفصيحة والحمد لله ولم تضبط خطأ كما ذكر الدكتور خالد.

أكتفي بهذا التناول وقد أعود إلى كلام الدكتور خالد وتناوله الرواية من حيث المضمون فلذلك حديث آخر قد لا يتسع له هذا التنويه المختصر مني. فلك أجزل الشكر د. خالد فرح لتناول الرواية والكتابة عنها.

د. عمر فضل الله
أبوظبي – صباح الخميس 19/11/2015

 

قراءة في رواية ترجمان الملك بقلم د. خالد فرح


khalidfبقلم: د. خالد محمد فرح  

Khaldoon90@hotmail.com   

 سافرتُ خلال شهر اكتوبر المنصرم ، في مهمة عمل إلى الصين  ضمن نفرٍ من الإخوة الأفاضل. ولدى توقف الطائرة بنا بمطار الدوحة في رحلة العودة ، لكي نستقل طائرة أخرى إلى الخرطوم ، أعارتني الأخت الفاضلة الأستاذة أمير الفاضل نسخةً كانت بحوزتها من رواية بعنوان: ” ترجمان الملك ” لمؤلف سوداني واكاديمي وباحث معروف ، هو الدكتور عمر فضل الله. اكتشفت في الواقع، أنّ تلك النسخة من تلك الرواية ، تحمل إهداءً على صدر صفحتها الأولى بتوقيع الكاتب نفسه ، إلى زميلنا وصديقنا الدكتور الصادق الفقيه ، سفير السودان بالأردن حالياً ، وزوج السيدة أميرة المذكورة.  

المهم ، أنني ما زلت ممتناً للأخت أميرة على إعارتها لي تلك الرواية الموحية والغنية بالمعلومات والأفكار ، والممتعة حقاً ، والتي بدّدتْ عني وعثاء السفر ، وخففت عليَّ من طول الرحلة وملالها تماما. فكان حالي مثل حال الشيخ محمد سعيد العباسي عندما وصل إلى واحة ملّيط بعد سفر شاق على ظهر هجينه ، فقل مادحاً لها:  

أنسيتِني برحَ أيامي وما أخذتْ    منّا المطايا بإيجافٍ وإيخادِ  

Torgomanصدرتْ رواية ” ترجمان الملك ” لعمر فضل الله في طبعتها الأولى ، عن دار ” نهضة مصر للنشر ” بالقاهرة في عام 2013م ، في 284 صفحة من القطع الصغير. ولعلّ أول ما نودُّ أن نبتدر به تعليقنا وملاحظاتنا بخصوص هذه الراواية ، أنها لم تجد بعد حظها من الذيوع والانتشار ، بل تسليط الضوء عليها من قبل النقاد ، خصوصاً داخل السودان. وهي قمينة بذلك بكل تأكيد. ولعل السبب في ذلك ، أنها لم تُوزع على نحو كاف داخل البلاد ، وبالتالي فإنها لم تصل إلى أيدي الجم الغفير من القراء بعد. ولا أذكر أنا خاصةً ، أني لمحت هذه الرواية معروضة في أرفف أية مكتبة بالعاصمة. وعلى كثرة المكتبات ودور النشر المصرية ، بما في ذلك دار نشر ” أوراق ” التي تهتم بطباعة ونشر الرواية السودانية ، والتي شاركت في النسخة الأخيرة من معرض الخرطوم الدولي ، إلا أنني لم أر هذه الرواية معروضة في أي جناح من اجنحة المعرض.  

تندرج هذه الرواية في سياق المعالجات الروائية للأحداث والوقائع التاريخية ، أو ما يسمى باستلهام التاريخ في الرواية ، وهو أمر بدأ يأخذ زخماً ملحوظاً في إطار المشهد الروائي والإبداعي عموماً في السودان في الآونة الأخيرة ، على نحو ما لاحظ مُحقّاً ، الباحث والأكاديمي والناقد البروفيسور محمد المهدي بشرى. ذلك بأننا نجد أن هنالك مجموعة من الروايات السودانية التي صدرت مؤخراً ، وكان مدارها هو التاريخ ، أو محاولة معالجة وقائعه واستنطاقها روائيا. نذكر منها – على سبيل المثال – روايات مثل: آخر السلاطين لمنصور الصويم ، وكنداكيس بنت العجيل للقاص أحمد المصطفى الحاج ، ورحلة العسكري الأخيرة لجمال محمد إبراهيم ، وشوق الدرويش لحمور زيادة ، وذلك على سبيل التمثيل فقط.  

على أنّ استلهام التاريخ في مجمل المنجز الإبداعي السوداني ليس بالأمر الجديد تماما. فمنذ السبعينيات من القرن الماضي ، نجد أنً بعض الأعمال الدرامية السودانية مثلاً ، قد اتكأت على التاريخ ، واستلهمت حوادثه ، مثل استلهام هاشم صديق لواقعة تصدي الملك المروي ” أرقماني ” الذي عاش وحكم في القرن الثالث قبل الميلاد ، لمؤامرة الكهنة وقضائه عليهم قبل أن يقضوا عليه ويتخلصوا منه ، وكذلك استلهام فكرة القتل الطقسي لملوك الفونج بواسطة الدكتور خالد المبارك في مسرحيته ” ريش النعام “.  

أما رواية ” ترجمان الملك ” التي نحن بصددها هاهنا ، فإنها – كما يقول عنها الناشر:  

” رواية تجمع بين الخيال والحقائق التاريخية في قالب إبداعي يأخذك إلى منطقة مطموسة من التاريخ ، تتجاوز حدود الزمان والمكان ، لتصل بنا للعام 600 ميلادية في منطقة الحبشة القديمة في وسط إفريقيا.. عبر قصة الشاب ” سيسي بن أبيلو ” حفيد ترجمان القصر ” دلمار بن أرياط ” الذي عاصر الأحداث العاصفة بين النجاشي وكهنة الكنيسة في القرن السايع الميلادي ، كما عاصر هجرة المسلمين الأوائل القادمين من مكة للاحتماء بمظلة عدالة النجاشي من عذاب قريش لهم. يتخلل الرواية الكثير من العلاقات الإنسانية التي تكشف جوانب من حياة البشر في تلك المرحلة الغامضة من التاريخ ، كما تسرد صوراً لممارسات وتجارة الرق وبيع العبيد في ذلك الوقت من خلال مذكرات النجاشي “. انتهى تلخيص الناشر لموضوع الرواية ، وهو تلخيص وافٍ في تقديرنا ، على الرغم من الخطأ الجغرافي الذي شابه ، والذي زعم الناشر بموجبه أنّ الحبشة تقع في وسط إفريقيا ، وإنما هي في شرق هذه القارة في الواقع.  

وأما من حيث الشكل ، فقد لاحظنا أن المؤلف ، وعسى أن يكون ذلك هو الطابع او الراقن ، قد حرص على ضبط الألفاظ بالشكل من لدن العنوان على صفحة العلاف الأمامي ، واستمر على ذات المنوال حتى صفحة 20 فقط ، ثم تخلّى عن التشكيل الصارم لجميع الألفاظ بعد ذلك. فكأنه قد نكل عن ذلك الصنيع ، أو بَرِمَ به و ” زهج ” منه كشأن عامة السودانيين !.  

غير أنّ كلمة ” ترجمان ” نفسها ، قد ضُبطتْ خطأ في العنوان ، إذ أنها قد رُسمتْ بضم التاء هكذا ” تُرجُمان ” ، والصحيح هو ” تَرجُمان ” بفتح التاء. قال أبو الطيب المتنبي في قصيدته ” شعب بوان “:  

ملاعبُ جِنّةٍ لو سار فيها    سليمانٌ لسارَ بتَرجُمانِ.  

ومن قبله قال عوف بن محلم الشيباني:  

إنّ الثمانينَ وبُلِّغتها    قد أحوجتْ سمعي إلى تَرجُمان  

وأما من حيث المضمون ، أو الناحية الموضوعية ، فنعتقد أنّ رواية ” تَرجُمان الملك ” تتفرد وتتميز بأنها معالجة لما يمكن أن نصفها بانها محض افتراضات وليست حقلئق تاريخية مثبتة بكامل جزئياتها وتفاصيلها ، تتواتر على صدقها البينات والدلاائل الحاسمة. على أنه من هاهنا يجئ توهج الخيال فيها ، وجنوحه وانطلاقه بلا قيود ، مما نتج عنه سرد ممتع ومشوِّق حقا. ذلك بانّ الرواية تستند في مصادرها المعرفية على السيرة النبوية كما عند ابن اسحق وابن هشام ، فضلاً عن مرويات التاريخ الإثيوبي القديم ، وخصوصاً تاريخ دخول المسيحية إلى الحبشة في حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي ، ثم تاريخ أواخر عصر مملكة مروي في السودان ، ونهايتها التي تُعزى على نطاق واسع عند المؤرخين ، إلى غزو ” عِيزانا ” ملك أكسوم لها في حوالي عام 350م ، تستند بصفة أساسية إلى آراء وقراءات بعض العلماء والباحثين السودانيين حول مدلول المسمى الجغرافي ” الحبشة ” المذكور في السيرة النبوية ، مقروناً بخبر هجرة المسلمين الأوائل إليها ، والتجائهم إلى بلاط النجاشي ، وعما إذا كان من الممكن توسيع مدلول ذلك اللفظ لكي يشمل السودان الحالي كذلك ، وذلك على نحو ما جاء في بحث شهير للعلامة عبد الله الطيب نشره في عام 1982 بعنوان: ” هجرة الحبشة وما وراءها من خبر ” ، وتابعه فيه بعد سنوات مؤيداً ، البروفيسور الشيخ حسن الفاتح قريب الله ، في كتابه الموسوم ب ” السودان أرض الهجرتين الأولى والثانية “. وخلاصة هذين العملين أنّ الحبشة المذكورة في معرض الحديث عن هجرة الصحابة الأوائل ، كانت تقع في جزء من السودان الحالي. ولكن هل يعكس ذلك الحقيقة ، أم أنها مجرد افتراضات تستند بصفة خاصة على محض البينات الظرفية ، وتزينها العاطفة الوطنية كذلك.  

إنّ رواية ” ترجمان الملك ” تجعل عاصمة النجاشي هي ” سوبا ” وليست مروي التي يُفترض أن عيزانا قد دمرها منذ القرن الرابع كما مر آنفا. ولكن إحدى وقائع الرواية في هذه الجزئية ، ربما تنطوي على غير قليل من المبالغة والتزيُّد ، وهي الزعم بان سيدنا الزبير بن العوام قد تعلم السباحة في نهر النيل على يد أحد فتية البلاط الحبشي. والواقع هو ان العرب كانوا يعرفون السباحة في بلادهم ، ولم يكونوا بحاجة إلى تعلمها من أحد ، إذ كانوا قوما أصحاب تجارة بحرية واسعة ، وكانت بلادهم جزيرة محاطة بالمياه من ثلاثة جوانب ، كما كانت فيها الأودية والغدران والعيون. وفي الأثر أن عمر ” رض ” قال: علموا أولادكم العدو والسباحة وركوب الخيل ، ومروهم فليثبوا عليها وثبا “.  

اللغة في رواية ” تَرجُمان الملك ” لغة فصيحة وسلسة ، والأسلوب معتنى به على نحو واضح. وقد استوقفنا بصفة خاصة ، حرص الكاتب على إيراد بعض الألفاظ التي تحيل إلى عالم ولغة الأكليروس الكنسي القبطي ، مثل استخدامه للفعل ” تنيَّحَ ” ، بمعنى: مات أو قضى نحبه. شيء يذكرنا نوعاً ما بلغة وجو رواية ” عزازيل ” للمصري يوسف زيدان.  

وفي الختام ، لم ينس عمر فضل الله ، من أجل ” تحلية ” الرواية ، على طريقة الأفلام والمسلسلات المصرية – حتى الإسلامية منها – أن يضمِّن روايته قصة حب البطل أبيلو الذي هو ترجمان الملك ذاته ، للجميلة ” سنجاتا ” ، وهو حب نما وترعرع معهما منذ طفولتهما الباكرة ، وذاك لعمري ، طرف من تلك العلاقات الإنسانية التي تكشف عنها هذه الرواية الباذخة ، والجديرة بالمطالعة حقا.           

ترجمان الملك من موقع ويكيبيديا


اقرأ المقال من موقع ويكيبيديا مباشرة

Wiki

coverترجمان الملك رواية نشرت في حزيران/يونيو عام 2013، عن دار نهضة مصر في القاهرة  وهي رواية تجمع بين الخيال والحقائق التاريخية في قالب إبداعي جميل، حيث يذهب المؤلف إلى مقابر العنج الأقدمين بمنطقة العيلفون جنوب سوبا ليستدعي الشاب “سيسي بن أبيلو” من مرقده ويطلب منه أن يروي قصة حياته التي دارت أيام مملكة علوة منذ العام 600 للميلاد في منطقة الحبشة القديمة بوسط أفريقيا. عاصر “سيسي” الأحداث العاصفة التي شهدتها السنوات الأولى من القرن السابع الميلادي، ووفود العرب القادمين من مكة للاحتماء بالدولة المسيحية والنجاشي. ويروي الشاب عن الصداقة التي نشأت بينه وبين أحد الشباب العرب القادمين من مكة (الزبير). كما يروي حكاية جده (دلمار بن أرياط) الذي كان يعمل ترجماناً للملك النجاشي ويسرد صوراً لممارسات تجارة الرق وبيع العبيد في ذلك الوقت من خلال مذكرات الملك النجاشي الصغير كما يروي عن الصداقة التي كانت بينه وبين الملك.

وتعكس الرواية الصراع الفكري الذي كان يدور في ذلك الوقت بين الكنيسة والقصر من خلال حوارات (دلمار) ترجمان الملك مع الكاهن (أنطونيوس) أسقف الكنيسة في سوبا، والحوارات بين الكاهن أنطونيوس والشاب “سيسي”، وبينه وبين الملك النجاشي. كما تضمنت حوارات الملك مع وفود العرب القادمين من مكة. تصف الرواية قصر الملك والكنيسة والبيوت والمباني والأسواق في سوبا كما تعكس كثيراً من أنماط الحياة وسبل العيش والتجارة في مجتمع (سوبا)، ومكونات البيت الأفريقي القديم في مملكة علوة وواقع المجتمع المسيحي في سوبا وهيمنة السحرة على بعض جوانب الحياة. كما تصف وجود القبائل المختلفة حول مملكة علوة وأطماع الممالك الأخرى. تميزت الرواية بأنها تناولت بقعة مجهولة من أفريقيا لم تنل حظها من الاهتمام كما سلطت الأضواء على إحدى الممالك المسيحية الأفريقية القديمة وسبل العيش وأنماط الحياة والشخصية الأفريقية بجاذبيتها وسحرها.

القيمة الأدبية

قدمت عدد من الأوراق العلمية والبحوث حول رواية “ترجمان الملك” ففي نفس سنة صدورها قدم الأستاذ الدكتور عثمان أبوزيد ورقة علمية عنوانها “القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية رواية ترجمان الملك مثالا” بين يدى المؤتمر الدولي الأول للسيرة النبوية الشريفة خلال الفترة من 28-30 صفر 1434هـ الموافق 10-12 يناير 2013م والذي انعقد في الخرطوم وشهدته خمس وعشرون دولة وقدأوصى المؤتمر: (بأن تتبنى مؤسسة إعلامية تحويل رواية “ترجمان الملك” إلى عمل روائي سينمائي، فالرواية نواة جيّدة لإنتاج فني خلاّب). [fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][2] وقد تناول كثير من النقاد والأدباء رواية ترجمان الملك بالتقريظ فقد كتب صلاح عمر الشيخ في خواطره الفنية:”الدكتور عمر فضل الله فى رواية ترجمان الملك على خطى الطيب صالح وتفسير الدكتور عبد الله الطيب”: (الرواية بأسلوب سردها الشيق واهتمام كاتبها بالتفاصيل والحكايات التراثية وسرد التاريخ ودمجها مع الخيال المحبب الذى لايفسد القصة الحقيقية يجعل هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية).[3] كما كتب د. عادل عبد العزيز: (ترجمان الملك رواية رائعة الجمال، عندما تبدأ القراءة لا تستطيع أن تتوقف الى أن تصل الى نهاية الرواية فهي من النوع الذي يمكن أن يطلق عليه السهل الممتنع فهي رواية سلسة محكمة الحبكه. ترجمان الملك رواية جميلة رائعة تجمع بين الخيال والتاريخ القديم ومعظم الأحداث التاريخية التي تحدثت عنها تعتبر تاريخاً صحيحاً ويمكن أن تعدل ليصبح فيلماً تاريخياً عن الفترة التاريخية لتلك المنطقة الضاربة في جذور التاريخ والتي لا يعلم عنها لا الكبار ولا الصغار فهي بحق تستحق القراءة وهي تماثل رواية دافنشي كود في الطريقة ولو وجدت مخرجاً جيداً لصنع منها فيلماً عظيماً.)[4]

المراجع

  1. دار نهضة مصر
  2. د. عثمان أبوزيد عثمان – المستشار في رابطة العالم الإسلامي: القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية – رواية ترجمان الملك مثالا بحث مقدم إلى المؤتمر العالمي الأول للسيرة النبوية الشريفة – جامعة إفريقيا العالمية – كلية الشريعة والدراسات الإسلامية الخرطوم 29- 30 صفر 1434هـ الموافق 11- 12 يناير 2013م
  3. صلاح عمر الشيخ خواطر فنية: الدكتور عمر فضل الله فى رواية ترجمان الملك على خطى الطيب صالح وتفسير الدكتورعبدالله الطيب – المزج بين الخيال والحقيقه والتراث والتاريخ اسلوب يجعل ترجمان الملك رواية عالمية. صيحفة أخبار اليوم السودانية وصحيفة فنون وجريدة البلد أعداد 6 مايو 2013.
  4. ترجمان الملك: رواية من تأليف الأستاذ عمر فضل الله .. عرض وتعليق د. عادل عبد العزيز حامد صحيفة سودانايل الجمعة, 05 تموز/يوليو 2013

وصلات خارجية

[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

حوار حول رواية ترجمان الملك


torgoman1

سأل أحدهم في أحد المواقع:
– هل يعرف أي منكم مكاناً جيداً لتحميل الكتب بالمجان؟ أرغب في قراءة ترجمان الملك لعمر فضل الله.
رد عليه أحدهم:
– ربما تود أن تسأل نفسك: “كيف يكون شعوري إذا اقتحم أحدهم ممتلكاتي وقام بالحصول على شيء يخصني أنا وحدي؟ وكيف يكون شعوري لو قام شخص ما بإخبارهم أنه لا بأس بأخذ ممتلكاتي وأغراضي؟ لأنني: 1- أملك أموالاً أكثر مما يملكون أو 2. أن هذا لن يضرني بشيء أو 3. أن الآخرين يفعلون هذا أو 4. أن هذا الشيء موجود هناك والآخرون لا يملكون المال لشرائه لأنفسهم أو اقتنائه” لن يكون شعوراً جيداً.
وكما قلت فإن ضميرك هو الذي يجب أن يمنعك من ارتكاب الخطأ.

قال آخر:
– إنه عمل جميل ولكن ليس من السهل الحصول عليه، خاصة وأن الحصول عليه واقتناءه في نهاية الأمر هو شبه مستحيل.

قال ثالث:(ويبدو أنه هو مشرف الموقع): يا بوريتمور إن مكتبة الكتب التي تملكها هي الأفضل حيث يمكنك الحصول على أي كتاب مجاناً تقريباً مهما كان جديداً أو قديماً لا يهم. يمكنك العثور على جميع كتبهم في مستودع الكتب Playstore مباشرة. فقط اطبع تحميل الكتب العامة.

قال بوريتمور:
– أحب طريقتك في الحصول على الحلول السريعة لمشاكلك حية ومباشرة. أشكرك على مشاركة رابط الموقع. موقع مكتبة الكتب يبدو واعداً لتلبية حاجاتي.

قال أحدهم:
– هذه الرواية مسلية للغاية. أنصح الجميع باقتنائها.

=================================

قلت: الرواية متوفرة بالمكتبات وبثمن قليل ويسهل الحصول عليها من منافذ البيع. وجميع الحقوق محفوظة لدار نهضة مصر وطبيعي أنها غير متوفرة للتحميل المجاني في أي موقع من المواقع فهذا مخالف للقانون. أتمنى أن تقوم دار نهضة مصر بتوفير النسخة الإلكترونية منها للراغبين في اقتنائها بالثمن على جوجل بلاي أو كندل أو أي من برامج الكتب الإلكترونية.

 

 

 

 

 

الخوض في غمار التاريخ على صهوة رواية “ترجمان الملك” بقلم الأمين سليمان


Torgomanإضاءة
وأينق تسبق أبصاركم *** مخلوقة من نعام وعيس
تقطع من علوة في ليلها *** إلى قرى شاس بسير هميس
……………………….
ونسخط الملك على المشفق المفرط في النصح إذا الملك سيس
(المعري 1907 : 80-81)

كشف أول

أسفر الافتقار إلى المعلومات والمدونات الموثوقة المتصلة بتاريخ السودان القديم والأوسط وإلى حد ما التاريخ الحديث عن تلبد ضباب كثيف حول النظرية التاريخية الصائبة. وزاد من كثافة هذه الضبابية، وقوع أجزاء واسعة من السودان، كما هو حال غالبية البلاد الواقعة جنوب الكرة الارضية، تحت نير الاحتلال الأجنبي ردحا من الزمان، ما أفضى إلى الحكم على جانب كبير من تاريخنا بعيون زرقاء وأقلام تكتب بمداد مصنوع من صمغ شجر السنديان. مما لا شك فيه ، حتى لا نجحف في حق بعض المختصين بالتاريخ، ثمة اسهامات مقدرة بذلتها عدد من الأسماء ونذكر هنا أبو المؤرخين السودانيين الذي شهد جزء من وقائع التاريخ الحديث محمد أفندي عبد الرحيم، غير أن أقلام تاريخية أخرى كثيرة لم تنج من السقوط في براثن كتابة التاريخ بالنزعة الاستغرابية….
تاريخيا، يعد سترابو ( 63/64 قبل الميلاد “ق.ب” – 24 ميلادية “م”) من أوائل العلماء الأقدمين الذين ذكروا لفظ (النوبة)، وذلك في كتابه (الجغرافيا) الذي وصف فيه الكثير من الشعوب والبلدان التي قام بزيارتها في ذلك الزمان بما في ذلك مملكة (كوش). فيما بعد عززت مصادر أخرى هذه المعلومات وكشفت عن وجود ثلاث ممالك نوبية بين أسوان وجنوب الخرطوم. هذه الممالك هي نوباتيا وعاصمتها فرس، ثم مملكة المقرة وعاصمتها دنقلا ومملكة علوة التي تمتد حدودها إلى ما وراء الخرطوم حيث عاصمتها سوبا.
من جانب آخر، يعتبر الأسقف يوليانوس أول من ذهب إلى الممالك النوبية بغرض التنصير، إذ وصل هذا الأسقف إلى بلاط نوباتيا في حوالى عام 543م، ودعى الملك وأتباعه إلى إعتناق الدين المسيحي على مذهب اليعاقبة1 الذي قبل التعميد2 هو وأسرته . بعد ذلك، شد المنصرون اليعاقبة الرحال إلى مملكة علوة حيث نجحوا في الوصول إلى هناك بمساعدة ملك نوباتيا وملك البجا، ووجدوا القبول لدى الملك العلوي آنذاك النجاشي الأبجر. وهكذا أدخلت المسيحية إلى ممالك النوبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. اليعاقبة كلمة تطلق على الكنيسة الأرثوذكسية، نسبة لأحد قديسيها البارزين (يعقوب البرادعي)
2. التعميد طقس مسيحي يمثل دخول الانسان الحياة المسيحية، بعد غسله بالماء بصورة أو بأخرى.


كشف ثاني

وده البشوفك في مراهقة الخرائط1(*1) …….. وفينا من وجع المسافرين …….
واطه ما لاقت هوية ……..
رد الأزرق:
مطر الحبش ….. لو كان نبش جواك سقف
وهد حيلك في الدواخل ….. وشد عصبك في المداخل
صوت مراكبي وإيد بتسأل في القمح ..
وفينا من فرح المسافرين ..
قصة الشمس القضية ..
يا أعشاب النيل الأبيض ما تتضاري ورا الدعوات ..
أقرأ تاريخك أخاف ..
أقرأ تاريخي أخاف ..
(عاطف خيري: ديوان سيناريو اليابسة)
اغوت المادة التاريخية الكثير من الروائيين على مر العصور، لذلك خاض عدد منهم في غمار التاريخ. كانت السمة الغالبة لثلة من الروائيين الذين اتخذوا من التاريخ مصدرا أو ملهما لهم، هي استدعاء قسم من الأحداث التاريخية ومن ثم إعادة إنتاجها وفق المتخيل الروائي مع الاحتفاظ بالمادة المستدعاة على سبيل الأمانة التاريخية، بينما جنح عدد آخر في كتابة الرواية التاريخية دون السيطرة على طغيان عنصر التخييل على حيثيات عنصر التاريخ . وأخيرا، أتى استحضار التاريخ عند بعض الروائيين من باب ولعهم ورغبتهم الشديدة في بحث واستكناه حفرياته أو إقامة محاكمة متأخرة تنبش الماضي البعيد وتفككه.
في الأدب العالمي، تعد رواية “ويفرلي” 1814 (*2) للروائي والشاعر والمؤرخ الاسكتلندي ولتر سكوت (1771 – 1822) هي الواقعة التاريخية الروائية الأكثر نضوجا في هذا المضمار، اعتمد فيها الكاتب على روايات شفاهية لقدامى المحاربين كمصادر لصياغة أحداث تاريخية وحروبات سابقة وقعت في بريطانيا تخللتها قصة رومانسية تخيلية. ويعتبر سكوت مفجر الرواية التاريخية وذلك لقدرة روايته على هضم المادة التاريخية واستيعابها ضمن العمل الروائي دون الوقوع في فخ التعقيد والاستقطاب الحاد بين ما هو تاريخي/موضوعي وما هو روائي/تخييلي . أسست رواية “ويفرلي” لسكوت مشروعه في كتابة الرواية التاريخية إذ تلت هذه الرواية أعمال أخرى مثل “إيفانهو” 1819م و “الطلسم” 1825م. إمتد تأثير سكوت في كتابة الرواية التاريخية خارج بريطانيا ليشمل فرنسا حيث أصدر فيكتور هوغو في عام 1831 روايته الرومانسية التاريخية “أحدب روتردام”، وروسيا وذلك عقب إصدار ليو تولستوي في عام 1865 رواية (الحرب والسلام) التي تعد أعظم الروايات التاريخية على الإطلاق.
بالنظر إلى الرواية التاريخية العربية، نجد أن الكثير من الروائيين الذين أقدموا على كتابة الرواية التاريخية كانوا أكثر مصادمة للمادة التاريخية وأكثر انتهاكا للوقائع الذي ذكرها المؤرخون ، ويرجع ذلك إلى الطريقة التي تناول بها المؤرخون وقائع الحياة في البلدان العربية، مما حدا بالروائيين الوصول إلى تلك البقع الطرفية المهملة المظلمة وإعادة صياغة تاريخها الذي سقط من حساب المؤرخين لأسباب مبهمة، وفي ذلك يقول فيصل دراج في كتابه “الرواية وتأويل التاريخ” إن الروائي العربي يقوم بمراجعة ما كتبه المؤرخ وذكر ما امتنع عن قوله ويمضي دراج ملاحظا إن كتابة الرواية هي علم التاريخ الوحيد في البلاد العربية.
يعتبر نجيب محفوظ من أوائل الروائيين العرب الذين كتبوا الرواية التاريخية ومثال على ذلك روايته الجريئة “أولاد حارتنا” التي أثارت الكثير من اللغط السياسي والتاريخي والديني حينئذ. تسرد رواية “أولاد حارتنا” حياة الأنبياء من وجهة نظر محفوظ، حيث يصور للقارئ مدى الظلم الذي لحق بالعباد، خاصة المستضعفين جراء طرد آدم من الجنة وحتى اليوم. وعموما تعد هذه الرواية أول مصادمة للتاريخ في البلاد العربية لسيرة الأنبياء آدم وموسى وعيسى. جدير بالإشارة، خماسية “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف والتي تحكي التحولات المتسارعة عقب اكتشاف النفط إذ تمثل الرواية نقلة نوعية للسرد التاريخي لحقبة يعاني الكثير من الأجيال الحديثة في الإلمام بها بصورة كاملة، وقد أثارت هي الأخرى الكثير من الجدل واللغط. غير هذه الروايات كان ينبغي أن يتم تناولها من خلال الأدوات النقدية الصرفة، بعيدا عن النقد اللاذع غير المدروس الذي واجهته فهي عمل فني يتخذ من التاريخ مادة له ولكنها لا تنقل التاريخ بحرفيته بقدر ما تصور رؤية الفنان له كما يقول جورج لوكاتش في كتابه الرواية التاريخية الذي صدر في العام 1978.
تسعى الدراسة الحالية لبحث العنصر التاريخي في الرواية عبر استكشاف رواية “ترجمان الملك” للكاتب عمر فضل الله. استندت الدراسة في تناولها على مفهوم “التناص” وهو من الأدوات النقدية الرئيسية في الدراسات الأدبية. أول من ذكر مفردة التناص هما العالمان اللغويان النمساويان روبرت بيوغراند وولفغانغ دريسلر في كتابهما “المدخل إلى تحليل الخطاب المكتوب” 1981م Introduction to Textlinguistics”، إذ تم تعريفه آنذاك بأنه يشير إلى مجموعة العناصر التي من شأنها أن تجعل النص معتمدا في فهمه على نصوص سابقة أخرى، أو تقاطع النص مع نصوص أو معرفة سابقة يمتلكها القارئ له. نسبة للجدل الكثير الذي نشا وسط اللغويين فيما يتعلق بمفاهيم تحليل الخطاب بما في ذلك التناص، برزت عدة تعريفات لهذه المفردة ولكن تعتبر جوليا كريستيفيا الناقدة، والناشطة البلغارية الفرنسية، من أكثر الكتاب الذين إهتموا بتطوير مفهوم التناص، حيث ذكرت في كتابها ” الرغبة في اللغة : مدخل سيميائي للأدب والفن Desire in Language : A Semiotic Approach to Literature and Art “ الذي يحوي مجموعة مقالات لها، أن النصوص لا تخترعها عقول الكتاب، وإنما هي نتاج لتراكم نصوص سابقة، فالنص إحالة من نصوص أخرى، هو “تناص” في فضاء نص محدد يعج بألفاظ مأخوذة من نصوص أخرى تتقاطع وتتماهي مع أحدهما الآخر. وتمضي كريستيفا مستوضحة أن النصوص لا تحمل معاني واضحة وثابتة فهي تجسد النزاع المجتمعي حول معاني ومدلولات الكلمات لذلك فالتناص يشير إلى وجود النص في مجتمع أو تاريخ ما.


تشريح

أتت رواية ترجمان الملك للكاتب عمر فضل الله، التي نشرتها دار نهضة مصر للنشر في مايو 2013، لتنبش التاريخ، تفتش الماضي، اتت لتعيد إنتاج حقبة هامة من تاريخ السودان في القرون الوسطى، تحديدا في عهد مملكة علوة. في مقدمة المؤلف يكشف الكاتب، بقصد أو دون ذلك، عن سر كبير من أسرار الرواية (هذه الرواية تعكس بعض جوانب شغفي بحقبة هامة في تاريخ شمال شرق أفريقيا)، إذ أشرنا سابقا أن بعض مؤلفو الروايات التاريخية يستدعون التاريخ بسبب ولعهم الشديد به، تأهبا لمحاكمة كبيرة تعقدها الرواية لتصحيح الحاضر واستشراف المستقبل، يقول الراوي في مقدمته (لم أعجب حينما استدعاني من بين أطلال الماضي الغابر، لتقديم روايته للناس .. أنا الشاب “سيسي بن أبيلو بن دلمار” … وحين حدثني أن أحدا في زمانه لا يقدر أن يقدم روايتي احسن مني صدقته .. حين عاد إلى الماضي باحثا عني ينبش القبور في خرائب مدافن العماليق جنوب سوبأ) ، من مقدمة الراوي ندرك أن الكاتب يؤسس لروايته من خلال إبتعاث الشخصية المحورية في الرواية (سيسي بن أبيلو بن دلمار) ليبدأ في سرد الرواية/التاريخ التي نسيها الناس وفي ذلك يقول هيثم حسين في دراسته “الرواية والحياة” عام 2013 (نجد عند بعض الروائيين ابتعاثا لشخصيات تاريخية، سواء كانت نافذة فاعلة أو هامشية، أو ابتعاثا لساعات أو لحظات سادت فيها شخصيات أو أثرت فيها، ثم اتخاذها مرتكزات وبؤرا وأبطالا)
يؤسس الكاتب روايته بمملكة علوة المسيحية وهي إحدى ممالك النوبة الثلاث وتقع حوالى 15 كيلومتر جنوبي الخرطوم وعاصمتها سوبا وذلك في حوالى القرن الخامس والسادس الميلادي. يبدأ سيسي بن بيلو بن دلمار حكايته قائلا (كان جدي دلمار ترجمان الملك النجاشي وكاتبه لملوك العرب. تعلم العربية وهو صغير حين كان يرافق قوافل العرب التي تأتي من الشرق .. كان رئيسهم شيخا شديد الوسامة وضيء الجبين، طلق المحيا، مهابا، نديا، يقال له هاشم). لا يوغل القارئ كثير في الرواية قبل أن يعلم أن المقصود بقوافل العرب هي رحلة الشتاء والصيف التي كان يقوم بها تجار قريش قبل الاسلام بقليل حسب المصادر العربية والاسلامية، حيث كانت هناك رحلتان، رحلة في الشتاء لليمن والحبشة وأخرى في الصيف إلى بلاد الشام ويدعم ذلك سامي البدري في كتابه السيرة النبوية : تدوين مختصر عام 1423ﻫ حيث ذكر (وكان هاشم أول من سن الرحلتين لقريش، ترحل إحداهما في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشي فيكرمه ويحبوه).
بعد ذلك تطلعنا الرواية بقدوم أصحاب الهجرة الأولى إلى أرض علوة يتقدمهم عثمان بن مظعون وعثمان بن عفان ومصعب بن عمير والزبير بن العوام، حيث يحسن النجاشي استقبالهم ويطلب من قومه أن يستضيفونهم خير استضافة. يسهم في ذلك “دلمار” جد “سيسي” الذي تولى مهام الترجمة للملك النجاشي، وعقب موت دلمار يتولى حفيده “سيسي” هذه الوظيفة.
يرى الكثير من الناس أن هجرة الصحابة الأولى كانت إلى الحبشة أو إثيوبيا الحالية، حسبما أكدت بذلك المصادر التاريخية ولكن هناك التباس واضح بشأن أرض الحبشة المقصودة، هل هي إثيوبيا، أم السودان؟ حسب رواية ترجمان الملك، المقصود بأرض الحبشة هو السودان، تحديدا مملكة علوة التي تشكل مكان وزمان الرواية. ويدعم ذلك الرأي ما ذكره الدكتور عبدالله الطيب في بحث تحت عنوان “هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ” قدمه ضمن ندوة حول السيرة النبوية الشريفة، عقدت بالمملكة العربية السعودية عام 1982.أيضا، تجدر الاشارة إلى ما نصح به الرسول (ص) أصحابه من أمر الهجرة إلى السودان لأن فيه بلال والنجاشي ولقمان، وقوله “من لم يكن له أخ فليتخذ أخا نوبيا”. وهكذا تدشن رواية “ترجمان الملك” قصتها بإعادة إنتاج ما استقر في أذهان الكثيرين حول الهجرة الأولى.
وجد “سيسي” في “الزبير بن العوام” صديقا وسلوى له من الوحشة التي يعيشها، فهو لا يعلم أين أبوه؟ وحينما يسأل أمه “تانيشا” عن والده تنحرف عيناها كأنه سأل عن أمر معيب. نشأ “سيسي” وهو لا يعرف أبا غير جده “دلمار” مترجم الملك النجاشي وحافظ أسراره ومستشاره الأول. حتى “سنجاتا” صديقته وحبيبته في الصبا، اختفت فجأة دون سابق علم. كل ذلك دفع “سيسي” للاحتفاء بالزبير وسرعان ما أصبحا صديقان لا يفترقان وساعد في ذلك أن “سيسي” كان يتحدث اللغة العربية بطلاقة مثل جده “دلمار” الذي عمل على تعليمه اللغة العربية والمعارف الأخرى.
عقب موت “دلمار” خلفه “سيسي” لبراعته في اللغة العربية، إذ عمد جده تعليمه لها وقدمه إلى الملك النجاشي قبيل وفاته، فأعجب به الملك كون “سيسي” قريبا منه في السن.
تتطور مع الرواية التاريخية، جانب تخييلي لقصة رومانسية تجمع “سيسي” ﺒ “سنجاتا”. نشأت العلاقة بينهما وهما لا يزالان صبيان يافعان، ولكن فجأة تختفي “سنجاتا” ويحزن “سيسي” عليها حزنا عميقا، ليجدها فيما بعد ضمن وصيفات زوجة النجاشي، وتلمح الرواية بارتباطهما مرة ثانية (كان صوتها وهي تحدثني كأنه ينبع من أعماق قلبي وليس من فمها. رأيت الحياة وهي تعود إلى عينيها، حين كانت تحدثني. والفرحة تحلق فوق رأسها ثم تحط على جبينها الوضاء… والتقت أعيننا لأول مرة منذ عشر سنوات. وطرنا معا إلى عوالم مسحورة).
احتشدت الرواية بالتصوير الطبيعي لمملكة علوه استخدم فيه المؤلف لغة وصفية رفيعة لمنطقة سوبا قديما، كما أشارت الرواية إشارة شديدة لدور السحر، في ذلك الزمان، وإرتباطه باليهود، في حكاية الساحرة “سيمونة” ضمن الرواية.


مختتم

بصفة عامة تعد رواية “ترجمان الملك” للروائي “عمر فضل الله” محاولة ناضجة لكشف حقبة تاريخية قيمة للسودان في عصوره الوسطى من منظور روائي اتخذ من التاريخ موضوعا له. جدير بالإشارة في هذا المختتم لشح هذا الجنس من الروايات والتي نشجع مؤلفينا من الخوض فيها لإلقاء المزيد من الضوء على الماضي الذي لم يدون إلا النذر اليسير منه.

المراجع العربية
1. البدري، سامي، السيرة النبوية : تدوين مختصر، بغداد : دار طور سينين للطباعة والنشر، 2002.
2. الطيب، عبدالله، الهجرة النبوية وما وراءها من نبأ، الخرطوم : مركز البحوث والدراسات بجامعة أفريقيا العالمية، مجلة دراسات أفريقية، العدد الثامن، 1998.
3. المعري، أبو العلاء، رسالة الغفران، القاهرة : مطبعة أمين (مطبعة هندية)، 1907.
4. دراج، فيصل، الرواية وتأويل التاريخ، دراسة، بيروت : المركز الثقافي العربي، 2004.
5. حسين، هيثم، الرواية والحياة، الشارقة: دائرة الثقافة والاعلام، 2013.
6. خيري، عاطف، ديوان سيناريو اليابسة، الخرطوم، مكتبة عزة للطباعة والنشر، 1995.
المراجع الأجنبية
1. Beaugrande & Dressler.(1981). Introduction to Text Linguistics. Harlow: Longman.
2. Kristeva, J. (1980). Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press.
3. Lukacs, G. (1983) The Historical Novel. Lincoln: Nebraska University Press.

الأمين سليمان ابراهيم
أكاديمي ومترجم مقيم بالأمارات.
mahir55554@yahoo.com

المصدر: صحيفة الراكوبة http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-62974.htm

قالوا عن ترجمان الملك – ميعاد سعود


Mi3adShariefدائمًا الكتب التي تأتي من غير ترتيب مسبق..
هي التي يصبح تأثيرها أشد في نفسي ..
وقعت عيني عليه بين الرفوف ودفعت ثمنه دون أن أقرأ المُلخص.. كتاب رائع يتكلم عن هجرة المسلمين للحبشة بمنظور ورؤية أخرى لم نعهدها من قبل .. لم تكن مجرد هجرة وحسب..
تكلم عن عدالة الملك النجاشي”أصْحمة بن الابجر” وماواجهه في حياته وكيف اغتيل والده وبيعه هو كـ عبد في سوق الرقيق آنذاك..
من ابن ملك علوة إلى عبد يباع ب٦٠٠ درهم
عشت تفاصيل الهجرة وذل استعباد البشر وكيف أن النجاشي أصحمة تعلم درسًا في حياته ووعد نفسه أن لا يظلم احدًا تحت يده .
كان هناك ألفة وعلاقات وقصص ..
رأيت المسلمين من جهة اخرى ..
كيف كانوا في قمة الرقي والتهذيب .. شعرت بالعزة والفخر وتمنيت لو أنني في زمنهم أو هم في زمننا .. في المدارس تعلمنا أن النجاشي ملك عادل فقط ولكن لم نسلط الضوء على حياته وماهو دافع عدله ؟ هذا الكتاب يغير نظرتك عن الهجرة وعن الكلام التاريخي المعتاد في الكتب الدراسية
الكتاب لمؤلف سوداني “عمر فضل الله” يملك لغة سلسة ومتمكنة .. كتاب مازال تأثيره قائمًا في نفسي حتى الان ومازلت أعيش أحداثهم في مخيلتي ..
ميعاد سعود. فنانة ورسامة سعودية

رواية ترجمان الملك في الصحف والوكالات


[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][metaslider id=4894][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

ترجمان الملك في جريدة الإتحاد الإماراتية: عمر فضل الله يعود في ترجمان الملك إلى العام 600 م.


Ettihadصدرت عن دار نهضة مصر رواية بعنوان «ترجمان الملك» لمؤلفها السوداني عمر فضل الله وهي رواية تجمع بين الخيال والحقائق التاريخية. وتروي قصة حياة الشاب «سيسي بن أبيلو» ذي الستة عشر ربيعاً والذي نشأ في العام 600 للميلاد في منطقة الحبشة القديمة بوسط أفريقيا وعاصر الأحداث العاصفة التي شهدتها السنوات الأولى من القرن السابع الميلادي، وعاصر وفود العرب القادمين من مكة للاحتماء بالدولة المسيحية والنجاشي، حيث يروي الشاب عن الصداقة التي نشأت بينه وبين أحد الشباب العرب القادمين من مكة (الزبير). كما يروي حكاية جده (دلمار بن أرياط) الذي كان يعمل ترجماناً للملك النجاشي ويسرد صوراً لممارسات تجارة الرق وبيع العبيد في ذلك الوقت من خلال مذكرات الملك النجاشي الصغير.
وتعكس الرواية للصراع الفكري الذي كان يدور في ذلك الوقت بين الكنيسة والقصر من خلال حوارات (دلمار) ترجمان الملك مع الكاهن أنطونيوس أسقف الكنيسة في سوبا، والحوارات بين الكاهن أنطونيوس والشاب «سيسي»، وبينه وبين الملك النجاشي. كما تضمنت حوارات الملك مع وفود العرب القادمين من مكة.
تصف الرواية قصر الملك والكنيسة والبيوت والأسواق في سوبا كما تعكس كثيراً من أنماط الحياة وسبل العيش والتجارة في مجتمع (سوبا)، ومكونات البيت الأفريقي القديم في مملكة علوة وواقع المجتمع المسيحي في سوبا وهيمنة السحرة على بعض جوانب الحياة.
تميزت الرواية بأنها تناولت بقعة مجهولة من أفريقيا لم تنل حظها من الاهتمام كما سلطت الأضواء على إحدى الممالك المسيحية الأفريقية القديمة وسبل العيش وأنماط الحياة والشخصية الأفريقية بجاذبيتها وسحرها.
وعن الرواية كتب الدكتور عثمان أبو زيد عثمان المستشار في رابطة العالم الإسلامي، ما يلي:
على غير المألوف يقدّم المؤلف لروايته بمقدمتين؛ إحداهما مقدمة المؤلف والأخرى مقدمة الراوي، ويقرر المؤلف في مقدمته أن البر الغربي للبحر الأحمر وضفاف النيل الأزرق كانت ملاذاً للعرب المسلمين المهاجرين من مكة إلى مملكة (علوة) المسيحية. ويرى المؤلف أن هذه الهجرة كانت بمثابة خطوة إستراتيجية عسكرية ناجحة لتأمين ظهر الدعوة الإسلامية وهي في مواجهة أعتى إمبراطوريتين في ذلك الوقت (الروم) و(الفرس)، كما كانت أنجح سفارة في تاريخ الإسلام كله.
وأول ما يشدّ انتباه القارئ لرواية «ترجمان الملك»؛ أسلوبها الجزل ولغتها الرصينة التي تستعير ألفاظاً وأسماء من لغة هذه البلاد وبيئتها، تضفي جواً من الغموض الفني، فينتقل الخيال إلى الماضي ليعايش صوره وملامحه وتقوم بنية الرواية على سرد متناغم يتوغل في أعماق الشخصيات، ليصف عالمها الداخلي، وما يدور فيه من خواطر نفسية، أو حديث مع الذات، وهو ما يسميه النقاد بـ»السرد النفسي» وربما يسأل القارئ؛ أهذه رواية تاريخية أم رواية للتاريخ؟ فوضع مقدمة المؤلف نهجٌ غير معتاد في كتابة الرواية.
تضمنت رواية «ترجمان الملك» فيما تضمنت، عرضاً لعلاقة عاطفية، ومع أنها ليست في بؤرة النص الروائي، وإنما هي مدفونة فيه، فإننا نتساءل: هل نحن بحاجة إلى قصة حب في كل عمل روائي؟ وفي كثير من الروايات التاريخية، يعمد الروائيون إلى اختراع هذه القصة إن لم يجدوها، بحجة أن العمل الفني لا يستقيم بعده التشويقي إلا بها.

المصدر: جريدة الاتحاد
تم ادراج عن الممالك والرعايا بتاريخ 18/07/2013 ورقمه لدينا 301041

ترجمان الملك في ضيافة منتدى أهل العيلفون وتقديم أحمد حسن إمام


3eed08أمسيات العيلفون – منتدى أهل العيلفون

والمساء يلملم أشياءه، والليل يرخي سدوله، وصفوة من أهل العيلفون يخرجون من مساجدها من بعد صلاة العشاء لتحط بهم الرحال في “دار الشيخ إدريس ود الأرباب” ويطيب لهم المقام وهم يستمعون في دهشة إلى أحمد حسن إمام وهو يتلو عليهم “ترجمان الملك” للدكتور عمر أحمد فضل الله لتبدأ أولى أمسيات العيلفون تحت مسمى منتدى أهل العيلفون حيث عطر الجلسة الأولى للمنتدى تلاوة للقران الكريم “عبدالسلام الصادق” ثم تبعه مقدم الجلسة “علي عثمان” بتعريف لفكرة “منتدى أهل العيلفون” حيث اقتصر حديثه على أن “منتدى أهل العيلفون” منتدى شامل ومتعدد يناقش قضايا الثقافة والآداب والفنون والحياة العامة اجتماعاً واقتصاداً وفقهاً وفكراً، ويتناول بكل التفصيل قضايا العيلفون الخدمية والاجتماعية ويتولي نشر تراثها وثقافتها وهو جمع لأهل العيلفون في مكان واحد من كل أسبوع يتداولون فيه هموم الحياة تفصيلاً لواقع العيلفون وكذلك كليات القضايا في الوطن الكبير.

قدم “أحمد حسن إمام” شرحاً وافياً وكافياً لرواية “ترجمان الملك” مستعيناً بأجزاء من الرواية تم عرضها عبر جهاز البروجكتر وقدم سيرة تفصيلية لمؤلف الرواية دكتور عمر أحمد فضل الله وقدم شرحاً شيقاً استعرض فيه الفكرة العامة للرواية وأبرز محطاتها وظل يسرد لمدة ساعة كاملة لم يتسلل فيها الملل لرواد المنتدى وكأن “سيسي بن أبيلو” خرج من مقابر أم قحف ليحكي للحضور سيرة العيلفون القديمة وتاريخها المنسي.

تم فتح باب التعليق والحوار بعدد من المداخلات المبدعة والرائعة ابتدرها “عمار أحمد الشيخ ادريس (الرؤفي)” ثم تبعه المهندس “عثمان يوسف” ثم “هيثم الوسيلة” ثم “أحمد عبدالقادر (قمبور)” ثم “وفاء عبد الرحيم” ثم “مخلص الشيخ ادريس” ثم “عبدالحميد الحاج”.

كل المداخلات تنوعت ما بين الثناء علي كاتب الرواية وما بين حقيقة الرواية وأحداثها التاريخية. ويكاد البعض منهم يجزم بأن الرواية تحكي عن أماكن ما زالت هي بنفس الملامح والشبه.

بعد ساعة ونصف من الحوار الرائع والجميل والمدهش أذن مؤذن الرحيل أن ميعاد اللقاء القادم يوم الجمعة القادمة 21/ يونيو/2013م الثامنة مساء “بدار الشيخ إدريس ود الأرباب للعلوم والثقافة والفنون” في موضوع جديد .

د. عادل عبد العزيز: رواية ترجمان الملك لوحة فنية رائعة الجمال


رواية ترجمان الملك لوحة فنية رائعة الجمال

[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”]

د. عادل عبد العزيز
د. عادل عبد العزيز

ترجمان الملك رواية رائعة الجمال، عندما تبدأ من القراءة لا تستطيع أن تتوقف الى أن تصل الى نهاية الرواية فهي من النوع الذي يمكن أن يطلق عليه السهل الممتنع فهي رواية سلسة محكمة الحبكه وهي تجمع بين الحقائق التاريخية والخيال في قالب فني متألق يأخذك الى منطقة في أعماق التاريخ القديم الى العام ستمائة الميلادي تتجاوز بك حدود الزمان والمكان لتحكي لنا تاريخ منطقة الحبشة القديمة في وسط القارة القديمة أفريقيا في مملكة علَوًه المسيحية لتحكي لنا تاريخ هذه المنطقة والأحداث العاصفة بين الملك العادل النجاشي وكهنة الكنيسة كما تحكي لنا قصة هجرة المسلمين الأوائل القادمين من مكة والفارين بدينهم من عذاب أهل مكة الذين وقفوا بعنف ضد الدين الجديد الذي أراد أن يخرجهم من الظلمات الى النور ومن الجاهلية الى عدالة السماء تحكي لنا هذه الرواية قصة الهجرة الأولى من عذاب قريش في مكة للاحتماء بمظلة الملك العادل النجاشي في مملكة علوه المسيحية وتحكي لنا في أسلوب جميل سهل قصة إيمانه بالرسالة المحمدية. رسالة الإسلام والتي يشد بها سيدنا عيسى عليه السلام في كتب المسيحية القديمة .. أسمع ماذا كان يقول هذا الملك العادل بعد أن استمع من أحد المهاجرين لجزء من سورة مريم وما هو موقف الرسالة الجديدة رسالة الاسلام من سيدنا عيسى عليه السلام :” أن هذا والذي جاء به النبي عيسى ليخرج من مشكاه واحدة”ثم خاطب قساوسة الكنيسة قائلاً:” يا معشر القسيسين والرهبان هذه حقيقة المسيح لا تريد ولها تنقص والله لا يزيدون على الذي نقول في المسيح ولو كان مثل هذا العود الصغير”.

ترجمان الملك والعلاقات الانسانية:

تتخلل الرواية الكثير من العلاقات الانسانية التي تكشف حياة البشر في تلك الحقبة التاريخية الضارية في أعماق التاريخ بسرد قصصي جذاب أدبي ويحضرني في هذا المقام تعريف الأدب فقد قيل قديماً أن “الأدب هو كل كلام عبرً عن معنى من معاني الحياة وجلها صورة من صورها بأسلوب جميل جذاب “.وهذه الرواية تمتاز بأسلوب أدبي جميل وجذاب ولعل أفضل شيء في دراسة التاريخ ولكي يرسخ التاريخ في الذهن أن يكون دراسته من طريق السرد القصصي الذي يجعلك تتابع الأحداث التاريخية بشغف ولهفة لأنها مربوطة بالحبكة القصصية الروائية السردية الجميلة .

تتعرض الرواية لبعض الممارسات الانسانية السالبة في تلك العصور وتسرد صوراً لممارسات تجارة الرق من خلال مذكرات الملك العادل النجاشي والذي لم ينجو نفسه من هذه الممارسة والذي بيع عبداً فعاد من الأسر ملكاً متوجاً والتحية له فقد وقف ضد هذه الممارسات والغى تجارة الرقيق وحاكم كل الذين كانوا يمارسونها من التجار والوزراء والكبراء في ذلك الزمان.

ترجمان الملك رواية جميلة رائعة تجمع بين الخيال والتاريخ القديم ومعظم الأحداث التاريخية التي تحدثت عنها تعتبر تاريخاً صحيحاً ويمكن أن تعدل ليصبح فيلماً تاريخياً يمكن عن تلك الفترة التاريخية لتلك المنطقة الضارية في جذور التاريخ والتي لا يعلم عنها لا الكبار ولا الصغار فهي بحق تستحق القراءة وهي تماثل رواية دافنشي كود في الطريقة ولو وجدت مخرجاً جيداً لصنع منها فيلماً عظيماً.

وقد تم ترشيح الرواية لجائزة الرواية العربية وأحسب انها سوف تنال هذه الجائزة بإذن الله.التحية للأستاذ عمر فضل الله لهذا العمل الفني الابداعي المتكامل ونرجو منه مواصلة العطاء

 ولكم التحية قرائي الاعزاء .

د. عادل عبد العزيز محمد حامد

Skyseven51@yahoo.com

المصدر: صحيفة سودانايل http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=55855:2013-07-05-19-56-28&catid=34:2008-05-19-17-14-27&Itemid=55[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

تعليقات القراء (1) حول رواية “ترجمان الملك”


[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][metaslider id=4897]

محمد الشيخ

ترجمان الملك…رواية ممتعة مسترسلة….غنية بالمعلومات التاريخية…شخوص الرواية يؤدون أدوار وضعها الراوي وفي نفس الوقت يتلقفها المتلقي كاخبار جديدة….مفردات السرد تدخل القارئ في محيط الدهشة والإبهار….تعمد الراوي إدخال معلومات هي في الاصل قديمة لكن وضع لها طلاء زاهي علي سبيل المثال طيور الهلاك اي طير الابابيل…..مازج الراوي بين المسيحية والإسلام حسب زمكانية الشخوص التي بنيت بها الرواية….يتمتع الراوي بقدرة هائلة في الوصف….هذه بعض من الملامح العامة لرواية عظيمة سيحتفي بها قارئها في المحيط المحلي والإقليمي والعالمي….مبروك يا دكتور مزيدآ من الإبداع.

ناهد محمد – جامعة الأحفاد:

العالم الجليل والدكتور الفاضل / عمر أحمد فضل الله تحايا وسلام / ما أشق مهمتي فكم هي الحروف قاصرة وأنا أحاول عبثآ تشكيلها لتحمل لك شعورآ وفرحآ , فإني أجد مشقة هائلة وأنا أكتب هنا يتجمد بياني فيغلبني الكلام وأجد رهقآ فادحآ وأنا أخاطب عالم ومثقف أدبي وقاص وناثر وشاعر … وهنا لا أجد غير سؤال الله أن يشرح صدري ويفك العقدة من لساني , وأنا أكتب لك عندما تتجمع كل تلك البطاقات في شخصك النبيل .. إذآ أعذرني إذا كب فيك تبياني وتعبيري لعلمي أنك وجه مشرف بحق الثقافة السودانية والحرف القابض علي جمر الإبداع من قامات الأدب الروائي . عند قراءتي لهذه الرواية إفتخرت بهذا القلم الذي خط لنا كل إبداع ورصد لنا كل تفاصيل وأغدق علينا بعظيم معلومات أبحر بنا في سواحل بعيدة المدي مزجت بين الحقيقة والخيال . وما أوصله هذا القلم إلي قلوبنا قبل عقولنا ما كانت تحلم به الأيام في شرحه وتفصيله وتوضيحه , قلم لا يمل الحروف ويبحرنا زورقه ونحن نبحر في أعماقه ويسرد لنا تلك القصص والحكايات وكأننا نعيش تلك الحقب ويوثق لتاريخنا وإنتصاراتنا . أتمني لهذه الرواية أن تكون في مصاف العالمية وأن تملأ البلاد عبقآ أدبيآ نادرآ فهي رواية تحتاج للوقوف أمام عتباتها لكي نفسر مواطن الجمال والسحر والخيال الذي جمعته في آن واحد . وهكذا مبدعو بلادي دومآ يقدمون الإخضرار والدهشة والإسغراق . دمت رائعآ شامخآ معطاءآ.

أشرف عبد الحميد:

إن اثنيت على هذه الرواية فقد اجحفت في حقها, فهي اروع من ان تمتدح في كلمات, من اروع ما قرأت, سرد لأحداث تاريخية تحكي عن عظمة تاريخنا وعن حياة الملك العادل اصحمة رحمه الله كما وصفه الذي لا ينطق عن الهوى وعن اصولنا واصول عاداتنا التي كنت اجهلها قبل قراءة ترجمان الملك, رواية لا اجد تعبيراً مناسباً لأصفها به.

كم كان جميلاً ذلك الاحساس الذي راودني وانا اقرأ ترجمان الملك, وكأني رجعت بآلة الزمن الى تلك الحقبة وانا احد سكان مدينة سوبا, لا تحدني سور ولا ابواب, تارة ادخل قصر الملك والكنيسة ,اعبر النيل الى حيث الساحرة سيمونة, اجالس الحكيم دلمار وحفيدة سيسي وتارة اخرى اذوق طعم الذل والعبودية وانا غلام مع اصحمة حين اخذ عبداً وتارة اسعى للتقرب للمهاجرين من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم واستشعر طيبتهم وصدقهم وثبات ايمانهم واقف معهم في صف الصلاة كما فعل سيسي وامه وكما فعل دلمار من قبلهم..

لم اكن اعرف ان للمسميات والعادات التي نراها ونسمع عنها في حياتنا الى اليوم جذوراً ضاربة في القدم وليست وليدة العصر الحديث, وان الكثير منها اصله نوبي او حبشي.

كم اعجبتني مهارة … الكاتب في مزج التاريخ بالخيال في صورة جميلة شيقة تجذب القارئ وتنقله لتلك الفترة يكون فيها كمن يتجول في شوارع سوبا ويشاهد بأم عينه كل حرف كتب فيها ولكوني من اهل تلك المنطقة الجميلة فقد كان لهذه الرواية وقع في قلبي لا يحس به إلا من هم مثلي .. لم اكمل اليوم إلا وقد قرأت الرواية كاملة وهأنذا اعيدها للمرة الثانية.

وكم تحسرت على اهمالنا لتاريخ منطقتنا وكم احسست بالعار لجهلي بكل تلك المعلومات القيمة التي تحتويها ترجمان الملك …

بقيت عندي معضلة وهي فصل المعلومات التاريخية عن خيال الكاتب, فقد نبهنا الكاتب لعدم اعتبار الرواية كمرجع تاريخي, خصوصاً وان بالرواية الكثير من الاحداث التاريخية, فهل فعلاً منطقتنا هي تلك التي هاجر اليها الصحابة طلباً للأمن؟ وهل ما قام به اليهود والكهنة مطابق لما حدث فعلاً في تلك الحقبة؟

حفظك الله دكتور عمر فأنت رجل قل ما يجود الزمان بمثله ,كم انا فخور بك وبإنتمائي لتلك المنطقة التي جرت فيها احداث ترجمان الملك ..

علي عثمان:

اطلعت في ليلتين علي رواية ترجمان الملك للدكتور الأديب عمر فضل الله ولولا بعض الأشياء لأكملتها في ليلة واحدة فهي مشوقة للحد البعيد التي تجعلك تلتهم كل صفحاتها مرة واحدة , ترددت ان اكتب تعليقي عليها خشية ان يكون ذلك دون المقام الرفيع للراوي والرواية ولكني تجاسرت علي ذلك وكتبت تعليقي عليها رغم تواضعه لكنه يعبر عن فهم قارئي بسيط لملاحظات بسيطة بعد انتهاء الرواية مباشرة وأجمل ذلك في النقاط الاتية :ـــــ

1. اعتقد ان هذه الرواية تستحق القراءة والاطلاع عليها وبذل الجهد في اقتنائها ووضعها تحت الراس كل ليلية للتأمل والتشوق .

2. الرواية تناولت حقبة تاريخية مظلمة لم يسلط عليها الضوء بشكل كافي وكنت أتخوف علي الراوي من تناول هذه الحقبة التاريخية بكل ظلامها ولكنه عالج ذلك بأسلوب فلسفي عميق وخيال أخاذ واستخدم التاريخ استخداماً جميلاً رغم الاكثار منه.

3.القاريء للرواية يظن انه امام توثيق لتاريخ هجرة الصحابة الي ارض الحبشة بمعني ان الرواية جعلت من تاريخ المسيحية في علوة في سياق هجرة الصحابة وكان المعني ليس تاريخ المسيحية ولكن هجرة الصحابة هكذا فهمت .

4. القارئي للرواية يظن ان كاتب الرواية واحد من سدنة الكنيسة في علوة القديمة فقد دخلت الرواية الي عمق الكنيسة بشكل مدهش ومثير جعلت القارئ كأنه في احد الأديرة في علوة القديمة .

5. استخدام الجنس في الرواية كان محتشماً جداً وتحس انه في سياق الرواية ولم يحشر حشراً واستخدم الراوي مفردات جنسية في غاية التهذيب ولم يجنح للإثارة والتهييج.

6. الراوي استخدم الطريقة الكلاسيكية في الإثارة والشد حيث جعل للرواية بطلين رجل وامراة وجعل محور الرواية وخلاصتها ونهايتها في قصتهما وكنت اتمني ان يجنح الراوي لطريقة غير هذه الطريقة .

7. الرواية احتشدت بوقائع تاريخية كثيرة جداً جعلت من الراوية اقرب لكتب التاريخ وكنت اتمني ان يوغل الراوي اكثر في الخيال وهو قادر علي ذلك .

8. الرواية سلطت الضوء علي مفاهيم دينية ليس عليها إجماع ومختلف حولها وخاصة اذا علمنا ان الرواية يمكن ان تترجم الي لغات اخري ويطلع عليها من غير المسلمين مثال علي ذلك قتل المرتد ورغم عدم الإجماع عليه ادخله الراوي في حقبة تاريخية لم يكن هذا الحكم موجوداً فيها .

9. هذه قراءة سريعة بعد الاطلاع عليها مباشرة ونحن تعودنا علي النسخ الورقية ونعاني من الاطلاع علي النسخ الالكترونية وفي انتظار وصول الرواية الي السودان .

10. هذه مشاركة مثل طق الحنك فعادة اهل السودان يتكلمون في أي مجال وهم من غير اهله فلك عذرنا أستاذنا الفاضل ان تطاولنا علي الرواية والراوي .

عفراء عبد الحميد:

رسالة عبر العصور سلام من الله عليك اود اولا ان اعبر لك عن اعجابي الكبير برجاحة عقلك وبراعة فكرك و ليس غريب عليك و انت حفيد ترجمان الملوك و الحكام دلمار .. و لا أدري ان كنت قد امتلكت موهبة القص من جدك ايضا فقد احسست من حديثك و كأنني اتجول في سوبأ ( كما تنطقها ) و ادخل اسواقها و أتمشى في طرقاتها و بيوتها و تخيلت و كأنني قد نزلت بداركم و قابلت والدتك تانيشا تلك المرأة النوبية القوية الحكيمة . تمنيت لوكان باستطاعتي ان ارسل رسالة أخرى للملك اصمحة لكن لعلمي بصعوبة الوصول اليه و قربك منه فأقرءه مني السلام ذلك الملك العظيم الكريم الذي ملأت اخباره و قصص عدله البلاد و اثنى عليه رسولنا الكريم و دون ان يلتقيه ليضربا لنا مثلا في التعايش السلمي والتعايش بين الاديان وكل ما يتشدق به الغرب الآن ايوجد ماهو ارقى تعاملا من ان يطلب رسول من ملك يخالفه في العقيدة خطبة امرأة ليست من رعيته و يوافق الملك و يجهزها و يزفها اليه !! ولا أعجب ابدا من دهشتك لما آلت اليه مملكة سوبأ اليوم و كيف اندثرت تلك الامبراطورية ليطويها النسيان فأنني وبعد ان قرأت وصفك لها تمكلني شعور ممزوج بالدهشة والحزن .. كيف يعقل ان تكون تلك المملكة العظيمة و تلك الاحداث العظام كانت هنا بمحازاة مني و صحابة رسول الله داسوا بأرجلهم الكريمة هذه الارض و انني قد أطأ بقدمي أثار أقدام سيدنا عثمان ذو النورين.. اي خير كان عندنا و اي نور حل بنا و اي خراب جاء بعدها !! و الغريب ياسيدي اننا قد ورثنا كثيرا من عادتكم في ذاك الزمان و ما زلنا نمارسها الى يومنا هذا فكيف استمرت العادة و اندثرت المملكة و ضاع التاريخ ..  كما استوقفني ايضا ذكرك للانجيل القديم و قد قرأت من قبل ما يؤكد حديثك هذا بشأن تدخل الدولة الرومانية في كتابة الانجيل الحديث ، لذا قد وجدت الحقائق التي ذكرتها الطريق ممهدا لها عندي و يبدو انه و بالرغم من تمكن النجاشي اصمحة من فرض تلك النسخة القديمة على الكنيسة استطاعت النسخة الحديثة ان تفرض نفسها مرة أخرى تمنيت لو تبقت نسخة من ذلك الانجيل الذي كان يمتلكه دلمار و النجاشي وكنت قد قرأت ايضا عن مقبرة سليمان و فرسان الهيكل و السر الذي اخفته الكنيسة وقد كانت كل الاشارات تدل ان الهيكل مدفون في القدس و بعض الاقاويل تقول بوجوده بأحدى الجزر بأروبا لكن ان يكون الهيكل مخفي هنا بأفريقيا و محروس بالسحر الاسود فهذا ما لم اكن اتوقعة ابدا ..  أخيرا سيد سيسي سررت جدا بحديثك و اتمنى ان لا تتوقف ابدا عن الكتابة و التوثيق لأحداث ذلك الزمان فنحن بأشد الحوجة لمن يعيد احياء تلك الامجاد .. تحياتي لك و لذلك العصر الجميل .. 

من احد سكان هذا العصر : عفراء عبد الحميد

ناهد محمد:

العالم الجليل والدكتور الفاضل /عمر أحمد فضل الله تحايا وسلام /ما أشق مهمتي فكم هي الحروف قاصرة وأنا أحاول عبثآ تشكيلها لتحمل لك شعورإ و فرحآ فإني أجد مشقة هائلة وأنا أكتب هنا يتجمد بياني فيغلبني الكلام ، وأجد رهقآ فادحآ وأنا أخاطب عالم ومثقف أدبي وقاص وناثر وشاعر . . . هنا لا أجد غير سؤال الله أن يشرح صدري ويفك العقدة من لساني فعندما تتجمع كل تلك البطاقات في شخصك النبيل إذإ أعذرني إذا كب فيك تبياني وتعبيري ، لعلمي أنك وجه مشرف بحق الثقافة السودانية والحرف القابض علي جمر الإبداع من قامات الأدب الروائي والشعر والعلم والمعرفة ….وأنا أقرأ هذه الرواية إفتخرت بهذا القلم الذي خط لنا كل إبداع ورصد لنا كل تفاصيل وأغدق علينا بعظيم معلومات . قلم وصل إلي قلوبنا قبل عقولنا وكتابة قيمة أبحرت بنا في سواحل بعيدة المدي مزجت بين الحقيقة والخيال ، قلم لا يمل الحروف ويبحرنا زورقه ونحن نبحر في أعماقه ويسرد لنا تلك الحقب ويوثق لتاريخنا وإنتصاراتنا . هذه الروايةتحتاج للوقوف طويلآ أمام عتباتها لكي نفسر مواطن الجمال والسحر والخيال والدهشة الذي جمعته في آن واحد فهي قلادة الشرف التي يجب أن تعلق علي جيد إبداع أديبنا ومفخرة السودان الموسوعي تنم عن شخص مترع بالتجارب ومثقل بالحكايا التي تجعل التاريخ يجثو علي ركبتيه بل هو جزء من ضروب الأحداث . أتمني لهذه الرواية أن تكون في مصاف العالمية وأن تملأ البلاد عبقآ أدبيآ ، فهذا مجهود لم يذهب سدي فأمتعنا كثيرآ وأخذنا في عوالم الدهشة والمتعة والخيال والتاريخ _ _ فهكذا مبدعو بلادي دومإ يقدمون الإخضرار والدهشة والإستغراق . دمت رائعآ شامخآ معطاءآ . ولك منا كل التقدير والإحترام .

[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

الدكتور عمر فضل الله فى رواية ترجمان الملك على خطى الطيب صالح وتفسير الدكتورعبدالله الطيب


خواطر فنية – صلاح عمر الشيخ

[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”]

صلاح عمر الشيخ
صلاح عمر الشيخ

coverالمزج بين الخيال والحقيقة والتراث والتاريخ أسلوب يجعل ترجمان الملك رواية عالمية ومرآه ساطعة تعكس زمان وأحداث هجرة الصحابة الى الحبشة برواية أحد سكان مدينة سوبا حاضرة مملكة علوة المسيحية آنذاك وتجمع بين الحقيقة والخيال في قالب إبداعي يضع هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية . هكذا قدم لرواية ترجمان الملك للدكتور عمر فضل الله المفكر والباحث والكاتب الذي نشأ بالعيلفون وهي القرية المتاخمة لمدينة سوبا القديمة  عاصمة مملكة علوة ، والذي يعمل حالياً مديراً لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الالكترونية  بدولة الإمارات العربية المتحدة، له إسهامات متنوعة في العديد من مجالات العلوم والمعارف والأدب والفكر والدعوة وقد أشرف على تأسيس عدد من المراكز العلمية والبحثية بالسودان مثل مركز الدراسات الإستراتيجية والمركز القومي للمعلومات وهو شاعر وأديب له ديوان شعر (زمان الندى والنوار ) وترجمان الملك هى أولى رواياته. عرفتُ الدكتور عمر فضل الله في دولة الإمارات في أوائل التسعينات حين جاءها محاضراً في النادي العربي بالشارقة الذي كنت سكرتيراً له حتى عاد مرة أخرى مهاجراً وليقيم حتى الآن .

استطاع دكتور عمر فضل الله في ترجمان الملك أن يؤكد تفسير الدكتور عبدالله الطيب بأن أرض الهجرة الأولى المسماة الحبشة كانت هي مملكة علوة المسيحية  وعاصمتها سوبا.  أورد ذلك من خلال السرد الشيق لتفاصيل هجرة أصحاب الرسول صلى الله علية وسلم إلى مملكة علوة بتفاصيل رواية مزج فيها الخيال بالحقيقة فجعلها رواية ممتعه تقودك الى قراءتها وإكمالها  رغم أنها ضمت 356 صفحة من الحجم المتوسط .

اهتم الكاتب بتفاصيل العادات والتقاليد في ذلك  الوقت والتي تؤكد أنه بحث عميقاً في التاريخ وفي التراث لمملكة علوة المسيحية وتعمق في قصة هجرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والحوادث التاريخية الموثقة التي أعطت الرواية صدقاً وبعداً يجعل القاريء لايصيبه أى شك في أن القصة بالفعل كانت أحداثها في سوبا .

الرواية بأسلوب سردها الشيق واهتمام كاتبها بالتفاصيل والحكايات التراثية وسرد التاريخ ودمجها مع الخيال المحبب الذى لايفسد القصة الحقيقية يجعل هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية وهذا ماسيحدث إذ قدمت له عروض لترجمتها لأكثر من لغة خاصة أنها تحكي فصلاً هاماً في التاريخ الإسلامي وهي الهجرة الأولى للحبشة وملكها النجاشي .

mansi

منسي: إنسان نادر على طريقته

تصادف بعد قراءتي لرواية ترجمان الملك أننى قرأت عملاً روائياً قديماً للطيب صالح هذا الأديب العالمي، اسمه “منسي إنسان نادر على طريقته” هذه الرواية تشبه إلى حد كبير في أسلوبها رواية ترجمان الملك وهو مزج الحقيقة بالخيال والتي برع فيها الطيب صالح خاصة في روايته موسم الهجرة إلى الشمال التي نقل فيها العادات والتقاليد والتراث السوداني إلى العالمية .

أما منسى وهو شخصية بالفعل فريدة، مسيحي عربي اسمه يوسف مايكل بشطاوروس عاش في انجلترا وأسلم ليتحول اسمه إلى أحمد منسي استطاع الطيب أن يحول حكايته البسيطة ومغامراته وجرأته إلى حكاية ورواية شيقة جدا ً تسلط الضوء على هذه الشخصية الفريدة .

منسي هي آخر أعمال الطيب صالح والتي كتبها على حلقات في مجلة “المجلة” المعروفة وجمعت فى كتاب مؤخراً . ربما لم تجد رواية منسي حظها من الدعاية كما وجدت روايات الطيب صالح الأخرى ولكنها لاتقل روعة وأدباً عن رواياته الأخرى ولعلي أشرك القاريء في وصف الطيب صالح لمنسي في أول روايته – (في مثل هذا الوقت من العام الماضي توفى رجل لم يكن مهماً بموازين الدنيا ولكن كان مهماً في عرف ناس قليلين، كمثلي، قبلوه على عواهنه، وأحبوه على علاته، رجل قطع رحلة الحياة القصيرة وثباً وشغل مساحة أكبر مما كان متاحاً له وأحدث في حدود العالم الذي تحرك فيه ضوضاء عظيمة .)

  المصدر: صيحفة أخبار اليوم السودانية وصحيفة فنون وجريدة البلد أعداد 6 مايو 2013. [/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

«ترجمان الملك» رواية تجمع بين الخيال والحقائق التاريخية في قالب إبداعي


صحيفة الشرق القطرية

9 يونيو 2013    Al-Sharq News  • القاهرة- زينب عيسى

عالم غريب بعيد حيث النجاشي ملك الحبشة العادل وحكايات بين التاريخ و الخيال صراع الكنيسة و القصر و المهاجرين المسلمين الأوائل و ترجمان الملك الشاهد على مؤامرات القصور. هذا هو عالم رواية” ترجمان الملك “للكاتب السوداني عمر فضل الله. الـروايـة الصادرة عن دار coverنهضة مـصـر للنشر تـأخـذك إلــى منطقة مطموسة في التاريخ، تتجاوز بك حدود الزمان والمكان لتصل بنا للعام 600 ميلادية في منطقة الحبشة القديمة في وسـط إفريقيا عبر قصة الشاب “سيسي بن أبـيـلـو” حفيد تـرجـمـان الـقـصـر “دلمـــار بـن أريــاط” الـذي عاصر الأحــداث العاصفة بين النجاشي و كهنة الكنيسة فـي الـقـرن الـسـابـع المــيــلادي، كما عاصر هجرتي المسلمين الأوائل القادمين من مكة للاحتماء بمظلة عدالة النجاشي من عذاب قريش لهم. تتخلل الرواية الكثير من العلاقات الإنسانية الـتـي تـكـشـف جــوانــب مــن حـيـاة الـبـشـر فــي تلك المرحلة الغامضة من التاريخ. كما تسرد صوراً لممارسات تجارة الرق وبيع العبيد في ذلك الوقت من خلال مذكرات النجاشي .

حفل توقيع رواية ترجمان الملك


[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][metaslider id=4897]

تم في يوم الإثنين 3 يونيو 2013 بمقر دار نهضة مصر للنشر 21 أحمد عرابي بالمهندسين حفل توقيع رواية ترجمان الملك وقد حضر الحفل لفيف من المعجبين والمفكرين كما تولت الأستاذة نشوى الحوفي رئيس قسم النشر بدار نهضة مصر تقديم الدكتور عمر فضل الله وإدارة الحوار الفكري والثقافي الذي دار حول الرواية وموضوعاتها.
الرواية تجمع بين الحقيقة والخيال المحبب في قالب إبداعي وهي تحكي قصة الشاب “سيسي بن أبيلو” الذي عاش أيام هجرة الصحابة إلى سوبا حاضرة دولة علوة المسيحية، حين كانت تلك المنطقة فى تلك الحقبة الزمنية ملاذا للعـرب والمسلمين الأوائل الذين هاجروا إلى تلك المملكة التى آوتهم فى ظل ملكها الحكيم العادل أصحمة بن الأبجر (النجاشى).كما تحكي قصة حياة “دلمار” ترجمان الملك النجاشي وهي تسرد الأحداث العاصفة والمؤامرات التي دارت في تلك الأيام للاستيلاء على الحكم حتلا لا يتولاه الملك الشاب، كما تعكس أنماط الحياة الأفريقية والجوانب الإنسانية.
ويصف المؤلف تلك المدينة وصفا دقيقا وكيف كانت الحياة فيها من سكان وأسواق وتجارة للعبيد وكيف احتدم الصراع بين الكنيســـة والقصر حتى وصل إلى حرب تهدد بزوال المملكة القوية ..ودور ترجمان الملك دلمار ومن بعده حفيده سيسى فى حفظ أسرار المملكة ومؤازرة الملك النجاشى ودحر المؤامرات التى حيكت ضده من الوزراء والكنيسة والسحرة….إلى غيرذلك من أحداث ينسجها الكاتب فى بناء متماسك..وحبكة قوية لا تخلو من عنصر التشويق.

[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

الإصدار الأول لرواية “ترجمان الملك”


torgoman

رواية “ترجمان الملك” في طبعتها الأولى عن دار نهضة مصر. وهى مرآة ساطعة، تعكس زمان وأحداث هجرة الصحابة إلى الحبشة، برواية أحد سكان مدينة سوبا، حاضرة مملكة عَلَوَة المسيحية آنذاك، وتجمع بين الحقيقة والخيال في قالب إبداعي، يضع هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية.

تحويل رواية ترجمان الملك إلى عمل سينمائي


أوصى المؤتمر الدولي للسيرة النبوية (بأن تتبنى مؤسسة إعلامية تحويل رواية “ترجمان الملك” إلى عمل روائي سينمائي، فالرواية نواة جيّدة لإنتاج فني خلاّب).  وكان المؤتمر الدولي الأول للسيرة النبوية الشريفة قد انعقد بجامعة أفريقيا العالمية بالتعاون مع الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الفترة من 29-30 صفر 1434هـ – الموافق 11 -12 يناير 2013م – تحت شعار (تنزيل مقاصد الشرع وتعميق محبة الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم). وشاركت فيه  ست وعشرون دولة من بينها مصر والسعودية والصومال والعراق وفلسطين والجزائر والمغرب وليبيا وتركيا وماليزيا وأمريكا وكندا والنيجر وبنين وبنجلاديش والسودان. وقد قدم ضمن أوراق المؤتمر بحث بعنوان القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية رواية ترجمان الملك مثالا تناول فيه د. عثمان أبوزيد عثمان المستشار في رابطة العالم الإسلامي رواية ترجمان الملك من خلال عرض تقديمي وتحليلي حيث أشار إلى أن “أول ما يشدّ انتباه القارئ لرواية ترجمان الملك؛ أسلوبها الجزل ولغتها الرصينة التي تستعير ألفاظاً وأسماء من لغة هذه البلاد وبيئتها، تضفي جواً من الغموض الفني، فينتقل الخيال إلى الماضي ليعايش صوره وملامحه” وأن بنية الرواية  “تقوم على سرد متناغم يتوغل في أعماق الشخصيات، ليصف عالمها الداخلي ، وما يدور فيه من خواطر نفسية، أو حديث مع الذات، وهو ما يسميه النقاد بـ “السرد النفسي”…

ويمضي د. عثمان في تحليله للرواية فيقول:

“وإذا كانت السمة السائدة في كثير من الروايات الحديثة هي تعمّد تشويه الشخصية الإسلامية حتى صارت هناك شخصية نمطية للمتدين بشكل عام ، فإن شخصيات الرواية في رواية ترجمان الملك تظهر في طابع مشرق، إذ تزخر الرواية بنماذج وأطياف إنسانية متنوعة في الإطار الإيجابي الذي يحبب الدين إلى نفس القارئ. وهناك معالجة لفكرة النقيض الأخلاقي بإيجاد شخصيات غير سوية تتجسد في الساحرة وبعض الوزراء الفاسدين والكهنة في بلاط النجاشي. وأبرزت القصة أكبر قضية إنسانية استأثرت بالاهتمام في ذلك العصر ، ألا وهي تجارة الرقيق ، وعكست مدى المعاناة التي حاقت بقطاع عريض من البشر أوقعهم حظهم التعس في أيدي النخاسة. “

ثم يتناول عرض المؤلف لشخصية النجاشي فيقول:

“وقد عرض هذه الشخصية عرضاً أميناً مثيراً للأحاسيس والعواطف الدينية. ومع ما تقدم فإن الرواية تثير أسئلة تاريخية مهمة طالما كانت موضع مناقشة وجدل، وأول تلك الأسئلة ما تعلّق بالمكان الذي هاجر إليه الصحابة، فمنذ أن أطلق المرحوم عبد الله الطيب مقولته حول هجرة الصحابة وأنها كانت إلى أرض السودان الحالية وليست إلى أثيوبيا، ما تزال الفرضية بين متقبل لها ورافض. تذهب رواية “ترجمان الملك” إلى أن منطقة سوبا هي المكان الذي عاش فيها النجاشي، وفيها استقبل المهاجرين”…

“ويبدو أن كاتب رواية ترجمان الملك مال إلى اختيار سوبا مكاناً لهجرة الصحابة باعتبارها حقيقة تاريخية لا مرية فيها. غير أن الكاتب اجتهد جداً في التحقق من هذه الواقعة، ويكفيه أنه رجع إلى (148) مصدراً ومرجعاً، واطلع أيضاً على ما كتبه الدكتور حسن علي الشايقي من دراسة تقويمية لرأي البروفيسور حسن الفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة الكرام للحبشة.

الجدير بالذكر أن رواية ترجمان الملك لمؤلفها د. عمر فضل الله تحكي قصة نجاشي الحبشة برواية أحد سكان سوبا عاصمة دولة علوة المسيحية آنذاك، في قالب درامي مليء بالأحداث مما يجعل الرواية قابلة للتحويل إلى عمل سينمائي ناجح.

ترجمان بلا ترجمان – بقلم تماضر


subawarriorهكذا تدخل الرواية القلب دون ترجمان أو وسيط .. الرواية مموسقة .. تارة اجدني اقرأ ببطء فاعيد المقطع مرارا وتارة أجدني اقفز للسطر الثاني قبل إكمال الأول .. اعتبر أن من معايير نجاح الرواية أن يتحكم فيك نسقها وتقتادك حيث تريد دون أن تملك حتى الخيار أن تتوقف لتعود .. أمتعتنا د. عمر ..‏ كعادتي أمل قراءة التأريخ لكن ليس في هذه المرة .. ليت كل التأريخ يكتب بهذا الأسلوب ..‏‎ ‎ بعض النقاط : ‏1. الرواية محبوكة لدرجة أنك لا تستطيع الفصل بين الحقيقة والخيال وهو ما أتوق الآن لمعرفته . ‏2. بعض الكلمات ذكر بأنها من اللغة الحبشية مع تقارب معناها في اللغة العربية مثل كلمة مصحف ومنبر (والمعنى مطابق لما نطلق عليه الآن بنبر ) فهل هذا التداخل يدل على اصول الأحباش ام على انصهار الثقافتين وهل يوجد هذا التداخل كثيرا؟

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

وقفة عند إيماءة ياسر خيري على نص الترجمان


إيماءة على نص “ترجمان الملك”/ عادات مسيحِيّة قدِيمة في السودان الشمالِي. 

ياللروعة والجمال. الآن بدأت أحس أن “ترجمان الملك” قد ألقت حجراً في اليم، وأن دوائر الحراك الثقافي بدأت تنداح على صفحة الماء. جميل هذا الطرح، وجميل أن نبدأ حواراً ثقافياً أدبياً تاريخياً نحيي فيه تراثنا ونعيد لهويتنا رونقها ونعلم النشء والأجيال أصالة هذه الرقعة من العالم. الكلام عن العادات والطقوس الوثنية أو المسيحية القديمة في المنطقة يتطلب حواراً مستقلاً بذاته، وربما أعود له فيما بعد ، ولكن يهمني هنا الجزء الثاني من مشاركتك وهو: (هل وقفت اللغة حاجزاً بين العرب وتأصيل الثقافة والمعارف الإسلامية فلم يستطيعوا القضاء على تلك العادات والتقاليد والطقوس المسيحية القديمة المتوارثة؟). معلوم أن هذه الرقعة من العالم هي من أكبر مواطن التجمعات البشرية الحضرية القديمة التي قامت على ضفاف الأنهار الكبرى مثل الحضارة الصينية وحضارة ما بين النهرين. يذكر “فرتز هنتزة” الأثري الألماني المعاصر والمتخصص في دراسات الحضارات النوبية السودانية القديمة أن التأريخ يسجل لحضارة نهر النيل النوبية السودانية أنها من أقدم مواطن العمران الإنساني وأنها ازدهرت تحت مسميات ممالك النوبة القديمة في البجراوية ومروي لأكثر من ثلاثة آلاف عام وازدهرت بقوة في الفترة من عام (2800 ق.م.) إلى عام (525 م) وقد تعاملت خلال هذه الفترات مع حضارات أخرى معاصرة مثل الإغريق والرومان وغيرهم من الأمم التي امتد نفوذها للمنطقة ، ولا تزال مخلفات الأهرامات والقصور الملكية بتماثيلها ونقوشها وخاصة منجم صهر الحديد ومعبد الأسد شامخة شمال مدينة “شندي”. كذلك أريد أن أقرر هنا أن هناك كثيراً من الرحالة والمكتشفين من المسلمين والإفرنج قد كتبوا عن المنطقة أو زاروها أمثال المقريزي والمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وابن سليم الأسواني ، ومن الفرنجة هيرودوتس وديودورس الصقلي واسترابو الروماني ويوسفوس اليوناني ولبسيوس الألماني وصمويل شارب الإنجليزي وماسبيرو الفرنسي. كما أقرر هنا أن ممالك النوبة اتصلت بالحضارة الفرعونية في مصر وتبادلت معها الاحتلال المباشر وبسط النفوذ خاصة فترة الاسرتين الخامسة والسادسة والعشرين فهي فترة حكم ملوك النوبة السودانيين لمصر من أسرة (كشتا). ثم امتدت الثقافة الرومانية والبطلمية فشملت هذه المنطقة ونشأت نتيجة لهذا المد الحضاري أو الثقافي الجديد مملكات النوبة الثلاث (المسيحية) وهي: 1. مملكة النوبات (نوباتيا) وتمتد من منطقة نهر النيل من الشلال الأول إلى الشلال الثالث وعاصمتها فرس بشمال السودان. 2. مملكة المقرة وتمتد من الشلال الثالث إلى كبوشية وعاصمتها دنقلا بشمال السودان. 3. مملكة علوة وتمتد من منطقة مابين النيل الأزرق ونهر عطبرة وعاصمتها سوبا إلى الجنوب الشرقي من الخرطوم على ضفاف النيل الأزرق، وذكر المؤرخون أن علوة أهي أكبر هذه الممالك وأقواها وأكثرها نفوذا بل وامتد نفوذها إلى البحر الأحمر شرقاً وإلى منطقة كردفان غربا. الممالك المسيحية هي في واقع الأمر امتداد لحضارة ممالك النوبة السودانية القديمة فهي رغم أنها اتخذت المسيحية ديناً رسمياً للدولة إلا أنها حافظت على الممارسات الحياتية والمعتقدية والثقافية (النوبية والمروية) بوثنياتها وطقوسها. ولم يكن للمسيحية كدين سماوي أي ممارسة حياتية أو وجود حقيقي في حياة الناس. وحتى الطقوس المسيحية التي بقيت حتى الآن هي خليط بين المسيحية والوثنية القديمة. وأما الوجود العربي في المنطقة فهو ذو جوانب متعددة: 1. النزوح العربي القديم ما قبل الاسلام للقبائل البدوية الرعوية العربية التي هاجرت عبر ميناء عيذاب إثر موجات الجفاف خلال بدايات الممالك النوبية المسيحية في القرن السادس الميلادي، وأهم البطون والأفخاذ التي عبرت بالإبل إلى السودان هم جهينة وهوازن وربيعة وأسد. ويقال إن بعض هذه الهجرات تم في عهد مملكة مروي القديمة. 2. بعض هؤلاء العرب دخلوا عن طريق باب المندب إلى اثيوبيا ثم هاجروا إلى بادية السودان. 3. (رحلة الشتاء والصيف) التي ذكرها القرآن الكريم في سورة قريش والتي كان هاشم بن عبد مناف هو أشهر أبطالها فقد كان التجار العرب يعبرون البحر الأحمر ما بين اليمن والسودان خلال فترة الشتاء، أدت إلى التواصل بين العرب وسكان المنطقة. 4. تبلور الوجود العربي في المنطقة إلى اختلاط العرب المهاجرين بالنوبة والزنج فنتج عن ذلك مزيج سكاني اختلطت فيه الدماء والأنساب والثقافات والأعراق ثم بدأ اللسان العربي في فرض وجوده بالمنطقة ممتزجاً مع الرطانات المحلية ونتجت عنه اللهجة السودانية التي تجمع في مفرداتها الكثير من المصطلحات النوبية القديمة بالإضافة إلى المصطلحات العربية. أما الوجود الإسلامي في المنطقة رغم الهجرة المبكرة للمسلمين إلى علوة فقد جاء متأخراً فقد كان التأثير الإسلامي على المنطقة محدوداً لفترات طويلة قبل أن يغلب الإسلام على المنطقة بعد سقوط دولة علوة على يد الفونج وعرب القواسمة والعبدالاب. السودانيون (بمزيجهم القومي ذي الإعراق المتعددة) اعتنقوا الاسلام في القرن السابع الميلادي ولم يدخل الإسلام فاتحاً بالجيوش كما حدث في بقية الأقطار العربية والإسلامية. وانتشر الإسلام بالتدرج بين النوبة والعرب الزنوج ليحل محل المسيحية في ممالكها الثلاث والتي لم تكن متأصلة في قلوب أهل تلك المنطقة فقد كانوا يجمعون بين الثقافات الوثنية القديمة والديانة المسيحية التي لم يكن ولاؤهم لها بالقوة التي تقف في وجه انتشار الإسلام. يتبع.

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

إيماءة على نص “ترجمان الملك”/ عادات مسيحِيّة قدِيمة في السودان الشمالِي – ياسر عبد الرحمن خيري


yasserأثارت رواية د/عمر أحمد فضل الله الأُولى الكثير مِن النِقاش استَدْعيت معه كُل ما لَفَت انتباهنا ونحن لا نزال صِغاراً في أقصى شمال السودان في دِيار أهلنا المحس و”الحلفاوِيين” و “الدناقلة” فهي كانت وبِحُكم الموقع الجغرافي النافِذة التي ولجت من خلالها الثقافات والمعارِف والمُعتَقدات الدِينية، مِن جُملة ما جرى مُشاهَدته ومُعايشته ومُمارسته مِن طُقوس وعادات لا تمت للإسلام بصِلة بل ترتَبِط ارتِباطاً وًثِيقاً بالثقافة المَسِيحية، والتي ربما كانت نَتِيجةً لما تـمَّ توارُثه مِن الأجيال السابِقة بحُكم التَعوُّد واستمرت بعد الفتح الإسلامي ، وبرغم أنَّ الكثير منها قد بدأ في الاندِثار إلـّا أنّه لا تزال هناك بَقايا مِنها، والغرِيب أنّ اندثارها لم يكن بفعل العمل الدعَوِي على الرغم مِن ” خلاوِي ” القرآن الكريم العريقة وجماعات الطُرق الصُوفِيّة الضارِبة في القِدم إنما كانت بِفعل تطوُّر اللُغـة النُوبِية المحلِية”الرُطانة”، فالرُطانة السائدة حالِياً بالمُنطِقة تَغْلُب عليها العَدِيد من المُفردات العربية حتى أنّك قد تَجِد البعض مِن الجِيل الحالي لا يفهم الكثير مِن المُفردات النوبية القدِيمة. وكمِثال لتلك الطُقوس والمُمارسات النصرانِية شَكل بوابات البيوت النُوبِية القدِيمة الرئيسية حيث كان يتم تَثْبِيت عدد ثلاث أطباق دائرية في شكل مثلث مُتساوِي الأضلاع كان يتم نَهْينا بِشدَّة ونحن صِغار أن نعبث بها تحطِيماً أثناء اللعب الأمـر الذي كان له أنْ يُرَسِّخ في أذهاننا نحن الصِغار شيئاً مِن القَداسة ولاحِقاً أثناء زيارة بعض الغربيين النَصاري عرفنا مِنهم أنّه أثرٌ نصرانِي قديم (الثالوث المُقدَّس)، الأب الإبن ، الروح القُدس..! وأيضاً لا يفوتني هنا الإشارة لتلك الجملة التي لا تزال تطرق مَسامعي مِن بعض كِبار السن عند عِيادَتهم للمرضى إذ يقولون: (( مــاريا مِــير)) أي ترعاك ماريا”السيِّدة العذراء مريم”! ويرادفها بذات اللُغة قولهم : ((نُـور إيكّا مـِير)) أي يرعاك الله ويحفظك فالأصل في “الرُطانة”أنّ الاسم يسبق الفعل على الدوام في جميع الجُمل… لكن أكثر ما كان يدهشنا ونحن في غمـرة طقوس الزواج الاحتفالِية أنّ “العريس” ومَن معه يتوجَّهون صوب النِيل وفي يدِه السيف و سوط “العَنج” فيقوم بِضرب صفحة الماء بالسيف مِن أعلى لأسفل ومن اليمين لليسار على شَكل صليب! بالطبع دُون أن يدرِي هو أو نحن أو هم مُبرِرات وكُنه ما يفعل.. لعل ما سَبق يقودنا للسؤال الأهم الكبير وهو حين قدِم العرب المسلمون وقاموا بنشر الإسلام هل وقَفت اللغة حاجِزاً بينهم وبين تأصِيل الثقافات والمَعارِف الإسلامِيّة فلم يستطِيعوا القضاء على تلك العادات والتقالِيد والطُقوس المسيحية القَدِيمة المُتوارَثة أم أنَّ اهتِمامهم المعروف بحب الترجمة انصبَّ على معرِفة وإتقان اللغة النُوبِية المحلِية. الثابت لدي أنّ تطوُّر اللُغة النُوبِيّة المَحليّة كان له الأثر البالِغ في القضاء أو التَخْفِيف مِن تلك العادات والمُمارسات القدِيمة. ومِمّا يُثِير الاستِغراب حَقاً كَثرة مُخلّفات العُصور المَسيحِية مِن آثار على حِساب مُخلفات المسلِمين العرب في السودان باستثناء مسجد دنقلا العجُوز

انظر تعقيب د. عمر فضل الله على المقال بعنوان: وقفة عند إيماءة ياسر خيري على نص الترجمان

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

ترجمان الملك – مقدمة الراوي


لَمْ أَعْجَبْ حِينَمَا استَدْعَاني مِنْ بينِ أطلالِ الماضي الغَابِرِ، لتقديمِ رِوَايَتِهِ للناسِ، في زَمَانكِمُ هَذَا، فَقَدْ كُنتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْتَاجُنِي. أنا الشابُّ “سِيْسِّي بن أَبِيْلُّو بن دَلْمَار”، الذي عاشَ حياةً حافلةً في زمانِهِ، ثم ماتَ وماتتْ King_Toroمَعَهُ قِصَّتُهُ. لم يسمعْ بهِ ِأَحَدٌ في عصرِكُمْ هذا. وَحِينَ حَدَّثَنِي أنَّ أَحَدَاً في زَمَانهِ لا يقْدِرُ أَنْ يُقَدِّمَ رِوَايَتَي أَفْضَلَ مِنِّي صَدَّقْتُهُ، مِثْلَمَا صَدَّقْتُ حِينَ عَادَ إِلى الماضي بَاحِثَاَ عَنِّي يَنْبِشُ القُبُورَ في خَرَائِبِ مَدَافِنِ “العَنَج” العَمَالِيق جَنُوبَ سوبأ، وَيَقْرَأُ الشَّوَاهِدَ لِيَجِدَنِي، آخِرَ الأمرِ ثُمَّ يُخْبِرَني أَنَّ العَالَمَ بقي بَعْدَنَا ألفاً وَخَمْسَمِائةَ عَام! وأنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِلمَ ْتَحِنْ بَعْدُ. صَدَّقْتُهُ في كُلِّ هَذَا، وَلَكِنَّنِي لَمْ أُصّدِّقْ أَنَّ أَحَدَاً مِنَ النَّاسِ لا يَعْرِفُ سوبأ العَاصِمَةَ، وَ”مَمْلَكَةَ عَلَوَة العَظِيمة”، بَعْدَ مُضِيِّ خمَسْةَ َعَشَرَ قَرْنَاً فَقَطْ. كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَبْقَى في ذَاكِرَةِ العَالمَ مِائَةَ قَرْنٍ أُخْرَى.!! لوَلا ِهَذَا ما وَافَقْتُ عَلى العَوْدَةِ لِأَرْوِيَ لَكُمْ. أَقِفُ الآنَ جَنُوبَ سوبأ العَاصِمَةَ فِي زَمَانِنَا القَدِيمِ مُتَأَهِّبَاً للإطْلالَةِ عَلَى زَمَانِكُمْ والشُّرُوقُ، يُزَيِّنُ بِفُرْشَاتِهِ أَسْوَارَها، وَأَسْوَاقَهَا، والبُيُوتَ، وَالأحْيَاءَ، أَمَلاً في مَجِيءِ نَسِيمِ (البُطَانَة)(1) الشَّرْقَيَّة ليِتَأَمَّلَ هَذِهِ اللَّوْحَةَ، قَبْلَ أَنْ يَنْفُثَ سِحْرَهُ فِيهَا يَرْجُو لهَا الخُلُودَ، والنيلُ يَرْبِضُ غَرْبَهَا مِثْلَ طِفْلٍ بَرِيءٍ يَخْتَبِيءُ مِنْ أَقْرَانِهِ في لُعْبَةِ “دَسُّوسِيَّةٍ”(2 ) بَدَأُوهَا عِنْدَ العَشِيَّاتِ ثُمَّ غَلَبَهٌمْ النَّوْمُ، والنِّيلُ مَا يَزَالُ مُسْتَمِرَّاً فِي اللَّعِبِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ الأَقْرَانِ. لَوْ ذَهَبْتُمْ لِلنِّيلِ لَحَدَّثَكُمْ عَنِّي وَعَنَّا، وَعَنْ سوبأ َوَعَلَوَة، وَالمُلُوكِ العُظَمَاء وَالنَّاسِ. النِّيلُ رَاوِيَةٌ قَدِيمٌ، لا يَمَلُّ مِنَ التِّكْرَارِ. “أَسَاطِيلُ عَلَوَة” وَهِيَ تَزْحَمُ النِّيلَ بِأَشْرِعَتِهَا البَيْضَاءَ المُنَشَّرّةِ. وَأَنَاشِيدُ الجُيوشِ العَظِيمَةِ، وَ”العَنَجُ” العَمَالِقَةُ الذينَ تَهْتَزُّ الأرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ الضَّخَمَةَ حِينَ يَعْرِضُونَ القُوَّةَ وَالبَأْسَ الشَّدِيدَ فِي مَسِيرَاتِهِمْ عَبْرَ طُرُقَاتِ سوبأ وَخَارِجَ أَسْوَارِهَا. الطُّبُولُ “النُّحَاسِيَّةُ” المَرْصُوصَةُ جَنْبَاً إلى جَنْبٍ في سَاحَةِ المدِينَةِ والتي تَخْلَعُ أَصْوَاتُهَا القُلُوبَ حِينَ يَتَقَافَزُ الضَّارِبُونَ حَوْلَهَا وَيَدُورُونَ وَهُمْ يَنْقُرُونَهَا بِالعِصِيِّ الخَشَبِيَّةِ القَصِيرَةِ المُدَبَّبَةِ المَكْسُوَّةِ بِجُلُودِ أَذْنَابِ البَقَرِ. والرَّاقِصُونَ عَلَى وَقْعِ الطُّبُولِ نَهَارَاً أَوْ لَيْلاً وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالحِرَابِ وَالعِصِيِّ والنُّشَّابِ وَالدَرَقِ. عَبَقُ الطُّيُوبِ الشَّرْقَيَّة التي تَضَعُهَا نِسَاءُ عَلَوَة! مَا زَالَ فِي أَنْفِي بَعْدَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ! أَيْنَ ذَهَبَ كُلُّ هَذَا؟ حِينَ دَعَانِي للعَوْدَةِ إِلى سوبأ لأَتَأَكَّدَ بنفسي لم أُصَدِّقْ مَا رَأَيْتُهُ. بَقَايا كَنِيسَةِ “مَارِيَّةَ” العَظِيمَةِ أَطْلالٌ مِنَ الطُّوبِ المُسَوَّى بِالأرضِ. قَصْرُ الملكِ المُنِيفِ إلى الشِّمَالِ صَارَ مَزَارِعَ ِللْدّوَاجِنِ. وَمَاذَا فَعَلْتُمْ بِالنِّيلِ؟ نِيلُ سوبأ العَظِيمُ انحَسَرَ مَجْرَاهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَحَدَ الجَدَاوِلِ التيِ تَسِيلُ مِنْ الشَّرْقِ أَيَّامَ الخَرِيفِ فِي زَمَانِنَا. وَاختفتْ مِنْ فَوْقِهِ الأسَاطِيلُ المَهِيبَةُ ذَاتُ الأَشْرِعَةِ البَيْضَاءَ. “جَزِيرَةُ التِّمْسَاحِ” تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهَا وَصَارَتْ عِدَّةَ جُزُرٍ صَغِيرَةٍ تَحْتَمِي بِكَبِدِ النِّيلِ الحَرَّى وَتَسْتَغِيثُ مِنَ الغَرَقِ. وَاخْتَفَتِ الأسواقُ والسُّورُ وَمَرَابِطُ الخَيْلِ وَثُكْنَاتُ الجُيُوشِ وَبُيُوتُ الكَهَنَةِ وَأَدْيِرَةُ الرُّهْبَانِ وَأَحْيَاءُ سوبأ الجَميلَةِ وَمَبَاني الجَصِّ وَالطُّوبِ والحَجَرِ. أَيْنَ أَشجارُ النَّخِيلِ البَاسِقَةِ والدَّوْمُ ِوَالمَانْجُو واللَّيْمُون؟ أَيْنَ السَّاحَاتُ الخَضْرَاءُ؟ أَنْتُمْ بَارِعُونَ جِدَّاً فيِ القَضَاءِ عَلى كُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ. لا أَرَى حَوْليِ في زَمَانِكُمْ إِلا صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ قَاحِلَةً مَدَّ البَصَرِ، يَشُقُّهَا طَرِيقٌ أَسْوَدٌ قَمِيءٌ، وَعَرَبَاتٌ كَئِيبَةٌ تَجْرِي فَوْقَهُ بِلا أَحْصِنَةٍ وَلا خُيُول، وكَأَنَّمَا تُطَارِدُهَا أَشْبَاحُ سِيْمُونَةَ(3) المَسْعُورَةُ. بَدَأْتُ أُصَدِّقُ أَنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِقَدْ اقْتَرَبَتْ. وَلَكِنَّيِ نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَ المُؤَلِّفَ: لِمَنْ تُرِيدُنِي أَنْ أُقَدِّمَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ هَلْ بَقِيَ فِي العَالمَ قُرَّاءُ مِثْلَمَا كُنَّا فِي زَمَانِنَا؟
تذييلٌ: سَوْفَ أَتَوَلَّى رِوَايَةَ قِصَّتِي بِنَفْسِي فَي الصَّفَحَاتِ التَّالِيَةِ. لَنْ أَسْمَحَ أَنْ يَرْوِيَهَا أَحَدٌ غَيْرِي!

***

“لَيْسَ كُلُّ مَا يَلْمَعُ ذَهَبًا وَلَيْسَ كُلُّ شَقْرَاءَ مَلِيحَةً” مثل حديث
في سوبأ: “كلُّ مُا يَلْمَعُ ذَهَبٌ وَكُلُّ سَمْرَاءَ مَلِيحَةٌ ” مثل قديم

_____________________
(1) البُطَانة: هي السهل الممتد شرق النيل الأزرق وهي أرض خصبة المرعى نقية الهواء. (2) الدَّسُّوسِيَّةُ: هي لعبة الغميضة أو الاستغماية يلعبها الصغار فيختبيء أحدهم ويقوم الآخرون بالبحث عنه. (3) ساحرة مشهورة أيام مملكة علوة

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا (2)


b368

afewerek***

“سُنْجَاتَا” كانت هي المخلوق الوحيد الذي تعلقت به. كنا نأتي كل يوم و
نجلس تحت شجرة الأراك ونحلم. ابتسامتها البريئة، ووجها الطفولي، وطعم فمها، وكلامها الذي يحملك إلى عالم مسحور. كانت لا تربط بين الأفكار، بل كل ما يخطر على بالها تقوله. وكان هذا يدهشني فكنت أطير معها في عالم الخيال الجميل الذي له أجنحة تحلق بك أينما تريد. كنا نبني معاً عوالم مسحورة في أفق الفضاء، أو في دنيا لم يرها إنسان. وكنا نعيش يومنا مع الطيور والحوريات وعالم الجن. كنا نبني قصوراً من الوهم على شواطيء الأحلام ونقطف الأزهار البرية من روضات الحدائق النائمة، عند السحر، والقمر قد سئم البقاء وحده في أفق الفضاء، فبدأ يتأهب للنوم. قالت لي “سُنْجَاتَا” يوماً:

– “سيس” لماذا لا يوجد قمران في أفق السماء؟

– القمر وحده لأنه يلعب مع الشمس لعبة المطاردة، فهو يهرب منها بالنهار. وحين يتأكد أنها قد ذهبت تبحث عنه وراء الأفق يأتي إلينا وحده متخفياً بالليل. ألا ترين أنه يبتسم ابتسامة ساخرة؟

– “سيس” أين ذهب أبوك؟

– أبي هو القمر الذي يهرب من أمي. أمي تجلس وحيدة في غرفتها كل ليلة مثل الشمس في كبد السماء.

– بجد يا “سيس” أين ذهب أبوك؟

– أبي هو “ملك ملوك الجن”، وهو في مهمة، وسوف يأتي قريباً من العالم السحري.

– “سيس” هل تحبني حقاً؟ عندما أكبر أريد أن أتزوجك. ونطير معاً فوق البحار. ونلعب لعبة الشمس والقمر. أريد أن تكون لي أجنحة أحلق بها في الفضاء. هل تصدق هذا؟

– ….

– سيس هل عندك شعر هنا؟

وأشارت إلى موضع عانتي من الخارج.

– أنت مجنونة !!

– أحلى شيء الجنون. “سيس” هل جربت يوماً أن تخلع كل ملابسك وتغلق الأبواب وترقص عارياً وتصيح بأعلى صوتك حتى يبح حلقك ثم تقفز عالياً وتسقط على الفراش؟ تعال نجرب هذا يوماً معاً، ولكنني لن أخلع ملابسي.

كانت “سُنْجَاتَا” مثالاً حياً لكل التناقضات المجنونة الموجودة في البشر. كانت أكثر الناس رقة، وأشدهم جنوناً. كانت منطلقة كمهر جامح في البرية لا يقدر عليه أحد. وكنت أحب هذا فيها. ولعل هذا الأمر قد دفعني حين كبرت قليلاً إلى ترويض المهارى الوحشية والحمير البرية والبغال الجامحة. ولكن “سُنْجَاتَا” اختفت فجأة من حياتي ولم أعد أراها. قصدتُ بيتهم كثيراً، ولكنه كان خالياً وبابه مغلقاً. لم أعرف يومها ما الذي حدث لها أو لأمها. أعرف أنها يتيمة الأب، وأن أمها، كانت تُشاهَدُ في بيت قائد الحرس كثيراً وكانت تعود إلى البيت سكرانة كل ليلة. أخبرني “عِبْدِي” بذلك وقال إن “سِمْبَا” هو الذي أخبره. حزنت لهذا، ومع الأيام ضمرت ذكراها في فؤادي، أو لعل تلك الذكرى اختبأت خزياً حين كنت أذكر أمها. كنت أذهب كل يوم وأجلس وحدي تحت ظل شجرة الأراك. حاولت استجماع الذكريات فلم أقدر على الإمساك بها. كانت تتسلل هاربة من ذاكرتي كلما كبرتُ. حين رأيت “سُنْجَاتَا” بعد كل هذه السنين وهي جارية في قصر الملك حاولت أن أتحقق من مشاعري فأحسست بغضب عارم يتأجج في كبدي. لم أعرف له سبباً. ذكريات المشاعر القديمة عادت واستحالت شيئاً مشوهاً. “سُنْجَاتَا” لم تعد بتلك البراءة ولا الجموح. كانت مستكينة خاضعة. وخمد ذلك البريق في عينيها وكأنما أسدلت فوقهما غلالة من بؤس العبودية. تمنيت ساعتها أن أصبح تاجراً للعبيد، لأشتريها وأبيعها بعيداً للعرب عبر بحر الجار فلا أراها بعدها أبداً. ثم تمنيت أن أصبح نسراً كاسراً يختطفها بمخالبه ويحلق بها فوق أجواء عَلَوَة ويلقي بها من حالق فتندق عنقها ويطويها النسيان. ولكن كل هذا لا يشفي غليلي. ولذا فقد بقيت وحيداً متوحشاً طيلة هذه السنوات، لا أسمح لأحد أن يقترب مني!!

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن.

ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا


سُنْجَاتَا

“قصة حب نسي الزمان أنه رواها من قبل فأعاد تكرارها”

نشأت في بيت أمي “تَانِيْشَا” وأنا لا أعرف أباً غير جدي “دَلْمَار”. وكان يحبني حباً عظيماً، فكنت أهرول إليه وأنا صغير كلما عاد من سفر أو من القصر لأنني أعلم أنه قد أحضر لي هدايا معه. لم يكن مهماً ماهي الهدية ولكنني كنت أفرح بما يحضره لأنني لحظتها أحس أن لي قيمة وأن هناك من يتذكرني وهو بعيد.

مرة أحضر لي قلابة لقنص الطيور، فقد كان يعلم ولعي بصيد القطا، وفي مرة أحضر لي “نبلة” تشبه المقلاع. مقبضها من خشب الأبنوس، وشريطها سَيْرٌ من جلد “التيتل”، فكنت أتباهى بها بين أقراني عدة أيام قبل أن تصير عادية. وفي مرة أخرى حين عاد من الاسكندرية أحضر لي معه “خذروفاً”( ) فكنت أديره في دكة باحة الكنيسة المنحوتة من الحجر الصوان، فيطن طنيناً وهو يدور حول نفسه ويحدث صوتاً مثل رفيف أجنحة طائر الدوري حين يوشك أن يحط على نافذة غرفتي من الخارج. ورأته “سُنْجَاتَا” فأعجبها، وحين لمحتُ البريق في عينيها أخبرتها أنه يمكنها أن تحتفظ به لتلعب به في بيتها، فطبعت على خدي قبلة سريعة مباغتة ثم انطلقت تركض به نحو بيتها. حين سألتني أمي مساء ذلك اليوم عن “الخذروف” أين هو وماذا فعلت به، نظرت إلى الأرض حياء وتغير لون وجنتى، فقالت أمي:
– “سُنْجَاتَا”!؟
أجبت وكأنني سأموت من الخجل.
– نعم يا أمي!
– هه.. متى صرت بهذه الشقاوة؟ أعرف أنك مسكين وقليل الحيلة. واضح أن أقرانك علموك الشيطنة. سوف أنتبه في المرة القادمة وآخذ بالي منك!! وهي ماذا أعطتك بالمقابل؟
قالتها وقرصتني في خدي وهي تبتسم ابتسامة عريضة. جدي “دَلْمَار” كان مشغولاً معظم الوقت، ولذا فقد كانت أمي هي بمثابة أمي وأبي. كنت قريباً منها فكانت تخبرني بأشياء كثيرة وكنت أخبرها بكل شيء يحدث معي، إلا ما يحدث بيني وبين “سُنْجَاتَا”. لم أعرف ما هو شكل أبي، فلم أره قط. قال لي جدي أنني ولدت بعد فقدان أبي بأشهر قليلة، شهرين أو ثلاث. وحين كبرت قليلاً وكان الأطفال يلعبون معي كان بعضهم يناديني “بن تَانِيْشَا”، ورغم أنني كنت أحب أمي جداً إلا أنني كنت أغضب من مناداتي بهذا الإسم فقد كنت أعتبره تحقيراً لي، فكنت أنهال عليه بالضرب، ثم أخاصمه ولا أعود ألعب معه حتى يعتذر ويسترضيني. وأما لماذا كنت أعتبر مناداتي باسم أمي تحقيراً لي فقد كنت أرى أن جميع أقراني لهم آباء وينادونهم باسم آبائهم إلا أنا. فقد كانوا يدعونني باسم أمي. كنت أتخيل أبي دائماً وأعقد المقارنات في ذهني بيني وبينه. أبي يتيم الأم ماتت أمه وهو صغير، وأما أنا فقد فُقِدَ أبي قبل أن أولد. كان أبي وحيد أبيه وأمه، وأنا وحيد أبي وأمي. أبي رباه “دَلْمَار” وأنا رباني “دَلْمَار”. كنت أفكر في أبي كلما رأيت صبياً يسير مع أبيه في السوق أو أباً يعلم ابنه الرمي بالسهام خارج أسوار سوبأ. كنت أرسم لأبي صورة جميلة في ذهني. صنعت منه في خيالي بطلاً من أبطال الحروب مرة، وجعلته قائداً عظيماً مرات، وتخيلته ملكاً من الملوك متوجاً والناس يسجدون له، مثل النجاشي عندنا في عَلَوَة. وفي مرة أخرى تخيلت أن أبي هو الكاهن الأكبر في الكنيسة يجلس أمام المصلين بملابسه البيضاء الزاهية المطرزة بالذهب، بينما يقوم الشماس بتلاوة الصلاة كل يوم أحد. صنعت لأبي صور كثيرة وشخصيات متعددة. وأحياناً كنت أكلمه بكلام كثير حينما أكون وحدي. وكنت أسمعه وهو يرد على أسئلتي وينصحني. قلت لأبي مرة: أين أنت يا أبي فأنا أشتاق إليك كثيراً؟ هل تعلم أن أمي تبكي كل ليلة في فراشها؟ أنا أعلم لماذا تبكي. لأنك ذهبت سريعاً. ليتني رأيتك ولو مرة واحدة وأنا مستعد أن أتخلى عن نصف عمري مقابل ذلك. احتفظت أمي بملابس أبي التي تركها وراءه، وحين كبرتُ أخرجتها من صندوق كان في غرفة أبي ولبست قميصاً منها.afewerk-tekle_tsedey

كانت غرفة أبي مغلقة طوال هذه السنين، ولم أرها مفتوحة يوماً ولا يدخلها أحد. ويوم لبست قميصاً من قمصان أبي وخرجت من غرفتي صرخت أمي وهرعت ناحيتي واحتوتني بيديها وذراعيها وجثت على ركبتيها تبكي. كان جدي “دَلْمَار” قد عاد لتوه من القصر. لأول مرة أرى جدي غاضباً. رفع صوته وأشار بيده في حزم : – اخلع هذه الثياب فوراً. وإياك أن تلبسها مرة أخرى. من الذي أعطاك هذه الثياب؟ مجنونة أنت يا “تَانِيْشَا”؟ ما هذا الذي تفعلينه بابنك؟ – أنا لم أعطها له ولم ألبسه إياها يا عمي، فهو الذي أخذها من غرفة أبيه. خلعت قميص أبي بسرعة وألقيت به على الأرض، فأسرع إليه جدي وأخذه دون أن ينظر إليه وأعاده بسرعة في صندوق أبي وأغلق الصندوق. ورغم أنه اجتهد أن يخفي أى مشاعر في وجهه تعبر عن تصرفه هذا، إلا أنني قرأت الحزن العميق في عينيه، واضطرام وجنتيه. لاحظت الاختلاف الواضح في مشاعر جدي عن مشاعر أمي حين لبستُ قميص أبي. كان جدي منزعجاً بينما قرأت في نظرات أمي أنها لم تكن تود أن أخلع قميص أبي أبداً. التباين في ردة فعل أمي وجدي جعلت ذهني كقدر يفور بالسؤالات المنثالة. لماذا كانت ردة فعل أمي انفعالية وبهذه القوة بعد كل هذه السنين من موت أبي؟ ولماذا غضب جدي “دَلْمَار” حين رآني في ثياب أبي؟ ولماذا الحزن العميق في عينيه ووجهه؟ شيء طبيعي أن ألبس ملابس أبي. ولكن لماذا هي محرمة على؟ ومن هو أبي أصلاً؟ وهل هو ميت فعلاً؟ وكيف مات؟ وأين قبره؟ ولماذا مات قبل جدي “دَلْمَار”؟ هنل هناك شيء تخفيه أمي عني؟ أو لا يريدون أن أعرفه؟ كانوا لا يجيبونني حين كنت أسألهم: أين مقبرة أبي؟ أريد أن أزور قبره. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى الكنيسة، وكان “أبونا يُوأنَّسْ” واقفاً على عتبة الباب يهم بالخروج. ولكنه لما رآني داخلاً أقبل نحوي بلهفة حين رآني. وعاد معي داخل الكنيسة. ولكنني لما سألته هل كان يعرف أبي “أَبِيْلُّو” تغير وجهه فجأة وأصابته مسحة حزن واضحة. “أبونايُوأنَّسْ” غير ماهر في إخفاء مشاعره. ظاهره مثل باطنه، ولهذا فقد كنت أحبه. سكت ولم يرد. ثم اعتذر بلطف وقال لي إن أمامه مشوار هام ولا بد أن يدركه ولم يعدني بإكمال الحوار في مرة قادمة. انقلبت على أعقابي وخرجت من الكنيسة ، وسرت هائماً على وجهي في طرقات سوبأ، وقادتني قدماي دون أن أشعر إلى شجرة الأراك قرب الكنيسة والتي كنت أجلس تحت ظلها مع “سُنْجَاتَا” حين كنا في السابعة، بعد أن أكون قد قطعت غصناً صغيراً، ونزعت أوراقه ثم بدأت أنظف به أسناني، وكانت “سُنْجَاتَا” تأخذه من فمي وتنظف أسنانها بطرفه الآخر. كان له طعم لاسع، ورائحة نفاذة ولكنها محببة. كانت أسناننا تصبح بيضاء بعد أن ننظفها بالأراك، وكنت أقول لها: – انظري أسناني كيف صارت؟ ثم أفرج شفتي ليبدو صف أسناني ناصع البياض. وكانت “سُنْجَاتَا” تضحك وتقلدني فتفرج شفتيها وتقربهما مني وتقول: – انظر أسناني كيف صارت؟ وفي إحدى المرات قربت فمها كثيراً من فمي، وحين كانت تتحدث شممت رائحة أنفاسها فأثارت في نفسي شيئاً غريباً أصابني بخدر لذيذ، ودون أن نشعر التصقت شفاهنا، وبادرت هي فقبلتني، فكانت هي أول قبلة من “سُنْجَاتَا”، ولم أكن يومها أعرف ما هي القبلة أصلاً، ولكنني أحببتها. كانت أمي تقبلني من خدي، وفي أحيان قليلة كانت تقبلني من فمي قبلة خاطفة، وكان لقبلتها وقع مختلف وشعور آخر. أما قبلة “سُنْجَاتَا” فقد أوقدت في نفسي رغبة أن أقبلها مرات ومرات. وفي كل مرة كنت أحس بشعور غريب. في ذلك اليوم الذي شهد أول قبلة بحثت عن الكلام فلم أجده. كنا قبله نتحدث كثيراً وكانت “سُنْجَاتَا” قبل ذلك تنطلق في الحديث ببراءة، فقد كانت مترعة بالنقاء. وبعد أول قبلة اضطربت وترددت، ثم قبلتني بقوة، ثم صمتت صمت القبور. ولم تنظر في عينى بعدها. وانطلقت تجري نحو بيتها. وكانت قد ربطت شعرها ضفيرتين فكانتا تتقلبان بالتبادل بين كتفها الأيمن والأيسر وهي تجري وتهز رأسها يميناً وشمالاً، وترفع عقبيها بتكلف فيضربان على ردفيها برفق وهي تجري. خفت ألا أراها بعد ذلك اليوم ولكن اللقاءات تكررت كل يوم بعد ذلك تحت شجرة الأراك. وتكرر تنظيف الأسنان حتى صارت أسناني تبرق في الظلام. وبالطبع تكررت مشاهد ما بعد السواك.

يتبع : ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا (2)

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية – رواية ترجمان الملك مثالا


جامعة إفريقيا العالمية
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية رواية ترجمان الملك مثالا

د. عثمان أبوزيد عثمان
المستشار في رابطة العالم الإسلامي

مقدم إلى المؤتمر العالمي الأول للسيرة النبوية الشريفة
الخرطوم 29- 30 صفر 1434هـ الموافق 11- 12 يناير 2013م

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فهذه ورقة مقدمة إلى المؤتمر الدولي الأول للسيرة النبوية المنعقد بجامعة إفريقيا العالمية، بعنوان: القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية – رواية ترجمان الملك مثالا، ضمن المحور السابع من أعمال المؤتمر الذي يتناول جهود المسلمين في العصر الحاضر في خدمة السيرة النبوية، وفي القسم الخاص بجهود المسرح والسينما والقصص والشعر.
وقد وقع الاختيار على إحدى الروايات الصادرة حديثاً لتكون مدار البحث؛ رواية “ترجمان الملك” للكاتب الدكتور عمر أحمد فضل الله، تحكي قصة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهجرتهم إلى الحبشة واستقبال ملكها النجاشي لهم. وهي أنموذج للنص الأدبي الذي يلتزم الصدق الفني، والتمحيص الدقيق بين روايات الإخباريـين للوصول إلى ما هو أقرب إلى الواقع التاريخي.
وفي وقت يسارع فيه المبغضون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إنتاج المواد الإعلامية والأفلام المسيئة لمقامه الكريم، ، ينبغي الاهتمام بالتخطيط للاستفادة من جميع الوسائل العصرية للتعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم وإثراء الدعوة إلى الله تعالى. ولعلّ عصرنا الحاضر الذي تتجدد فيه وسائل النشر والبلاغ، يقدّم فرصة ذهبية للأدباء والإعلاميين بتقديم التاريخ الإسلامي إلى ملايين المتلقين عبر خطاب متجدد يتوسل بالقصة الجذابة والرواية الشائقة عن طريق توظيف الفنون بالصوت والصورة و(دراما) الإذاعة والتلفاز والسينما.
ومن قديم استمد الأدب من الدين قوته التعبيرية والتأثيرية، وحملت النصوص الأدبية بصمات الدين، بحيث إنها لم تخلُ في أي وقت من أن تكون تعبيرًا عن مبدأ إنساني أو عقيدة دينية؛ أياً كانت هذه العقيدة.
وظهرت أنواع كثيرة من الإنتاج الأدبي شعراً ونثراً في تراثنا حملت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ في شكل قصائد منظومة وأناشيد منغومة ونصوص سردية. كما زخرت ثقافتنا الشعبية بما يعرف بأدب المدائح النبوية الذي أتاح ثقافة جماهيرية واسعة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعرّف بمناقبه وأخلاقه في زمان شحّت فيه الكتب وطغت فيه الأمية. واهتمت مناهج التعليم في بعض البلاد، بتحفيظ التلاميذ متوناً من منظومات السيرة مثل نظم المغازي للبدوي وقرة الأبصار وغيرها.
إن أساس الإنتاج الإعلامي الجيد هو وجود نصوص جيدة، وأهمها الرواية الأدبية التي تتبوأ اليوم مكانة مرموقة بين الأجناس الأدبية في وقتنا الحاضر ، بل ربما تقدّمت على الشعر الذي هو “ديوان العرب” كما يسمى.
ومن ينظر في الأعمال الأدبية من روايات وقصص، يجد أن استفادتنا من السيرة النبوية ليست بالمستوى المطلوب، كما أن محتوى وسائل الإعلام في هذا الجانب وإن كان كثيراً من حيث الكم، فإنه يبدو نادراً وضعيفاً من حيث الكيف، ولا نعلم السبب في ذلك؛ أهو عدم وعي وسائل الإعلام بأهمية السيرة؟ أم هو استسهال الإنتاج السطحي ومسلسلات الأنس والبرامج الغنائية ونحوها؟
ولا يخفى أننا ما نزال متخلفين عن أصحاب الثقافات الأخرى الذين وجهوا عنايتهم إلى تاريخهم الديني والوطني واستلهموا منها العبر والدروس، وقدموها سائغة عبر مادة محببة إلى النفوس في شكل أفلام وبرامج إذاعية وتلفزيونية وصحفية.
لم يعد لدينا عذر مع وجود هذه الوسائل في مضاعفة قدرتنا على التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم ونشر الدعوة الإسلامية، ليس على نطاق الجمهور الداخلي فحسب، بل بالنفاذ إلى الشعوب الأخرى التي تجهل الغالبية العظمى منها دين الإسلام ونبي الإسلام. والشواهد كثيرة على ما يسود هذه الشعوب من الجهالات والشبهات، فمن ذلك مثلاً ما أظهره نشاط تعريفي بدين الإسلام في شوارع البرازيل، عندما أراد بعض الدعاة اختبار عينة عشوائية حول معرفة العامة بدين الله وبرسول الرحمة ” محمد صلى الله عليه وسلم “، فظهر أن الغالبية لا يعرفون شيئا عن الإسلام ولا عن رسولنا الكريم، أو توجد لديهم صورة مشوّهة عن الإسلام والمسلمين.
وقد وقف الباحث على طرف من تلك الشبهات والجهالات عندما حضر المؤتمر العالمي للحوار بين أصحاب الأديان والثقافات في العاصمة الأسبانية مدريد عام 2008م ، وبسؤال المشاركين من أتباع الديانات الأخرى أدرك ضعف ما لديهم، حتى أن أحدهم دخل إلى المعرض المصاحب للمؤتمر وكان يضم صورة الكعبة المشرّفة وسرداً باللغات الأوروبية لقصة زمزم، فذكر أنه يشاهد صورة الكعبة لأول مرّة في حياته، مبدياً إعجابه الشديد بقصة زمزم ، وأن أطفاله سوف يسرّون كثيراً بهذه القصة البديعة حين يقصها عليهم في أمسيته تلك!
هذا، وتشمل الورقة أربعة أقسام هي:
1. السيرة النبوية في الأدب ووسائل الإعلام.
2. رواية ترجمان الملك: عرض تقديمي وتحليلي.
3. خبر النجاشي كما ورد في النص الروائي.
4. توظيف القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية
وتحاول الورقة من خلال عرض الرواية التاريخية المذكورة مناقشة الجهود الممكنة في توظيف القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ومن ثم إنتاج برامج إعلامية وفنية على مستوى رفيع من المهنية والإتقان.
ونسأل الله تعالى التوفيق والإعانة، فهو ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

د. عثمان أبوزيد عثمان
مكة المكرمة في المحرم 1434هـ

1. السيرة النبوية في الأدب و وسائل الإعلام

بدأ عرض وتسجيل أحداث السيرة النبوية في الشعر منذ أيام البعثة الأولى، وتعدّ أشعار شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم من أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة باكورة لهذا الأدب. والشعر العربي قديماً وحديثاً زاخر بما خصصه الشعراء من قصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم متناولين شمائله وصفاته بالتفصيل. ووجدنا بردة البوصيري وما جاء على منوالها من معارضات الشعراء. حتى إذا كان العصر الحديث وقفنا على صور جديدة مثل الملاحم كما عند الشعراء : عامر بحيري وأحمد محرم وكامل أمين وغيرهم. غير أننا شهدنا ضموراً واضحاً في الاتجاهات الحداثية في الشعر المعاصر التي لم تقارب هذا الميدان إن لم يكن يقف منه موقفاً مضاداً.
وبرزت (الموالد) وهي صورة من النثر المسجوع الذي يقرأ بصفة معينة في اجتماع أطياف من مدارس الذكر، وتنشد في هذه الاجتماعات أيضاً المدائح النبوية التي صارت سمة ثقافية مشهورة في غالب المجتمعات الإسلامية.
وشهدنا في عصرنا الحاضر ميلاد أجناس أدبية وإعلامية عرضت السيرة النبوية عرضاً متجدداً، فكان ميلاد الرواية التاريخية، والأفلام والمسلسلات التي تخاطب جمهور عاماً.
ولما كان تلقي السيرة النبوية من الكتب والمراجع مما يصعب على غالب الناس ، كانت حاجتنا إلى العنصر الأدبي والإعلامي، رغبة في الوصول إلى أكبر قدر من الجمهور. وبذلك أصبحت السيرة النبوية ميداناً رحيباً للكتب الثقافية والأدبية التي اتخذ بعضها طابع الفن القصصي والروائي.
ونستطيع أن نحصي أمثلة كثيرة للأعمال الأدبية التي جاءت لتجعل أحداث السيرة المطهرة في متناول الجميع؛ بداية من رسالة خلاصة السيرة النبوية للسيد محمد رشيد رضا ومروراً بسلسلة العبقريات لعباس العقاد، وعلى هامش السيرة للدكتور طه حسين، ورجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي والسيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (قراءة جديدة) لمحمد الصويان ، وصور من حياة الصحابة للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، وقصص السيرة النبوية للصغار لمحمد موفق سليمة، وغيرها.
واهتم الإذاعيون ومعدو البرامج التلفزيونية بالسيرة النبوية، فجاءت الأحاديث الإذاعية والتلفزيونية شكلاً رائجاً من أشكال التحرير الإعلامي، وما تزال بنا حاجة لأشكال وأجناس أخرى في الإنتاج الإعلامي مثل الدراما والبرامج التسجيلية. ولا شك أن وجود نص روائي تاريخي محكم البناء هو أول خطوة في إنتاج الدراما التلفزيونية والإذاعية. ويعد غياب النص الملائم أكبر معوقات إنتاج الدراما التاريخية والدينية على العموم. ومعروف أن منتجي الأعمال الفنية لهذا النوع لا ينشطون لها لأسباب مختلفة من بينها تكلفتها المالية العالية، وأيضاً ما يجده الممثلون من صعوبة في حفظ الأدوار والتحدث باللغة الفصحى وتهيئة بيئة الإنتاج المناسبة في (الديكور والملابس والاكسسوارات وأماكن العرض).
ومهما يكن فإن أعمالاً روائية في السينما ووسائل الإعلام، أحدثت أثراً في التعريف بالسيرة النبوية وبالتاريخ الإسلامي، وكلنا يذكر فيلم الرسالة والمسلسلات الدينية التي قدمت في المواسم الدينية ، عرّفت بشخصيات مثل قطز وبيبرس وصلاح الدين، وشخصيات الصحابة التي أثار إظهارها جدلاً عارماً مثل مسلسل “عمر بن الخطاب” في موسم رمضان 1433هـ.
وقد أطلع الباحث على ظروف إنتاج المسلسل التلفزيوني قمر بني هاشم من ثلاثين حلقة عن السيرة النبوية، الذي قدمته قناة (ساهور) بمشاركة أكثر من مائتي ممثل من عدد من الدول العربية .
وهناك مشكلات كثيرة إدارية ومالية وغيرها تحول دون إنتاج فني في هذا المجال، ولكننا نبرز في الآتي بعض المشكلات المنهجية التي تواجه خدمة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي عبر الأدب العربي ووسائل الإعلام في الآتي:
أولاً: ضعف التوثيق وتشويه التاريخ:
يشير العلامة يوسف القرضاوي في كتابه “تاريخنا المفترى عليه” إلى ما جنته كتب الأدب من تشويه التاريخ الإسلامي ، ويعرض أمثلة من الأغاليط والمبالغات التي حوتها كتب مثل الحيوان للجاحظ ، والكامل للمبرد ، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وغيرهم. ويلاحظ أن بعض هذه الموسوعات الأدبية ذهبت إلى جعل أسانيد للقصص المروية تشبه أسانيد الحديث النبوي شكلاً ، ولكنها حوت حكايات وغرائب لا يصدّقها العقل.
وقال القرضاوي إن أصحاب الكتب والموسوعات الأدبية لم يأخذوا مروياتهم عن ثقات معروفين بالعدالة والضبط ، ولم يراعوا شروط الحديث من حيث السند والمتن. وهذا ما فعله الكثير من الأخباريين ، وعذرهم أنهم لا يروون في الأحكام وأمور الحلال والحرام .
وقد لا يكون مطلوباً – كما يشير أكرم ضياء العمري – معاملة الروايات التاريخية والأدبية كالأحاديث النبوية من حيث اشتراط المستوى نفسه من الصحة وعدالة الرواة وضبطهم ، ولكن يصبح التزام المنهج مطلوباً في تحري الدقة مع السبر والمقارنة بين متون الروايات للوصول إلى ما هو أقرب إلى الواقع التاريخي بدل رفض المرويات جميعاً.
هذا المنهج المتكامل الذي قدّمه المحدّثون استفاد منه الباحثون في التاريخ، وحتى رواة الشعر شاع بينهم إلى وقت قريب أخذ الإذن عند رواية القصائد مشافهة أو كتابة.
وقد يلاحظ في الروايات التاريخية التي أخرجت للسينما أو التلفزيون ضعف التوثيق سمة ظاهرة، ومن ذلك رصد بعض الأخطاء التاريخية إن على مستوى الأحداث والوقائع، أو في الديكورات والملابس والاكسسورات التي يقصد منها إضفاء الجو التاريخي الملائم للفترة التي تدور فيها أحداث المسلسل. فترى شخصيات التمثيلية بملابس متشابهة مع اختلاف العصور عندما يتم تصويرهم بعمائم تأخذ في الغالب شكلاً واحداً ، كما أن ملابس النساء في العصور الإسلامية المختلفة تضج بالكثير من التزويق والزركشة والبهرجة.
ومما لوحظ أيضاً أن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قد يُعرض في النصوص الأدبية بنوع من التصوير التجريدي الذي يركز على فكرة النور المحمدي ، وعلى صفاته صلى الله عليه وسلم الخاصة بالجمال والبهاء والطلعة الندية وغير ذلك ، مما يجعل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد مثال نقف أمامه مبهورين بالإعجاب دون أن يؤدي ذلك إلى الاقتداء بسنته واتباع نهجه.
ولا شك أن امتزاج التاريخ بالأدب من شأنه أن يمنح الشخصيات التاريخية والأماكن بعداً معيناً قد يبتعد بها من الحقائق المجردة. ويقتضي ذلك ألا يعتمد المؤلف مزاجه الشخصي وأن يحافظ على جوهر المادة التاريخية زماناً ومكاناً وشخصيات حين يعيد صياغتها في العمل الأدبي والفني.

ثانياً: المحذورات الفقهية:
يمكن النظر إلى بعض المحذورات الفقهية سبباً في تحرج البعض من تناول السيرة النبوية، ومن ذلك ما يحصل من جدل حول تمثيل شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم والخلفاء الراشدين، وكذا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما تمثيل وتصوير ورسم شخصيات الأنبياء ، فلا اختلاف على حرمته باتفاق بين العلماء وصدرت بذلك الفتاوى المانعة. والواقع أنه يحصل بون واسع بين المقيس والمقيس عليه في حال تصوير الأنبياء، ومهما حاول المصوّرون أن ينقلوا الصفات المشهورة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثلا فلا بد أن يقع نقص من أوصافه الشريفة، ثم هناك تعدّد الصور باختلاف الشخصيات التي تؤدي شخصية نبي من الأنبياء ، ولا أدلّ على ذلك مما وقع عند تمثيل سيدنا يوسف وسيدنا المسيح عيسى عليهما السلام .
وهناك توجه الآن إلى قبول تمثيل شخصيات الصحابة، وكذلك شخصيات الخلفاء ويرى الدكتور علي الصلابي أن المسألة تبقى مسألة اجتهادية، وتحتاج أن يُنظر إليها في المصالح والمفاسد والضوابط، سواء الضابط التاريخي أو الضابط الشرعي، وأن هناك مجموعة من الفقهاء والعلماء أصبحوا يميلون بقوة بالإفتاء بدعم المسلسلات التاريخية وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله عز وجل، وقد جرى استثناء إظهار للرسول عليه الصلاة والسلام وأمهات المؤمنين، وأما الخلفاء الراشدون، فيمكن أن يخرجوا للمصالح الكبرى المترتبة على ذلك، خصوصاً حين يخضع النص إلى مراقبة شرعية ومراقبة تاريخية، ويشرف عليه أهل الاختصاص؛ لتقديم العقيدة وتقديم الفكر والحضارة والثقافة من خلال سير هؤلاء العظماء الذين تعتز بهم الأمة الإسلامية.

ثالثاً: ندرة النصوص الروائية:
حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الحقيقة الكبرى للإنسانية المستخلفة في الأرض، ولكي نستمد منها نوراً وطريقاً قويماً لا بد من تقديمها للعالم المتعطش لإدراك الحقائق الدينية والكونية. وأول خطوة في هذا السبيل إنتاج مادة قصصية وروائية تصلح للفئات العمرية المختلفة، وتجهيز “سيناريوهات” ملائمة لذلك.
ومع كثرة البرامج الإذاعية والتلفزيونية في موضوع السيرة النبوية ، فما تزال النصوص الجيدة قليلة وكذلك البرامج ذات النوعية والمواصفات التي ترتقي لمستوى الحياة النبوية التي تمثل الحقيقة الكبرى للإنسانية. وينبغي للأجيال في أعصرها المختلفة أن تستمد من هديه نورًا يضيء لها آفاق الحياة , ويشرح لها بقدر ما يطيق كل جيل من تحمل أمانة الله في استيعاب إشراق النبوة، وكما يقول الشيخ محمد الغزالي، فإن “من الظلم لفترة نابضة بالحياة والقوة أن تُعرض في أكفان الموتى” .
ومن هنا نرى أن صدور رواية جديدة في السيرة مما ينبغي الاحتفاء به، لا سيما إذا جاءت الرواية بمواصفات النص المطلوب من حيث منهج التوثيق والالتزام بالمعايير الفقهية من ناحية والمعايير الفنية من ناحية أخرى.

2. رواية ترجمان الملك: عرض تقديمي وتحليلي

صدرت رواية “ترجمان الملك” عن دار نهضة مصر في القاهرة. وجاء في تصدير المؤلف لروايته أنها “مرآة ساطعة، تعكس زمان وأحداث هجرة الصحابة إلى الحبشة، برواية أحد سكان مدينة سوبا، حاضرة مملكة عَلَوَة المسيحية آنذاك، وتجمع بين الحقيقة والخيال في قالب إبداعي، يضع هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية”.
وعلى غير المألوف يقدّم المؤلف لروايته بمقدمتين؛ إحداهما مقدمة المؤلف والأخرى مقدمة الراوي، ويقرر المؤلف في مقدمته أن البر الغربي للبحر الأحمر وضفاف النيل الأزرق كانت ملاذاً للعرب المسلمين المهاجرين من مكة إلى مملكة علوة المسيحية. ويرى المؤلف أن هذه الهجرة كانت بمثابة خطوة إستراتيجية عسكرية ناجحة لتأمين ظهر الدعوة الإسلامية وهي في مواجهة أعتى إمبراطوريتين في ذلك الوقت الروم والفرس، كما كانت أنجح سفارة في تاريخ الإسلام كله.
ظلت هذه الجبهة الغربية ساكنة إلى أن زحفت جيوش أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في اتجاهها، ولكن عثمان بن عفان الذي عرف هذه البلاد معرفة قريبة بحكم هجرته إليها مرتين، دخلها صلحاً لا فتحاً.
وأول ما يشدّ انتباه القارئ لرواية ترجمان الملك؛ أسلوبها الجزل ولغتها الرصينة التي تستعير ألفاظاً وأسماء من لغة هذه البلاد وبيئتها، تضفي جواً من الغموض الفني، فينتقل الخيال إلى الماضي ليعايش صوره وملامحه:
“أقف الآن جنوب سوبأ العاصمة في زماننا القديم متأهباً للإطلالة على زمانكم والشروق يزين بفرشاته أسوارها وأسواقها و… أملاً في مجيء نسيم (البطانة) الشرقية ليتأمل هذه اللوحة، قبل أن ينفث سحره فيها يرجو لها الخلود، والنيل يربض غربها مثل طفل برئ يختبئ من أقرانه في لعبة “دسّوسية” بدأوها عند العشيات ثم غلبهم النوم” .
وتقوم بنية الرواية على سرد متناغم يتوغل في أعماق الشخصيات، ليصف عالمها الداخلي ، وما يدور فيه من خواطر نفسية، أو حديث مع الذات، وهو ما يسميه النقاد بـ “السرد النفسي”…
في مقدمة الراوي: “أنا الشاب سيسي بن أبيلو بن دلمار الذي عاش حياة حافلة في زمانه، ثم مات وماتت معه قصته. لم يسمع به أحد في عصركم هذا … سوف أتولى رواية قصتي بنفسي في الصفحات التالية، لن أسمح أن يرويها أحد غيري”.
وربما يسأل القارئ؛ أهذه رواية تاريخية أم رواية للتاريخ؟ فوضع مقدمة المؤلف نهجٌ غير معتاد في كتابة الرواية. وتميّزت الرواية بدقة في حقائق الأحداث المرتبطة بالإنسان والزمان والمكان، وباستثناء بعض الملاحظات اليسيرة التي نذكرها في موضع لاحق، يلتزم الراوي بأصح الروايات التاريخية، وقد رجع المؤلف إلى نحو ثمان وأربعين من المراجع والمصادر التاريخية والحديثية المعتبرة.
إن كثيراً من كُتاب الروايات الأدبية التاريخية أهملوا الحقائق وبالغوا في الخيال إلى درجة الإخلال بالصدق وتشويه التاريخ، مع أن الرواية الأدبية التاريخية تتأسس على بنية من الوقائع والحوادث الحقيقية بمعنى وجود وشخوص حقيقية وجو وفضاء وأحداث. صحيح هناك مرونة في أسلوب الروائيين والإخباريين، فليس مطلوباً التقيد بضوابط أهل الحديث ولا بشروط المؤرخين، ومع ذلك لا يترك الأمر فوضى دون مقياس أو ضوابط، والحد الأدنى هو وجود بنية تاريخيّة تتأسس عليها الرواية .
خيال المؤلف امتداد لحقائق التاريخ والجغرافيا:
“يا ولدي هذه الأخشاب تأتي مع النيل الأخضر من الأعالي، من حيث أتى أجدادك الأقدمون، ومن مكان يقال له أكسوم بلد الملك العظيم “عزانا”…
تضمنت رواية ترجمان الملك فيما تضمنت، عرضاً لعلاقة عاطفية، ومع أنها ليست في بؤرة النص الروائي، وإنما هي مدفونة فيه، فإننا نتساءل: هل نحن بحاجة إلى قصة حب في كل عمل روائي؟ وفي كثير من الروايات التاريخية، يعمد الروائيون إلى اختراع هذه القصة إن لم يجدوها ، بحجة أن العمل الفني لا يستقيم بعده التشويقي إلا بها، وقد يذهبون أبعد من ذلك إلى الاستثارة الحسية والجنسية.
وما دام العمل الفني معنياً بالنظر في بواطن الإنسان وأسراره الكامنة، فلعل من الأرجح وجود هذا الجانب الوجداني من حب ومعاناة ونحوها، علماً بأن القصة القرآنية الأنموذج نفسها (قصة يوسف عليه السلام) لم تخل من هذه الجانب.
وإذا كانت السمة السائدة في كثير من الروايات الحديثة هي تعمّد تشويه الشخصية الإسلامية حتى صارت هناك شخصية نمطية للمتدين بشكل عام ، فإن شخصيات الرواية في رواية ترجمان الملك تظهر في طابع مشرق ، إذ تزخر الرواية بنماذج وأطياف إنسانية متنوعة في الإطار الإيجابي الذي يحبب الدين إلى نفس القارئ. وهناك معالجة لفكرة النقيض الأخلاقي بإيجاد شخصيات غير سوية تتجسد في الساحرة وبعض الوزراء الفاسدين والكهنة في بلاط النجاشي.
وأبرزت القصة أكبر قضية إنسانية استأثرت بالاهتمام في ذلك العصر ، ألا وهي تجارة الرقيق ، وعكست مدى المعاناة التي حاقت بقطاع عريض من البشر أوقعهم حظهم التعس في أيدي النخاسة.
هذا النجاشي (أصحمة بن الأبجر) يحكي طرفاً من معاناته عندما باعه تجار الرقيق ووضع في سفينة تتأهب للإبحار نحو جزيرة العرب: “أصعدني أحد الحراس وجعلني أتسلق السلم إلى سطح السفينة ثم نزل إلى القارب وعاد إلى الشاطئ. جاء من كان على سطح السفينة ينظرون ويتفحصونني. ثم أمرهم أحدهم أن ينزلوني إلى قاع السفينة ففتحوا باباً خشبياً وألقوا بي مثل كيس من القطن أو مثل زكيبة قمامة حين ترمى في سباطة النفايات فوقعت على وجهي وأغلقوا الباب.
المكان مظلم ورطب ، والدم يسيل من فمي الذي وقعت عليه ، وحركة السفينة صعوداً ونزولاً مع الأمواج أصابتني بدوار البحر فتقيأت كل ما كنت قد أكلته صباح ذلك اليوم. وجاءت الفئران وبدأت تأكل ذلك القيء ، الفئران لم تكن خائفة فقد تسلقت جسدي على الفور وبلا تردد. أصبحت وحيداً ضعيفاً خائفاً خائر القوى، يائساً واستسلمت لما سوف يفعلونه بي.

3. خبر النجاشي كما ورد في النص الروائي

تتوفر في السيرة النبوية مادة علمية صحيحة تكفي لتجسيد شخصية النجاشي، لذا لم يكن مؤلف الرواية بحاجة إلى إعمال خياله الإبداعي لتصوير هذه الشخصية ، وقد عرض هذه الشخصية عرضاً أميناً مثيراً للأحاسيس والعواطف الدينية.
ومع ما تقدم فإن الرواية تثير أسئلة تاريخية مهمة طالما كانت موضع مناقشة وجدل، وأول تلك الأسئلة ما تعلّق بالمكان الذي هاجر إليه الصحابة، فمنذ أن أطلق المرحوم عبد الله الطيب مقولته حول هجرة الصحابة وأنها كانت إلى أرض السودان الحالية وليست إلى أثيوبيا، ما تزال الفرضية بين متقبل لها ورافض.
تذهب رواية “ترجمان الملك” إلى أن منطقة سوبا هي المكان الذي عاش فيها النجاشي، وفيها استقبل المهاجرين، ولا نعلم يقيناً إن كان هذا صحيحاً ، فهناك أقوال أخرى تفترض تحديد أماكن أخرى ، فهذا مثلاً الأستاذ سليمان صالح ضرار يعيّن منطقة البجا وبالتحديد جزيرة أكسوم حيث كانت عاصمة مملكة بني عامر، وعمد آخر إلى تعيين أريتريا أو منطقة البجراوية ، وأيضاً نهر بركة.
قدمت ورقة الدكتور عبد الله الطيب أسباباً مقنعة تجعل هجرة الصحابة إلى ضفاف النيل الأزرق مقبولة لا إلى أثيوبيا. ويبدو أن كاتب رواية ترجمان الملك مال إلى اختيار سوبا مكاناً لهجرة الصحابة باعتبارها حقيقة تاريخية لا مرية فيها. غير أن الكاتب اجتهد جداً في التحقق من هذه الواقعة، ويكفيه أنه رجع إلى (148) مصدراً ومرجعاً، واطلع أيضاً على ما كتبه الدكتور حسن علي الشايقي من دراسة تقويمية لرأي البروفيسور حسن الفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة الكرام للحبشة.
ومهما يكن فإن هذا الإقليم كان ممتداً دون حدود ، عرفه العرب بالحبشة، وكان يضم شرق السودان. والعمل الروائي بطبيعة الحال يحاول أن يقدم ما هو جوهري ولكنه لا يستطيع أن يترك التفاصيل من أسماء شخصيات ووصف الأماكن ونحو ذلك.
أما النجاشي فهو اسم لكل ملك ولي إمارة أو مملكة في الحبشة ، واسم هذا النجاشي أصحمة بن الأبجر ومعناه عطية، ولكنّها لا تنقل التاريخ بحرفيته ، بقدر ما تصوّر رؤية الفنّان له وتوظيفه لهذه الرؤية للتعبير عن تجربة من تجاربه ،أوموقف من مجتمعه يتخذ من التاريخ ذريعة له وردت قصته في حديث أم سلمة وفي حديث عائشة. ثمة واقعة تاريخية تحتاج إلى وقفة وردت في رواية ترجمان الملك؛ وهي أن أصحمة بن الأبجر (الملك النجاشي) أعيد إلى علوة قبل أن يركب البحر عقب اختطافه وبيعه عبداً. وهنالك رواية غير مشهورة لكن اختيارها كان أقرب إلى “تكنيك” الرواية وتوظيف الحدث للحبكة القصصية. فقد أورد السهيلي في “الروض الأنف” أن النجاشي عاش في جزيرة العرب، ورعى الغنم في بدر لأحد رجال بني ضمرة من إحدى بطون كنانة. لقد ورد في شرح سيرة ابن هشام كيف أن النجاشي لما علم بانتصار المسلمين في غزوة بدر أرسل إلى من عنده من المهاجرين، فلما دخلوا عليه وجدوه قد لبس ملابس بالية جالساً على التراب والرماد، فعجبوا لذلك وسألوه فقال لهم: إنا نجد في الإنجيل أن الله إذا أحدث بعبده، وجب على العبد أن يحدث معه تواضعاً ، وأن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن النبي محمد بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك كنت أرعى فيه الغنم على سيدي وهو من بني ضمرة ، وأن الله قد هزم أعداءه فيه ونصر دينه.
وهذا الخبر له ما يؤيده فالإمام علي رضي الله عنه وجد عند أحد تجار مكة ابناً للنجاشي يعرف بأبي نيزر فاشتراه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه بالمسلمين في الحبشة.
ومعروف في السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار أن يبعث بكتابه إلى النجاشي الذي دعاه فيه إلى الإسلام مع رجل من بني ضمرة يسمى عمرو بن أمية الضمري لعلمه صلى الله عليه وسلم بصلة النجاشي ببني ضمرة. كل ذلك يدل على أن النجاشي عاش في بلاد العرب وتعلم اللغة العربية فيها، وهذا سر الخطاب المباشر من سيدنا جعفر بن أبي طالب للنجاشي ففهمه دون وسيط أو مترجم.

3. توظيف القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية

ثمة رباط وثيق بين الدين والفن. ينقل علي عزت بيجوفيتش عن هنري بيرجسون قوله: “إن الفن ابن الدين” ، ويقول بيجوفيتش: إذا أراد الفن أن يبقى حياً ، فعليه أن يستقي دائماً من المصدر الذي جاء منه . لقد بلغ فن المعمار في جميع الثقافات أعظم إلهاماته في بناء المعابد ، وينطبق هذا على المساجد في أنحاء العالم الإسلامي، كما أن الأعمال الفنية الكبرى في عصر التنوير الأوروبي اقتصرت على الموضوعات الدينية.
نعني بتوظيف الأدب في خدمة السيرة النبوية ، أن نجعل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم جزءاً أصيلاً من ثقافة الأمة ، ونرسخ الهدي النبوي والسنة القويمة في الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية للجمهور‏.‏
إن الفن بمعنى إبداع الجمال تتجلى دلالته الواضحة في الإعجاز البياني للقرآن الكريم ، فالله تعالى قصّ في القرآن أحسن القصص، بكلام معجز فصيح ، وبأسلوب بديع. فعلينا أن نحاول جهد طاقتنا الاهتداء بالقرآن والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، حتى يكون البلاغ عن هذا الدين بأقوى الأساليب وبأروع أشكال الأدب والفن الجميل.
تصلح أحداث السيرة النبوية أن تكون مادة قصصية فنية، بسياقات مستقلة؛ لكل قصة بِنيتها من حيث الحبكة والإيقاع وذروة الحدث والنهاية، ونستطيع أن ننتج مئات الكتب القصصية وأمثالها من الروايات والأفلام والتمثيليات. وليس الهدف منها أن نجعل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مسلاة أو إحالتها إلى أغانٍ وتواشيح وقصائد للطرب.
عندما كتب الشيخ محمد الغزالي كتابه فقه السيرة أراد أن يُنبه إلى تلك القراءة المبتسرة للسيرة التي قدّمت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه عظيم من العظماء أو مصلح من المصلحين. وهي القراءة التي عنيت بإبراز العبقرية والامتياز الذاتي دون أن تلتفت لخصوصيتها ممثلة في خبر السماء. وبذلك وقع في أوهام البعض أن سنته تناسب عصره , وأن ما تحفل به السيرة من قيم ومواقف وقواعد للسلوك العملي لا ينفك عن الإطار الزمني الذي جرت فيه.
ودعا الغزالي إلى قراءة صحيحة بالنظر إلى وقائع السيرة من حيث هي التشكل التاريخي و الواقعي لعقيدة الإسلام قرآناً وسنة ورصيدًا تشريعيًا , والبعد عن اجتزاء و انتقاء أحداث بعينها ومقاربتها من زاوية فكرية أو فلسفية تشوه ملابسات الحدث , و تثير في النفوس دواعي الشك و الاضطراب .
يقول الشيخ الغزالي في مقدمة كتابه فقه السيرة: “قصدت أن تكون السيرة شيئاً ينمي الإيمان ، ويزكي الخلق ، ويلهب الكفاح ، ويغري باعتناق الحق والوفاء له” . وقد عاب الغزالي على البعض أن جعلوا السيرة غناءً وطرباً قائلاً لهم: إذا أراد أحد أن يغني أو يستمع إلى غناء فليفعل ، أما تحويل الإسلام نفسه إلى غناء ، فيصبح القرآن ألحاناً عذبة ، وتصبح السيرة قصائد وتواشيح ، فهذا ما لا مساغ له وما لا يقبله إلا الغافلون. وقد تم هذا التحوّل على حساب الإسلام ، فانسحب الدين من ميدان السلوك والتوجيه إلى ميدان اللهو واللعب، وحقّ فيمن فعلوا ذلك قول الله عز وجل: “وذكر به الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا”.
من واجب الإعلام الديني أن يكون متوازناً في منهجه بحيث لا يطغى الانحياز للغيبيات والخوارق التي لا يقوم عليها دليل , وصوغ أحداث السيرة ضمن إطار يستحضر ما هو غيبي دون أن يهمل عالم الشهادة. وأن يستفاد من المرويات التي تتضمن القيم الإنسانية والتربوية والمناقب والفضائل المشهورة المتواترة والتي تغني عن الروايات المنكرة والضعيفة .
إن صيغ الوعظ والإرشاد رغم أهميتها ، تصلح لمقام معين ولكل مقام مقال ، ويتعين عرض صيغ أخرى في التوجيه تنسجم مع مستجدات العصر في التلقي. وهذا ما يُلقي على عاتق الإعلام الإسلامي مسؤولية كبيرة في تبني طرح عصري ومتجدد للسيرة النبوية، قوامه تقديم المثال العملي من سنة النبي وهديه .
هذا فيما يتعلق بالمنهج والأهداف ، أما ما يتعلق بالوسائل ، فمن الضروري العناية بالتمويل اللازم للإنتاج الأدبي والفني . إن إنتاج فيلم أو مسلسل مؤثر يحتاج إلى الملايين من الدولارات ، وما يزال مجتمعنا ينشط فقط في وجوه البر المعروفة مثل بناء المساجد وكفالة اليتامى ووقف المال لتحفيظ القرآن ونحوه ، في حين أن تمويل وسائل الدعوة والإعلام والتعريف بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تقل أهمية. وعلى كل فإن تمويل العمل الإعلامي الحقيقي لن يتأتى بانتظار رؤوس الأموال التي يقدمها التجار والمستثمرون في شكل صدقات أو زكوات لأعمالهم ، وإنما بنشأة شركات أعمال في صناعة الإعلام وسوف تجد لنفسها الدافع إلى ولوج عالم التجارة والاستثمار. وقد اتضح عند دخول بعض رؤوس الأعمال الصغيرة عالم الاستثمار التجاري أنها حققت مكاسب وكان نجاحها منطلقاً لإنشاء العديد من الأعمال الإعلامية الناجحة ، وبذا انفتحت مؤشرات مشجعة للإقدام على خطوة الإنتاج الإعلامي ، مما أثبت أن المؤسسات الإعلامية تحقق عوائد ربحية لا يستهان بها.
وإذا كان من توصية نختم بها هذه الورقة ، فهي أن تتبنى مؤسسة إعلامية تحويل رواية “ترجمان الملك” إلى عمل روائي سينمائي ، فالرواية نواة جيّدة لإنتاج فني خلاّب. ونقترح عند كتابة “سيناريو” الفيلم استدراك المعلومة التاريخية المهمة أن النجاشي رعى الغنم في بدر وأقام في الجزيرة العربية.

الحواشي:

———————————————————————————————————————————-

[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][i] أنتج المسلسل بتمويل سوداني، التأليف محمود عبد الكريم، سيناريو الدكتور محمد مصطفى محمد صالح. مقابلة مع الأستاذ عبد الله محمد طاهر مدير قناة (ساهور) الفضائية.

[ii] انظر ص 255، ط 5، والكتاب نشرته دار الشروق في القاهرة.

[iii] مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الأخباريين، ahlalhadeeth.com

[iv] انظر فتوى في حرمة تصوير الأنبياء للدكتور أمجد رشيد، ص 23، دار الفتح، الأردن.

[v] مقابلة صحفية مع الدكتور علي الصلابي بمناسبة عرض مسلسل القعقاع بن عمرو انظر islamtoday.com

[vi] انظر مقدمة فقه السيرة، ص 3، طبعة دار القلم بدمشق، 1416هـ.

[vii] مؤلف الرواية عمر فضل الله ، ولد ونشأ بضاحية العيلفون، درس بالسودان والسعودية وحاصل على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس بالولايات المتحدة، عمل في عدد من المراكز العلمية والبحثية بالسودان مثل مركز الدراسات الإستراتيجية والمركز القومي للمعلومات والمكتبة الوطنية وغيرها قبل أن ينتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعمل مديراً لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الإلكترونية. له إسهامات متنوعة في العديد من مجالات المعرفة والأدب والفكر والدعوة، وهو شاعر وأديب، له ديوانا شعر: (زَمَانُ النَّدَى والنَّوَّار) و(زَمَانُ النَّوَى والنُّوَاح)، ورواية “تُرْجُمَانُ المَلِكِ”.

[viii] انظر ص 13 وما بعدها، في رواية ترجمان الملك.

[ix] مرجع سابق ، استقصى الدكتور أكرم ضياء العمري هذا الفرق في كتابه: مرويات السيرة بين قواعد المحدّثين وروايات الإخباريين.

[x] انظر د. كمال سعد خليفة، الشخصية الإسلامية في الرواية المصرية الحديثة، مكتبة العبيكان، 1428هـ.

[xi] يذكر الباحث تلك الأمسية جيداً عام 1402 هـ – 1982م ، وذلك في مقر كلية الآداب بجامعة الرياض عندما قدّم البروفيسور عبد الله الطيب ورقته إلى الندوة العالمية الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية بعنوان: هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ. ومع أن البروفيسور الطيب جزم بأن الهجرة كانت إلى أرض السودان، فإنه ذهب في حديث تلفزيوني إلى أن تعيين المكان في أرض السودان تخمين لا يعوّل عليه.

[xii] يكتبها المؤلف (سوبأ) ، فهي من سبأ اليمنية، ونسبتها إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، والعرب تخففوا من الهمز في سبأ، وقالوا : سبا لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا الهمز، وعلى ذلك كان اسم سوبا الحالية في السودان، والله تعالى أعلم.

[xiii] الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق وتعليق وشرح عبد الرحمن الوكيل، انظر ص 222 وما بعده، دار الكتب الحديثة.

[xiv] انظر الإسلام بين الشرق والغرب، ص 148، ط2، 1979م، ألمانيا.

[xv] فقه السيرة، مرجع سابق، ص 5.

[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

رواية ترجمان الملك والعهدة على عمر فضل الله


osmanسألت أحد أصدقائي في الخرطوم من المواكبين لحركة النشر والثقافة: هل سمعت بصدور رواية ترجمان الملك لعمر فضل الله؟ فأجابني: “لم أسمع عن عمر فضل الله منذ (طريفته) التي أطلقها في مؤتمر الإستراتيجية القومية الشاملة هنا بشأن الاستعانة بالجان، وإن سمعت بارتفاع شأنه في دنيا الحاسوب والمعلوماتية، ولم أكن قد قرأت له شيئا البتة ، ولكنى أظنه نجيبا أريبا ، نفع الله به” . و أردف صديقي قائلاً: “الأديب (الحيلتنا) الطيب صالح لم يسمع به أحد حتى كتب عنه المرحوم رجاء النقاش ورفع ذكره في الآفاق! ” صدرت الرواية  في القاهرة. وجاء في تصدير المؤلف لروايته أنها “مرآة ساطعة، تعكس زمان وأحداث هجرة الصحابة إلى الحبشة، برواية أحد سكان مدينة سوبا، حاضرة مملكة عَلَوَة المسيحية آنذاك، وتجمع بين الحقيقة والخيال في قالب إبداعي، يضع هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية”. وأول ما يلفت القارئ لرواية ترجمان الملك؛ أسلوبها الجزل ولغتها الرصينة التي تستعير ألفاظاً وأسماء تضفي جواً من الغموض الفني، فينتقل الخيال إلى الماضي ليعايش صوره وملامحه. “أقف الآن جنوب سوبأ العاصمة في زماننا القديم متأهباً للإطلالة على زمانكم والشروق يزين بفرشاته أسوارها وأسواقها و… أملاً في مجيء نسيم (البطانة) الشرقية ليتأمل هذه اللوحة، قبل أن ينفث سحره فيها يرجو لها الخلود، والنيل يربض غربها مثل طفل برئ يختبئ من أقرانه في لعبة “دسّوسية” بدأوها عند العشيات ثم غلبهم النوم”. وربما يحار القارئ؛ أهذه رواية تاريخية أم رواية للتاريخ، فالمؤلف يضع مقدمة للرواية على غير عادة الروائيين، ويحاول أن يعتني بالدقة في حقائق الأحداث المرتبطة بالإنسان والزمان والمكان، وكان حسبه أن الإخباريين والشعراء جاز لهم ما لا يجوز لغيرهم بأن يتصرفوا في مروياتهم دون تقيد بضوابط أهل الحديث ولا بشروط المؤرخين. قال إبراهيم بن الجنيد: “سألت يحيى بن معين عن محمد بن مناذر الشاعر فقال: “لم يكن بثقة ولا مأمون، رجل سوء نُفي من البصرة، وذكر منه مجوناً وغير ذلك، قلت: إنما يكتب عنه شعر وحكايات عن الخليل ابن أحمد الفراهيدي، فقال: هذا نعم”. فما كان شعراً وأدباً فليس به من بأس. إن مؤلفي الروايات التاريخية قد ذهبوا بعيداً في الخيال بحجة أنهم يباشرون عملاً فنياً يتخذ من التاريخ مادة له، ولكنّه لا ينقل التاريخ بحرفيته. ومع ما تقدم فإن الرواية تثير أسئلة تاريخية مهمة طالما كانت موضع مناقشة وجدل، منذ أن أطلق المرحوم عبد الله الطيب مقولته حول هجرة الصحابة وأنها كانت إلى أرض السودان الحالية وليست إلى أثيوبيا، وما تزال الفرضية بين متقبل لها ورافض. أذكر تلك الأمسية جيداً عام 1402 هـ – 1982م عندما ملأنا البروفيسور عبد الله الطيب شعوراً بالزهو والخيلاء، وذلك في مقر كلية الآداب بجامعة الرياض مقدّماً ورقته إلى الندوة العالمية الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية بعنوان: هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ. قدمت الورقة أسباباً مقنعة تجعل هجرة الصحابة إلى ضفاف النيل الأزرق مقبولة لا إلى أثيوبيا. ويحق لكاتب رواية ترجمان الملك بشروط الأدباء ألا يناقش الأمر بل يتعامل معه وكأنه حقيقة تاريخية لا مرية فيها. غير أن الكاتب اجتهد جداً في التحقق من هذه الواقعة، يكفيه أنه رجع إلى 148 مصدراً ومرجعاً، واطلع أيضاً على ما كتبه حسن علي الشايقي من دراسة تقويمية لرأي البروفيسور حسن الفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة الكرام للحبشة. ومن الوقائع التاريخية التي تحتاج إلى وقفة؛ اختيار الكاتب واقعة أن أصحمة بن الأبجر (الملك النجاشي) أعيد إلى علوة قبل أن يركب البحر عقب اختطافه وبيعه عبداً. وهنالك رواية غير مشهورة لكن اختيارها كان أقرب إلى “تكنيك” الرواية وتوظيف الحدث للحبكة القصصية. فقد أورد السهيلي في “الروض الأنف” أن النجاشي عاش في جزيرة العرب، ورعى الغنم في بدر لأحد رجال بني ضمرة من إحدى بطون كنانة. جاء في شرح سيرة ابن هشام كيف أن النجاشي ملك الحبشة لما علم بانتصار المسلمين في غزوة بدر أرسل إلى من عنده من المهاجرين ، فلما دخلوا عليه وجدوه قد لبس ملابس بالية جالساً على التراب والرماد، فعجبوا لذلك وسألوه فقال لهم: إنا نجد في الإنجيل أن الله إذا أحدث بعبده، وجب على العبد أن يحدث معه تواضعاً ، وأن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن النبي محمد بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك كنت أرعى فيه الغنم على سيدي وهو من بني ضمرة ، وأن الله قد هزم أعداءه فيه ونصر دينه. وهذا الخبر له ما يؤيده فالإمام علي رضي الله عنه وجد عند أحد تجار مكة ابناً للنجاشي يعرف بأبي نيزر فاشتراه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه بالمسلمين في الحبشة. كما لا يستبعد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار أن يبعث بكتابه إلى النجاشي الذي دعاه فيه إلى الإسلام مع رجل من بني ضمرة يسمى عمرو بن أمية الضمري لعلمه صلى الله عليه وسلم بصلة النجاشي ببني ضمرة. كل ذلك يدل على أن النجاشي عاش في بلاد العرب وتعلم اللغة العربية. وإذا ما رجعنا إلى أسلوب النص الروائي ولغته، فلا يخلو من بعض الملاحظات اليسيرة، ومنها بدء الكاتب بتشكيل النص في أوله، ثم عدوله عن ذلك، وخيراً ما فعل، فإن إلحاق علامات الشكل بالكامل يحيل النص وكأنه كتاب مطالعة، هذا زيادة على بعض الأغلاط الطباعية اليسيرة، نتمنى على الكاتب أن يستدركها في الطبعة الثانية. وكنت كتبت إلى الدكتور عمر: وددت لو أنك لم تصرف عثمان (ص 86) فعثمان ممنوع من الصرف، ولكنه ينصرف إذا كان نكرة! كما كان يردد شيخنا ود العبيد معرضاً بالعثامين من تلاميذه. وجاء جواب المؤلف قاطعاً حين رد بقوله: النص يذكره بالتنكير فعلاً لأن عثمان الثالث نكرة حيث لا يوجد عثمان ثالث !! فالعثمانان معرفة إلا الثالث النكرة!! بوركت يا دكتور. وبعد، فهذه وقفة عجلى مع رواية “ترجمان الملك” لمؤلفه الدكتور عمر أحمد فضل الله، إذ لا يسمح المقام بأكثر منها، وقد تسنح فرصة أخرى لدراسة معمقة، والله ولي التوفيق والإعانة. د. عثمان أبوزيد Associate Professor رئيس مجلس الصحافة سابقاً في جمهورية السودان

تعليقات القراء حول رواية “ترجمان الملك” (2)


منقول من منتديات العيلفون جنة عدن:

انقر على العناوين أدناه لمطالعة التفاصيل

[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’يحيى الشيخ ادريس الحبر’ close = ‘closeAll’]

كتب يحيى الشيخ ادريس الحبر:

بداية لا أود أن أكرر ما قاله المتداخلين حول مقدمة هذه الراوية والإشادات المختلفة التي توالت على مؤلف الرواية الدكتور عمر أحمد فضل الله (ود الفحل)فمهما أشدنا لم نوف الكاتب حقه على الجهد الذي بذله في الحصول على كل هذه المعلومات التي كانت غائبة على كثير منا إن لم تكن علينا جميعاً حيث كنا نعتقد أن هجرت الصحابة عليهم رضوان الله كانت إلى الحبشة التي نعرفها جميعاً ولم تكن إلى السودان وخاصة من منطقة سوبا التي تجاور مسقط رأس المؤلف فمن البداهة أن تكون تلك الهجرة إلى السودان لأنها إن كانت إلى الحبشة ستكون عن طريق باب المندب ولا سبيل غيره ولم يدر بخلدي ولا بخلد أحد منكم أن الصحابة كانوا قريبين من العيلفون صاحبة هذا المنتدى الرائع فمن يصدق أن سيدنا عثمان بن عفان ورفاقه رضوان الله عليهم قد سكنوا جوارنا. الرواية كتبت بلغة تقارب تماماً أسلوب الكاتب العالمي الطيب صالح من حيث السرد وتتابع الفصول ذلك الأسلوب الذي يشد القارئ ويجذبه جذباً حتى ينتهي من فصولها حيث كان الطيب صالح يختار أبطال روايته بعناية فائقة على الرغم من الفارق الكبير بين أبطال الروايتين حيث أننا لم نتأكد من حقيقة أن أبطال رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال هم أبطال حقيقين بعكس رواية ترجمان الملك فمثلاً يتحدث الطيب صالح عن بنت مجدوب وشرحها لعلاقاتها مع أزواجها وهم كثر بأدق التفاصيل وكذا علاقة بطل الرواية مصطفى سعيد وعلاقاته مع صاحباته في الغرب حيث أن علاقات بنت مجذوب مع أزواجها كانت على سنة الله ورسوله أما علاقات بطل رواية موسم الهجرة كانت في غالبها عكس ذلك. الرواية تتحدث على ملوك مملكة علوة على أنهم أقرب للإسلام منهم إلى المسيحية مما يدلل على أن الإسلام هو آخر الديانات وأن نبينا محمد على أفضل السلام هو آخر الرسل. لمست أن مملكة علوة هي التي أتت لنا بالعادات والتقاليد المتوارثة بيننا منذ ذلك الزمان إلى وقتنا الحاضر مثل اسلوب المأكل مثل الكسرة وطريقة عملها وأدواتها والملبس وعادات الزواج مثل الغناء ورقص النساء والرجال تماماً كما يحدث عند الجعليين وغيرهم وتحضير العطور مثل الدلكة والدخان بالنسبة للنساء فهل ياترى فعلاً تلك الأشياء تعلمناها من مملكة علوة. ما من شك أن تلك كانت ولا زالت تتميز بالأسلوب الزراعي العلمي فمنطقة العيلفون وشرق النيل عموماً هم أفضل من يزرع ويحصد فهل ياترى تعلم أجدادنا ذلك من مملكة علوة؟. لا يزال الغرب يعتقد أن السودان كان مسيحياً وما يحاك ضدة الآن هو محاولة جادة إلى إعادتة إلى مسيحيتة وما الحروب التي تفتعل الآن إلا دليل واضح على ذلك كما لمست أن الماسونية العالمية (البناءون) وطبعاً على رأسهم اليهود يحاولون بشتى الطرق على نشرها فهنالك قادة سياسيون يحسبهم البعض ذوي نزعة إسلامية وهم من قادة الماسونية بعلمهم أو بدون علمهم. ولي عودة.

عودة إلى رواية ترجمان الملك فاننا نجد من خلال الرواية لم يستطيع الكاتب في جميع حوراته أن يثبت بالديل القاطع من أن هجرات المسلمين قد وصلت إلى السودان وبالأخص أن مملكة علوة هي مملكة النجاشي ولم تكن مملكتهم في الحبشة المعروفة لدى الجميع على الرغم من أن الدكتور عبد الله الطيب قد ذكر أن هذه الهجرات قد تمت عن طريق ينبع إلى السودان وليس عن طريق باب المندب حيث ان المسافة إلى مملكة علوة تعتبر بعيدة مقارنة بالمسافة عن طريق باب المندب كما أكد أن بلال الحبشي كان سوداني الأصل (دنقلاوي) وليس حبشياً علماً بأنه كان ينسب إلى الحبشة في جميع الروايات فما رأي الكاتب في ذلك ؟ ولنا عودة.

 

تحدثت أستاذنا الجليل عن التابوت وأنه موجود بكنيسة ماريا بآثار ممكلة علوة أن تم نقله إلى مكان آخر وهل من مراجع يمكن الرجوع إليها حول تلك الرواية.

 

[/fusion_toggle]
[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’د. عمر فضل الله’ close = ‘closeAll’]
رد: د. عمر فضل الله:

أشكرك أخي الحبيب يحيى على الجهد المبذول لقراءة الرواية ولمحاولة إثارة الحوار البناء حولها وسوف أجتهد باختصار لتوضيح بعض النقاط التي أثرتها في مشاركاتك السابقة. 1. بدءاً لا بد أن أقرر أن ترجمان الملك هي أولاً وأخيراً (رواية) تعتمد الأسلوب القصصي وليست كتاباً تاريخياً ولا بحثاً علمياً، ولا تحاول اثبات أي نظرية من النظريات التاريخية أو تتبنى وجهة نظر معينة. ولكنها بالرغم مما ذكرت اشتملت على حقائق تاريخية كثيرة ومزجت الحقيقة بالخيال. 2. الرواية اعتمدت منطقة سوبا مسرحاً لها لأننا من نفس المنطقة فمنطقة سوبا والعيلفون كانتا في القديم شيئاً واحداً، وأظن أنه من المنطقي والمنصف أنني لو كتبت رواية تتخذ الأرض مسرحاً أن أبدأ بمنطقتي ومسقط رأسي وإلا أكون مجحفاً في حقها. 3. اخترت هذه الحقبة لأحداث الرواية لأنها لا تزال الأقل حظاً من حيث المعلومات العامة عنها فقد بخست حقها وظلمت ظلماً مبيناً فرأيت أن أوثق لها ولو برواية بدلاً من البحث التاريخي الذي لن يقرأه الشباب والنشء ويقيني بأنهم سوف يقرأون الرواية لأنها ستكون خفيفة الظل وجاذبة. ولهذا فقد مزجت بين الحقيقة والخيال. 4. التقاء تاريخ علوة المسيحية مع تاريخ هجرة المسلمين جعل تلك الحقبة التاريخية ثرية بالأحداث الضخمة وحفزني للكتابة لأنها ستكون موضع اهتمام المسلمين والمسيحيين على السواء. ورغم أنها كانت فترة تاريخية فقد حرصت أن أروي قصص وحكايات عنها وليس توثيقاً تاريخياً. 5. إدارة الحوار المسيحي المسيحي تجيب على كثير من التساؤلات عن معتقدات الكنيسة والملوك ولماذا أسلم النجاشي ولماذا كانت وجهة المهاجرين الأوائل هي إلى سوبا أصلاً ولم تكن إلى دولة المقرة أو نوباتيا أو أكسوم وهي جميعها ممالك مسيحية؟ 6. الرواية قصدت أن تثير بعض التساؤلات حول العنج العمالقة واختلاطهم بالنوبة والوجود العربي القديم في المنطقة ووجود اليهود في المنطقة وأثرهم والطقوس والممارسات القديمة في منطقة حوض النيل منذ أيام موسى عليه السلام مثل السحر والسحرة وآثارهم. 7. كنت حريصاً جداً ألا أكتب عن أي موضوع أو أثير معلومة إلا بعد الرجوع للمراجع التي توفرت عندي، رغم أنني أكتب رواية ولكنني في الوقت نفسه كنت حريصاً ألا أكتب شيئاً ليس له أصل أو لم يكتب عنه من قبل، إلا أنني رغم هذا لم أقم بتضمين هذه المراجع ضمن صفحات الرواية لأنني لو فعلت لذهب رونق الرواية ولتحولت إلى مسخ شائه منفر للنشء والشباب. ولهذا فمن أراد بحثاً توثيقيا أو تاريخياً فمحله في مؤلفات أخرى وليس في رواية ترجمان الملك. 8. وأخيراً أخي يحيى فقد اخترت لك بعض المراجع الملخصة والمختصرة من جملة المراجع التي حشدتها قبل أن أكتب رواية ترجمان الملك ولعل أهمها هو ما يلي من المراجع والبحوث والأوراق العلمية: —————————————————-

بروفيسور حسن الفاتح ، السودان دار الهجرتين الأولى والثانية للحبشة 2. حسن علي الشايقي: دراسة تقويمية لرأي البروفيسير حسن الفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة الكرام للحبشة. 3. عرب فقيهخ ، تحفة الزمان أو فتوح الحبشة ص 320 – 321 ، المكتبة الإسلامية جيبوتي 4. الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب: الندوة العالمية الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية ، في مصر عصر الرسول والخلفاء الراشدين ، قسم التاريخ وقسم الآثار – كلية الآداب –جامعة الرياض 1402 هـ – 1982م – هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ. 5. نص ابن سليم الأسواني عن بلاد النوبة والبجة نقلاً عن كتاب الخطط للمقريزى ” المسماه بالمواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار يختص ذلك بأخبار أقليم مصر والنيل وذكر القاهرة وما يتعلق بها (تأليف ) سيدنا الشيخ الإمام علامة الأنام تقى الدين أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزى رحمه الله ونفع بعلومه آمين – مكتبة الآداب 42 ميدان الأوبرا القاهرة – رقم الإيداع 8204 / 1996م 6. د. أحمد محمدعلي حاكم : الأبحاث الأثرية وما تلقيه من أضواء علي علاقة الجزيرة العربية بالسودان في زمن الخلفاء الراشدين : نشرت بمجلة دراسات افريقية ـ جامعة إفريقيا ـ مركز الدراسات الإفريقية 7. القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد 8. عبد الرحمن الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار. 9. المقريزي ، تقي الدين حمد بن علي ، المواعظ والأعتبار بذكر الخطط والآثار ، بولاق1922م.. 10. عبدالله بن أحمد بن سليم الأسواني: أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل. 11. مصطفي محمد سعيد ، الإسلام والنوبة في العصور الوسطي – القاهرة 1960 صفحة 112 – 115. 12. منشورات مجلة البيان العدد الثاني عشر 1401 هـ :المجلس الأعلي للشئون الدينية والأوقاف:( المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية ) مابين 22- 26 جماعي الأول 1401هجرية ( مارس 1981 ) للأحتفال بمقدم القرن الخامس عشر الهجري). 13. مجلة الخرطوم: منشورات حول دولة علوة: تقارير الفرق من مندوبين من المجلس الاعلي للشئون الدينية والأوقاف والمجلس القومي للآداب والفنون ومصلحة الآثار السودانية واشترك فيه الأساتذة التجاني عمر بشير وعوض الله الداروتي وخضر آدم عيسي وعبدالله الشيخ البشير ، مجلة الخرطوم . 14. الطبري ، محمد بن جرير تاريخ الأمم والملوك باريس 1871 الجزء الخامس 15. ابن جبير ، ابوالحسن محمد بن حمد الكناني تذكرة بالاخبار عن اتفاقات الأسفار ، بيروت 1967م – صفحة 47. 16. ابن الأثير علي بن حمد ابن ابي الكرم : الكامل في التاريخ مطبعة الطباعة المنيرية بمصر 1348هجرية الجزء الثاني 17. ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبوعبدالله. معجم البلدان ، القاهرة 1906 الجزء الخامس 18. أحمد الحفني القنائي: الجواهر الحسان في تاريخ الحبشان. 19. د. المعتصم أحمد علي الأمين : الديانة النصرانية في إثيوبيا.- مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية. 20. طه حسين ، علي هامش السيرة ، ط 24 ، الجزء الأول ، دار المعارف ، مصر 1974م 21. ريتشارد هول ، امبراطوريات الرياح الموسمية ، ترجمة كامل يوسف حسين ، ط أولي ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ، أبوظبي 1999م 22. رجب محمد عبدالحليم ، العلاقات بين مسلمي الزيلع ونصاري الحبشة في العصور الوسطي، دار النهضة العربية ، القاهرة 1985م 23. د. عمرو عبدالسميع ، الاقباط والرقم الصعب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2001م 24. رجب محمد عبدالحليم ، العلاقات بين مسملي الزيلع ونصاري الحبشة في العصور الوسطي 25. زاهر رياض ، تاريخ اثيوبيا ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة 1966، 26. د. جعفر محمد علي بخيت ، الإدارة البريطانية ، والحركة الوطنية في السودان 1919- 1939م. ترجمة هنري رياض ، المطبوعات العربية للتأليف والترجمة ، الخرطوم 1987م ، ص 5. 27. قائد محمد العنسي ، الصراعات السياسية والعسكرية في القرن الإفريقي وأثرها علي اليمن ، مكتبة الشريف الأكاديمية ، ط أولي 2000م ، الخرطوم ، 28. د. ربيع محــمد القمر الحاج: الباحث في الدراسات الإفريقية بالرياض: ندوة التداخل والتواصل بجامعة إفريقيا العالمية: الهجرات البشرية وأثرها في تشكيل السلوك الاجتماعي في إفريقيا: منطقة النوبة وحوض النيل نموذجا. 29. ابن سيد الناس : السيرة النبوية ، ج 1 ، بيروت ،مؤسسة عزالدين للطباعة والنشر ، 1406هـ : 1986 30. مصطفي مسعد : الإسلام والنوبة ، القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية 1966 م 31. محمد عوض : السودان الشمالي سكانه وقبائله ، القاهرة ، 1951 32. أحمد فخري : دراسات في تاريخ الشرق القديم ، ط 2 القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية 1963 33. ياقوت الحموي : ج 2 ، معجم البلدان ، ج 2(طهران : مكتبة الأسدي 1965، 34. خليفات عوض محمد : مملكة ربيعة العربية ، عمان ، 1983 م 35. الشاطر بصيلي : معالم تاريخ سودان وادي النيل ، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1069م ، 36. المقريزي : المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، ج 1 القاهرة المطبعة الأميرية 1970 هـ ، ص 195 37. عبدالملك بن هشام : السيرة النبوية ، ج 1 ص 205 ، تحقيق مصطفى عبدالستار( وآخرون ) مطبعة الحلبي ، مصر 1355 هـ – 1936م 38. علي بن الحسين المسعودي التنبيه والإشراف ، ليدن 1976م 39. عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري : المعارف ، تحقيق د. ثروت عكاشة ، دار المعارف ، القاهرة 1388هـ دار العلم للطباعة والنشر جدة 1403هـ ، 40. الصادق المهدي : مستقبل الإسلام في السودان ، 41. يوسف فضل حسن : الهجرات البشرية وأثرها في نشر الإسلام ، بحث منشور ضمن إصدار بعنوان( الإسلام في السودان عن جماعة الفكر والثقافة الإسلامية ، دار الأصالة ، الخرطوم ، 42. د. ربيع محمد القمر : قراءة جديدة في نصوص معاهدة البقط ، الدارة العدد ( الثاني ) الرياض ، السنة الحادية والعشرون- محرم / صفر / ربيع الأخر 1416هـ ، 43. عبدالمجيد عابدين : القبائل العربية في وادي النيل، بحث في ذيل كتاب البيان والإعراب للمقريزي القاهرة 1961م ، 44. جعفر أحمد صديق : انتشار الإسلام في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة ، قسم الدراسات العليا الحضارية ، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، جامعة أم القري 1408هـ 45. عباس عمار : وحدة وادي النيل ، أسسها الجغرافية ومظاهرها في التاريخ 46. المقريزي: السلوك ج1 ، تحقيق محمد مصطفي ، مطبعة لجنة التأليف والنشر – القاهرة 1941 م 47. محمد بن عمر التونسي : تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان ، تحقيق خليل عساكر ومصطفي مسعد القاهرة ، الدار المصرية للتاليف ، والترجمة 1965 م 48. أبوعبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي : سنن النسائي ج 6 ، مكتبة مصطفي الحلبي ، 1984 ، 49. ابن ماجة : سنن ابن ماجة ، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ، مطبعة مصطفي الحلبي ، مصر ( 50. الكندي : الولاة والقضاة ، دار صادر ، بيروت 1379هـ / 1959م 51. المسعودي1976 : التنبيه والإشراف ، 52. الذهبي: تاريخ الذهبي 53. ابن إياس : بدائع الزهور محمد بن أحمد ) ت 1930 هـ القاهرة 1896 م 54. عوض خليفات : العرب والنوبة في صدر الإسلام ، بحث بمجلة دراسات تاريخية ، جامعة دمشق ، رجب 1402 هـ / 1982 م ، 55. المقريزي : البيان والإعراب عمن بأرض مصر من الأعراب، تحقيق عبدالمجيد عابدين ، القاهرة ، 1961 م 56. المقريزي : المواعظ والاعتبار ، 57. ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة في تاريخ ملوك مصر والقاهرة ، د. 2 ، القاهرة ، دار الكتب المصرية 1963 م 58. الكندي : الولاة والقضاة ، مطبعة الآباء اليوسوعيين بيروت 1908م 59. أبوصالح الأرمني : تاريخ الشيخ أبوصالح الأرمني ، أكسفورد 1894م 60. رولاند أوليفر : مؤجز تاريخ إفريقيا ، ترجمة دولت أحمد صادق ، القاهرة ، الدار المصرية للتاليف والترجمة ، 61. الإدريسي : نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، ج 1 ( أبوعبدالله محمد بن محمد بن ادريس ) ت 560هـ روما 1970م، 62. عبدالله خورشيد : القبائل العربية في مصر ، القاهرة ، دار الكتاب العربي 1967م ، 63. اليعقوبي : كتاب البلدان ، المطبعة الحيدرية ، النجف – 1377هـ – 1957 م، 64. محمد إبراهيم الصحبي : التجارة والاقتصاد عند العرب ، القاهرة ، مكتبة الوعي العربي ، 1969 ، 65. أحمد نجم الدين فليجة : إفريقية ، بغداد ، جامعة بغداد 1978 م ، 66. ابن سليم الأسواني : أخبار النوبة ( المواعظ والاعتبار للمقريزي ) ج 1 ، المطبعة الأميرية القاهرة 1270 هـ 67. اليعقوبي : كتاب البلدان ، 68. مصطفي مسعد : البجة والعرب في العصور الوسطي ، مجلة كلية الآداب ، جامعة القاهرة ، مجلد 21 ، عدد 2 القاهرة ، 69. اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، ج 1 ، دار صادر ، بيروت ، 1960 ، 70. شوقي الجمل : تاريخ وحضارات السودان ج1 القاهرة مكتبة الانجلو المصرية 1969 م 71. ابن خلدون ، العبر وديوان المبتدأ والخبر ،دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1968 م ج 5 ، 72. حسن محمد جوهر وحسين مخلوف : السودان (أرضه ، تاريخه ، حياة شعبه)، دار الكتب ، مصر ، 1970 م / 73. يوسف فضل حسن : الهجرات البشرية ، 74. مصطفي مسعد : امتداد الإسلام والعروبة إلي وادي النيل الأوسط ، المجلة التاريخية المصرية 1959 م ( العدد الخامس ) القاهرة 75. أحمد بن الحاج : مخطوطة كاتب الشونة ، تحقيق الشاطر بصيلي ، دار إحياء الكتب العربية مصر ، القاهرة ،بدون تاريخ ) 76. محمد المرتضي الزبيدي ، تاج العروس من جواهر القاموس ، ج 8 بيروت مكتبة دار الحياة 77. ابن حجر / الإصابة في تمييز الصحابة : ج 1 مطبعة السعادة ، مصر 1228هـ ، 78. نعوم شقير : جغرافية وتاريخ السودان ، دار الثقافة ، بيروت 1967 م 79. اليعقوبي تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ابن حوقل صورة الأرض ، رسالة ماجستير جامعة أم القري 1410 هـ 80. اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي : ج 2 ، 81. المقريزي : البيان والاعراب 82. ابن حوقل : صورة الأرض ، 83. أحمد كاتب الشونة وآخرون : تاريخ ملوك السودان ، تحقيق مكي شبيكة ، مطبوعات كلية غردون التذكارية ، مطبعة ماكوركودليل الخرطوم 1937 – ص 1 84. ابن بطوطة : رحلة ابن بطوطة ( ابو عبدالله محمد بن عبدالله ) 779 هـ ، دار صادر بيروت 1284 هـ ، 85. بوركهارت: رحلات بوركهات في النوبة، مطبعة المعرفة بدون تاريخ 86. ابن الوردي : خريدة العجائب ، ورقة 21 87. الإدريسي : نزهة المشتاق ، ج 1 ، روما 1970 م 88. ابن الوردي : خريدة العجائب ، مخطوطة بقسم المخطوطات ، المكتبة المركزية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (6239) 89. ابن ميسر: أحبار مصر، مطبعة المعهد العلمي الفرنسي القاهرة 1919م 90. عطية القوصي : تاريخ دولة الكنوز الإسلامية ، 91. القلقشندي : صبح الأعشي ، ج 5 ، المطبعة الأميرية ، القاهرة 1333هـ / 1915 م 92. المسعودي ، مروج الذهب ، ج 1 دار الأندلس للطباعة والنشر – بيروت ، 1393 هـ، 1973 93. توماس ارنولد : الدعوة إلى الإسلام ترجمة حسن إبراهيم – مكتبة النهضة المصرية 1970 ، 94. ادولف ارمان : ديانة مصر القديمة ، ترجمة عبدالمنعم أبوبكر ومحمد أنور مكتبة مصطفي الحلبي ، مصر ، 95. أحمد الحاج وآخرون ،من معالم تاريخ الإسلام في السودان جماعة الفكر والثقافة الإسلامية الخرطوم 96. علي زين العابدين ، فن صياغة الحلي الشعبية النوبية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1981م ، 97. جونتاني فانتيني تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة ، الخرطوم 1970 98. عبدالله عبدالرحمن الأمين الضرير : العربية في السودان ج 1 دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1967 99. ابن منظور لسان العرب ، دار لسان العرب ، بيروت ( بدون تاريخ ) 100. يوسف فضل حسن : الشلوخ ( أصلها ووظيفتها في سودان وادي النيل ) دارجامعة الخرطوم للنشر الخروم ، 1976 101. عون الشريف قاسم : قاموس اللهجة السودانية العامية في السودان المكتب المصري الحديث القاهرة 1405، ، 1982 102. عباس محمد مالك العرب العباسيون في بلاد السودان ، دار الطابع العربي بحري 1987 1 103. صحيح البخاري (3/247 ) 104. صحيح مسلم (1/375 رقم 528). 105. ابن تيمية: منهاج السنة (5/133). 106. ابن كثير: البداية والنهاية 107. م. الفاسي بالإشتراك مع إ. هربك: تاريخ افريقيا العام – المجلد الثالث – افريقيا من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر. مطبعة اليونيسكو. 108. ب.ل. شيني (P.L.Shinnie) 1978 109. ب. ج. تريجر (B.G. Trigger) 1970 110. ج. فانتيني (G. Vantini) 1975 111. أ. ج. أركيل 1961 112. دورية أزانيا Azania عن الحفريات التي بدأتها البعثة البريطانية عام 1981. 113. يو مونيريه دو فيلار (U. Monneret de Villard) 1938 114. و. ي. آدامس (W.Y. Adams) 1977 115. يوسف فضل حسن (Y.F.Hasan) 1973 116. تقرير البعثة البولندية لنتائج تنقيبها على أثر النداء الذى وجهته هيئة اليونسكو إلى العالم لإنقاذ آثار النوبة سنة 1960 م وحتى فبراير 1963م 117. د. راغب السرجاني: ملخص الهجرتين. 118. Mohi El-Din Abdalla Zarroug The Kingdom of Alwa University of Calgary Press, 1991. 119. P.L. Shinnie, Ancient Nubia (London: Kegan Paul International, 1996) 120. The Encyclopaedia Africana Dictionary of African Biography (in 20 Volumes). Volume One Ethiopia-Ghana, ©1997 by L. H. Ofosu-Appiah, editor-in-chief, Reference Publications Inc., New York, NY. All rights reserved. 121. E.A.W. Budge, The Queen of Sheba and Her Son, Menylek, (an English translation of Kebra Negast, meaning “The Glory of Kings”), London, 1922; 122. Guébre Sellassié, Chronique du régne de Ménélik II (“Chronicle of the Reign of Menilek II”), 2 vols, Paris, 1930-1931; 123. The Holy Bible, Revised Standard Version, Toronto, New York, Edinburgh, 1952; 124. D. N. Levine, “Menilek and Oedipus: Further Observations on the Ethiopian National Epic,” Proceedings of the First United States Conference on Ethiopian Studies, 1973, East Lansing, 1975; 125. E Littmann, The Legend of the Queen of Sheba in the Tradition of Axum, Leyden, 1904; 126. S. Pankhurst and R. Pankhurst, editors Ethiopia Observer, Vol. 1, No. 6, Special Issue on the Queen of Sheba, Addis Ababa, July, 1957; 127. J. B. Pritchard (editor), Solomon and Sheba, London, 1974; 128. E. Ullendorf, “Sheba,” The Dictionary of Ethiopian Biography, Vol. 1, Addis Ababa, 1975. 129. E.A Wallis Budge, A History of Ethiopia: Nubia and Abyssinia, 1928 (Oosterhout, the Netherlands: Anthropological Publications, 1970) 130. William Y. Adams, Nubia: Corridor to Africa. Princeton: Princeton University Press, 1977. 131. Mac Michael , H.C,. History of the Arabs in the Sudan, Vol. I. 132. Yusuf FadL Hassan : The Arabs and the Sudan University of Khartoum Press 1973 133. J.M.Plumeley “An Highth Century Arabic letter to the King of Nubia” Journal optian Archaeology Vol. 61 ,1875 134. Wlodzimiers Godlewski : The Mosque Building in Dongola ” in Ed ,. Paul Van Moorsel : New Discoveries in Nubia , Proceedings of the Collecquium on Nubian Studies held in la Hague 1978 . Leiden 1982 135. Report of the Polish Mission (Dongola Excavations). Kush vol. 15 1968 136. S.Jacobowski : “A brief account on the Churches of Old Dongola : In ed. P.Van Moorsel : New Discoveries in Nubia. Leiden 1982 137. Uusuf F. Hassan : The Arabs and the Sudan Khartoum University Press 1973 138. Criwfiit B.A. Some Red Sea Ports in the Anglo – Egyptaian Sudan Geographical Journal Vol 28 , 1911 139. Hivvert , H. E. Relics at Agig Sudan Notes and Records Vol. 19 1936 140. Anderson , L.G. Gistern at Ibn Abas 141. Sudan Notes and Records Vol. 19 , 1936 142. Combe N.T. Four Arabic Inscriptions from the Red Sea Sudan Notes and Records Vol. 13. 1930 143. Maciche, H,A ” The coming Of Arabs in Sudan Anews London 1935 pp 46-47 144. Trimingham J . Specer Islam in the Sudan , London 949 .

[/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’يحيى الشيخ ادريس الحبر’ close = ‘closeAll’]

عودة أخرى إلى رواية ترجمان الملك للكاتب الدكتور العلامة / عمر أحمد فضل الله وسؤالي هذه المرة موجه من زميلكم الأخ الأستاذ / الريح عبد الباقي و يتركز حول تابوت العهد حيث توجد عدة روايات تتحدث عن مكان وجوده وإحدى هذه الروايات أنه موجود في مملكة أكسوم وهذا ما يهمنا من هذه الروايات فقد ذكرت في روايتك أنه يشاع أن التابوت موجود في مملكة أكسوم لكن الحقيقة موجود في مملكة علوه للتمويه . فهل هذه الجزئية في الرواية حقيقة أم خيال فإن كان خيالاً يصبح الموضوع جد خطير حيث لا يمكن حقيقة يجرى البحث عنها وتوضع كخيال مهما كانت الرواية وإن كانت حقيقة فنرجو من الدكتور إرجاعنا إلى مصادره الحقيقية وهل هنالك من مصادر غير المصادر العلمية أعتمدت عليها مثال لذلك المصادر الروحية.

[/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’د. عمر فضل الله’ close = ‘closeAll’]

أسعدني ما يثيره الأخ يحيى من موضوعات وتساؤلات أثارتها رواية ترجمان الملك، فكم هو جميل أن تنجح الرواية في إثارة نقاش فكري تاريخي جميل. وما ورد في الرواية من كلام عن تابوت العهد يبقى كما هو رواية وليس حقائق تاريخية. ومن أراد أن يبحث عن تاريخ تابوت العهد فعليه بالمراجع التاريخية. وإن سألتني عن رأيي الشخصي حول تابوت العهد فأقول لك إن هذا التابوت قد ضيعه بنو إسرائيل بعد فترة وجيزة من موت سيدنا موسى عليه السلام تماماً كما تنبأ موسى، وقد أوردت هذا الأمر في الرواية. ومعلوم عندنا أيضاً نحن المسلمين أن تابوت العهد قد رفعته الملائكة للسماء ولم يعد له وجود على الأرض ولكن بني اسرائيل بعدما ضيعوا التابوت صنعوا تابوتاً مزيفاً حاكوا حوله الهالات ونسجوا القصص الخيالية والروايات. ولعل رواية ترجمان الملك تريد أن تقول هنا أن اليهود هم أصحاب قصص وروايات وتزييف للحقائق في جميع العصور وأنهم يغلفون عقائدهم بهالات من الأسرار المخيفة والسحر والوهم. وأما ما يحكيه اليهود من حكايات ونظريات حول تابوت العهد فهي كثيرة فقد حاكوا حوله كثيراً من القصص والأساطير حيث تقول بعض الأساطير أن تابوت العهد هذا قد دُمر أو استولت عليه القوات المصرية الغازية في حوالي عام 925 ق.م ، والبعض الآخر يقول بأن البابليين سرقوه في عام 586 ق.م. وتقول أسطورة أخرى إن إحدى الجماعات اليهودية التي كتبت مخطوطات البحر الميت قامت بدفن تابوت العهد في الصحراء الأردنية قبل أن يهربوا منها. وبالمثل قيل بأن مجموعة مسيحية مبكرة تسمى كاثرس ربما أخفت تابوت العهد في كنيسة قديمة في رين لو شاتو بفرنسا قبل أن يتم القضاء عليهم من قبل الكنيسة الكاثوليكية ، وحتى الملك آرثر نال قسطاً في قصة تابوت العهد ، وفي حين يدعي كثير من الباحثين بأن فرسان الهيكل أخذوا تابوت العهد من الأراضي المقدسة وقيل بأنهم ربما أخفوه في منجم بجزيرة أوك آيلاند أو حتى في الكنيسة الاسكتلندية في روسلين تشير بعض نظريات المؤامرة إلى أن الماسونيين (أحفاد فرسان الهيكل) يمتلكون تابوت العهد وهو تحت سيطرتهم الآن ويخفونه في مكان ما. اليهود ركزوا في رواياتهم على منطقتين كلاهما بهما تاريخ قديم لليهودية وهما : 1. القدس القديمة: حيث أن (لين ريتماير) وهو عالم آثار “يهودي” قام بإجراء اختبارات على جبل الهيكل في القدس وأوهم الناس بأنه قد عثر على الموقع الحقيقي للمعبد الأول وأنه اكتشف قطعة من صخور الأساس التي تطابق أبعاد تابوت العهد تماماً ومن هذه النقطة يعتقد أنه ربما كان تابوت العهد مدفوناً على عمق كبير داخل جبل الهيكل، ولكن يبدو من المستحيل القيام بأعمال الحفر في المنطقة خاصة أنها لا تزال موقع لخلاف كبير بين المسلمين واليهود. ولا يخفى علينا هنا محاولات الإسرائيليين المستمرة في التنقيب في أساسات المسجد الأقصى بهدف إيجاد تابوت العهد أو نقول بـ “حجة” إيجاده لهدم المسجد الأقصى نفسه وإعادة بناء هيكل سليمان مكانه الذي يزعم اليهود أنه كان في نفس مكان المسجد الأقصى. ويعتقد عدد آخر من اليهود أن تابوت العهد لا يزال موجوداً في الأرض المقدسة ، حتى أن هناك رجلاً أمريكياً يُدعى (رون واي) زعم أنه عثر على الصندوق المقدس في مقبرة في حديقة جاردن تومبت في شمال مدينة القدس القديمة.
2. النظرية الثانية هي مملكة أكسوم القديمة: ولعل أكثر النظريات شهرة والتي تزعم أن تابوت العهد موجود على الحقيقة هي تلك النظرية التي تزعم بأن ملكة سبأ قد حملت من الملك سليمان ثم ولدت الطفل المعروف باسم مينيليك والذي يعني (ابن الحكيم) ، وعندما أصبح في اﻠ(20) من عمره سافر إلى القدس للدراسة في محكمة والده. وفي غضون عام أصبح كهنة سليمان غيورين من ابن الملك وقالوا بأنه يجب عليه أن يعود إلى سبأ ، وقد قبل الملك سليمان بهذا الأمر إلا أنه قال بأنه ينبغي على جميع الأبناء البكر للشيوخ الآخرين أن يصطحبوا مينيليك ، وكان أحدهم يدعى آزاريوس وهو ابن رئيس الكهنة المدعو زادوق. وكان آزاريوس هو من قام بسرقة تابوت العهد وذهب به إلى أفريقيا. وقد قرر مينيليك أن نجاحهما يجب أن يكون بالإرادة الإلهية ثم أسس (القدس الثانية) في (مملكة أكسوم). ويزعمون بأن كنيسة سانت ماري الصهيونية القديمة تأوي تابوت العهد فنشأ تقليد للإحتفال في شهر يناير من كل عام بمهرجان يعرف باسم (تيمكات). وحين يئس اليهود من ظهور نبيهم المنتظر في جزيرة العرب وبعد الهزائم التي لحقت بالقبائل اليهودية في يثرب على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أخفي تابوت العهد بعيداً عن الأنظار تحت رعاية حارس نذور وهو الرجل الوحيد الذي سُمح له بمعرفة الطبيعة الحقيقية للصندوق الموجود في كنيسة تابوت العهد في مملكة أكسوم القديمة والتي تقع في أسكون بأثيوبيا الحالية.
ما هو معتقد المسلمين حول تابوت العهد؟ اليهود اضطروا للزيادة والتغيير في كتابهم المقدس ليخفوا خيبتهم في ضياع تابوت العهد فقد أوردوا في سفر صموئيل الأول أن الرب “ضرب أهل بيتمش، لأنهم نظروا إلى تابوت الرب: “وضَرب من الشعب خمسين ألف رجل وسبعين رجلاً، فناح الشعب، لأن الرب ضرب الشعب ضربة عظيمة ” (صموئيل (1) 6/19). ثم خجلوا من إيراد هذا العدد الكبير الذي يكشف كذبهم فعدلوا النصوص من خمسين ألف إلى سبعين فقط فقالوا “وضرب الرب أهل بيت شمس، لأنهم نظروا إلى تابوت الرب، وقَتل من الشعب سبعين رجلاً، وكانوا خمسين ألف رجل، فناح الشعب، لأن الرب ضرب هذا الشعب هذه الضربة العظيمة … ” (الملوك (1) 6/19)، ومثله في الترجمة العربية المشتركة التي جعلت القتلى سبعين، حذفت من النص أي ذكر للخمسين ألف، فقالت: “وضرب الرب أهل بيت شمس، لأنهم نظروا إلى تابوت العهد، فمات منهم سبعون رجلاً، فناحوا لهذه الضربة”.
وأما حقيقة التابوت فألخصها لك فيما يلي: – تلقى موسى من الله وهو على جبل الطور لوحين من الحجارة كتبهما الله لبني إسرائيل تذكاراً كما ورد في التوراة: ” وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل، وكن هناك، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم” ( الخروج 24/12)، وقد كتب في اللوحين الوصايا العشر ( انظر الخروج 20/1 – 17 ) و ( التثنية 5/5 – 23 ). – أمر موسى بوضع اللوحين في تابوت العهد، “وفي التابوت تضع الشهادة التي أعطيك” (الخروج 25/21). – أوصى موسى بني إسرائيل بأن تقرأ التوراة على جميع بني إسرائيل كل سبع سنوات “وفي نهاية السبع سنين في ميعاد سنة الإبراء في المكان الذي تختاره تقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم ” ( التثنية 31/9 – 11). وقال للّاويين: ” خذوا كتاب التوراة هذا، وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم، ليكون هناك شاهداً عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة، هوذا وأنا بعد حتى معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب، فكيف بالحري بعد موتي .. لأني عارف بعد موتي تفسدون وتزيغون ” ( التثنية 31/24 – 30 ).
ومعلوم أن التابوت قد ضاع مع ضياع التوراة فقد بدأ ضياع التوراة كما تحدث سفر ( صموئيل (1) 4/11 ) عند فقدهم للتابوت في معركة مع الفلسطينيين، ثم عاد إليهم بعد سبعة شهور، ولما فتحوا التابوت ” لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى ” ( الملوك (1) 8/9 ). كما تعرض بيت المقدس لغزو عام 945 ق. م من قبل شيشق ملك مصر، وكان هذا الغزو كفيلاً بفقد كل ما في الهيكل من نسخ التوراة ” وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء ” ( الملوك (1) 14/25 – 26 ). ثم فقدت التوراة سنين طويلة، ولم توجد لها باقية، إذ عاد بنو إسرائيل إلى الوثنية، ولم يعد للتوراة ذكر. كما اختفى التابوت إلى الأبد. ونحن نعتقد أنه رفعته الملائكة إلى السماء. ويحكي اليهود كثيراً من الأكاذيب لستر فضيحتهم في فقد التابوت فقد كتبوا في كتابهم المقدس في سفر صموئيل عن رقص النبي داود وتكشف عورته، وهو فرح باسترجاع التابوت من يد الفلسطينيين، وقد استاءت زوجه ميكال من هذا المنظر، واحتقرته لأجله ” كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب … أشرفت ميكال بنت شاول من الكوة ، ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب ، فاحتقرته في قلبها .. وقالت : ما كان أكرم ملك إسرائيل اليوم حتى تكشف اليوم في أعين إماء عبيده، كما يتكشف أحد السفهاء ” ( صموئيل (2) 6/14 – 20 ). واليهود عليهم لعنة الله لا يتورعون من الكذب على الأنبياء المكرمين فقد افتروا على نبي الله داود كما افتروا على غيره من الأنبياء.
وأما إيراد أن التابوت موجود في كنيسة سوبأ فهي مجرد حكاية في الرواية تسخر من حال اليهود وواقعهم وكذبهم، ومعلوم أن سوبأ لم يبق منها شيء فقد تم تدميرها تماماً بكنائسها ومعالمها وسويت بالأرض واختفى كل ما فيها من معالم وآثار إلى يومنا هذا ولا يوجد فيها تابوت ولا غيره.

[/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’يحيى الشيخ ادريس الحبر’ close = ‘closeAll’] الدكتور عامر: نشكركم على هذا الإسهاب والسرد والذي كان مقنعاً وكافياً لنا بالنسبة لتابوت العهد وكذا الأخ الريح عبد الباقي يشكركم على هذه المعلومات . هل الهجرة الأولى والثانية لمملكة علوة كانت مجرد رواية وخيال ونود أن نعرف رأيك الشخصي مع أن المرحوم الدكتور عبد الله الطيب يعتقد أن الهجرة كانت إلى مملكة دنقلا المسيحية. ونأسف لخروجنا عن الوضوع ولكن رواية ترجمان الملك أثارت فينا أشواقاً ومكامن للفكر محبوسة فهل لك من العلم شئ بأن إلتقاء سيدنا موسى بسيدنا الخضر كان عند مقرن النيلين الحالي؟ [/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’د. عمر فضل الله’ close = ‘closeAll’] رد د. عمر فضل الله يتلو لاحقاً [/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][hr top][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

ترجمان الملك – مقدمة الرواي


مُقَدِّمَةُ الرَّاوِيِ

لَمْ أَعْجَبْ حِينَمَا استَدْعَاني مِنْ بينِ أطلالِ الماضي الغَابِرِ، لتقديمِ رِوَايَتِهِ للناسِ، في زَمَانكِمُ هَذَا، فَقَدْ كُنتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْتَاجُنِي. أنا الشابُّ “سِيْسِّي بن أَبِيْلُّو بن دَلْمَار”، الذي عاشَ حياةً حافلةً في زمانِهِ، ثم ماتَ وماتتْ مَعَهُ قِصَّتُهُ. لم يسمعْ بهِ ِأَحَدٌ في عصرِكُمْ هذا. وَحِينَ حَدَّثَنِي أنَّ أَحَدَاً في زَمَانهِ لا يقْدِرُ أَنْ يُقَدِّمَ رِوَايَتَي أَفْضَلَ مِنِّي صَدَّقْتُهُ، مِثْلَمَا صَدَّقْتُ حِينَ عَادَ إِلى الماضي بَاحِثَاَ عَنِّي يَنْبِشُ القُبُورَ في خَرَائِبِ مَدَافِنِ “العَنَج” العَمَالِيق جَنُوبَ سوبأ، وَيَقْرَأُ الشَّوَاهِدَ لِيَجِدَنِي، آخِرَ الأمرِ ثُمَّ يُخْبِرَني أَنَّ العَالَمَ بقي بَعْدَنَا ألفاً وَخَمْسَمِائةَ عَام! وأنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِلمَ ْتَحِنْ بَعْدُ. صَدَّقْتُهُ في كُلِّ هَذَا، وَلَكِنَّنِي لَمْ أُصّدِّقْ أَنَّ أَحَدَاً مِنَ النَّاسِ لا يَعْرِفُ سوبأ العَاصِمَةَ، وَ”مَمْلَكَةَ عَلَوَة العَظِيمة”، بَعْدَ مُضِيِّ خمَسْةَ َعَشَرَ قَرْنَاً فَقَطْ. كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَبْقَى في ذَاكِرَةِ العَالمَ مِائَةَ قَرْنٍ أُخْرَى.!! لوَلا ِهَذَا ما وَافَقْتُ عَلى العَوْدَةِ لِأَرْوِيَ لَكُمْ. أَقِفُ الآنَ جَنُوبَ سوبأ العَاصِمَةَ فِي زَمَانِنَا القَدِيمِ مُتَأَهِّبَاً للإطْلالَةِ عَلَى زَمَانِكُمْ والشُّرُوقُ، يُزَيِّنُ بِفُرْشَاتِهِ أَسْوَارَها، وَأَسْوَاقَهَا، والبُيُوتَ، وَالأحْيَاءَ، أَمَلاً في مَجِيءِ نَسِيمِ (البُطَانَة)(1) الشَّرْقَيَّة ليِتَأَمَّلَ هَذِهِ اللَّوْحَةَ، قَبْلَ أَنْ يَنْفُثَ سِحْرَهُ فِيهَا يَرْجُو لهَا الخُلُودَ، والنيلُ يَرْبِضُ غَرْبَهَا مِثْلَ طِفْلٍ بَرِيءٍ يَخْتَبِيءُ مِنْ أَقْرَانِهِ في لُعْبَةِ “دَسُّوسِيَّةٍ”(2 ) بَدَأُوهَا عِنْدَ العَشِيَّاتِ ثُمَّ غَلَبَهٌمْ النَّوْمُ، والنِّيلُ مَا يَزَالُ مُسْتَمِرَّاً فِي اللَّعِبِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ الأَقْرَانِ. لَوْ ذَهَبْتُمْ لِلنِّيلِ لَحَدَّثَكُمْ عَنِّي وَعَنَّا، وَعَنْ سوبأ َوَعَلَوَة، وَالمُلُوكِ العُظَمَاء وَالنَّاسِ. النِّيلُ رَاوِيَةٌ قَدِيمٌ، لا يَمَلُّ مِنَ التِّكْرَارِ. “أَسَاطِيلُ عَلَوَة” وَهِيَ تَزْحَمُ النِّيلَ بِأَشْرِعَتِهَا البَيْضَاءَ المُنَشَّرّةِ. وَأَنَاشِيدُ الجُيوشِ العَظِيمَةِ، وَ”العَنَجُ” العَمَالِقَةُ الذينَ تَهْتَزُّ الأرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ الضَّخَمَةَ حِينَ يَعْرِضُونَ القُوَّةَ وَالبَأْسَ الشَّدِيدَ فِي مَسِيرَاتِهِمْ عَبْرَ طُرُقَاتِ سوبأ وَخَارِجَ أَسْوَارِهَا. الطُّبُولُ “النُّحَاسِيَّةُ” المَرْصُوصَةُ جَنْبَاً إلى جَنْبٍ في سَاحَةِ المدِينَةِ والتي تَخْلَعُ أَصْوَاتُهَا القُلُوبَ حِينَ يَتَقَافَزُ الضَّارِبُونَ حَوْلَهَا وَيَدُورُونَ وَهُمْ يَنْقُرُونَهَا بِالعِصِيِّ الخَشَبِيَّةِ القَصِيرَةِ المُدَبَّبَةِ المَكْسُوَّةِ بِجُلُودِ أَذْنَابِ البَقَرِ. والرَّاقِصُونَ عَلَى وَقْعِ الطُّبُولِ نَهَارَاً أَوْ لَيْلاً وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالحِرَابِ وَالعِصِيِّ والنُّشَّابِ وَالدَرَقِ. عَبَقُ الطُّيُوبِ الشَّرْقَيَّة التي تَضَعُهَا نِسَاءُ عَلَوَة! مَا زَالَ فِي أَنْفِي بَعْدَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ! أَيْنَ ذَهَبَ كُلُّ هَذَا؟ حِينَ دَعَانِي للعَوْدَةِ إِلى سوبأ لأَتَأَكَّدَ بنفسي لم أُصَدِّقْ مَا رَأَيْتُهُ. بَقَايا كَنِيسَةِ “مَارِيَّةَ” العَظِيمَةِ أَطْلالٌ مِنَ الطُّوبِ المُسَوَّى بِالأرضِ. قَصْرُ الملكِ المُنِيفِ إلى الشِّمَالِ صَارَ مَزَارِعَ ِللْدّوَاجِنِ. وَمَاذَا فَعَلْتُمْ بِالنِّيلِ؟ نِيلُ سوبأ العَظِيمُ انحَسَرَ مَجْرَاهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَحَدَ الجَدَاوِلِ التيِ تَسِيلُ مِنْ الشَّرْقِ أَيَّامَ الخَرِيفِ فِي زَمَانِنَا. وَاختفتْ مِنْ فَوْقِهِ الأسَاطِيلُ المَهِيبَةُ ذَاتُ الأَشْرِعَةِ البَيْضَاءَ. “جَزِيرَةُ التِّمْسَاحِ” تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهَا وَصَارَتْ عِدَّةَ جُزُرٍ صَغِيرَةٍ تَحْتَمِي بِكَبِدِ النِّيلِ الحَرَّى وَتَسْتَغِيثُ مِنَ الغَرَقِ. وَاخْتَفَتِ الأسواقُ والسُّورُ وَمَرَابِطُ الخَيْلِ وَثُكْنَاتُ الجُيُوشِ وَبُيُوتُ الكَهَنَةِ وَأَدْيِرَةُ الرُّهْبَانِ وَأَحْيَاءُ سوبأ الجَميلَةِ وَمَبَاني الجَصِّ وَالطُّوبِ والحَجَرِ. أَيْنَ أَشجارُ النَّخِيلِ البَاسِقَةِ والدَّوْمُ ِوَالمَانْجُو واللَّيْمُون؟ أَيْنَ السَّاحَاتُ الخَضْرَاءُ؟ أَنْتُمْ بَارِعُونَ جِدَّاً فيِ القَضَاءِ عَلى كُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ. لا أَرَى حَوْليِ في زَمَانِكُمْ إِلا صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ قَاحِلَةً مَدَّ البَصَرِ، يَشُقُّهَا طَرِيقٌ أَسْوَدٌ قَمِيءٌ، وَعَرَبَاتٌ كَئِيبَةٌ تَجْرِي فَوْقَهُ بِلا أَحْصِنَةٍ وَلا خُيُول، وكَأَنَّمَا تُطَارِدُهَا أَشْبَاحُ سِيْمُونَةَ(3) المَسْعُورَةُ. بَدَأْتُ أُصَدِّقُ أَنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِقَدْ اقْتَرَبَتْ. وَلَكِنَّيِ نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَ المُؤَلِّفَ: لِمَنْ تُرِيدُنِي أَنْ أُقَدِّمَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ هَلْ بَقِيَ فِي العَالمَ قُرَّاءُ مِثْلَمَا كُنَّا فِي زَمَانِنَا؟
تذييلٌ: سَوْفَ أَتَوَلَّى رِوَايَةَ قِصَّتِي بِنَفْسِي فَي الصَّفَحَاتِ التَّالِيَةِ. لَنْ أَسْمَحَ أَنْ يَرْوِيَهَا أَحَدٌ غَيْرِي!

***

“لَيْسَ كُلُّ مَا يَلْمَعُ ذَهَبًا وَلَيْسَ كُلُّ شَقْرَاءَ مَلِيحَةً” مثل حديث
في سوبأ: “كلُّ مُا يَلْمَعُ ذَهَبٌ وَكُلُّ سَمْرَاءَ مَلِيحَةٌ ” مثل قديم

_____________________
(1) البُطَانة: هي السهل الممتد شرق النيل الأزرق وهي أرض خصبة المرعى نقية الهواء.
(2) الدَّسُّوسِيَّةُ: هي لعبة الغميضة أو الاستغماية يلعبها الصغار فيختبيء أحدهم ويقوم الآخرون بالبحث عنه.
(3) ساحرة مشهورة أيام مملكة علوة

ترجمان الملك – مقدمة المؤلف


Torgoman-smallهَذِهِ الروايةُ تَعْكِسُ بَعْضَ جَوَانِبِ شَغَفِي بِحِقْبَةٍ هَامَّةٍ في تَأرِيخِ شِمَال شَرْقِ أفريقيا، فَهِيَ تَرْوِي أَحْدَاثَاً وَوَقَائِعَ على ضِفَافِ النيلِ الأزرَقِ في القُرُونِ الوُسْطَى، نَسِيَهَا الناسُ، إلا بَقَايَا أَطْلالٍ قَديمةٍ هَامدةٍ، أو عِبَارَاتٍ نُقِشَتْ عَلى صَفْحَاتِ الكُتُبِ القَدِيمةِ المَنْسِيَّةِ التي لَمْ يَعُدْ يَقْرَأهَا أَحَدٌ. قَرَّرْتُ أَنْ أَتَخَلَّى عنْ حَاضِرِي قَليلاً وَأَسْتَنْطِقََ ذَلكَ الماضي بِعَقْلِي وَكِيَانِي. وَحِينَ انتقلْتُ إليه حَدَّثني أَنَّ تِلْكََ الأَمَاكنَ والوقائعَ كانت نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ في تأريخِ المِنْطَقَة ِعَلى الأقلِ إنْ لَمْ يَكُنْ في تأريخِ الإنسانيةِ كُلِّهَا. لَقَدْ كَانَ البَرُّ الغَرْبِيُّ لِلْبَحْرِ الأَحْمَرِ وَضِفَافُ النِّيلِ الأَزْرَقِ في تِلْكَ الحِقْبَةِ مِنَ الزَّمَانِ مَلاذَاً لِلْعَرَبِ المسلمينَ المهاجرينَ مِنْ مَكَّةَ في جزيرةِ العربِ بِدِينِهِم الجديد إلى مَمْلَكَةِ عَلَوَة المَسِيحِيَّةِ في أَفْرِيقِيا، التي آوَتْهُمْ وَمَكَّنَتْهُمْ مِنْ بِنَاءِ عَلاقَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ رَاسِخَةٍ مَعَ أَهْلِهَا. وَكَانَتْ هَجْرَتُهُمْ هِيَ أَوَّلَ سِفَارَةٍ إِسْلامِيَّةٍ سِلْمِيَّةٍ وَبَقِيَتْ هُنَاكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَامَاً وَفَتَحَتْ أَمَامَ المسلمينَ سُبُلَ الدَّعْوَةِ للدينِ الجَدِيدِ.
وَبِقِرَاءَةٍ ثَانِيَةٍ وَجَدْتُ أَنَّهَا كَانَتْ نَظْرَةً اسْترَاتيِجِيَّةً عَسْكَرِيَّةً نَاجِحَةً مِنْ قِبَلِ المسلمين تِجَاهَ مُسْتَقْبَلِ الإسلامِ في أَفْرِيقِيَا، لأَنَّكَ إِنْ كُنْتَ سَتُقَاتِلُ فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَهْرُكَ مَحْمِيَّاً. وَإذَا قَضَتْ المؤسَّسَاتُ العَسْكَرِيَّةُ، وَمِنْ وَرَائِهَا الكِيَانُ السِّيَاسِيُّ الذي يَحْرُسُ الدَّعْوَةَ أَنَّهَا سَوْفَ تَتَّجِهُ إِلى آسِيَا (الفُرْس) وَإِلى أُوُربَّا (الرُّوم) فَكَانَ لا بُدَّ مِنْ تَحْيِيدِ ظَهْرِهَا الذِي هُوَ الجَبْهَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَفْرِيقِيَا (الحَبَش) حَتَّى لا تَطْعَنَهُمْ جَبْهَةُ الحَبَشِ مِنَ الخَلْفِ، وَقَدْكَانَ فِي مَقْدُورِهَا أَنْ تَفْعَلَ، لأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ مُحَاوَلاتِ الرُّومَانِ المُتَكَرِّرَةِ للسَّيْطَرَةِ عَلى الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَمحُاَوَلاتِ الفُرْسِ قَبْلَ الإِسْلامِ أَنَّ أَوْجَعَ الضَّرْبَاتِ للجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ كانَتْ مِنْ قِبَلِ الحَبَش. وَلِذَا فَالخَطَرُ الحَقِيقِيُّ كانَ هُوَ مِنْ جِهَةِ أَفْرِيقِيَا. وَإِذَنْ فَقَدْ كانَ تَحْيِيدُ الحَبَشِ هُوَ الهَمُّ الأَكْبَرُ وَالخُطَّةُ الإِسْتراتيجيةُ الناجِحَةُ. وَلذلكَ فَإِنَّ الرَّسُولَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَرْسَلَ وَفْدَهُ إِلَى أَقْوَى المَمَالِكِ فِي بِلادِ الحَبَشَةِ، وَأَكْثَرِهَا اسْتِقْرَارَاً (مَمْلَكَةِ عَلَوَة المَسِيحِيَّةِ) وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الكِيَانَ السِّيَاسِيَّ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَنْجَحَ سِفَارَةٍ فِي تَأرِيخِ الإسْلامِ كُلِّهِ، لأَنَّهَا أَدَّتْ أَهْدَافَهَا وَحَيَّدَتِ الحَبَشَ حِيَادَاً تَامَّاً إِزَاءَ النِّزَاعِ العَالمَِيِِ الذي نَشَأَ بَعْدَ ذلَكَ بَيْنَ المسلمينَ وبينَ كُلٍّ مِنَ الفُرْسِ والرُّومِ. وَيُلاحَظُ أَنَّ الحَبََشَ تَدَخَّلُوا قَبْلَ الإسلامِ في أيامِ ذِي نُوَاسٍ بِإِيعَازٍ مِنَ الرُّومِ فَوَصَلُوا حَتَّى مَشَارِفِ مَكَّةَ. وَلَكنْ بَعْدَ مَجِيءِ الإِسلامِ وَشُرُوعِهِ في مُوَاجَهَةِ الرُّومِ، عَجِزَ الرُّومُ أَنْ يُوعِزُوا إلى الحبَشِ بالتدَخُّلِ. وَقَدْ آثرَ الأحباشُ ألا يَتَدَخَّلُوا بَعْدَما عَلِمُوا حَقِيقَةَ الدِّينِ الجديدِ القادمِ الذي هُوَ خَيْرٌ لهُمْ مِن مُوَالاةِ الرُّومِ. وَكَانوا قَدْ رَأَوْا سَيْطَرَةَ الرُومِ وَسَيْطَرَةَ الكَنِيسَةِ مِنْ وَرَائِهِ عَلى مِنْطَقَة ِالحبَشِ، الذين رَأوا أَنَّ الخَيْرَ لَهُمْ يَكْمُنُ في انتصارِ هذهِ الدعوةِ الجديدةِ فَمِنْطَقَةُ الحَبَشِ تَعْتَبِرُ جَزِيرَةَ العَرَبِ أَقْرَبَ إَلى أَفْرِيِقيَّتِهَا، لأنَّ الحَبَشَ كَكِيَانٍ أفريقيٍ كانَ مُنْحَازَاً نَحوَ أفريقيتهِ أَكْثَرَ مِنْ انحيازِهِ لمسيحيتهِ، وَبِذَا فَلَمْ يَكُنْ مُتَحَمِّسَاً لاتباعِ سِيَادَةِ دَوْلةٍَ قَائمةٍ في أُورُبا (الرُّوم) حَتَّى لَوْ كانتْ مَسِيحِيَّةً فَلَمْ يَكُنْ يَكْفِي كَوْنَهَا مسيحيةً. وَرُبَّمَا لَوْ كانتْ أفريقيةً لكانتْ تَبَعِيَّتُهُ وَطَاعَتُهُ لَهَا أَكْبَرَ. وَيُمْكِنُنَا القَوْلُ إِنَّ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ أَجَّلُوا غَزْوَ هَذِهِ المِنْطَقَةِ عَسْكَرِياً حَتَّى فُتِحَتِ الفُرْس (الجَبَهْةَ ُالشَّرْقَيَّة) قَبْلَ أَنْ يُدِيرُوا ظَهْرَهُمْ مُتَّجِهِينَ للجبهةِ الغربيةِ (الحبش) وإلا، فَقَدْ كَانُوا سَيَهْدِمُونَ استراتيجيةَ السِّفَارَةِ السِّلْمِيَّةِ التي أَسَّسَها الرسولُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وَيُحَرِّكُونَ الجَبْهَةَ السَّاكِنَةَ التي أَرَادَ لهَا الرَّسُولُ أَنْ تَكُونَ مُحَايِدَةً. وَكَانَ مَنْ بَدَأَ غَزْوَ هذِهِ المِنْطَقَةَ عَسْكَرِيَّاً هُوَ الخليفةُ الثَّاني عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُهَاجِرِينَ إِلى الحَبَشَةِ، وَلِذا فَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلى الحَبَشِ مِنْ قَريبٍ كَمَا تَعَرَّفَ عَلَيْهِمْ الخليفةُ الثالثُ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانٍ، وَلَمْ يَفْهَمْ طبيعةَ إِنسانِ النُّوبَةِ القَديمِ، الذي وَصَفَتْهُ التوراةُ بِأَنَّهُ : « أُمَّةٌ طَوِيلَةٌ وَجَرْدَاءُ… شَعْبٌ مَخُوفٌ مُنْذُ كَانَ فَصَاعِدَاً أُمَّةَ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَدَوْسٍ قَدْ خَرَقَتِ الأَنْهَارُ أَرْضَهَا»( ). وَرُبَّمَا لَوْ بَقِيَ الحَالُ كَمَا هُوَ فِي عَهْدِ عُمَرَ لاسْتَمَرَّ القتالُ مَعَهُمْ بِلا نِهَايَةٍ. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ الخليفةُ عُثْمَانُ بنُ عفانٍ إلى الخلافةِ أَوْقَفَ الحرْبَ وَعَقَدَ مُعَاهَدَةَ الصُّلْحِ مَعَ إِحْدَى مَمَالِكِهِم الشِّمَالِيَّةِ، وَأَعَادَ الأُمُورَ إلى نِصَابِهَا لأنهُ كاَنَ قَدْ هَاجَرَ الهِجْرَتَينِ الأُولى والثانيةَ للحَبَشَةِ وَعَرَفَ أَهْلَهَا وَكَانَ قَدْ أَسَّسَ جُذُورَاً للإسْلامِ فِي تِلكَ البِلادِ.
وَكَانَ أَهلُ الحَبَشَةِ قَدْ تَأَثَّرُوا جِدَّاً بالعربِ المُهَاجِرِينَ، فَقَدْ أَحَبُّوهُم لٍدَرَجَةِ أَنَّهُمْ بَقَوْا فيِ ذَاكِرَةِ الِمِنْطَقَةِ إلى يَوْمِنَا هَذا فَمَا تَزالُ الأسماءُ الغَالِبَةُ على أَهْلِ تِلْكَ المِنْطَقَةِ هِيَ أَسْمَاءُ الصَّحَابَةِ المُهَاجِرينَ الأوائلِ منَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ: “جَعْفَرُ”، وَ”الزُّبَيْر”، وَ”عُثْمَانُ”، وَ”ابنُ عَوْفٍ”، وَ”رُقَيَّة”، وَ”أَسْمَاءُ”. وَاخْتَفَتِ الأسماءُ القَدِيمَةُ “دُوجُّو” و”سِمْبَا” و”دُومَاكَا” وَ”عِبْدِي” و”سِيْسِّيا” وَ”مُونيِتَا” وَ”سُونِيتَا” وَ”سُنْجَاتَا”.
المُؤَلِّفُ

<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: