رواية ترجمان الملك – بروفيسور عبد الرحيم درويش


ترجمان الملك (١)

عندما تنتهي من قراءة الرواية تشعر للوهلة الأولى أنك في نزهة فكرية حقيقية تتحرر فيها من واقع أليم وحاضر أكثر إيلاما بعد أن عشت في حقبة بيضاء ناصعة البياض إبان فترة تاريخية ملهمة شهدت أحداثا تاريخية جساما.
عمر فضل الله كاتب من العيار الثقيل يمتلك جيدا زمام لغته فيجعلك تغوص في أحراش إفريقيا فتتنسم هواءها تارة وتلهب سياط شمسها ظهرك تارة أخري.
يصدمك بواقع مرير بأدغال الغابات فتري الأفيال وقطعان الزراف. يبهرك ويسعدك ببهاء ظلال الأشجار الكثيفة فتري صفحة النيل العظيم تنظر إليك مع زقزقة الطيور التي تسكن هذه الأشجار فتصعد إليها لتنظر في هلع إلي التماسيح التي تحيط بك.
يبني الكاتب في روايته هذه بناء فريدا يختلف تماما عن بناء نجيب محفوظ المغرق في الواقعية، كما يختلف عن بناء يوسف السباعي المغرق في الرومانسية، ويختلف أيضا عن بنيان الطيب صالح في موسم هجرته إلي الشمال وعالمه الحداثي ومفرداته التي تختلف كما وكيفا عن عمر فضل الله.
أزعم بيقين عن قراءة متعمقة ودراسة واعية متفهمة بعيدا عن كل مدارس النقد التقليدية والحديثة وبعيدا عن مناهج النقد المستوردة أن هذه الرواية حالة خاصة في تاريخ الرواية العربية كما أنها فتح جديد في عالم الرواية بشكل عام وعالم الرواية العربية بشكل خاص، وسأحاول أن أثبت زعمي اليقيني هذا بأدلة علمية وبراهين واضحة.
الرواية مكتوبة بلغة عربية سليمة واضحة، وليست هذه اللغة التي تتدفق من بين أصابع الكاتب لغة الفصحي التراثية المقعرة الصعبة المعقدة التي رأيناها في سارة رواية العقاد اليتيمة، أو لغة طه حسين الصلبة الجافة التي رأيناها في الأيام تخلو من حيوية سرد الرواية التي نسعد بها في روايات توفيق الحكيم، ولكنها لغة خاصة بعمر فضل الله.
إنها لغة يتفرد بها لأنها إحدى مبتكراته السردية، فهي أولا لغة يسيرة وسهلة إلي حد البساطة تقترب من لغة نجيب محفوظ في رواياته الواقعية التي تغوص بك في عالم سعيد مهران لصه البطل في اللص والكلاب ولغة حميدة في زقاق المدق ولغة عامر وجدي في المرايا. فاللغة عند عمر فضل الله واقعية سلسة يفهمها الجميع دوت تقغر أو تشدق أو تفيقه.
ولغة الكاتب ثانيا موحية لأبعد مدي. تجعلك لغة الكاتب تترقب وأن تقبل علي مدينته التي بناها بحرفية عالية وهندسة معمارية راقية. تشعر وأنت تقرأ بأن قلبك يدق تأهبا لكل ما سيقع من أحداث. اللغة لدي الكاتب ذات جرس متميز…

ترجمان الملك(٢)

لغة عمر فضل الله ثانيا موحية تدفعك إلي توقع الأحداث منتظرا الخير والشر والحب والخلاص والأمل.
لغة الكاتب ثالثا وظيفية حيث أراد الكاتب أن تكون لغته معبرة أولا عن موقفه وقضاياه التي يطرحها ويريد لها تبريرا، كما يستخدمها لإقناع القارئ بوجهة نظره والوجهة التي يريد أن يأخذه فيها، ولذلك لا يجد المؤلف حرجا أن يقتبس من آيات القرآن والإنجيل كيفما شاء، هذا من ناحية ومن ناحية أخري لغة الكاتب وظيفية لأن المؤلف أراد لها أن تعبر سردا وحوارا عن شخصياته الروائية بكل عمق.
ذكاء الكاتب وموهبته الفذة تدفعك إلي أن تتقبل لغته في سبيل شخصياته للحب أو للتحرر أو للخوف أو للأمل أو للوصف.
لغة الكاتب رابعا درامية. أعني بدرامية اللغة حرصها علي أن تدفعك حثيثا لتجري لا خلف الأحداث وحدها وإنما خلف مكنون كل شخصية بعد أن نجح كاتبها في إبراز كل جانب من جوانبها الجوانية والبرانية والاجتماعية.
السمة الخامسة من سمات لغة عمر فضل الله أنها كائن حي يمكنك أن تراه ناميا وكأنه يتمثل بشرا سويا، وهذا يعني حيوية اللغة وتلقائيتها سردا كانت أو حوارا. فلغة الطفل ليست كلغة الجد، ولغة المحب ليست كلغة التاجر، ولغة الملك ليست كلغة النساء اللاتي أحطن بالملك الذي تم أسره.
اللغة الحية تتضح جليا وتتناثر مفرداتها بين الشخصيات الطيبة فنراها سعيدة فرحة بانتصار الحرية ورجوع الحق لأصحابه، وتتجلي حيويتها أكثر في ربوع سوق العبيد ولدي الساحرة وفي طلاسم الأساطير، كما نجدها حية في أرقي درجاتها مع آيات القرآن الكريم وتشعر وكأنها ذات أرجل تمشي في المناظرة التاريخية بين المهاجرين المسلمين الأوائل إلي الحبشة ضد من أرسلتهم قريش من الكفار لمطاردة مهاجري المسلمين طالبين من الملك تسليمهم.
لغة الكاتب كرؤيته متميزة وتستحق أن يفرد لها العديد من الدراسات السيميائية كجانب مهم في رواية الأديب عمر فضل الله الأثيرة بالنسبة لي كأول عمل روائي له أتعرض بدراسته ونقده وتحليله.
أود أن أوجه نظر الباحثين إلي ضرورة تناول الدال والمدلول في هذه الرواية وصولا إلي القوة الفاعلة وأهمية دراسة مدي قوة التناص في هذه الرواية، وهذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة من سلسلتي عن هذه الرواية الثمينة.

ترجمان الملك (٣)

هل النص هو اللغة أم أن اللغة هي النص؟! لا نريد أن نستفيض كثيرا في هذا السؤال متابعة لأنصار العلامة دي سوسير ورفاقه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا تعد هذه الرواية عملا استثنائيا وإبداعا منقطع النظير يستحق أن نطلق عليه فتحا جديدا في مجال الرواية؟!
ليسمح لي القارئ في محاولتي توضيح نظريتي هذه بأن أقول إن الرواية لا تعد مجرد حكاية لقصة يعلمها الجميع ولا يعرفها المسلمون وحدهم، بل يعرفها كل باحث في التاريخ.
في مقابلة هاتفية بعد لقاء حقيقي مع عمر فضل عمر فضل الله اعترف لي قائلا وهو يبتسم:
” لقد ولدت في القرية التي تدور فيها أحداث الرواية، وكل أهل القرية يعرفونها “
والرواية مليئة بنصوص من القرآن الكريم وآيات من الإنجيل.
لو كان الأمر مشكلة تناص وأن الكاتب لم يضف شيئا من عنده في صفحات الرواية التي تقارب الثلاثمائة صفحة وبالتحديد تقع في مائتين وست وثمانين صفحة، لما اعتبرنا الرواية عبقرية حقيقية علي اعتبار أن الكاتب لم يأت بجديد، لأن ما جاء به لم يكن نتيجة شيطان أدبه ونتاج فكره، لأنه يسرد أحداثا يعرفها الجميع وتتعلق بهجرة المسلمين الأوائل إلي الحبشة واستقبال النجاشي لهم وإكرامهم ورفض تسليمهم إلي الكفار الذين أرسلتهم قريش لردهم مرة ثانية ليسوموهم سوء العذاب.
كما لا تعد الرواية مجرد سرد لآيات القرآن وحجج هؤلا، المسلمين الأوائل المهاجرين إلي الحبشة فرارا بدينهم وهربا بإسلامهم من جبروت و ظلم كفار قريش.
تري لماذا تنجح الرواية في شد انتباه القراء وجذبهم لإتمام الرواية وقراءتها مرة ثانية وثالثة؟!
لعل هذا هو السؤال الأكثر أهمية، وذلك لأني لا أعد الرواية تاريخية ولا دينية، ولكن أعدها رواية إنسانية تتجلي فيها أسمي معاني الإنسانية من كراهية الظلم وكراهية العبودية والرق وإعلاء قيم الحب والعدل والخير والجمال، ناهيك عن اهتمام الكاتب بالمؤثرات الدرامية التي أود أن أفرد لها عدة مقالات جديدة تتعلق أولا بالسخرية والمقالب الدرامية والحب والمفاجآت وتغيير الإيقاع والسمو بالنفس البشرية .
إنها باختصار رواية إنسانية لكاتب أشد إنسانية برواية تنتصر للإنسانية، ولعل هذا أهم سمات نجاح هذه الرواية.

ترجمان الملك (٤)

بين التناص وموت المؤلف…

بعد أن قرأت رواية عمر فضل الله ترجمان الملك عدة مرات وجدتني أقابل رولان بارت وأطلب منه أن أتحاور معه. رحب بي مبتسما وأشار لي أن أجلس قبالته. بادرني في هدوء:
– ماذا تريد يا ابن درويش؟!
– في الحقيقة يا عمنا رولان بارت ..
– هات من الآخر
– أصل
– بلا أصل بلا فصل يا درويش. هات ما عندك
– أصل نظرية موت المؤلف التي فلقت بها رؤوسنا لا تنطبق علي ترجمان الملك
– يا سلام!! نظرية اعترف بها معظم النقاد في زماني وبعد موتي وتقول إنها لا تنطبق علي ترجمان الملك؟!
– أصل عمر فضل الله كتب الرواية بعد موتك بكثير
رأيته يمسك عصاه الغليظة ويجري خلفي منفعلا، وما أن مست عصاه ظهري إلا وأفقت مبتسما!!
والحقيقة أن فحوي نظرية موت المؤلف تنطلق من افتراض مؤداه أن المؤلف لا يأتي بجديد، لأن كل شئ في الدراما عامة والرواية بشكل خاص قد تم تناوله من قبل في أعمال السابقين، كما أن أرسطو وغيره من السابقين تحدثوا في كل شئ وحصروا لنا الأفكار الدرامية كاملة، فماذا بقي للكتاب المتأخرين؟!
ولقد حاول كثيرون التأكيد علي إيمانهم بهذه النظرية، وليس ببعيد أن يصدر جورج بولتي كتابه الشهير عن المواقف الدرامية المكرورة والتي يحفظها كتاب السيناريو والدراما في ستة وثلاثين موقفا دراميا!!
وأزعم أن عمر فضل الله لم يمت، ولعله يحق لي أن أصرخ قائلا:
– عمر فضل الله لم يمت. المؤلف لم يمت.
وهناك العديد من وجهات النظر النقدية التي فجرت في نفس اتجاه رولان بارت، بل وتعدته إلي موت النص وموت الناقد وموت القارئ!!
ماذا بقي للفن إذا؟!
أراني بعد سحب كتبي من المكتبة وانهماكي الشديد في القراءة لنقد نظرية موت المؤلف، تدخل علي جوليا كريستيفا وتمسك بيدي وهي تصيح:
– ابن درويش، أغضبت رولان بارت فهل ستغضبني وترفض نظريتي الخاصة بالتناص؟! المؤلف لا يقول شىئا. كل ما تقوله أو تقول شخصياته قيل من قبل وستجد له أثرا في الأدب من قبل.
ما أن انتهت من كلماتها إلا ودخل علينا باختين. أخذ بيدها وهددني بغضب شديد ولم يلق السلام علي.
خرجا وتركاني أتناعس علي أوراق كتبي حتي أفقت لأتحدث معكم عن السبب الذي يجعلني أرفض نظريتي موت المؤلف والتناص في رواية ترجمان الملك.
والحقيقة أنني أري المؤلف لم يمت في هذه الرواية لعدة أسباب: الأول أن المؤلف فرض شخصيته علي النص وأدخل فيها من روحه الشخصية التي عرفتها منذ أول وهلة قابلته فيها،
يتبع .

ترجمان الملك (٥)

بين التناص وموت المؤلف…

السبب الأول لرفضي نظرية موت المؤلف في هذه الرواية أن الكاتب أدخل علي الرواية من شخصيته وبني بنيانه الروائي بروح منه، فهو هادئ هدوء ترجمان الملك الجد ومحب للحياة حب حفيده لها، ومفعم بالحيوية كالملك الشاب وسنجاتا، كما أنه بليغ الحجة ورافض للعبودية والسحر، ناهيك عن أنه أدخل هويته المسلمة بالرواية للدفاع عن دينه وإظهار الخطأ في الأديان الأخري.
السبب الثاني لعدم موت المؤلف أنه يحب ويكره، وهذا يعني أن المؤلف شخصية حية مفعمة بالحياة إذ ينتصر للإنسانية ولروح التحرر ويكره الرق واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. يحب الخير ويكره الشر ويتضح هذا طيلة الرواية فكيف نقول بموت المؤلف.
ثالثا أن المؤلف نراه مفكرا وحكيما طول الوقت، وليس هذا علي لسان شخصياته وأفعالهم فحسب، بل الحجج المنطقية والتفكير الذي يقودنا إليه باقتدار وخصوصا عند الحوار مع القساوسة وكهنة الكنيسة وعند التفكير بشكل عام بعد نهاية الرواية والثقة بأن هذا الكون لم يخلق سدي.
ورابعا المؤلف ينتقي ويختار مما يؤكد علي حياة عمر فضل الله وخصوصا في هذه الرواية حيث أنه انتقي شخصيات بعينها وركز عليها، في حين أغفل شخصيات أخري أو تجاهلها، ليس هذا فحسب، بل انتقائه البارع للأحداث بلقاء الملك بالساحرة، ثم آلام وقوعه بالأسر، ناهيك عن الحميمية الشديدة بين ترجمان الملك وحفيده والملك.
هذه الانتقائية المبدعة للشخصيات والأحداث تؤكد مع الأسباب السابق ذكرها علي عدم موت المؤلف.
فلنعد إذا إلي التناص مع نظرة لجوليا حيث نؤكد علي عدم صحة فكرتها، والسبب الرئيسي في هذه الرواية أن المؤلف كتبها بلغة عربية سليمة، وفي كثير من الأحيان بالتشكيل ضما وكسرا وفتحا وسكونا وتنوينا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري أن الكاتب عمد إلي اختيار الألفاظ ووضعها في مكانها، حسب شخصياتها فأسلوب كل شخصية يختلف عن الأخري.
دقة الكاتب في اختيار الألفاظ أبعدته عن الوقوع في مصيدة التناص، كما أن اختياره للآيات في القرآن والإنجيل ونسجها في إطار فكري معين يؤكد أن للكاتب رؤية وهدفا يسعي للوصول إليها، كما أن الأصوات العديدة في الرواية والنصوص المقتبس عنها كلها خيوط في يد الكاتب.
الشئ الوحيد الذي يمكن أن تصدق فيه جوليا كريستيفا والذي يحسب علي المؤلف ولعه الشديد والذي يكاد أن يصل إلي درجة العشق بشخصية الزبير التي لم يعشقها حفيد الترجمان ….يتبع

ترجمان الملك (٦)

بين التناص وموت المؤلف

بقية المقال…

أقول أن حفيد ترجمان الملك والذي صار فيما بعد ترجمان الملك ليس وحده هو الذي وقع في غرام شخصية الزبير، ولكن عمر فضل الله أيضا وقع في غرامه وأعجب به أيما إعجاب .
لعل هذا يدفعنا إلي نص ٱخر، ولكنه يتعلق بالسينما، ففي فيلم الرسالة كان مصطفي العقاد مخرج هذا الفيلم العالمي مغرما حقا وواقعا في حب شخصيته الرئيسية، والتي يمثلها البطل عبدالله غيث في النسخة العربية وأنطوني كوين في النسخة الأمريكية، شخصية حمزة بن عبدالمطلب أسد الله.
قد يكون مصطلح التناص هنا صحيحا إلي حد ما، ولكن هذا يدفعنا إلي سؤال أكبر:
ومن من الروائيين لم يحب شخصيات أبطاله؟!
أعترف أنني أيضا كروائي وناقد بأنني أحب أسد الله حمزة والزبير، لأنها نماذج تحب وتعشق.
أعترف أيضا بأنني أحببت كل شخصياتي الروائية وتعاطفت معها. أحببت.سلطان عبدالغني في روايتي الغيبوبة، وأحببت عبدالله المصري في روايتي سارة العسكر وأصداء الخيال، كنموذجين.
أعترف في نهاية مقالتي هذه عن رواية ترجمان الملك للمبدع عمر فضل الله أنني أحببت سنجاتا والزبير وترجمان الملك كما أحببت النجاشي الملك الشاب، ومن قبل كل هذا أحببت الروائي المبدع عمر فضل الله ولعل سلسلة مقالاتي هذه والقادمة منها تلقي الضوء علي رواية أظنها ستخلد في وجدان أدبنا العربي الحديث والمعاصر، ولعل الله قد سخر قلمي لها ليأتي النقاد من بعدي ليوضحوا لي ما خفي عني وليحتفلوا برواية أعدها فتحا جديدا في مجال الرواية العربية ..

ترجمان الملك فن حقيقي (٧)تساءلت كثيرا عن سبب انجذابي الشديد وإعجابي المتزايد برواية ترجمان الملك للروائي عمر فضل عمر فضل الله ووجدتني أحاول أن أجد تفسيرا علميا مقنعا لحبي للرواية الذي أظنه قد وصل إلي درجة الوله، مستعينا في محاولتي بقراءاتي وترجماتي ودراساتي في عالم النقد.
الفن محاولة للتعبير عن الحياة وتفسير الواقع ونظرة ذاتية يحاول المؤلف أن يصبغها بالموضوعية، وكثير من الباحثين حاولوا أن يضعوا شروطا للعمل الفني الناجح، مع علم الجميع ويقينهم بأن أول قاعدة في الفن أنه لا توجد قواعد أو شروط في الفن!!
ومع ذلك فإيمان النقاد بأنه مع الفن لا قواعد، لم يمنع كثيرون من محاولة وضع أطر عامة أو تنظيم حدود تنصف العمل الإبداعي الجيد كالحيدة والموضوعية والإبهار وجذب القارئ و…. إلخ من الأطر النظرية والمحاولات العلمية.
وبعيدا عن هذه الاختلافات العلمية والقواعد المزعومة أعتقد أن هناك شروطا ثلاثة قد يتفق عليها النقاد تجعل العمل فنا يستحق الإشادة به مهما اختلف النقاد: الأول أن يثير العمل الذهن بالتفكير وأن يتسم نتيجة لهذا بالعمق، والثاني أن يثير الأحاسيس والمشاعر النبيلة، والثالث أن يصل بك إلي قناعة تامة بأن كل شئ بالعالم يسير وفقا لتخطيط رفيع وحكمة بالغة وأنه لا شئ يحدث بالعالم سدي بل لابد من حكيم خبير يسير شؤون الكون وينظمه ويديره.
الشرط الأول يتوافر في ترجمان الملك بداية من الصفحات الأولي، فأسلوب الكاتب يتوافق تماما مع مفهوم كتاب الدراما والذي يعنون به الخطاف والكلمة ترجمة للفظة Hook وتعني بالإنجليزية الصنارة أو الآلة التي يستخدمها الصيادون لصيد السمك.
خطاف الرواية يتمثل في قدرة الكاتب علي استثارتك وجذبك إلي روايته متذرعا باللغة القوية تارة وباستثارة عاطفة الحب تارة أخري.
يمتلك الكاتب أدواته الروائية جدا فمن لا يستميله الحب تستميله أساليب أخري ككراهية الظلم، وبشاعة القسوة والحاجة إلي الإحساس بضرورة انتصار الحق وقهر الباطل.
سعي الكاتب أيضا لإعمال العقل في كثير من الحجج الفكرية والمناوشات العقلية في أماكن مختلفة من الرواية.
وبالنسبة للشرط الثاني إثارة المشاعر النبيلة لا الغرائز فنجده متوفرا في مواطن كثيرة من الرواية كحب الابن والحفيد ووفاء الابن والأم والزوجة، بل إنني أزعم أن الرواية مترفة بمشاعر نبيلة راقية سامية لن يعرفها إلا من يغوص في الرواية.
أما الشرط الثالث فيتجلي

ترجمان الملك فن حقيقي (٨)

هناك إذا ثلاثة شروط يتفق معظم النقاد علي ضرورة توفرها في العمل الأدبي ليصبح فنا، وأزعم يقينا بأن هذه الشروط تنطبق حقا علي رواية ترجمان الملك للروائي عمر فضل الله وتحدثت عن الشرطين الأول والثاني بضرورة أن تثير الرواية التفكير وأن تستثير المشاعر والأحاسيس، والآن أتناول الشرط الثالث والذي يعني بأن تصل بك الرواية إلي الإيمان بأن هذا الكون له صانع مدبر وحكيم مقدر وإله مبدع مسيطر.
لا أقصد بهذا أن تكون الرواية داعية لأيديولوجية بعينها أو أن تبشر بدين بعينه، وإنما أن تصل بك الرواية إلي القوة الخارقة التي تهيمن علي هذا الكون لتحتمي فيها بضعفك وتفسر فيها عجزك وتشعر في عظمتها بنقصك.
كثير من قرائي قد يتعجبون فهناك أدباء ملحدون وقراء لا يؤمنون بدين أو يعترفون بإله، ولكن هذا لا يعني أنهم ينكرون الموت، ويعترفون ولو خفية بأنه لابد من قوة حقيقية تسير هذا الكون بنظامه الدقيق المحكم.
ولست هنا بصدد بيان فساد فكرهم أو محاورتهم، ولكن يكفيني قوله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ويكفيني إشعار العمل من يقرؤه بالضمير وإشعاره بلذة انتصار الحق وعودة الحق الضائع، يكفيني إحساس المتلقي وشعوره بالفرح لنصرة الحق وإن كان ضعيفا، واندحار الباطل مهما كان قويا جبارا عالي الصوت. فرحة المظلوم باسترداد الحق من سطوة أهل الشر والظلم والباطل.
إحساسك بسعادة البسطاء وترديدهم وأنت معهم وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
يكفيني أن يفرح القارئ مع شخوصه في الرواية والذين تعلق بهم وأحبهم.
يكفيني أن تسيل دموع القارئ علي الضعفاء الفقراء الذين غدر بهم الظالمون ونقضوا معهم العهود كما تكفيني فرحة نبعت من قلوب المساكين الذين لا رب لهم سوي الله فيدعونه ولا إله لهم سوي الجبار فيرجونه ويتضرعون إليه.
لم أتمالك دمعاتي في كثير من المواضع بالرواية، ولكن ثقتي بأنه موجود إله عظيم رب خالق معبود مطلع علي كل شئ عالم بكل نفس يري ويمهل ولا يهمل يعطي ويهب ويمنح البسطاء الضعفاء وينتقم من الظالمين الأقوياء.
الشرط الثالث هذا يتفق تماما مع مفهوم الدراما وتعريفها حسب أرسطو بأنها محاكاة لفعل نبيل تام لها طول معلوم تؤدي ولا تقال و تثير في النفس الشفقة والخوف لدي المتلقين، وهذا بالفعل ما يطلق عليه أرسطو في كتابه فن الشعر التطهير Catharisis.
وتلمح بالرواية في معظم شخصياتها رئيسية كانت أم ثانوية…

 

ترجمان الملك (٩)

المؤثرات الفنية في رواية ترجمان الملك للروائي السوداني المبدع عمر فضل عمر فضل الله كثيرة ومتنوعة، لدرجة تدفعني ليس فقط إلي إبداء الدهشة، ولكن أيضا إلي مزيد من التعجب والتساؤل عن قدرات الكاتب علي حشد كل هذا الكم من المؤثرات في رواية واحدة!!
كنت في عام ٢٠٠٦ أعد كتابا بعنوان الدراما في الراديو والتليفزيون ثم أعادت دار عالم الكتب المصريه نشره في عام ٢٠١١ بنفس العنوان، وكنت قد كتبت فيه جزء كبيرا عن المؤثرات الدرامية في الرواية، فإذا بي وأنا أقرأ ترجمان الملك في ٢٠١٩ أكتشف أن عمر فضل الله قد جمع كافة هذه المؤثرات بعبقرية فذة وقدرة هائلة تجعلني أضع هذه الرواية في مصاف الروايات العربية الكبري.
يذكر تيم كروك Tim Crook أن من أهم المؤثرات الدرامية التي تجذب الجمهور إلي أي عمل درامي المفاجأة، وإثارة روح المرح والدعابة والتوتر.
نبدأ أولا بالمفاجأة، فالرواية حافلة بكم كبير من المفاجآت والحوادث غير المتوقعة والتي برع الكاتب في أن يصدمنا بها، فعلي سبيل المثال لا الحصر نعرف أن والد الصبي راوي القصة غير موجود ويظن الجميع أنه قد مات، ولكننا نفاجأ في نهاية الرواية بأنه علي قيد الحياة، وعندما تتم مطاردة تاجر العبيد ويتم القبض عليه نفاجأ بأنه والده.
المفاجآت عديدة وكثيرة بالرواية، وقد تنشأ هذه المفاجآت بالصدمة عندما تكون علي غير توقعنا، فمن يتخيل أن يتم أسر ابن الملك وأن يباع في سوق العبيد وأن يضرب أو يهان؟! من يتوقع أن يحمي الملك النصراني مهاجري الإسلام الأوائل إلي الحبشة وأن يدخل في صراع مع الكهنة؟!
المؤثر الدرامي الثاني يتمثل في إثارة التوتر الذي يطل علينا برأسه من أول الرواية وحتي نهايتها، وهو ما يطلق عليه أساتذة الدراما خلق روح التشويق واستخدام حججه المختلفة لجذب القارئ وربطه بالرواية.
روح التشويق بترجمان الملك ترتبط ارتباطا عضويا بالبناء الدرامي المحكم الذي بناه المؤلف بداية بفكرة قوية تلتحم بشخصيات رسمها بقدر بالغ من المهارة مرورا بحبكة قوية وصراع أكسبها زيا براقا يشد القارئ من بداية العمل فيظل متابعا له حتي آخر جملة من جمل الرواية.
التوتر يسيطر علي القارئ لا من أجل معرفة ما سيحدث فقط، وإنما لأنه يرتبط بالشخصيات التي يحبها ويخاف منها وعليها.
الخوف من الشخصيات ينبع من أن تسلك سلوكا خطأ فتحاسب عليه والخوف عليها من تدبير الشخصيات العدائية ومن ثم نظل في حالة حيرة وقلق

ترجمان الملك (١٠)
المؤثرات الدرامية في الرواية
لم يكتف الروائي عمر فضل الله في روايته بالمفاجأة وإثارة روح التوتر والترقب فقط كمؤثرات درامية، ولكنه لجأ إلي استخدام مؤثرات أخري سنتحدث عنها بالتفصيل هنا، وذلك بالإضافة إلي مؤثراته الخاصة بالأسلوبية والدلالية ناهيك عن الشكلانية المفرطة التي تميز الرواية من بدايتها، والتي سنفرد لها دراسة مستقلة فيما بعد وأرجو من النقاد أن يتناولوا هذه الجوانب في دراسات تالية.
أجمل المؤثرات الدرامية الخمسة التي برع عمر فضل الله فيها كما يلي:
أولا الحوار المؤثر والحي والذي يصل في بعض الأحوال إلي أن يكون نابضا بالحياة، والكاتب في هذا يتميز بتطبيق نظرية بيتر مايوكس
Peter Mayeux
حيث يحافظ الكاتب علي الحوار فيبدو وكأنه طبيعي مناسب للشخصية، وتحس بأن الشخصية تتحدث بتلقائيتها وكأن شلالا من الكلمات يخرج منها، والحوار في الرواية لا يعبر عن طبيعة الشخصيات فحسب، ولكنه يعبر أيضا عن تكوينها السيكولوجي والسيسيولوجي، فناهيك عن حيويته تجده دافعا للأحداث وموحيا بالجو النفسي في إطار بناء فريد يجيده الروائي فتشعر لا بنبضات قلب الشخصيات ، وإنما بنبضات قلبك تترقب ما سيحدث. الحوار أيضا دافع للتشويق والاختلاف في البناء الدرامي، فحوار الطفل ولغته يختلفان عن لغة الملك وألفاظ العبيد تختلف عن ألفاظ تجار الرقيق والساحرات، ولغة المسلمين المهاجرين الأوائل تختلف عن لغة الكهنة والقساوسة ناهيك عن مظهرهم وسلوكياتهم.
الحوار طبيعي وتلقائي مناسب لطبيعة المواقف ذو رتم مختلف وتراكيب لغوية فريدة.
ثانيا التشويق المتوازي وهناك أكثر من معني له حيث لا يعني فقط توقع سير الأحداث لكل شخصية علي حدة، بل يقصد به خلق تشويق نابع من التباين لا في طبيعة الشخصيات فحسب، أو التنويع في الإيقاع الدرامي للأحداث فحسب، ولكن الرتم العام للأحداث والشخصيات في آن واحد، ويقصد بعض نقاد الدراما بالتشويق المتوازي الذي طرفاه القارئ كقارئ ومتوقع، فإن صدقت توقعاته مع ما سيره المؤلف من أحداث فرح واستبشر وواصل القراءة، وإن حدث العكس واصل قراءته متشوقا ليعرف الأسباب والمبررات. يذكر بعض النقاد في هذا الصدد أن التشويق المتوازي يحدث لتعارض الشخصيات ما بين طيبة وشريرة، متفائلة ومتشائمة، سعيدة وحزينة، رئيسية وثانوية، والكاتب يصهر كل هذا ببوتقة واحدة ينتج عنها تشويق متواز، والرواية ممتلئة بأمثلة لا مجال لشرحها 

أنفاس صليحة ومهارات عمر فضل الله النجم الساطع !!!


كتب مبارك صباحي:
______
مدخل أول :
(…عند الفجر سقطت( سوبا) العاصمة ، وحين أشرقت شمس النهار غربت شمس (علوة) كلها ، وانتقض ملكها ، ولم تبق منها إلا اﻷطلال ، واﻷنقاض لتشهد على مجد غابر مضى ولن يعود مثلما كان باﻷمس …)
مدخل ثان :
يكفي فقط أن تلقي نظرة سريعة على عنوان الكتاب أنفاس صُليحة (بضم الصاد) وبعض الأسطر المنتقاة في المدخل اﻷول كي تدرك أن إبداعاً مذهلاً يطلع به ذلك الشاب الأسمر الوسيم النحيل فتى السودان وابن العيلفون الهمام دكتور عمر فضل الله… ثقافته العميقة والمتنوعة والمتجددة وخياله الواسع وذكاؤه الوقاد ، وتمكنه من اللغة العربية ومهاراتها المتعددة جعلته يروي ويحكي ويصف ويحلل ويقارن ويتحفنا بالجديد بل يرفد المكتبة السودانية بالروائع والدرر في صمت ودون ضوضاء أو جلبة إعلامية في سلسلة مشروع أو مدرسة جديدة وعملاق قادم إلى سماء الأدب السوداني والعربي اسمه عمر فضل الله ….لكل هذه الاعتبارات فالمرء لايملك إلا أن يحس بالإعجاب والتقدير لهذا الكاتب المجيد الذي عانق الثريا وطبقت شهرته اﻵفاق كما يقول الدكتور بدر الدين السر.

على هامش الحدث :

__
شهدت قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم أمس الأول بتاريخ الأحد الموافق 2017/9/10 م وبرعاية دار (مدارات للطباعة والشر والتوزيع ) حفل إطلاق رواية (أنفاس صليحة) ، تأليف الكاتب د.عمر فضل الله، وتولى عملية تقديم الكتاب وتحليله الناقد والباحث والقاص بروفسير محمد المهدي بشرى والدكتور مصطفى الصاوي وقدمت الحفل الأستاذة سناء أبو قصيصة وشارك في الاحتفال حضور نوعي من الأدباء الشباب والمهتمين بالشأن الأدبي إلى جانب وكالة سونا للأنباء وممثلين لأسرة الكاتب عمر فضل الله ورئيس قروب مجتمع العيلفون الاستاذ /عبد العظيم محمد عثمان والأستاذ/ سيف الدين عبد الله عن أسرة دار الشيخ ادريس ود الارباب والأستاذ/ أسامة محمد أحمد قيامة رئبس تحرير مجلة الخرطوم الجديدة ومبارك عبد الرحيم صباحي رئبس تحرير صحيفة العيلفون.

البروفيسور محمد المهدي بشرى أشار في تقديمه للرواية بأنها تشتغل على التاريخ وتحديداً فترة مملكة علوة وعاصمتها سوبا ونهاية المسيحية التي سادت لاكثر من 600 عام وأن الكاتب انتبه بذكاء لهذا المصدر المهم ، واصفاً المؤلف بان لديه مشروع روائي متكامل ﻹعادة سرد تاريخ السودان في بناء درامي جديد كما شمل الاحتفال مداخلات أدبية مشوقة وممتعة تصلح هي الأخرى لعمل كتاب نقدي قيم مصاحب للرواية الاصل وتناول هذه المساجلات كل من دكتور عز الدين ميرغني والأديب السفير جمال محمد ابراهيم والروائية الاستاذة بثينة خضر مكي والاستاذ أسامة قيامة. 


الدكتور الصاوي أشار إلى أن تفسير الأعمال الأدبية هو محاولة منضبطة يشترك فيها ذوق الناقد وفكره للكشف عن مواطن الجمال أو الإخفاق في الأعمال الأدبية وأن البصر الثاقب يكون خير معين على إصدار الحكم فالادب ونقده ذوق وفن قبل ان يكون معرفة وعلما وان كانت المعرفة تعين صاحب الحس المرهف والذوق السليم .

في خاتمة اللقاء اشاد الدكتور عمر وشكر الذين تكبدوا المشاق بالحضور واعدا بانه سيرفد المكتبة السودانية والعربية بالكثير من الروايات والتي وصل بعضها مرحلة الطبع وقال إنه سواصل في هذا المضمار إلى أن يصل الي نهايته ويترك الحكم للقراء لتقويم التحربة سواء بالنجاح أو الفشل ..

تفاصيل اوفى عما دار في الحفل نتركها في مقام آخر لأننا لم نقرأ الرواية حتى لحظة كتابة هذا التقرير وحاولنا ان ننقل لكم الإطار العام فقط و (أنفاس) قاعة الشارقة في تلك الليلة الأدبية البهيجة، ونجمها الساطع دكتور عمر فضل الله والتي يمكن أن نطلق عليها تاريخية …هنيئاً لمن حضر … وفي أمان الله.
منقول

حوار الأديان في رواية (ترجمان الملك) للدكتور عمر  فضل الله! بقلم محمد العكام


          لا شك أن الأنماط الدينية التاريخية التي تتمتع بها رواية (ترجمان الملك) تجعل منها منظومة أدبية لوحدها، حيث أنه تتعدد بها الملامح الأدبية المختلفة، وأن من يقرؤها لابد له أن يعيد قراءتها مراراً وتكراراً، ليستنبط منها دهشة الحكي والسرد التي ترتاب مخيلتك وأنت تقرأ كل هذا الزخم الهائل من المعلومات عن المنسي من تأريخ السودان، ولكن الأدهى والأمر أن تحاول استقراء السهل الممتنع لهذه الأدبيات من مشروع د. عمر فضل الله الروائي وأنت قارئ بسيط.

          فمعنى الحوار في اللغة: مراجعة الكلام وتداوله، والمحاورة: المجادلة، والتحاور: التجاوب، وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام، ومنه قولهم: لم يُحِر جوابا أي: لم يرد ولم يرجع الجواب؛ فمرجع الحوار للتخاطب والكلام المتبادل بين اثنين  فأكثر. والمعنى اللغوي العام للحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين، فإذا أضيف إلى الأديان أصبح معناه ما يدور من الكلام والحديث والجدال والمناقشة بين أتباع الأديان، وهذا يدل على أن معناه عام متعدد الأشكال والصور والأنواع بحسب نوعية الكلام والمناقشة. أما مدلوله الاصطلاحي فهو مجمل غامض، لأنه يستعمل بأكثر من معنى، فهو يحتاج إلى بيان أنواعه والفروق بينها. فعبارة «الحوار بين الأديان» تشمل معنى صحيحاً ومعنى باطلاً يحتاج كل منهما إلى بيان وتوضيح.

          إن مسألة التأريخ تشكل دائماً النموذج الذي يملك المجتمع الدراسات الإنسانية وحقائق التأريخ في قوالب أدبية متعددة الإنتاج، لكن هنا في رواية (ترجمان الملك) شيئاً ما يتمرد علي العقل ويسرح بك الخيال ليمتزج مع الحقائق التي نقبها الراوي في الفترة ما بين 340 ميلادية إلي 600 ميلادية لتأريخ مملكة (علوة) المسيحية في عهد الملك (النجاشي) ملك الحبشة والعلاقات الإنسانية من مرحلة غامضة لتأريخ تم سرده بحرفية عالية من خلال التشويق والتسلسل الحدثي، والإبداع في الحوارات مما يجعلك أحد أبطال الرواية وأنت متاح لك الاختيار كيفما تشاء، وقد اتسمت الرواية بالتشخيص الإيجابي في النضج الفكري لصناعة الرواية ومنهجها الجيد الذي ينم عن عبقرية الراوي. وبحكم أنني لست ناقداً وكوني قارئاً بسيطاً استلهمت الرواية شغفه في أن يسبر غورها، أجدني أتقمص شخصياتها وأعيش دورها، وهي تضفي إلي حبي للدراسات الأدبية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الموفور بين طياتها، شيئاً من المتعة، ثم جذبتني لأعيش نوستالجيا عهد ذلك (النجاشي) الملك الذي لا يظلم عنده أحد كما قال سيد المرسلين سيدنا (محمد) عليه أفضل الصلاة والسلام، وهجرات المسلمين القادمين في عهده من مكة للاحتماء بمظلة عدالته هروباً من قبضة قريش وعذابها.

          لقد استطاع الراوي أن يجمع ما بين الكنيسة (المسيحية) والإسلام في قالب أدبي لحوار الأديان لتلك الحقبة من تأريخ السودان المنسي لــ(مملكة علوة المسيحية) وسكانها الذين كانوا يطلقون عليهم اسم العنج، وهو مؤرخ لا يشق له غبار في ذلك. ويحكي لنا بلسان (سيسي) ابن دلمار بن أرياط (ترجمان الملك النجاشي)، مستصحباً أدوات الشروح والتمحيص في حوار للأديان (Interpath) من خلال نصه المشبع بالخيال والحقيقة، لأن هناك شروط عديدة بين أصحاب الديانات المختلفة، كالدعوة إلي رب السموات والأرض، بالحكمة والموعظة الحسنة والابتعاد عن العنف وكل ما يؤدي له، والتعصب لفريق معين علي حساب فريق آخر، واستخدام العقل وجوهره في جميع الأمور، واعتماد أساليب البرهان الذي يحق الحق ويزهق الباطل. والإقناع أيضاً والإيمان الكامل بالدين ومبادئه الأساسية والأهداف التي جاء بها والتوسع باستخدام العلم في الحياة الدنيوية والدينية، والحث علي الاستقلالية في التفكير. كان دلمار بن أرياط (ترجمان الملك) هو النموذج للكنيسة عندما يأتي العرب إلي الحبشة بغرض التجارة أو غيرها، فأمية إبن أبي الصلت الذي ترك بناته في اليمن وجاء إلي (سوبا) ليحاور الأسقف حول المذهب الذي تتبعه الكنيسة في مملكة (علوة) _والمعروف أن أمية بن أبي الصلت موقفه من الرسول (ص) حينها_ كان مُحباً للسفر والترحال، فاتصل بالفُرس في اليمن وسمع منهم قصصهم وأخبارهم، ورحل إلى الشام في رحلات تجارية وقصد الكهان والقساوسة والأحبار وسمع وعظهم وأحاديثهم، وكان كثير الاطلاع على كتب الأديان والكتب القديمة فاطلع على التوراة والإنجيل كما أنه كان كثير الاختلاف والتردد على الكنائس ورجال الدين، وكان مُهتماً بيوم البعث والحساب والجنة والنار فكان يكثر من ذكرها بأشعاره وأسجاعه، وكان أحد رؤوس الحنفاء في الجزيرة العربية المُنادين بتوحيد الخالق ونبذ الأوثان وما دون الله. والحنيفية قبل الإسلام كانت مدرسة ناشئة تجديدية تأثرت باليهودية والنصرانية وأدركت الوضع السيئ لحال العرب الديني الجاهلي، فالتجأت إلى التوحيد والأمر بالارتقاء العقلي والأخلاقي والثقافة والتعلم، غير أن الأحناف لم تكن لهم عقيدة معينة فكانوا يختلفون بآرائهم ويجتمعون على التوحيد ورقي التفكير، وأمية بن أبي الصلت يُعد أشهر هؤلاء الأحناف مع قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث، وغيرهم. وهنا في رواية (ترجمان الملك) نجد كل ذلك وهو يجادل ويحاور الأسقف والكهنة حول تأريخ الكنيسة ليرد عليه رئيس الكهنة في (صفحة 26 ) من الرواية قائلاً :

(( أنت سمعت القصة المختلفة من أهل غزة يا ” إبن أبي الصلت ” وهم يزعمون البشارة وصلت إلينا عن طريق “متي” العشار حين أمره “بطرس” بالقدوم إلي بلادنا بعد بني كنيسة روما، في العام 62 لميلاد المسيح له المجد، لتنفيذ وصية المسيح بتلمذة جميع الأمم، ولكنني أؤكد لك أن هذه قصة لا أساس لها وأن “متي” تنيح قبل أن يصل إلي بلادنا، وأن من جاء إلينا بهذا النور هو جدي (فرمنتيوس)، بعد أن تمت رسامته من قبل (أثناسيوس) بطريرك الإسكندرية عام 326، وهو أول مطران لبلادنا. وأنت تعلم أنه بعد مجمع (نيقية) ثم مجمع (خلقيدونية)، عام 451 انفصلنا عن روما وغيرها وأنني كمطران لكنيسة علوة لا أتبع إلا للإسكندرية. ))

ثم قال رئيس الكهنة لأمية (صفحة 28):

أنا مندهش من إجتهادك من أجل معرفة عقائد الكنيسة ( يا إبن أبي الصلت ) مع أنك أخطأت فهمها. وعلي كل حال أنت حر في أن تعتقد ما تشاء، ولكن مذهبنا هو الحق الذي أقره مجمع “أفسس” منذ عام 431 ميلادية. … إلخ !

وكل هذا السرد، لم يكن مقنعاً لــ(لأمية إبن أبي الصلت) فجعله ضاحكاً وهو يقول لرئيس الكهنة أنني أتفق معك ولكن كان رأيه مغايراً لأن دلمار كان يترجم (الإنجيل) لأمية ولذلك كان يعتبر أن ترجمة دلمار للإنجيل هي الصحيحة حيث أن دلمار _ حسب ما قاله سيسي _ قال لكبير القساوسة (صفحة 81) من الرواية :

_ ((أنتم تقرأون في الكنيسة من نسخة وصلت إليكم من الإسكندرية وفيها نصوص مترجمة تخالف ما تعلمناه من الكهنة الذين توارثوا هذا العلم منذ عهد (فرمنتيوس السرياني) وتناسيتم الترجمة الحبشية الأصلية التي عمرها أكثر من مائتين وخمسين سنة والتي كتبها فرمنتيوس السرياني باللغة الآرامية لغة المسيح، واعتمدها عيزانا ملك أكسوم منذ العام 340 حين تحولت جميع بلادنا إلي المسيحية. وهي محفوظة عندي. هذه هي الترجمة التي يجب أن تسود في بلادنا وليست الترجمة القادمة من الإسكندرية يا نيافة الكاهن.))

ولذلك كان أمية يستنبط ويستوعب الدروس والمحاضرات من الكهنة والقساوسة عن الكنيسة  أكثر مما يقوله في المقارنة، وبالطبع هي ما كانت ترنو له حينها الكنيسة في ذاك الوقت لتنفيذ الوصية بأن الكنيسة تعلم الإنسان المحبة والتسامح والرفق والاهتمام بالإنسان والحياة واعتبار قدسية الحياة والحفاظ عليها من أجل سعادة الإنسان وأمنه ورفاهيته. والرواية مليئة بالأحداث التي تنقلنا بين طيات صفحاتها عن حوار الأديان. و حوار الأديان هو مصطلح  يُشير إلى التفاعل، والبناء الإيجابي  بين الناس من تقاليد دينية مختلفة، ومعتقدات روحيّة، وإنسانيّة سواء كان ذلك على مستوى الفرديّة، والمؤسسيّة، وهو يختلف عن التوفيق بين المعتقدات أو الدين البديل؛ حيث يتم في هذا الحوار تعزيز التفاهم بين الأديان أو المعتقدات المختلفة لزيادة قبول الآخر، بدلاً من تجميع معتقدات جديدة.

 فعندما زار (الزبير) مملكة (علوة) أخذه (سيسي) بن دلمار ليتجولوا في طرقات سوبا، فــ(الزبير) من أقارب الرسول (ص) وهو إبن خاله، ويصفه (سيسي) ( صفحة 87) من الرواية قائلاً :

(( كان (الزبير) مختلفاً عن كل من عرفتهم من الأصدقاء. لم تبهره روعة سوبا ومبانيها وحضارتها، ولا حتي كنيسة (مارية). ))

فكان الزبير صامتاً بليغاً في صمته، في تجواله مع (سيسي) إلي أن دخلا النيل، وقد يدلنا هنا الحوار التالي لما يشكل علاقة الإسلام بالتسامح بتشريح إيجابي للكنيسة، وأن الإسلام كان دائماً يعلم التسامح ويفرضه حيث وجد. هذا في حين أن بقية الأديان الأخرى، وبخاصة الأقرب إليهم كاليهودية والمسيحية، كانت متعصبة وغير متسامحة، عكس ما كان يتحدثون به، قال (سيسي) ظل الزبير صامتاً ولم يجبني، وخرج من الماء علي الشاطئ ومد يده وغرف من الماء، وذاقه ثم شرب، ثم اغتسل بنفس الطريقة التي رأيتهم يفعلونها في بيت (تانيشا).

_ أنتم تغتسلون كثيراً يا زبير! رأيتك تفعل هذا في البيت.

_ نتوضأ لكل صلاة! هكذا علمنا النبي.

هنا يريد الزبير أن يلقن (سيسي) بسلاسة أن نبيه، كيف كان يعلمه الدين الاسلامي، كما كان يشرح (سيسي) لأمية إبن أبي الصلت ماهية الكنيسة وما تحويه من تقاليد دينية.  قال الزبير بذات الحوار.

_ ولكننا نتوضأ للصلاة، بل نصلي هكذا مباشرة. هل نبيكم نصراني أيضاً يا زبير؟

_ لا لا .. نبينا مسلم ونحن مسلمون.

_ من هو هذا النبي؟

_ محمد بن عبد الله، هو رسول المسلمين! وهو إبن خالي، وزوج عمتي خديجة بنت خويلد.

_ أنت ابن عمة نبي ؟!

إنها دهشة الحوار والكتابة الإبداعية التي أمتعنا بها الراوي، والتسلسل في أحداثها بحيث أنك لا تستطيع أن تنفك منها، وهذا دلالة علي أن الراوي له إستراتيجياته في الكتابة، بالإضافة لأنه يمتلك ناصية من المهارات لتحقيق التواصل والإحاطة المعلوماتية الدقيقة من خلال الخيال والحقائق، للإقناع والتفاعل مع الآخرين داخل النص.

ثم يواصل (الزبير) الحوار مع (سيسي):

_ نعم .. أمي صفية بنت عبد المطلب، وأبوه عبد الله بن عبد المطلب.

وهكذا يسرح بنا الحوار والتخيل. سأل (الزبير) هنا (سيسي) بعد صمت وتفاصيل كثيرة:

_ هل (النجاشي) نصراني؟

_ نعم نعم وكذلك جدي وأمي وأنا.

وكأنما هنا يريد أن يمجد ويفتخر بديانة الكنيسة كما إفتخر له (الزبير) بإبن خاله (محمد) رسول المسلمين، صل الله عليه وسلم، ثم يستمر في مدح جده (دلمار) بأنه يذهب للكنيسة وهو يعرف الأناجيل ويقرأ الكتاب المقدس ، إنه بارع جداً  .. وهو يملك أقدم نسخة من الإنجيل في علوة. توارثها عن أجداده ولكن الكنيسة لا تقدر أن تنتزعها منه لأن لجدي نفوذاً كبيراً عند النجاشي.

          وهكذا تأخذنا رواية (ترجمان الملك) بين هذه الحوارات حتي نهايتها، ولا يمكن لهذا المقال تشريحها كلها، ولكن هذا غيض من فيضٍ كثير للغموض الذي يكتنف التأريخ في هذه الرواية بوصفه معرفة، والتأريخ بوصفه حدثاً هو علامة علي أن التأريخ عبارة عن طريقة منضبطة يريد أن يقولها لنا _  د. عمر فضل الله _ لتصور الماضي. إنها حقاً رواية مختلفة تماماً عما نقرأه في الساحات الأدبية. وهي من روايات التأريخ المشيد بروحية الحداثة والذي بدوره هو تأريخاً تنويرياً يستند إلي تقنيات كـ(البحث في الماضي) والسعي وراء أخلاقيات معينة أرادها الراوي أن تكون سياحية تاريخية روائية بتكنيك المحترف في الكتابة الإبداعية داخل قالب حداثوي كما قرأناه في هذه الرواية التاريخية (ترجمان الملك).

وختماً حاولت جاهداً من خلال هذه الومضة أن أجوس سريعاً مع (حوار الأديان _ Interpath) في ديار مملكة (علوة المسيحية) آخذاً نماذج خفيفة  داخل هذا النص من الرواية التي تجمع أيضاً أنماطاً أدبية أخري .

والله ولي التوفيق والمستعان

                                                                         محمد العكام

                                                                     كسلا _ السودان

                                                                   13/ ديسمبر 2016 م

قراءة في رواية أطياف الكون الآخر – د. إبراهيم جبريل


• عتبة النّص الأولى:

الغلاف والعنوان:


• لوحة الغلاف أقلّ وضوحاً من سابقتها (ترجمان الملك) شخوص مبهمة متعدّدة الألوان متداخلة، ولعلّ هذا لطبيعة الرسم التشكيلي ولتعلّقه بعالم غير واضح أصلاً، غير أنّها لا تحوى خطأً كاللوحة الواضحة بترجمان الملك؛ إذ أنّ الهيئة التي يبدو بها أحد الأشخاص يكرع من ماء النّيل تدل أنّ الرسام لم يشرب يوماً من نهر أو ترعة مباشرة ولم يرَ من يصنع ذلك!

• العنوان معبّر تماماً عن طبيعة النّص مع غموض مناسب.

• الرواية سياحة عبر المكان والزمان في فضاء بلا حدود حيث تعدّدت الأماكن والأزمنة منذ بدء الخليقة ما قبل آدم ليومنا الحاضر.

• الطيف بلا اسم محدّد تنقّل متوجساً في العوالم والأزمنة مطارداً من جند أبيه الذي لم يره يوماً، مسجوناً من قبل نبيّ الله سليمان –عليه السّلام- مضطهداً من البشر، ناشراً للشر والخير منتقلاً من الغواية للهداية آخر المطاف. والرائحة التي تدلّ عليه غير ثابتة تظهر أحياناً في النصّ وتختفي.

• عالم الأطياف ممزوج بعالم البشر مع التركيز علي الجنّ، ولم أجد كاتباً يكتب عن عالم الجنّ المحض إلا الشيخ “طارق اللبيب” في (أميرة الجنّ المظلومة).

• الرواية إبداع ولكن أقلّ حبكة من “ترجمان الملك” فيها نقاط ضعف بعكس ترجمان الملك ممّا يولّد انطباعاً أنّها متقدمة عليها!

• عالم السحر في الرواية عرض بصورة مبدعة لواقع بشع؛ وعرض الكاتب لخبرتين متباعدتين في الموضوع: الخبرة الأوربيّة حيث يجمع إبليس السحرة ويهينهم ويمهروا بإمضاءاتهم على عهود إذعان مطلق ومواثيق طاعة للشيطان. الخبرة الإقليميّة أنّ الساحر يقوم بعقد عهد سري فردي مع الشيطان ليضرّ النّاس بالسحر مقابل المال، والخبرة الغربيّة تركز على المجون والمتعة الشخصيّة للساحر حتّى وصل بهم اليوم القبول بعبدة الشيطان وطقوسهم الماجنة في الإحتفالات الرسميّة كما حدث في افتتاح نفق “غوتهارت” بسويسرا قبل أيّام.

• والخبرة النقيض التّي أخذ بها الكاتب للمنظور السحري (الخبرة الوهّابيّة) حيث تتوسّع في مفهوم السحر، حيث أورد الطيف (شمهروش) –رضي الله عنه- كتابع من أتباع إبليس؛ وهذا شأن الخبرة الوهّابيّة حيث تدرج كلّ ما أشكل عليها تحت بند السحر).

• هذا المزيج أنتج تصورّاً قويّاً لبشاعة السحر.
(الإمام “الغزالي” كتب في (الإقتصاد في الإعتقاد) عن المثلث المعروف وبيّن أنّ له خواصاً أودعها الله فيه وتكلّم الإمام “الرازي” عن ضرورة التفريق بين السحر وخواص الأشياء. وقال الإمام “الصاوي” المالكي بالأخذ بالطلاسم غير المفهومة إذا وردت عن ثقة كدائرة الإمام الشاذلي. الوهّابية في الحجاز ومناطق داعش تعدم من تجده راسماً المثلث المذكور أو دائرة كدائرة الشاذلي، وفي الحقيقة يعدمونهم لأنّهم اتبعوا أئمتهم! أسفي عليهم، وحكومتنا تصمت صمت القبور!)

• بنى الراوية شخصيّات الفتيات الثلاث بصورة واضحة خاصّة شخصيّة “ماويّة” الأبراميّة وتخلّت عنهنّ وسط الرواية مع تخلّى الطيف عنهنّ مع رفيقتيها في قفر موحش.

• شخصيّة “ماوية” لو استمرّت -بشكل أو بآخر- لأضفت علي النص مزيد بهاء ورونق.

• تخلّى النص عن كلّ الشخصيّات تقريباً التي اجتهد الكاتب في بنائها بناء متماسكاً فتخلّي عن “أشتوت” والفتيات الثلاث فلم تظهر بعد أن اضطرّ الكاتب لبناء شخصيّات جديدة؛ (أوشيك، ورحمة، وغيرهما…). • شحصيّة “أوشيك” جاءت باردة تفتقر للفضول تهتم بإبراز ما عندها من معلومات دون أن تأخذ ما عند الآخر؛ من الذين يتكلمون ولا يسمعون.

• شخصيّة “رحمة” آليّة لا تعرف الخوف كشخصيّة “ماوية” إلا أنّ “ماوية” كانت نافذة لها رؤية و”رحمة” بلا رؤية. لم تتردّد “ماوية” في مواجهة الطيف: (أيّها الشيء إنّك نفس خبيثة تعيش علي الكذب والخداع)! -رغم ضعفها الجسدي وقوته المتناهية- ففرّ من قوّة المواجهة لا يلوي على شيء.

• تصوير الطيف ومشاعره في القمقم السليماني تصوير مبدع يصوّر المشاعر منذ اليوم الأوّل حتّي انكسار القمقم بعد ثلاثة آلاف عام.

• مشهد “العسكر” وردّة فعلهم الحادّة علي إجابة الطيف حين سألوه عن هوّيته تعبّر عن حالة الشرطة بكلّ العالم حيث تكره من تشتم منه رائحة استخفاف بمهامهم (السامية)، كذا مشهد الزنزانة، لكن تقيؤ الطيف غير منطقي وهو الخارج من حبس آلاف السنين بلا طعام!

• يندمج “أوشيك” في شرح معالم الحضارة لـ”أبلسة” في أسلوب الأستاذ مع التلميذ ممّا أضعف الحبكة الروائيّة بالأسلوب الوصفي التحليلي.

• الحكايات والأساطير والخرافات أضافت روحاً أدبيّة أفضل من حكي “أوشيك” : بابل، أوروك، سدوم، عموريّة، آلهة مصر وتشاكسها. 

نص أطياف الكون الآخر جهد مبدع طرق زاوية منسية في رؤية ممتعة للقاريء والناقد وهي إضافة حقيقية للمكتبة العالمية فضلاً عن السودانية والغربية….

 

صدور رواية نيلوفوبيا


Backgroundd

 



صدرت عن دار مدارات للنشر رواية نيلوفوبيا. وهي رواية واقعية تحكي قصة مأساة غرق الباخرة العاشر من رمضان في بحيرة النوبة بشمال السودان وجنوب مصر وعلى متنها 60 طالبة من ثانوية الجريف شرق ومعهن إدارة المدرسة في ثمانينيات القرن الماضي. تدور أحداث الرواية في “العيلفون” تلك القرية التاريخية التي تعتبر أنموذجاً حياً وشاخصاً لأنماط الحياة في القرى السودانية في تلك الفترة.
نيلوفوبيا تحكي قصة حياة أحد الشباب والمؤثرات الاجتماعية التي شكلت شخصيته وحادث غرق صديق الطفولة الذي أوجد في نفسه رهاب النيل وظل ملازماً له طوال حياته كما تقدم وصفاً واقعياً لحياة الطفولة في تلك المنطقة وجوانب من الحياة الطلابية والمدرسية والحياة السياسية والتاريخية للمنطقة وتربطها بحاضر وحياة سكانها.
كما تضمنت الرواية وصف الرحلة بالقطار من الخرطوم إلى مصر وجوانب الحياة الاجتماعية في منطقة شمال السودان وارتباط تلك القرى والمدن بالسكة الحديد والمسافرين كما وصفت بعض الأماكن التاريخية والأثرية في القاهرة وجنوب مصر ووصفت في مشاهد مروعة حادث غرق الباخرة وما تلاه من أحداث. الرواية مليئة بالجوانب الإنسانية في لغة شاعرة وأحداث متتابعة تشد القاريء.

ترجمان الملك في جريدة الإتحاد الإماراتية: عمر فضل الله يعود في ترجمان الملك إلى العام 600 م.


Ettihadصدرت عن دار نهضة مصر رواية بعنوان «ترجمان الملك» لمؤلفها السوداني عمر فضل الله وهي رواية تجمع بين الخيال والحقائق التاريخية. وتروي قصة حياة الشاب «سيسي بن أبيلو» ذي الستة عشر ربيعاً والذي نشأ في العام 600 للميلاد في منطقة الحبشة القديمة بوسط أفريقيا وعاصر الأحداث العاصفة التي شهدتها السنوات الأولى من القرن السابع الميلادي، وعاصر وفود العرب القادمين من مكة للاحتماء بالدولة المسيحية والنجاشي، حيث يروي الشاب عن الصداقة التي نشأت بينه وبين أحد الشباب العرب القادمين من مكة (الزبير). كما يروي حكاية جده (دلمار بن أرياط) الذي كان يعمل ترجماناً للملك النجاشي ويسرد صوراً لممارسات تجارة الرق وبيع العبيد في ذلك الوقت من خلال مذكرات الملك النجاشي الصغير.
وتعكس الرواية للصراع الفكري الذي كان يدور في ذلك الوقت بين الكنيسة والقصر من خلال حوارات (دلمار) ترجمان الملك مع الكاهن أنطونيوس أسقف الكنيسة في سوبا، والحوارات بين الكاهن أنطونيوس والشاب «سيسي»، وبينه وبين الملك النجاشي. كما تضمنت حوارات الملك مع وفود العرب القادمين من مكة.
تصف الرواية قصر الملك والكنيسة والبيوت والأسواق في سوبا كما تعكس كثيراً من أنماط الحياة وسبل العيش والتجارة في مجتمع (سوبا)، ومكونات البيت الأفريقي القديم في مملكة علوة وواقع المجتمع المسيحي في سوبا وهيمنة السحرة على بعض جوانب الحياة.
تميزت الرواية بأنها تناولت بقعة مجهولة من أفريقيا لم تنل حظها من الاهتمام كما سلطت الأضواء على إحدى الممالك المسيحية الأفريقية القديمة وسبل العيش وأنماط الحياة والشخصية الأفريقية بجاذبيتها وسحرها.
وعن الرواية كتب الدكتور عثمان أبو زيد عثمان المستشار في رابطة العالم الإسلامي، ما يلي:
على غير المألوف يقدّم المؤلف لروايته بمقدمتين؛ إحداهما مقدمة المؤلف والأخرى مقدمة الراوي، ويقرر المؤلف في مقدمته أن البر الغربي للبحر الأحمر وضفاف النيل الأزرق كانت ملاذاً للعرب المسلمين المهاجرين من مكة إلى مملكة (علوة) المسيحية. ويرى المؤلف أن هذه الهجرة كانت بمثابة خطوة إستراتيجية عسكرية ناجحة لتأمين ظهر الدعوة الإسلامية وهي في مواجهة أعتى إمبراطوريتين في ذلك الوقت (الروم) و(الفرس)، كما كانت أنجح سفارة في تاريخ الإسلام كله.
وأول ما يشدّ انتباه القارئ لرواية «ترجمان الملك»؛ أسلوبها الجزل ولغتها الرصينة التي تستعير ألفاظاً وأسماء من لغة هذه البلاد وبيئتها، تضفي جواً من الغموض الفني، فينتقل الخيال إلى الماضي ليعايش صوره وملامحه وتقوم بنية الرواية على سرد متناغم يتوغل في أعماق الشخصيات، ليصف عالمها الداخلي، وما يدور فيه من خواطر نفسية، أو حديث مع الذات، وهو ما يسميه النقاد بـ»السرد النفسي» وربما يسأل القارئ؛ أهذه رواية تاريخية أم رواية للتاريخ؟ فوضع مقدمة المؤلف نهجٌ غير معتاد في كتابة الرواية.
تضمنت رواية «ترجمان الملك» فيما تضمنت، عرضاً لعلاقة عاطفية، ومع أنها ليست في بؤرة النص الروائي، وإنما هي مدفونة فيه، فإننا نتساءل: هل نحن بحاجة إلى قصة حب في كل عمل روائي؟ وفي كثير من الروايات التاريخية، يعمد الروائيون إلى اختراع هذه القصة إن لم يجدوها، بحجة أن العمل الفني لا يستقيم بعده التشويقي إلا بها.

المصدر: جريدة الاتحاد
تم ادراج عن الممالك والرعايا بتاريخ 18/07/2013 ورقمه لدينا 301041

ترجمان الملك في ضيافة منتدى أهل العيلفون وتقديم أحمد حسن إمام


3eed08أمسيات العيلفون – منتدى أهل العيلفون

والمساء يلملم أشياءه، والليل يرخي سدوله، وصفوة من أهل العيلفون يخرجون من مساجدها من بعد صلاة العشاء لتحط بهم الرحال في “دار الشيخ إدريس ود الأرباب” ويطيب لهم المقام وهم يستمعون في دهشة إلى أحمد حسن إمام وهو يتلو عليهم “ترجمان الملك” للدكتور عمر أحمد فضل الله لتبدأ أولى أمسيات العيلفون تحت مسمى منتدى أهل العيلفون حيث عطر الجلسة الأولى للمنتدى تلاوة للقران الكريم “عبدالسلام الصادق” ثم تبعه مقدم الجلسة “علي عثمان” بتعريف لفكرة “منتدى أهل العيلفون” حيث اقتصر حديثه على أن “منتدى أهل العيلفون” منتدى شامل ومتعدد يناقش قضايا الثقافة والآداب والفنون والحياة العامة اجتماعاً واقتصاداً وفقهاً وفكراً، ويتناول بكل التفصيل قضايا العيلفون الخدمية والاجتماعية ويتولي نشر تراثها وثقافتها وهو جمع لأهل العيلفون في مكان واحد من كل أسبوع يتداولون فيه هموم الحياة تفصيلاً لواقع العيلفون وكذلك كليات القضايا في الوطن الكبير.

قدم “أحمد حسن إمام” شرحاً وافياً وكافياً لرواية “ترجمان الملك” مستعيناً بأجزاء من الرواية تم عرضها عبر جهاز البروجكتر وقدم سيرة تفصيلية لمؤلف الرواية دكتور عمر أحمد فضل الله وقدم شرحاً شيقاً استعرض فيه الفكرة العامة للرواية وأبرز محطاتها وظل يسرد لمدة ساعة كاملة لم يتسلل فيها الملل لرواد المنتدى وكأن “سيسي بن أبيلو” خرج من مقابر أم قحف ليحكي للحضور سيرة العيلفون القديمة وتاريخها المنسي.

تم فتح باب التعليق والحوار بعدد من المداخلات المبدعة والرائعة ابتدرها “عمار أحمد الشيخ ادريس (الرؤفي)” ثم تبعه المهندس “عثمان يوسف” ثم “هيثم الوسيلة” ثم “أحمد عبدالقادر (قمبور)” ثم “وفاء عبد الرحيم” ثم “مخلص الشيخ ادريس” ثم “عبدالحميد الحاج”.

كل المداخلات تنوعت ما بين الثناء علي كاتب الرواية وما بين حقيقة الرواية وأحداثها التاريخية. ويكاد البعض منهم يجزم بأن الرواية تحكي عن أماكن ما زالت هي بنفس الملامح والشبه.

بعد ساعة ونصف من الحوار الرائع والجميل والمدهش أذن مؤذن الرحيل أن ميعاد اللقاء القادم يوم الجمعة القادمة 21/ يونيو/2013م الثامنة مساء “بدار الشيخ إدريس ود الأرباب للعلوم والثقافة والفنون” في موضوع جديد .

د. عادل عبد العزيز: رواية ترجمان الملك لوحة فنية رائعة الجمال


رواية ترجمان الملك لوحة فنية رائعة الجمال

[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”]

د. عادل عبد العزيز
د. عادل عبد العزيز

ترجمان الملك رواية رائعة الجمال، عندما تبدأ من القراءة لا تستطيع أن تتوقف الى أن تصل الى نهاية الرواية فهي من النوع الذي يمكن أن يطلق عليه السهل الممتنع فهي رواية سلسة محكمة الحبكه وهي تجمع بين الحقائق التاريخية والخيال في قالب فني متألق يأخذك الى منطقة في أعماق التاريخ القديم الى العام ستمائة الميلادي تتجاوز بك حدود الزمان والمكان لتحكي لنا تاريخ منطقة الحبشة القديمة في وسط القارة القديمة أفريقيا في مملكة علَوًه المسيحية لتحكي لنا تاريخ هذه المنطقة والأحداث العاصفة بين الملك العادل النجاشي وكهنة الكنيسة كما تحكي لنا قصة هجرة المسلمين الأوائل القادمين من مكة والفارين بدينهم من عذاب أهل مكة الذين وقفوا بعنف ضد الدين الجديد الذي أراد أن يخرجهم من الظلمات الى النور ومن الجاهلية الى عدالة السماء تحكي لنا هذه الرواية قصة الهجرة الأولى من عذاب قريش في مكة للاحتماء بمظلة الملك العادل النجاشي في مملكة علوه المسيحية وتحكي لنا في أسلوب جميل سهل قصة إيمانه بالرسالة المحمدية. رسالة الإسلام والتي يشد بها سيدنا عيسى عليه السلام في كتب المسيحية القديمة .. أسمع ماذا كان يقول هذا الملك العادل بعد أن استمع من أحد المهاجرين لجزء من سورة مريم وما هو موقف الرسالة الجديدة رسالة الاسلام من سيدنا عيسى عليه السلام :” أن هذا والذي جاء به النبي عيسى ليخرج من مشكاه واحدة”ثم خاطب قساوسة الكنيسة قائلاً:” يا معشر القسيسين والرهبان هذه حقيقة المسيح لا تريد ولها تنقص والله لا يزيدون على الذي نقول في المسيح ولو كان مثل هذا العود الصغير”.

ترجمان الملك والعلاقات الانسانية:

تتخلل الرواية الكثير من العلاقات الانسانية التي تكشف حياة البشر في تلك الحقبة التاريخية الضارية في أعماق التاريخ بسرد قصصي جذاب أدبي ويحضرني في هذا المقام تعريف الأدب فقد قيل قديماً أن “الأدب هو كل كلام عبرً عن معنى من معاني الحياة وجلها صورة من صورها بأسلوب جميل جذاب “.وهذه الرواية تمتاز بأسلوب أدبي جميل وجذاب ولعل أفضل شيء في دراسة التاريخ ولكي يرسخ التاريخ في الذهن أن يكون دراسته من طريق السرد القصصي الذي يجعلك تتابع الأحداث التاريخية بشغف ولهفة لأنها مربوطة بالحبكة القصصية الروائية السردية الجميلة .

تتعرض الرواية لبعض الممارسات الانسانية السالبة في تلك العصور وتسرد صوراً لممارسات تجارة الرق من خلال مذكرات الملك العادل النجاشي والذي لم ينجو نفسه من هذه الممارسة والذي بيع عبداً فعاد من الأسر ملكاً متوجاً والتحية له فقد وقف ضد هذه الممارسات والغى تجارة الرقيق وحاكم كل الذين كانوا يمارسونها من التجار والوزراء والكبراء في ذلك الزمان.

ترجمان الملك رواية جميلة رائعة تجمع بين الخيال والتاريخ القديم ومعظم الأحداث التاريخية التي تحدثت عنها تعتبر تاريخاً صحيحاً ويمكن أن تعدل ليصبح فيلماً تاريخياً يمكن عن تلك الفترة التاريخية لتلك المنطقة الضارية في جذور التاريخ والتي لا يعلم عنها لا الكبار ولا الصغار فهي بحق تستحق القراءة وهي تماثل رواية دافنشي كود في الطريقة ولو وجدت مخرجاً جيداً لصنع منها فيلماً عظيماً.

وقد تم ترشيح الرواية لجائزة الرواية العربية وأحسب انها سوف تنال هذه الجائزة بإذن الله.التحية للأستاذ عمر فضل الله لهذا العمل الفني الابداعي المتكامل ونرجو منه مواصلة العطاء

 ولكم التحية قرائي الاعزاء .

د. عادل عبد العزيز محمد حامد

Skyseven51@yahoo.com

المصدر: صحيفة سودانايل http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=55855:2013-07-05-19-56-28&catid=34:2008-05-19-17-14-27&Itemid=55[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

مقتطفات من رواية أطياف الكون الآخر


طيف التجليعفواً فقد نسيت أن أقدم نفسي مع أنه أمر صعب جداً، فقد تغيرت أسمائي كثيراً حتى أنني ما عدت أذكر منها إلا القليل. فقد اتخذت اسماً في كل دورة من دورات الزمان، وجسماً فيما لا أستطيع أن أعده من الأماكن والأحوال. كنت أصير كبيراً في الحجم مثل الجبل أحياناً، أو أتضاءل فأصير مثل نملة صغيرة. وكانت عندي قدرة عظيمة على الطيران، فقد كنت أسرع طيار في العوالم السبع، وكنت أستطيع الانتقال من أي مكان إلى مكان آخر، مهما كان بعيداً وذلك بمجرد النظر ناحيته.

ما هو اسمي الآن؟ سمني ما شئت فلا فرق عندي. فما عادت الأسماء شيئاً ذا بال، ولا أصبحت تدل على شخصيات أصحابها. فما هي إلا مجرد أسماء. وأنت لا تختار الاسم الذي ترغبه أو تحبه، وإنما يختارونه لك، ويظل يرافقك مدى الحياة. أين أنا الآن؟ معك بالطبع!! لا تصدقني؟ أنظر إلى الأعلى فوقك تماماً…. لماذا لم تنظر؟ أراك متردداً أو خائفاً. ما الذي سيحدث لو نظرت؟ لن تراني بالطبع فقد كنت معك طول عمرك وأنت لم ترني، ولم تكُ خائفاً مني فلماذا خفت الآن؟ وبالمناسبة فإن مسألة الرؤية وعدمها متعلقة بك أنت وحدك، فأنت تستطيع رؤيتي لو أردت في أي وقت. والأمر كله في عقلك ومتعلق بك وبإرادتك. نحن – أعني أنا وأنت – نصنع عوالمنا في عقولنا. ولكل إنسان عالمه الخاص. وكل واحد منها يختلف عن الآخر. وجميعها عوالم حقيقية، لأننا نعيشها بعقولنا ونتخيلها. وربما يكون الخيال عالماً آخر موازياً لعالم الحقيقة لدينا، يقترب من واقعنا أو يبتعد حسبما نرغب. تخيل معي وجود ملايين العوالم والأكوان الحقيقية والخيالية الموازية والمتداخلة في الوقت نفسه، وبمجرد تخيلها في ذهنك تصبح عالماً آخر حقيقياً موازياً لعالمك الواقعي، وتستطيع أن تعيش فيها قدر ما تشاء. العالم الواقعي ليس واحداً، بل هو عوالم كثيرة تفوق قدرتنا على العد والإحصاء. نحن نخجل أن نحكي للناس عنها ربما لأنها تدل على طفولتنا أكثر مما تدل على نضجنا، أو لأن الناس لا يحترمون من يجنح للخيال كثيراً، أو فقط لأن الآخرين لا يرونها ولكننا نراها بعقولنا، ونتمنى أن نبقى فيها أطول وقت ممكن، وفي الواقع هي أكثر اللحظات إمتاعاً في حياتنا، نهرب إليها من واقعنا المؤلم الذي صنعناه بأنفسنا.

مازلت تحس أنك خائف مني؟ هل مجرد ذكري مخيف لهذه الدرجة؟ وهل تصدق أنني أخاف منك أكثر مما تخاف مني وتخشاني؟ أنت في نعمة كبيرة فأنا خفي بالنسبة لك ولا أظهر لك ولا تراني إلا نادراً، ولكن أنت بالنسبة لي نقمة وعذاب، فأنت تظهر لي في جميع الأحوال وأراك في كل مكان، حتى لو حاولت أن أغمض عيني. تخيل هذا الرعب المستمر. أنت تخشى الأماكن المظلمة لأنك تظن أنني أسكنها وأنني سوف أظهر لك منها فجأة، بينما تجدني أموت رعباً من الأماكن المضيئة، فقد أرغمت على البقاء في الظلام أعواماً طويلة من عمري محبوساً، ومع الأيام أصبح الظلام هو عالمي، ولذا فأنا أخاف من النور مثلما تخاف أنت من الظلام. ولكنك نسيت أن دنياك معظمها ظلمة، فأنت تغمض عينيك الساعات الطوال كل يوم حين تنام، فالظلام رحمة أنت لا تدرك قيمتها. وعالمك مثل عالمنا، كله مظلم إلا من بصيص أضواء تنبعث حين تلجأ إلى الحقيقة السافرة، فتضيء جوانحك، وتنير روحك وعقلك، وتحرره من قيوده وأثقاله.

والآن هل تريد أن تراني أم ما زلت متردداً؟ انظر إلى الأعلى وأنا سأتجسد لك لتراني على حقيقتي. هذه فرصة لن تتكرر فلا تضيعها. ما زلت لا تريد أن تنظر؟ لن ألح عليك ولكن تأكد أنك حين ترغب في رؤيتي حقاً فسوف تراني. الأمر كله متعلق بإرادتك. قد أتحول أحياناً فأصير على قفاك وخلف ظهرك، ولكنني في معظم الأحيان أبقى فوق رأسك من الخلف وأنت لا تقدر أن ترى هامتك إلا إن نظرت في أكثر من مرآة. ولذا فأنا أحب هذا المكان، هامتك طبعاً. هل تعتقد أنني مشاكس؟ لم أعد كذلك فأنا في آخر عمري، وما عادت المشاكسة تمتعني، بعد أن كنت أقضي أجمل أوقاتي مشاكساً. أنا الآن أحب أن أتقرب منك حتى تقبل أن أحكي لك قصة حياتي، ففي ذلك سلوى لنفسي بكل تأكيد.

حفل توقيع رواية ترجمان الملك


[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][metaslider id=4897]

تم في يوم الإثنين 3 يونيو 2013 بمقر دار نهضة مصر للنشر 21 أحمد عرابي بالمهندسين حفل توقيع رواية ترجمان الملك وقد حضر الحفل لفيف من المعجبين والمفكرين كما تولت الأستاذة نشوى الحوفي رئيس قسم النشر بدار نهضة مصر تقديم الدكتور عمر فضل الله وإدارة الحوار الفكري والثقافي الذي دار حول الرواية وموضوعاتها.
الرواية تجمع بين الحقيقة والخيال المحبب في قالب إبداعي وهي تحكي قصة الشاب “سيسي بن أبيلو” الذي عاش أيام هجرة الصحابة إلى سوبا حاضرة دولة علوة المسيحية، حين كانت تلك المنطقة فى تلك الحقبة الزمنية ملاذا للعـرب والمسلمين الأوائل الذين هاجروا إلى تلك المملكة التى آوتهم فى ظل ملكها الحكيم العادل أصحمة بن الأبجر (النجاشى).كما تحكي قصة حياة “دلمار” ترجمان الملك النجاشي وهي تسرد الأحداث العاصفة والمؤامرات التي دارت في تلك الأيام للاستيلاء على الحكم حتلا لا يتولاه الملك الشاب، كما تعكس أنماط الحياة الأفريقية والجوانب الإنسانية.
ويصف المؤلف تلك المدينة وصفا دقيقا وكيف كانت الحياة فيها من سكان وأسواق وتجارة للعبيد وكيف احتدم الصراع بين الكنيســـة والقصر حتى وصل إلى حرب تهدد بزوال المملكة القوية ..ودور ترجمان الملك دلمار ومن بعده حفيده سيسى فى حفظ أسرار المملكة ومؤازرة الملك النجاشى ودحر المؤامرات التى حيكت ضده من الوزراء والكنيسة والسحرة….إلى غيرذلك من أحداث ينسجها الكاتب فى بناء متماسك..وحبكة قوية لا تخلو من عنصر التشويق.

[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

أطياف الكون الآخر : مقتطفات من وحي بابل


Atyaffطيف التجلي ينقلك بين أحلام الكون القديم وواقع الكون الحديث ليدير ذهنك على عجلة الزمان منذ الحقبة الأَرْكِيّة، وحقب البدء، والحياة القديمة، إلى عصر المجموعات الاجتماعية والشبكة الدولية وزمن الفوضى والهوان. اسمع حكايته التي أملاها في الألفية الثالثة من عصـر بني الصلصال ضمن الحقبة الخامسة من حقب الدهر القديم لكوكب الأرض وكتبها عمر فضل الله في زمانكم هذا.

مقتطفات من (وحي بابل)

أحس أحياناً أن طيف أمي يسكن داخل جمجمتي ويطل منها عبر حدقتى عيني إلى العالم. حين أفكر في هذا أحس بلهيب تلسع حرارته قلبي وتنتقل إلى كل ما حولي. أمي تمتلك حقداً يتسع لكل هذا العالم ويفيض.

عفواً فقد نسيت أن أقول لك إن ظننت أنني أثرثر كثيراً فيمكنك أن تخبرني لأتوقف. فليس من الضروري أن تستمع لكل شيء، وأعتقد أن كثيراً مما ورد في مذكراتي لا يهمك في شيء، وقد تظن أنني أهذي، وفي واقع الأمر فإن كل ما أقصه عليك هو حقيقة أمري التي غابت عنكم يا بني الصلصال. كل ما في الأمر هو أنني أردت أن ألخص قصة حياتي التعسة لمن بعدي عله يتعظ بها. وبالصدفة كان البائس المسكين الذي كتب عليه أن يستمع إليها أو يقرأها هو أنت في هذا الزمان الكئيب من عمر بني الصلصال!! إنني أرثي لحالك وأنت تقرأ مذكراتي وتبغضها ثم أعجب لك وأنت تتشبث بصفحاتها وتقرأ في عناد وإصرار!!. حقاً إنني لا أفهمك. ياترى هل ترغب حقاً في المواصلة أم أنك لا تجد شيئاً آخر تفعله سوى القراءة؟

لا أريدك أن تجيب على سؤالي هذا ولا أن تعلق على اقتراحي لأنني – بالطبع – لن أتوقف عن رواية قصتي لأنك فقط لا تريد الاستماع إليها. ولو حدث أنك سددت أذنيك بأصابعك أو انصرفت في غير مبالاة فسوف أستمر في سرد حكايتي وبصوت عالٍ لعله يسمعها شخص عابر فيعيها أكثر منك أو ربما أكلم بها الجدران والتراب والأشجار، وقد أكلم نفسي أو أبث كلامي في الهواء ليبقى هناك منساباً بلا وجهة محددة.. ومن يدري فقد يكون هناك عالم آخر مواز لعالمكم هذا وتكون فيه مخلوقات عاقلة وقادرة على أن تسمع روايتي وتتعظ بها. أو قد يجيء في آخر الزمان من لديه القدرة على استعادة هذا الكلام من الأثير وسماعه والاستفادة منه. أظن أن مثل هذا أصبح ممكناً أو قريباً من الإمكان في زمانكم.. لو نجح بنو الصلصال في هذا لتمكنوا من سماع الحوار بين أبيهم آدم وأمهم حواء. أو لربما سمعوا هدير أمواج الطوفان في عهد نوح أو استغاثة فرعون مصر حين أطبقت عليه أمواج البحر.

نحن في عالم الأطياف نستطيع إذا أردنا أن نستعيد كلام الأسلاف السابقين وحواراتهم فما هو إلا أن نطلب من الأرواح القديمة أن تحدثنا فتنطلق في حكاية لا تنتهي تروي وتروي وتروي ولا تريد أن تسكت.

اطلب مني ما شئت فأنا رهن إشارتك. هل ترغب أن تسمع همسات القائد الروماني «مارك أنطونيو» وهو يسكب أعذب كلمات الغزل والحب في أذن «كليوباترا» المصرية؟ أو ربما ترغب في مشاركة «روميو» و«جولييت» ليلة من ليالي الحب؟ أو «لانسيلوت» و«غوينفير» أو«تريستان» و«أيسولد»؟ ما رأيك أن أنقل لك ساعة واحدة من سويعات «هيلين» زوجة «مينيلوس» ملك «اسبارطة» التي كانت أجمل النساء في ذلك الوقت والتي وقع «باريس» ابن ملك «طروادة» «بريام» في حبها وخطفها وعاد بها الى «طروادة» ذلك الحب الذي أدى إلى تدمير «طروادة». أنا أحب هذا النوع من العشق الذي ينتهي بتدمير المدن وخراب الأمم. طبعاً أنت تعلم أن ذلك العشق أغضب اليونانيين الذين جمعوا جيشاً جرارا لاستعادة «هيلين» ودمراوا «طروادة» وأعادوا «هيلين» إلى «اسبارطة» لتعيش مع زوجها «مينيلوس» بقية حياتها.

بالطبع أنا أعلم أنك في قرارة نفسك يعجبك مثل هذا الكلام وتحب سماع هذا النوع من القصص. وأظن أن الفصل الأول من قصة حياتي قد أوحى إليك بالكثير من الأفكار، ولربما تكون الآن قد فكرت في سرد قصة حياتك. أريدها مجردة مثل سيرتي، بلا أكاذيب أو تلفيق . هكذا.. حقائق مجردة من كل ثوب. هل تجرؤ؟

***

 

<span>%d</span> مدونون معجبون بهذه: