رأي الدكتور موسى الخليفة حول رواية أنفاس صليحة



هذا رأيي فيما يسمى بالرواية التاريخية، أو الرواية ذات العلاقة بالتاريخ – ولا أقول الرواية التاريخية – الرواية ذات العلاقة بالتاريخ هي عمل خيالي وليس معنياً بالحقائق وبالتالي فهي تحرك المكان والأشخاص والزمن بصورة مُتَصَوَّرَة وليس صورة واقعية. وتمتاز بأن اللغة والكتابة تضفي ثراء يكسبه الكاتب للشخصيات. بناء الرواية لا علاقة له بالأحداث التاريخية لكن فيه (ريحة) للأحداث التاريخية! ولذلك فالرواية ذات العلاقة بالتاريخ لا تُحَاكَم تاريخياً بل تُحَاكَمْ أدبياً. ففي كل من الشركسي وأنفاس صليحة أفلح الكاتبان في تقديم رواية لتقرأ كرواية على الرغم من ارتباطها بالتاريخ.

وقد أفلح عمر فضل الله في أن يشتغل على التاريخ ويكتب روايات للتاريخ وحتى رواية الشركسي فيها شيء من عمر فضل الله. فهي رواية على علاقة بالتاريخ رغم كونها رواية ليست واقعية بالطبع وليس بالضرورة أن تكون واقعية فالتاريخ واقعي ومرتبط بالواقع تحديداً ويُحَاكم إذا فارق الواقع لكن الرواية ليست واقعاً فالرواية هي ما يسمى بالواقع المفترض وعمر فضل الله مزج الحقائق التاريخية بالأدب وهو ليس محكوماً بذلك وهو استعمل التاريخ كميدان للحركة فقد حرك شخوصه وأنطقها وأكسبها روائحن فالرواية تكون هكذا. تكسب المكان رائحة وتكسبه صوتاً وتكسبه موسيقى وتكسبه حركة وعمر فضل الله أكسبها كل هذا من خياله وليس من التاريخ ولكنه لعب في داخل ميدان التاريخ، لعباً خاصاً بقدراته على الخيال وبقدراته على إكساب هذه الشخصيات الحركة والنطق وغيرذلك وغير ذلك. ولكن المؤكد هو أن أعماله لا تحاكم تاريخياً ولا تعتمد على التاريخ لكنها تلعب في ميدان التاريخ وفيها حرية كاملة فهو حر أن يقول ما يشاء ويكتب كما يشاء ولا أحد سيقول له صليحة حضرت في ذلك اليوم أو لم تحضر فلا يدخل هذا في مجال النقد أو أن صليحة نفسها موجودة أو لم توجد أصلاً. فهو قد استخدم هذا الميدان فقط ومن الممكن ألا يوجد شخص اسمه صليحة أصلاً. وبالمناسبة سوف أحكي لكم شيئاً طريفاً جداً. أنا حين كنت طالباً مثلت دور عجوبة في المسرح ببخت الرضا. وعجوبة هذه هي صليحة. عجوبا الخربت سوبا. مسرحية خراب سوبا التي كتبها خالد أبوالروس وذلك في الخمسينات، ولذلك فقد استمتعت برواية أنفاس صليحة فالكاتب عمر فضل الله (كَتَّابْ) ! كتاب جداً.. ومستوى الكتابة متميز عنده!
الدكتور موسى الخليفة

 

الروائي العالمي عمر فضل الله يخص “الجوهرة” بمقابلة بعد صدور روايته “أنفاس صليحة” “2-2”


عمر فضل الله: ذاكرة المكان ارتباطها بالتاريخ هي مثل النسيج في الثوب كلما اتسعت رقعته وتنوعت ألوانه ازداد جمالاً
أعمال عمر فضل الله لا علاقة بين شخوصها وشخصية الكاتب
هذا ليس زمان الشعر.. وذلك لا يعني أنني طلقته فهو يعيش في حنايا العروق

حاورته: احلام مجذوب
ربما كان الدخول فى عالم الروائي عمر فضل الله مخاطرة، والسؤال حول تاريخ الرواية، وملامحها ومشكلات الكتابة وكيفية معالجتها، تدخلنا فى دهاليز متشعبه من ثقافة وألق تسكن الراوي تجعلنا نقف جميعا ونرفع القبعات تقديرا وعرفاناً لرجل بقامة وطن، دون مجاملة ولا مواربة المهمة مربكة والمواصلة فيها نوع من المجازفة، لكنها شديدة الإمتاع خاصة مع هذا الكم الهائل من التشويق والإثارة الذى يمتلكه هذا الروائي الفذ.

لماذا تحرص في أعمالك على تعميق الفضاء المكاني والتكريس له؟
أنظر للمكان نظرة شاملة وكلما اتسعت الرقعة المكانية اكتسى الحكي معرفية ثرة وعميقة، وفي تقديري أن هذا ينطبق على السفر أيضاً فكلما سافر الإنسان وساح في الأرض يجد مراغماً كثيراً وسعة وتتسع آفاقه وتزداد معارفه. وبالعودة للسرد والحكي ويعتقد الراوى أن الفضاء المكاني هو مسرح الرواية وأن ذاكرة المكان في ارتباطها بالتاريخ هي مثل النسيج في الثوب كلما اتسعت رقعته وتنوعت ألوانه ازداد جمالاً. لكن جمال مثل هذه الثياب يتوقف على قدرة الحائك وبراعته فهو ينصح كل كاتب أن لايتوسع في الفضاء المكاني إلا إن درسه بعمق وعرفه بخبرة ودراية وإلا لانخرق في يده واتسع الخرق على الراقع.

اختلف النقاد حول أعمالك فقد كتبوا في أنفاس صليحة أن الرواية تعالج المشكلة الأساسية التي عالجها من قبل عدد من الكتاب وأنها المشكلة ذاتها التي عبر عنها الرواي العالمى باولو كويلو في روايته الخيميائى وساحروبورتبيلو ومكتوب ومحارب النور وعند النرويجي جوستاين غاردر فى روايته عالم صوفي والكاتب الاسبانى لانزا ديل فاصتو فى روايته الحج الى الينابيع وقصدوا بذاك مشكلة الصراع كيف ترى ذلك؟

على افتراض أن ما أوردته هو صحيح ألا ترى أن إخراج عمل أدبي سوداني يعالج مشكلة الصراع هو في حد ذاته إضافة للأدب العالمي؟ لكني لا أتفق معك في الفرضية آنفة الذكر لأنني أعتقد أن “أنفاس صليحة” هي عمل غير مسبوق من حيث كونها كتبت في العجائبيات بطريقة مختلفة عما كتبه باولو كويلو أولانزا ديل فاصتو وغيرهما ونحن سبقنا هؤلاء الأدباء منذ القديم حين كتب ود ضيف الله عمله (الطبقات) الذي أعتبره عملاً أدبياً في المقام الأول فقد كتب عن العجائبيات لأجل صناعة الدهشة بينما تعتبر رواية أنفاس صليحة حلقة ضمن سلسلة أعمال في الرواية المعرفية التاريخية كتبت للتنوير المعرفي، وفي الوقت نفسه يعتبرها النقاد سابقة في العمل الأدبي الذي يمزج الخيال بالحقائق التاريخية دون أن يتغول عليها أو يفسدها، وسوف تجد أن كل حلقة لها أسلوبها المتفرد وشخصيتها المتميزة في معالجة التاريخ السوداني الممزوجة فيه الحقائق بالخيال والمتعة والحبكة والروي ضمن مشروعي الثقافي المعرفي المتكامل.

ذكرت كيف تأثرت الناقدة الكبيرة دكتورة زاهية أبوالمجد برواياتك حول تحليل دقيق للسردية المعرفية وقلت عنها إنه تحليل سابق لأوانه وأن المقال يصلح قاعدة لتحليل أعمالى ورواياتى المعرفية وضح لنا ذلك؟

تمكنت الدكتوره زاهية – وهي التي قرأت كل أعمالي الأدبية تقريباً- وخاصة بعد اطلاعها على مسودة آخر أعمالي غير المنشورة – من تقييم هذه الأعمال كأنموذج سوداني ناجح، للرواية المعرفية التي تجمع بين الحقيقة والتخييل كطريقة مبتكرة لتقديم التاريخ بصورة سهلة الهضم، كما لاحظت أيضاً أن بعض الشخوص التي استحدثتها في رواياتي هي مجرد شخصيات خيالية لكن الوقائع الممثَّلة في التخييل ليست كلُّها بالضرورة متخيلة، وأنها مؤسسة على وقائع تاريخية مؤكدة، تم من خلالها استغلال فراغات التاريخ وفجواته لإدخال شخصيات وأحداثا مستوحاة من خيال المؤلف. وأن عنصر التخييل في روايات عمر فضل الله يسير جنباً إلى جنب في نسيجه السردي وسداه مع الحقيقة التاريخية لكنه لا يمنحه الهيمنة الكاملة بل يجعل منه مجرد عنصر مساعد فقط لتمكين الحقائق التاريخية في ذهن القاريء عبر السرد، وأن له القدرة على مزج التخييل التاريخي والعجائبي والذاتي مع الحقيقة التاريخية في نسيج متميز ينتج لنا روايات عمر فضل الله المعرفية. وأن نجاح أعماله يكمن في قدرته على شرح علاقة السرد كخطاب بالمعرفة كتجربة وذلك لكون آلية التخييل التي تعيد بناء التجربة النوعية وتسريدها من خلال نصٍّ تعاقُبيٍّ في الحبكة الروائية المتصلة تقوم بتحريك التاريخ وتقديمه للقاريء ليس باعتباره تجربة ماضية منقطعة، بل باعتباره فكرة دائمة التدفق شاخصة في الزمان وشاهدة على أحداثه من خلال الرواية المعرفية وأن عبقرية المؤلف تتجلى في سرد الحبكة الروائية التي تستعير أحداث الماضي وتخرجها من سياجها الموضوعي والزماني لتطلقها في فضاء الحاضر متكئة على إمكانات المؤلف المعرفية وتقنياته الكتابية، وملكته اللغوية، وتدمج كل ذلك في إشكالات الحاضر وهمومه وربطه كل ذلك بأسئلة الهوية السودانية.

قال الطيب صالح أن لاجدال في أن النص الأدبي ليس سجلاً لسيرة الكاتب ولا ينبغي لها أن تكون. هل ينطبق هذا الكلام معك؟ ومارأيك؟ وإلى أي مدى تقترب منك شخوص رواياتك أم أن ماتكتبه بعيد عنك كل البعد.

هذا الأمر يختلف باختلاف الكتاب فبعض الروايات تكون مجرد اسقاطات نفسية لمغامرات وتجارب بعض الكتاب، حيث تتجلى فيها شخوصهم في شخصية أبطال الرواية لدرجة أن بعضهم يعيش في الوهم ما يعجز عنه في الحقيقة وخاصة مغامراتهم مع النساء أو بطولاتهم المتوهمة فيسجلها في أعماله الروائية أما الروايات الناضجة فليس بالضرورة أن تتماهى شخوصها مع شخصية الكاتب أو تعبر عنها بأي حال من الأحوال. وعلى كل حال فإن أعمال عمر فضل الله لا علاقة بين شخوصها وشخصية الكاتب إلا في ذهن القاريء فقط حين يحاول المقارنة أو المقاربة عبثاً لكن يبقى المؤلف هناك متميزاً ومستقلاً عن أبطال أعماله. فقط يسكب بعضاً من روحه في العمل الإبداعي ليمنحه النكهة الخاصة.

لك ديوان شعر: (زَمَانُ النَّدَى والنَّوَّار) و(زَمَانُ النَّوَى والنُّوَاح)، وغيرهما ألا ترى أن الرواية أخذت منك كثيراً وهزمت الشعر، ربما يظن بعضنا ذلك؟

يوجد في زماننا هذا شعراء وشاعرات أضافوا وأضفن للإبداع الشعري الكثير وكما تعلمون فقد بدأت بكتابة الشعر لكنني انتقلت لكتابة الرواية حين علمت أن هذا ليس زمان الشعر فالرواية مقروءة ومطلوبة من أجيال هذا الزمان أكثر من الشعر غير أن ذلك لا يعني أنني طلقت الشعر فهو يعيش في حنايا العروق.

قمت بتحقيق كتاب الفحل الفكي الطاهر: (تاريخ وأصول العرب بالسودان)،لماذا ..؟

كتاب «تاريخ وأصول العرب بالسودان» الذي ألفه الفحل بن الفقيه الطاهر وجمعه في آخر عمره، يعتبر من المؤلفات السودانية القليلة في تاريخ العرب بالسودان، التي كتبها مؤرخ سوداني، فلم يصدر قبله إلا عدد قليل من المؤلفات التي تنسب إلى مؤرخين سودانيين، مثل الدكتور مكي شبيكة والأستاذ الدكتور يوسف فضل حسن، ذلك أن معظم المؤلفات في تاريخ السودان كتبها مؤرخون مستشرقون، أو باحثون أجانب أو كتبها مؤلفون عرب من غير السودانيين من المبتعثين للتدريس في الجامعات بالسودان أو الذين تعرضوا للدراسات السودانية بحكم عملهم ووظائفهم وقد كتبت معظم هذه المؤلفات إبان الاستعمار الإنجليزي للسودان أو بعيد الاستقلال بفترة قصيرة. وأن كتاب الفحل قد بذل فيه جهدا كبيرا في جمع مادة الكتاب حيث سافر المؤلف إبان شبابه إلى كثير من القرى والأمصار وقابل الثقات ونقل عنهم، فأخذ بذلك من مصادر نادرة انفرد بها. 
وكان هدفي الأول هو أن يظل هذا الكتاب في متناول الجميع بعد أن نفدت نسخ الطبعة الوحيدة منه منذ ما يقرب من أربعة عقود واختفت من المكتبات، ولم يقم أحد بإعادة طباعتها رغم أهمية هذا المرجع الذي لا غنـى لمن يدرس أو يبحث أو يكتب في تاريخ وسير وأنساب العرب بالسودان، بل لا غنـى لمن يكتب في تاريخ السودان عنه. 
وكنت قد اطلعت على هذا الكتاب منذ عدة عقود، ولاحظت الطباعة السيئة والإخراج الرديء الذي لا يليق بهذا السفر النفيس، رغم أن من طبعه في ذلك الوقت قد بذل الجهد بما تيىسر له، كما لاحظت أنه لم ينل حظه من الدراسة والتحقيق بما يليق به فكان ذلك أول ما حفزني لإعادة جمع وإخراج وطباعة الكتاب فهو يوثق لأصول القبائل العربية في السودان، ويدعو لصلة الأرحام مثلما أراد مؤلفه الفحل رحمه الله. وقد نوهنا في المقدمة أنه ينبغي ألا يفهم من هذا إحياء لنعرة عنصرية أو قبلية أو جهوية أو تفضيل عنصر على غيره فإن السودان مليء بالقبائل غير العربية وهي قبائل ذات فضل كبير ونسب عريق ومقام رفيع وقد كتب عنها المؤرخون وأفردوا لها المصنفات ولا مجال للمفاضلة بين قبيـلة وأختها فقد ذهـب هذا العهـد الجاهلـي وانقضى. وأن من اقتنى هذا المؤلف لقصد إحياء النعرات أو المفاخرة بالقبائل والآباء فإننا ننصـحه ألا يمضي قدماً في القراءة فهذا الكتاب ليس له ولن يجد ضالته فيه.

كتاب (حرب المياه على ضفاف النيل: حلم اسرائيلي يتحقق)، لعله بعد آخر لمشروعك الكتابي كيف تراه؟

هو دراسة للصراع حول مصادر المياه التي تعتبر من أهم الدراسات في هذا العصر تناولت فيه مشكلة الصراع الاستراتيجي حول مصادر مياه النيل وتدخل اسرائيل المباشر لإدارة الصراع وتوجيهه لمصلحتها وتأثير ذلك على علاقات الدول المشاطئة، وما ينجم عن الصراع من توترات وآثار كما ناقشت فيه بعض الحلول الآنية الظرفية والدائمة لمشكلة تقاسم مياه النيل والقوانين الدولية التي تحكم تشاركية المياه. والدراسة تدخل ضمن اهتماماتي بالدراسات الاستراتجية للمنطقة.

الروائي العالمي عمر فضل الله يخص الجوهرة بمقابلة (1-2)


الروائي العالمي يخص “الجوهرة” بمقابلة بعد صدور روايته “أنفاس صليحة” “1-2”

عمر فضل الله: الأسطورة تجعل الكاتب يطير حراً محلقاً في سماوات الوهم والخيال

 استدعي أدوات اللغة وذخائر البلاغة .. أحتشد للكتابة بالعقل والمشاعر والوجدان .. وأبحث عن الرواية في زوايا الطرقات القديمة والازقة المهجورة.

خلطت الأسطورة بالحقائق التاريخية .. أنفاس صليحة دفع جديد في مشروع الرواية .. تقنيه الكتابة عندي بمثابة انتقال من عالم الحضور إلى عوالم الاستغراق.

 حوار: احلام مجذوب

عُرفت إسهاماته المتنوعة في العديد من مجالات المعرفة والأدب والفكر والدعوة، وهو شاعر وأديب. له عدد من البحوث في المعلومات وتقنياتها، له ديوانا شعر: (زَمَانُ النَّدَى والنَّوَّار) و(زَمَانُ النَّوَى والنُّوَاح) كما له قصاصات شعريه لم تنشر بعد ومن رواياته: (تُرْجُمَانُ المَلِكِ)، و(أطياف الكون الآخر) و(نيلوفوبيا)، كما قام بتحقيق كتاب الفحل الفكي الطاهر: (تاريخ وأصول العرب بالسودان)، وله كتاب (حرب المياه على ضفاف النيل: حلم اسرائيلي يتحقق)، وأخيراً (أنفاس صليحة).. يمثّل الروائى عمر فضل الله حالة  فريدة في المشهد الروائي السوداني والعربي على حد السواء، أصدر عدداً من الكتب الشعرية بجانب الروايات. كتبت عنه دراسات كثيرة، واهتمّ عدد غير قليل من النقاد والدارسين بشعره  ورواياته كحالة خاصة.. صدرت له خلال الأيّام القليلة الماضية، رواية “أنفاس صليحة” أبحرنا معه عن بداياته الأولى في الكتابة، عن لحظات الولادة، عن شخوص رواياته وكيفية التّواصل مع الآخر ، عن دوره الوظيفيّ في حركة “روائيي العالم” بصفته ظاهر بكثافة في المشهد الثّقافي العربيّ وخارجه، ليصبح روائياً عالمياً.. تقنية الكتابة عنده بمثابة انتقال من عالم الحضور إلى عوالم الاستغراق وانتقال من عالم اليوم بالسفر إلى عوالم الأمس القديم الذي طوته الأيام وغاب بين ثنايا الأحداث، يبحث عن شخوص الرواية في زوايا الطرقات القديمة والأزقة المهجورة والقرى المنسية ثم يتقمص تلك الشخوص فيفكر بعقلها ويتصرف وفق زمانها ثم يعود إلى واقعه فيستدعي كل أدوات اللغة والبلاغة وذخائر المفردات وذاكرة التاريخ ليرسم لوحة مجسمة لذاكرة الأيام، بفرشاة يرسمها على الورق أو الحاسب الآلي يرسمها بالحرف ويحيل التاريخ إلى الخيال المحكي فيبعث فيه الحياة ويقدمه للقارئ على طبق من حب، وهنا تكتمل الرواية ويكون التوقيع عمر فضل الله.

  «الجوهرة الرياضية» حاورته فى محاولة لكشف كواليسه الخاصة لكتابة أعماله الإبداعية مثل «أنفاس صليحة» وقصاصات أدبيه لم تنشر بعد .. وناقشته فى رؤاه الجادة من أجل إصلاح فهم الكثير من الخبايا التي تختفى بين السطور معا نطالع ردوده …

 بداية ماذا عن محتوى العمل الجديد أنفاس صليحة؟ وهل هي تفسير تأريخي أم تعريف له؟

أنفاس صليحة هي دفع جديد في مشروع الرواية المعرفية، وهي ليست تفسيراً للتاريخ ولا هي تعريف به، بل هي دعوة للأجيال الحالية التي تستهويها قراءة الرواية لينتبهوا أن تاريخنا يزخر بالكثير الذي يجب أن يكون حاضراً في واقعهم ومستقبلهم.

لماذا اخترت أنفاس صليحة عنواناً للرواية الصادرة عن دار مدارات وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

ما رأيكم أن أستدعي صليحة من ماضيها لتتولى الإجابة؟ تقول لكم صليحة: (سوف أنقلكم عبر أنفاسي للماضي لتعودوا معي بأرواحكم  حيث يتوحد دفق أنفاسي مع نفث أنفاسكم فنصير روحاً واحدة، ترى بعين الروح في الماضي ما يراه النّاس بعين الحقيقة في الحاضر، فتحكون لي ما تشاهدونه، تحكونه بتفاصيله. فتتآلف أرواحنا  لتروا بأعينكم ما رأيته أنا في الماضي ولو تساءلتم  ما علاقة تآلف الأرواح بالحكايات؟ وكيف تعودون إلى الماضي في الحقيقة وليس في الخيال؟ فسوف أقول لكم إن الأمر كله متعلق بالمحبة يا أبنائي. لأنكم حين تحبون أحداً حباً عظيماً ويبادلكم ذلك الحب فإن أرواحكم  تلتقي وتأتلف وتتوحد كأنَّها روح واحدة، وتذهب حيث يريد أحدكم أن يذهب، فيرى ما يراه الآخر. فالأيام مطايا الأحداث والقلوب بوابات الزمن، وكل قلب له يومه، وكل يوم له مدخله الخاص، فهو باب إلى الماضي يسوقك عبر درب غير درب اليوم الآخر، فترى من ناحية مختلفة لا ترى مثلها في اليوم الآخر). هذه هي حكاية أنفاس صليحة.  وأما أنا عمر فضل الله فأقول لكم إن أنفاس صليحة تقدم أنموذجاً للنص الروائي العجائبي  من خلال شخص صليحة التي  تقوم بأفعال عجائبية، خارقة للواقع الإنساني ومشحونة بالتجليات العجائبية من خلال (الأنفاس) أو النقاء الروحي الذي يحكي السرد الأدبي والتاريخي عبر النص العجائبي المعرفي كجنس أدبي مستقل متفرد بحضوره السردي، الذي يتبلور من خلاله مفهوم الرواية المعرفية شاخصاً واضحاً. وهي تقدم للناس عبر أنفاسها عالماً حقيقياً لكنه مسكون بالخيال الذي يحكي الموروث الشعبي ويعيد توظيف الحكايات الشعبية بفهم جديد مثل حكاية خراب سوبا وتوظيف قصة عجوبا، ولكن عبر شخوص وأسماء ذكية تحترم ذكاء القاريء ووعي المجتمع الحديث.

أنفاس صليحة قمت بتجذيرها في المحلية هل ترى أن هذا المنحى كان سبباً فى تعتيم خطابها وحجب قيمتها الحقيقية؟

لا أدري من أين أتيت بهذا الحكم على الرواية فهي ليست محلية بكل تأكيد، فقد بدأت أفريقية مغربية عالمية تمتد حكايتها ومكانها وشخوصها وأبطالها وحتى لغتها وحوارها من أقصى المغرب العربي على امتداد الشريط الأفريقي من المحيط إلى البحر لتنتهي عند دولة علوة التي كانت تعتبر من أكبر الممالك في العالم في زمانها. ولم يكن خطاب الرواية معتماً ولا حبكتها ولا لغة السرد. أما قيمة الرواية الحقيقية فهي في كونها رواية معرفية ناضجة لم يحجبها ما أسميته أنت محلياً ولم تقعد بها مناطقيتها عن عالميتها.

الثعلب والذئب فى العبارة: (ثعلب يقف أعلى التلة وأذناه متجهتان نحوك لعله سمع وقع أقدامك، ورجلاك ماعادتا تقويان على حملك ولكنك لا تستسلمين. أصوات نباح الكلاب تأتي من بعيد فتجاوبها أصوات كلاب أخرى وهناك شىء يراقبك ويتبعك من خلفك ربما كان ثعلباً أو ذئبا..) من أنفاس صليحة ألا ترى فيها حالات مربكة ومبهمة أحيانا أخرى؟

الكاتب يحكي هنا ما يدور حول الصبية صليحة من أحداث وأخطار تحدق بها في الصحراء في ظلمة الليلة وهي غير منتبهة وغير مبالية في سبيل اللحاق بجدها، وهي مستعدة لأقصى درجات المجازفة في سبيل ما تعتقد أنه الصواب وفي سبيل اللحاق بمن تحب. بل هي تتحدى المجهول وتهزأ به. والنص المذكور يعرض ما يقابله كل من يسير في الصحراء ليلاً وأكثر الحيوانات المنتشرة في الصحراء هي الثعالب والذئاب، علماً بأن صليحة تعرضت لهجوم الذئب عليها حين وقعت على الأرض قبل أن ينقذها أهل الفريق. ما رواه الكاتب هو وصف دقيق ومتابعة لرحلة الصبية صليحة! ولو ترى أن مثل هذه الأخطار التي ذكرت في بداية الرواية تهون حينما ترى الأخطار الحقيقية بعد ذلك.

تقنية الكتابة عندك من أين ترتكز تفاصيلها؟

عمر فضل الله يحتشد للكتابة بكل ما أوتي من عقل ومشاعر ووجدان. لحظات الكتابة عنده هي بمثابة انتقال من عالم الحضور إلى عوالم الاستغراق وانتقال من عالم اليوم بالسفر إلى عوالم الأمس القديم الذي طوته الأيام وغاب بين ثنايا الأحداث، يبحث عن شخوص الرواية في زوايا الطرقات القديمة والأزقة المهجورة والقرى المنسية ثم يتقمص تلك الشخوص فيفكر بعقلها ويتصرف وفق زمانها ثم يعود إلى واقعه فيستدعي كل أدوات اللغة والبلاغة وذخائر المفردات وذاكرة التاريخ ليرسم لوحة مجسمة لذاكرة الأيام، بفرشاة يرسمها على الورق أو الحاسب الآلي يرسمها بالحرف ويحيل التاريخ إلى الخيال المحكي فيبعث فيه الحياة ويقدمه للقارئ على طبق من حب.

استخدامك الأسطورة فى أطياف الكون هل يعفيك من رفض الواقع كماهو أم هو حال كشف وتبحر أكثر للوقائع؟

الأسطورة تجعل الكاتب يطير حراً محلقاً في سماوات الوهم والخيال واللامعقول ليقول للناس ما لا يمكن أن يقال في الحقيقة، وليجعل العقول تتوهم قبول ما لا يمكن أن تتعايش معه لو احتكمت إلى الواقع وبذا فالأسطورة هي وسيلة يلجأ إليها الكاتب ليبحر بالقاريء في عوالم جميلة قبل أن يعود به إلى مآسي الواقع وبهذا يكون الوقع عليه أقل وطأة. فأطياف الكون الآخر طافت بنا في عوالم الأسطورة لتنتهي بنا إلى عوالم حقيقية وناقشت قضايا فلسفية وآيديولوجية بطريقة مشوقة وخلطت الأسطورة بالحقائق التاريخية فطرقت تاريخ العقائد والأديان (بدءاً بالوثنيات القديمة ثم الحنيفية الإبراهيمية ثم اليهودية والنصرانية لتنتهي بالإسلام) من مدخل لم يتطرق إليه أحد من قبل وخلصت إلى مناقشة الواقع من باب خفي يكتفي بالإشارات عن صريح العبارات.

أنفاس صليحة ومهارات عمر فضل الله النجم الساطع !!!


كتب مبارك صباحي:
______
مدخل أول :
(…عند الفجر سقطت( سوبا) العاصمة ، وحين أشرقت شمس النهار غربت شمس (علوة) كلها ، وانتقض ملكها ، ولم تبق منها إلا اﻷطلال ، واﻷنقاض لتشهد على مجد غابر مضى ولن يعود مثلما كان باﻷمس …)
مدخل ثان :
يكفي فقط أن تلقي نظرة سريعة على عنوان الكتاب أنفاس صُليحة (بضم الصاد) وبعض الأسطر المنتقاة في المدخل اﻷول كي تدرك أن إبداعاً مذهلاً يطلع به ذلك الشاب الأسمر الوسيم النحيل فتى السودان وابن العيلفون الهمام دكتور عمر فضل الله… ثقافته العميقة والمتنوعة والمتجددة وخياله الواسع وذكاؤه الوقاد ، وتمكنه من اللغة العربية ومهاراتها المتعددة جعلته يروي ويحكي ويصف ويحلل ويقارن ويتحفنا بالجديد بل يرفد المكتبة السودانية بالروائع والدرر في صمت ودون ضوضاء أو جلبة إعلامية في سلسلة مشروع أو مدرسة جديدة وعملاق قادم إلى سماء الأدب السوداني والعربي اسمه عمر فضل الله ….لكل هذه الاعتبارات فالمرء لايملك إلا أن يحس بالإعجاب والتقدير لهذا الكاتب المجيد الذي عانق الثريا وطبقت شهرته اﻵفاق كما يقول الدكتور بدر الدين السر.

على هامش الحدث :

__
شهدت قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم أمس الأول بتاريخ الأحد الموافق 2017/9/10 م وبرعاية دار (مدارات للطباعة والشر والتوزيع ) حفل إطلاق رواية (أنفاس صليحة) ، تأليف الكاتب د.عمر فضل الله، وتولى عملية تقديم الكتاب وتحليله الناقد والباحث والقاص بروفسير محمد المهدي بشرى والدكتور مصطفى الصاوي وقدمت الحفل الأستاذة سناء أبو قصيصة وشارك في الاحتفال حضور نوعي من الأدباء الشباب والمهتمين بالشأن الأدبي إلى جانب وكالة سونا للأنباء وممثلين لأسرة الكاتب عمر فضل الله ورئيس قروب مجتمع العيلفون الاستاذ /عبد العظيم محمد عثمان والأستاذ/ سيف الدين عبد الله عن أسرة دار الشيخ ادريس ود الارباب والأستاذ/ أسامة محمد أحمد قيامة رئبس تحرير مجلة الخرطوم الجديدة ومبارك عبد الرحيم صباحي رئبس تحرير صحيفة العيلفون.

البروفيسور محمد المهدي بشرى أشار في تقديمه للرواية بأنها تشتغل على التاريخ وتحديداً فترة مملكة علوة وعاصمتها سوبا ونهاية المسيحية التي سادت لاكثر من 600 عام وأن الكاتب انتبه بذكاء لهذا المصدر المهم ، واصفاً المؤلف بان لديه مشروع روائي متكامل ﻹعادة سرد تاريخ السودان في بناء درامي جديد كما شمل الاحتفال مداخلات أدبية مشوقة وممتعة تصلح هي الأخرى لعمل كتاب نقدي قيم مصاحب للرواية الاصل وتناول هذه المساجلات كل من دكتور عز الدين ميرغني والأديب السفير جمال محمد ابراهيم والروائية الاستاذة بثينة خضر مكي والاستاذ أسامة قيامة. 


الدكتور الصاوي أشار إلى أن تفسير الأعمال الأدبية هو محاولة منضبطة يشترك فيها ذوق الناقد وفكره للكشف عن مواطن الجمال أو الإخفاق في الأعمال الأدبية وأن البصر الثاقب يكون خير معين على إصدار الحكم فالادب ونقده ذوق وفن قبل ان يكون معرفة وعلما وان كانت المعرفة تعين صاحب الحس المرهف والذوق السليم .

في خاتمة اللقاء اشاد الدكتور عمر وشكر الذين تكبدوا المشاق بالحضور واعدا بانه سيرفد المكتبة السودانية والعربية بالكثير من الروايات والتي وصل بعضها مرحلة الطبع وقال إنه سواصل في هذا المضمار إلى أن يصل الي نهايته ويترك الحكم للقراء لتقويم التحربة سواء بالنجاح أو الفشل ..

تفاصيل اوفى عما دار في الحفل نتركها في مقام آخر لأننا لم نقرأ الرواية حتى لحظة كتابة هذا التقرير وحاولنا ان ننقل لكم الإطار العام فقط و (أنفاس) قاعة الشارقة في تلك الليلة الأدبية البهيجة، ونجمها الساطع دكتور عمر فضل الله والتي يمكن أن نطلق عليها تاريخية …هنيئاً لمن حضر … وفي أمان الله.
منقول

مشاركة السفير جمال محمد ابراهيم حول رواية أنفاس صليحة


(السلام عليكم شكراً جزيلاً والتهنئة أولاً لدار مدارات والشكر أيضاً لدكتور عمر على هذا العمل المميز المتفرد. أنا ليس عندي كلام كثير لأقوله لأنني لست بناقد ولكني أدردش واقول انطباعاتي. لقد غرقت في هذه الرواية بصورة لم تحدث من قبل فلم يحدث أن شوقتني رواية مثل رواية عمر هذه. واستغرقت قراءتي لها أقل من يوم وأنا من أوائل الذين قرأوها.
الذي لفت نظري في هذه الرواية أن أحداثها تدور على مدى الحزام التاريخي القديم (الحزام السوداني) الذي يبدأ من المحيط وينتهي بالبحر الأحمر. الرواية مساحتها في هذا الجزء. والرابط بين السودان والمغرب لم يتناوله أي شخص في أي عمل روائي أو عمل قصصي أو حتى شعري بالرغم من أنه يوجد رابط قوي جداً بين السودان والمغرب. وإذا كنا نتكلم عن التاريخ القديم وقت دخول الإسلام وحركة الهجرات القديمة فلم تكن كلها قد جاءت إلى السودان من المشرق لكن من المغرب أيضاً جاءتنا هجرات مؤثرة للغاية. بيد أنها لم تظهر في كتابة التاريخ بالرغم من أنها كانت واضحة جداً. ابن عمر التونسي الذي وفد من تونس وأقام في السودان بشكله الحالي كتب عن السودان وعن تاريخه وعادات الناس وأشياء أخرى كثيرة. قليل من المؤرخين تناولوا هذا الجانب لكن الكثير من الهجرات جاءت من منطقة المغرب العربي من تونس ومن ليبيا ومن الجزائر ومن المغرب جاءوا مهاجرين إلى السودان. وجود مجموعة ما نطلق عليه المغاربة الموجودين في بحري وفي الخرطوم وفي كوستي وفي سنجة هي مجموعة تؤكد قدم الصلات بين السوداني النيلي والمغرب.


تحضرني رواية ليون الإفريقي لأمين معلوف ففيها أيضاً رحلة لكنها انتهت إلى روما فانتهت إلى أوربا لكن فيها مساحة من الحراك ومن الأحداث تدور من الأندلس من المغرب مروراً بموريتانيا والسودان ولحد دونقلة ولحد مصر ثم بعد ذلك إلى أن وصل روما. ذلك هو ليون الإفريقي والرواية المشهورة لأمين معلوف.
هذه المنطقة لم تتم الكتابة عنها كثيراً كما قدمت لكم لكن دكتور عمر أخذ راحته تماماً فكتب لنا عملاً مشوقاً للغاية، جاذباً للغاية، يمس التاريخ من ناحية ولكن أيضاً فيه الخيال الواسع للكاتب ولديه المقدرة العالية في سرد الأحداث التي تمت من خلال هذه الرواية.
الذي لفت نظري أيضاً هو موضوع اللغة. فاللغة سامية للغاية، مترابطة، وما فيها أخطاء في كل صفحات الكتاب. الراوية كاملة وسليمة لغوياً ونحوياً وصرفاً وفي كل شيء! حتى اللهجة المغربية!.
(تصفيق حاد من جمهور الحاضرين)
وأنا ما عارف هل دكتور عمر هذا فعلاً عاش في المغرب فترة طويلة؟ وكنت حريصاً جداً على معرفة هذا لأنني عشت في تونس حوالي سنتين أو ثلاثاً.. فكنت حريصاً على تقصي اللغة فرأيت اللغة المغربية عنده سليمة مائة بالمائة! حتى أنني شككت فقلت سأرى إلى أين ينتهي نسب هذا الرجل فيكون اسمه عمر فضل الله من؟ ماذا بعد فضل الله من أسماء؟
(تصفيق حاد من الجمهور)!
على كلٍ هذه تهنئة حارة على رواية وعمل مميز يستحق أن يكون علامة فارقة في الأدب الروائي السوداني فألف تهنئة دكتور عمر وألف شكر لكم للاستماع.
السفير جمال محمد إبراهيم حول رواية أنفاس صليحة.
قاعة الشارقة الخرطوم – الأحد 10 سبتمبر 2017

مشاركة الدكتور عز الدين ميرغني في حفل إطلاق رواية أنفاس صليحة


(أنا من أوائل الذين قرأوا الرواية قبل أن تطبع. الاسم رائع جداً أعجبني الاسم: أنفاس صليحة، يُخَلِّدْ الرواية. لأن اختيار الأسماء دائماً يجعل الناس تحفظها حتى ولو لم تقرأ الرواية. (أنفاس) معناه أن هناك شيئاً يخرج من صليحة مثل التداعيات. وفعلاً حينما تقرأ الرواية تشعر بأن هذه هي أنفاس صليحة. إذن فالإسم معبر جداً ومتناغم ومتماهي مع أحداث الرواية ومافي شك تشدك الرواية من أول مرة.
الرواية استخدمت – كما قال أساتذتنا – عنصر التخييل لنقل التاريخ لأني لا أبحث في أن صليحة شخصية حقيقية أو غير حقيقية فهذا لا يهمني أبداً. وحتى لو كانت شخصية حقيقية فكل ما يجري في الرواية هو تخييل فملكة الخيال عند الكاتب كبيرة جداً.
والتاريخ كما قال الأساتذة يخص فترة دولة علوة وخراب عاصمتها سوبا لكن لم يكن هذا هو الموضوع الأساسي في الرواية وإنما هي رمزية مفتوحة الدلالة. صحيح أن دولة علوة وسوبا كمادة خام تاريخية استخدمت كثيراً ولكنها مازالت مفتوحة للتخييل والتداعيات. وكانت هناك محاولات للحسن البكري في استخدام تاريخ سوبا ودولة الفونج غير أن الواقعية السحرية كانت طاغية فيها فلم يستوعبها كثير من الناس إلا الصفوة منهم.
أعتقد أن (أنفاس صليحة) محاولة من الكاتب لتأكيد هوية الوسط السوداني بأنها ليست حكراً على قبيلة معينة وإنما هي تكوين من خليط من حضارات قديمة أنتجت هذا الوسط السوداني. لأن سوبا جغرافياً تمثل هذه الوسطية الجغرافية والثقافية في السودان والجذور الضاربة في القدم بل تؤرخ لحضارة قديمة وفيه تأكيد لعراقتها فلو أن عاصمة استمرت 600 سنة فمعناه أن هذه حضارة عريقة جداً. بمعنى أن فيها التسامح الديني وفيها الاستقرار ثم جاء بعد ذلك الدمار والخراب إذن النص مفتوح الدلالة والسؤال من الذي خرب سوبا إذا كانت بكل هذا الاستقرار وهذه الحضارة القائمة فإن خرابها يكون إدانة لمن خربها. وبمعنى أن هذا الامتداد الحضاري وهذه الهجنة عند الوسط تمتد من المغرب الأقصى إلى منطقة سوبا بمعنى ان هذه المنطقة كانت شيئاً واحداً وأرضاً مفتوحة والاستقرار أيضاً مفتوح والزواج أيضاً متاح ومفتوح. من قوافل الحج القديمة من تيمبوكتو إلى مكة الناس كانوا يتخلفون ويبقون. والغريب دائماً الناس يتخلفون في السودان! بمعنى أنه بلد تسامح منذ القدم تمر به هذه القوافل.
ما استشففته من هذه الرواية أن الرواية أفلحت في تأكيد ذلك دون أن يحدث ذلك تقريرياً فالكاتب لم يفرض أي نوع من الوصاية أو نصر قبيلة على قبيلة أو حضارة على حضارة لكن ذكاء الكتابة يأتي هنا في أن الحدث يقنعك، فإما أن تخالفه في منطقه بمنطقك أنت دون تبخيس لمنطقه وإما أن يقنعك بمنطقه أيضاً.
كيف تغامر فتاة من المغرب بهذه السن وهي شابة غريرة من أجل أن تلحق بجدها فالراوي أوجد بداخلها كماً كبيراً من المعرفة بجدها وهو ما دفعها لأن تلحق بذلك الجد.
هذه المغامرة من صليحة سبقتها مغامرة كتابة. لأن أعظم الروايات ليست كتابة المغامرة وإنما هي (مغامرة كتابية) بمعنى أنه غامر بأن يكتب رحلتها فالدكتور عمر غامر مغامرة كبيرة جداً بأن يكتب رحلتها حتى وصلت إلى سوبا من أقصى بلاد الشنقيط وهذه مغامرة كبيرة جداً.
تتمثل هذه المغامرة في الآتي:
– أن الكاتب وقع في امتحان معرفة المكان وثقافته ودروبه ولغته ولهجاته وطريقة معيشته وقبائله قبل أن تتحرك صليحة واجتاز هذا الامتحان بنجاح.
وقد انتقل بالقاريء إلى المكان بجغرافيته المميزة وبزمانه التاريخي الذي جعلنا نحسه ونحس بأننا نعيش مع صليحة في المكان وقبل أن تغادره ونحس بزمانه أيضاً لأنه زمان مختلف جداً فالنجاح هنا في هذه المغامرة الكتابية زماني ومكاني.
– والمغامرة الأخرى التي دخل فيها الكاتب هي مغامرة اللغة لأن امتحانها كبير. وهناك من الكتاب وخاصة كتاب الرواية من يملك الخيال ولا يملك اللغة وهناك من يملك اللغة ولا يملك الخيال ولكنه وازن بين الاثنين فالكتاب العظام دائماً هم الذين يملكون الخيال واللغة معاً.
– ثم ترابط الحدث فالحدث مترابط جداً لم يفلت خيط السرد أبداً من يد الكاتب، وكانت اللغة هي الوعاء الجيد للمكان بثقافته فكان يأتي باللهجة المغربية في وقتها بقدرة كبيرة أعجبتني جداً رغم أن معرفتي بها متواضعة ولكني فهمت ما يقصده، ولو لم يذكر هذه اللهجة المغربية لاختلَّت الرواية.
– لقد كانت الرواية رائعة أيضاً متوالية في وصفها وهي تتحرك مع صليحة محطة محطة حتى تصل إلى سوبا بمعنى لغة وصفية محسوسة ومجردة معاً فلم تكن وصفاً إنشائياً مدرسياً وإنما هي وصف يورد الإحساس بالوقت فكانت اللغة في كل مكان تلبس لبوسه الخاصة، ففي الصحراء يورد ألفاظ الصحراء ووصفها الرومانسي، في المدينة، في الوهاد، في الجبال حتى تجعلك تقبض أنفاسك وأنت تتابع رحلة صليحة وتتعاطف معها وتخاف عليها مع أنك تعلم مسبقاً أن صليحة موجودة الآن في سوبا وهذه هي عظمة الرواية. فعندما تحكي لك صليحة أنت كقاريء تعرف أنها وصلت سوبا لكن كيف وصلت سوبا وكيف أوصلها الكاتب؟ كان هذا هو الامتحان الثالث الذي نجح فيه الكاتب أيضاً.
هنا مقطع يقول: (كل خطوة تخطوها الجمال في هذه الصحراء تزيد معرفتك بها. هذه الصحراء متقلبة المزاج والأحوال ففي حين تكون صحراء لطيفة تتدثر بالرمل الناعم وتتلوى وهادها وكثبانها طيعة تحت أخفاف الإبل في أحيان أخرى تقسو بترابها ونباتها وتصفر الريح غاضبة قبل أن تهب العواصف مزمجرة تنفث الرمال على وجوهكم وتحثو التراب فوق رءوسكم…)
هذا وصف رائع جداً للصحراء لم يكتبه كثير من الناس إلا الذين عاشوا في الصحراء مما يؤكد كلامي بأن الرواية صارت معرفة وليست كتابة فقط. يجب أن تعرف جيداً المكان الذي تكتب فيه.
– اللغة راسخة جداً ومتتبعة لمسار صليحة جعلت الراوي نفسه دليلاً وخبيراً بالمكان، وهذا يمثل خبرة الكاتب وبحثه قبل الكتابة لأن الرواية هي بمثابة بحوث أيضاً، زيادة على الموهبة والخيال وجماليات اللغة وثقافة المكان الذي تتحرك فيه الشخصية والزمان الذي تعيش فيه وأعتقد بأنها معرفة (زمكانية) كما يقول النقاد. وأعتقد أن الكاتب اجتاز امتحان اللغة بمقدرة هائلة.
– ثم يأتي بعد ذلك التكنيك الفني في البناء الروائي فقد كان رائعاً جداً حيث أن الراوي هو راوٍ عليم، يعرف كل شيء يدور في المكان والزمان لكنه يسلم السرد لصليحة بدون أن تقول أنا لأنها صغيرة في السن لا تستطيع أن تخلق تيارا من الوعي (Stream of Consious) ولكن كان هذا ذكاء الكتابة والامتحان الخامس الذي نجح فيه المؤلف.
شكراً جزيلاً)

الدكتور عز الدين ميرغني
في حفل إطلاق رواية أنفاس صليحة – دار مدارات لللنشر ، قاعة الشارقة الخرطوم
الأحد 10 سبتمبر 2017

العيلفون صانعة تاريخ وأرض أمجاد


(الحلقة 1)
الذكرى الثامنة والثمانون بعد الأربعمائة لميلاد أول دولة إسلامية في السودان يتم الإعلان عنها من مسيد الشيخ إدريس بن محمد الأرباب بالعيلفون
في مثل هذا العيد – عيد الأضحى – منذ 488 عاماً من الآن تم الأعلان عن قيام سلطنة الفونج والعبدلاب كأول دولة سودانية ذات هوية موحدة وذلك في أول أيام عيد الأضحى الموافق ليوم الأحد العاشر من ذي الحجة عام 935هـ – الخامس عشر من أغسطس عام 1529م. من مسيد الشيخ إدريسبن محمد الأرباب بمنطقة بتري الشرقية (العيلفون).
أهدي هذه السلسلة من المقالات إلى أبينا وجدنا الأكبر الشيخ إدريس وإلى نسله وأحفاده من بعده ومحبيه، وإلى الأمة السودانية التي مازالت تتطلع إلى مصلح رباني مثله يوحد شتاتها ويقوم معوجها ويقيم أركانها وينصح سلطانها.
عمر أحمد فضل الله

هل قلت لكم إن الشمال الشرقي لإفريقيا هو المحور الذي دارت حوله عجلة تاريخ الدول والسلطنات والممالك في المنطقة كلها؟ وأنا الذي كنت أظن – مثل كثيرين- أن هذه البقعة من العالم بقيت جزيرة يتيمة معزولة ومنسية في محيط تاريخ الأحداث التي دارت حولها، وأنها كانت ذات أثر قليل وذكر خامل. لكنني حين قرأت التاريخ القديم المدون في التوراة ثم تاريخ العرب في الأندلس (غرب أوربا) وتاريخ الفونج في السودان (شرق إفريقيا) ثم تاريخ الدولة العثمانية (شرق أوربا والشام ومصر) أيقنت أن هذه المنطقة استمرت محوراً تدور حوله أحداث التاريخ في زمان الدولة السنارية، وفيما قبله من الأزمنة، فقد بقيت صانعة أحداث وصفتها التوراة بأنها أمة طويلة وجرداء وشعب مخوف منذ وجوده على ظهر البسيطة وأنها أمة قوة وشدة ودَوْسْ أي أمة حرب وقتال وأن الأنهار قد خرقت أرضها، فهي أرض خضرة وخير ونماء ولهذا فما قويت شوكة دولة حولها إلا استهوتها أرضها، وطمعت في ثرواتها وأموالها فجمعت جيوشها لتغزوها وتبسط عليها سلطانها. لكنها ظلت على مدار الزمان أرضاً عصية على الغزاة، وعرة المسالك، وبقيت شعوبها شديدة البطش تذيق المعتدين المهالك.

ثم أدركتُ أن التاريخ يعيد نفسه بدقائق تفاصيله، وكأنه عجلة واحدة عملاقة تدور حول محورها والدول والأيام تروس فيها. كلما غابت شمس يوم من أيامها في مكان انقلبت على أعقابها لتعيد أحداث ذلك اليوم نفسه من جديد في بقعة أخرى. وكأن أقدار الله أن تقوم سلطنة الفونج في إفريقيا متزامنة مع سقوط دولة الأندلس في أوربا فما أن غربت شمس تلك من الغرب حتى أشرقت شمس هذه من الشرق لتعيد التوازن في القارتين بعد اختلال. ولم يكن بين الغروب والشروق إلا اثنا عشر عاماً من عمر الزمان مثل ساعات ليل أعقبه طلوع الفجر!
رأيت أن الدولة الفُنْجِيَّة هي أندلس أخرى إفريقية وأن ملكها السلطان المؤسس «عمارة ولد عدلان» والذي يقال إنه من سلالة ملوك بني أمية أعظم ملوك الزمان! قد أعاد بناء مجد بني أمية الذي اندثر في الأندلس فأحياه في الشمال الشرقي لافريقيا. ومثلما مضى بعض أجداده من بني أمية في القديم من الشرق إلى الأندلس فأنشأوا حضارة بقيت سبعمائة وواحد وثمانين عاماً جاء أجداه من بني أمية أيضاً إلى شرق إفريقيا ولبثوا ينتظرون دوران عجلة الأيام لينشئوا مُلكاً في قلب هذه القارة فيبقى ثلاثمائة وسبعة عشر عاماً.

لم يكن «عمارة» إذاً طارئاً على الملك! وقد وصفه من عاصره ورآه من المؤرخين بأنه أسود اللون لكنه يحكم البيض والسود معاً، فهيبته هيبة الملوك وسَمْتُهُ سَمْتُهم سجية في غير تكلف. علماء أندلسيون كثيرون جاءوه خاضعين. قدموا له فروض الولاء والطاعة وبايعوه ثم جلسوا أمامه وكأنهم يعتذرون عن التفريط في حضارة حكمت الغرب باسم الإسلام ثمانمائة عام ثم انفرط عقدها وهجرها أهلها قاصدين هذه الدولة الوليدة. هجرة علماء الأندلس كأنها تقول لنا إن هذه الدولة الجديدة هي امتداد لحضارتهم هناك فمذهبها هو مذهب مالك في الفقه ومؤلفاتها هي مؤلفات الأندلسيين، بل إن كثيراً منها جاء إلينا من هناك، وعلماؤها نزح جلهم أو بعضهم من تلك البلاد، ونظام إدارتها هو نظام الإدارة الأندلسي رغم أن هذه الدولة لم ينشأ بنيانها وتكتمل أركانها إلا بعد عقدين ونصف من الزمان منذ سقوط دولة عَلَوَة وتفرق أهلها في البلاد.

ظل «عمارة» (ملكاً) في الجنوب الشرقي مدة من الدهر وحوله عشرات الآلاف من الجند من مختلف القبائل والسحنات واللغات. منهم ذوو الألوان السمراء والسوداء والزرقاء والخضراء وفيهم الشقر وذوو الأعين الخضراء ومنهم من جاء من الغرب من كانم والبرنو وفيهم من نزح من الشرق من بني شنقول وجبال الحبشة وهضابها. وتجمع حوله الفونج من الشرق فتحالفوا مع القبائل القادمة من الغرب وبقوا سنين عدداً متنقلين لم ينشئوا دولة ولم ينصبوا عليهم (سلطاناً)، وكأنهم كانوا ينتظرون توقيتاً أو إشارة من قائدهم (الملك) «عمارة ولد عدلان» الذي كانوا يجلونه أيما إجلال. وكثيرون منهم حين جاءوه وتحالفوا معه كانوا على وثنيتهم إلا أنه لم يغصبهم على عقيدة ولم يطردهم من سلطانه بل بقي يتألفهم بالمعاملة الحسنة والرعاية والعناية فأخلصوا له ودخلوا في الدين طواعية لا كرهاً وصاروا جنوداً للدولة السنارية قاتلوا من أجلها ودافعوا عنها.

وفي الشمال تجمعت القبائل العربية وعلى رأسها القواسمة العبدلاب شمال منطقة سُوبَا بعد سقوط عَلَوَة. وكان حكامهم ملوكاً فيما بينهم لكنهم هم أيضاً لم ينشئوا (سَلْطَنَة) فقد كانوا يعلمون أنهم لو أنشأوها منفردين فإن ذلك لن يرضي «عمارة» وجيوشه كثيرة العدد التي كانت تدخل أرضهم متى شاءت وتبقى فيها كيفما شاءت فتحالفوا معه وبقوا وكلاء له بعد أن كانوا وكلاء لملوك عَلَوَة قبله فاستمروا في حكم قبائلهم العربية في الشمال وجباية الضرائب منها لصالح الملك «عمارة».
قلت لكم إنني حين قرأت تاريخ الفونج وتاريخ الأندلس رأيت تماثلاً في قيام الدولتين. ففي شمال غرب إفريقيا مثلما شرع موسى بن نُصَيْر في تثبيت الدين الإسلامي في الأمازيغ وجعل القيروان قاعدة حصينة في قلب إفريقيا، واعتمد سياسة معتدلة ومنفتحة تجاه البربر الوثنيين مما حوّل معظمهم إلى حلفاء وأنصار، فدخلوا في الإسلام وأصبحوا فيما بعد عمادَ جيشه لدخول الأندلس بقيادة طارق بن زياد، كذلك فعل «عمارة ولد عدلان» فقد نجح في جمع القبائل الوثنية المبعثرة من البَرْتَا وبني شَنْقُول والهَمَج والنوبة والبِجَة والزُّنُوج فتحالفوا معه واتبع سياسة منفتحة تجاههم وأدخلهم في الإسلام وجعلهم جنوداً للدولة.

ومثلما أرسل «موسى بن نصير» القائد الشاب «طارق بن زياد» من طنجة مع جيش صغير من البربر والعرب في الثلاثين من أبريل عام 711م عبر المضيق الذي سمي على اسمه، فاستطاع الانتصار على القوط الغربيين وقتل ملكهم لذريق في معركة جُوَادَالَيتي في التاسع عشر من يوليو عام711 م وفتح الطريق لقيام دولة جديدة كذلك فعل «عبد الله جماع» قائد عرب (القَوَاسْمَةْ) ووكيل «عمارة دُونْقُس» حين انتصر على النوبة وقتل قائد جيوشهم البَطْرِيَرْك «دِيرِين» ودخل مدينة سُوبَا عام 1504م فهدمها ومهد الطريق لقيام دولة جديدة. في حين اجتمعت عند الملك «عمارة» قبائل الأمْبَرَرُو الفُلانُو الجَافُون والمُورِي والدُّوقَّا والقرا والبَرْتَا والبُرُون والبَرْنُو وبَلْدَقُو والجَبَلاوِين والحَمْدَة والرَّقَارِيق والزَّبَالْعَة والزَّبَرْطَة الهَوْسَا والقَبَاوِين والسَّرْكَمْ والفَلاتَة الفُولاني مع قبيلة الفُونْج الكبيرة فصنعوا لهذه البلاد مجداً.

الفونج والعبدلاب ومن تحتهم من القبائل والممالك والمشيخات كانوا محتاجين أن يتوحدوا تحت سلطان واحد في دولة قوية ذات سيادة. لكن ذلك لم يحدث بعد خراب سُوبَا وسقوط عَلَوَة حتى جمعهم (الأرباب) «إدريس ولد محمد» في بُتْرِي الشَّرْقِيَّة بعد خمس وعشرين عاماً من سقوط سُوبَا لما جاء الملك «عمارة ولد عدلان» بأسرته وأهله وجاء الملك «عبد الله جماع» بأسرته وأهله.

«إدريس» وحَّدَهُم ثم أعلن قيام الدولة من مسيده في (بتري الشرقية) أول أيام عيد الأضحى في يوم الأحد العاشر من ذي الحجة عام 935هـ – الموافق للخامس عشر من أغسطس عام 1529م بعد خمس وعشرين عاماً من سقوط سُوبَا عاصمة دولة عَلَوَة لينتقل «دُونْقُس» من (لُولُ) (أُولُو) (بفازوغلي) إلى (سنار) عند (جبل موية) فتكون هي عاصمة الدولة وكرسي ملكه. وينتقل العبدلاب من بعد ذلك من (قرِّي) عند (جبل الرويان) إلى (الحلفايا) لتكون كرسي ملكهم.
جبلا (موية والرويان) إذن كانا مقار السلاطين. و(دُونْقُس وجماع) سلطانان مثل الأخوين إلا أن رتبة «عمارة» أعلى وأعظم من رتبة «عبد الله» إذا اجتمعا في مكان واحد وأما إذا غاب «عمارة» فيعامل «عبد الله» كما يعامل «عمارة» الذي جاء بأسرته الحاكمة جميعها إلى (بُتْري الشرقية) لتكون منتجعه ويكون قريباً من مفتي الدولة ومرجعها «إدريس ولد محمد الأرباب» وقريباً من «عبد الله جمَّاع» شيخ العبدلاب وملكهم.

ويتغير اسم البلدة لتوثق هذا الحدث الفريد في التاريخ حيث اجتمعت الأسرة الحاكمة للفونج والعبدلاب معاً فيطلق الناس عليها (العيلة فونج) بلغة الفونج، أي (الأسرة الحاكمة). وتقوم السلطنة ويعلن اتحاد الفونج والعبدلاب من مسيد ولد الأرباب الذي يصبح هو المرجعية الدينية لسلاطين الفونج والعبدلاب معاً، يأتونه لفض النزاعات ولتكون له كلمة الفصل فيها لا يُرَدُّ كلامُهُ ولا تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ.

وحين يعرض عليه الملك «بادي بن رباط» نصف ملكه يرفضه ويطلب أن يكون له الفصل في المنازعات. الملك «بادي» تكلم باسم الفونج وباسم العبدلاب أيضاً فعرض على «إدريس» نصف (دار العسل والبصل) وأراد أن يمنحه كركوج وسنجة ودار الشايقية ودنقلا. لكن «إدريس» قال له بصدق العلماء وزهد الأتقياء:
– الدار دار النوبة والأرض أرض النوبة وأنتم غصبتموها منهم. أنا لا أقبلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ”.
وعندما رأى ذهول الملك من هذا الرفض الحاسم عرض عليه عرضاً لا يمكن أن يرفضه. قال للملك:

– أعطوني الحجز في كل شيء والوساطة وفض المنازعات والصلح بين المتشاجرين .

فأعطاه الملك الحجز في كل شيء كما طلبه، وأصبح صاحب فض المنازعات لدى ملوك سنار. ثم جمعهم على الفقه والقضاء المالكي ونصح «عمارة» بتقريب العلماء والفقهاء. الله سخر هذا الرجل المبارك ليشد عرى السلطنة بحبل متين من رباط الدين. لكنه بقي بعيداً عن سنار وقرِّي زاهداً في السلطة والملك لا يقف عند أبواب السلاطين بل السلاطين يأتونه فيقفون عند باب خلوته ومسيده. لكن لما كثرت المظالم في سنار أكثر إدريس من الرحلة إليها لنصح السلطان برفع تلك المظالم. والسلطان لا يرد له شفاعة ولا ينقض له حكماً. ومثلما اعتمده شافعاً وقاضياً وحكماً اتخذه للبركة أيضاً فحين تشتكي والدة السلطان يؤتى لها بإدريس ليقرأ عليها القرآن ويرقيها بآياته وينفث بريقه لتشفى أم السلطان ببركة القرآن.
إليك أيها الشيخ الجليل إدريس بن محمد. أيها الأرباب. أهدي بعض ثمرات غرسك. من حفيد محب فتح عينيه على بقايا آثار الملاجيء التي أقمتها منذ نحو أربعمائة وتسعين عاماً لتكون مأوى للخائفين وملاذاً لطالبي الشفاعة والباحثين عن الأمان وداراً لحفظ القرآن ثم من بعد ذلك رمزاً وفخراً لأبناء السودان.
ترقبوا الحلقة الثانية في العدد القادم.

 

حفل إطلاق رواية أنفاس صليحة – قاعة الشارقة الخرطوم سبتمبر 2017


[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][metaslider id=16399][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

الشفاهية الرقمية وتحولاتها: الخروج على التقليدية وإمكانية التعايش – د.عمر فضل الله


المجلة العربية: عدد 492 سبتمبر 2017

نجح إنسان العصور القديمة في استخدام وسيلة خطاب ذكية تفهمها الإنسانية مهما تطاول بها الزمان وتعاقب الحدثان وتغيرت أساليب البيان. وتجلت حكمته واضحة في بساطة تلك الأساليب رغم سذاجتها في ظاهرها لكونها قامت على محاكاة الطبيعة وتقليدها في كثير من صورها البيانية. أدرك هذا كل من بحث في التاريخ القديم للإنسانية وقرأ الإشارات التي خلفها إنسان تلك العصور مشتملة على الصور المنقوشة في الكهوف والرموز التي زينت بها الجداريات القديمة وقصص الملاحم وانتصارات الملوك في الحروب أو حكاية حضارات تلك الشعوب. وكانت الصور الشفاهية في بعض العصور هي لغة خطاب بليغ قلت فيه العبارات واقتصرت على الرموز والإشارات بيد أن ذلك لم يكن دليلاً على انحطاط طرائق البيان لهذه الحضارة أو تلك وإنما كانت الشعوب تلجأ للوسائل الكفيلة بالتواصل بينها حال اختلاف الألسن فقد لجأ بعضها للتجارة البكماء حينما جهل كل طرف لغة الآخر فاضطرت للتعايش بحصر الاتصال في لغة الأبدان بديلاً عن لغة اللسان وحلت الإشارة بديلاً عن العبارة وبهذا أفلح إنسان العصور القديمة في إبلاغ رسالاته للإنسانية باستخدام لغة تفهمها الشعوب الأخرى على مدار العصور وما زالت آثارها شاخصة وطرائقها في التعبير ظاهرة. ثم إنه أعقبت ذلك عصور ازدهرت فيها الحروف والعبارة كوسيلة تواصل راقٍ بين الشعوب عبر الخط والكتابة والتأليف. حدث ذلك بتلاقح الحضارات وتقارب اللغات فانتشرت المفردات وعمدت الشعوب لاستخدام الحروف في الكتابة وبرع كل شعب من الشعوب في تطوير لغته وتطويعها وعرض ثقافته على الشعوب الأخرى، وبذلك فقد أخذت اللغات من مثيلاتها فتطورت أساليب الاتصال وتنوعت صور الجمال التعبيري والتصوير الفني للخطاب ففي حين اتسعت جماليات لغة نحو شاعرية التعابير إذا بأخرى تنحو نحو موسيقى الألفاظ والأنساق وثالثة تتميز بنصاعة العبارة وسهولة الخط والكتابة. وتنوعت أساليب التعبير ففي حين تعتبر إحدى الأمم الشعر سفيراً إذا بأخرى تبرع في الأسطورة وثالثة تعبر عن ثقافتها بالغناء والأهازيج وكلما حارت بالشعوب عبارات اللغة عادت القهقرى لمحاكاة صور الطبيعة وذلك لكونها تعتبر لغة مرجعية يفهمها الجميع. غير أن الإنسان حين اكتشف دلالات الأصوات ورموزها وعبر عنها بالحرف برع في البيان ثم عمد لتوثيق اللسان بالبنان فكتب ودوَّن إذ ليس فعل الكتابة بالحروف أو الرموز والنقوش إلا أحد صور ترجمة البيان اللساني وإن شئت أن تقول عكس ذلك فلن تبعد النجعة. وكلما اتسعت حضارة أمة ازدانت ثقافتها بالعبارة والبيان واتسعت أوعية لغتها لتعبر عن حضارتها وهويتها. وحين تطورت وسائل الإتصال ورضيت الأمم والشعوب أن تتبادل المعارف ظهرت الاختراعات فقربت المسافات واختزلت الأسفار وتبودلت الأفكار فكان في ذلك خير كبير من حيث تيسير الاتصال. إلا أن هذا التيسير انقلب نقمة في حق الكلام والكتابة والتأليف إذ أن تطور التقانات أدى إلى إلغاء الحدود والفواصل فيما بين طرائق الاتصال فجعلها عالمية في وصولها للمتلقي كما أن الأشكال المبتكرة الرقمية المحوسبة، قد أنتجت حواراً تفاعلياً متبادلاً بين الوسيلة والمتلقي فنتج عنه الشيوع والانتشار والإتاحة للجميع وتخطي حاجز المحلية إلى العالمية وتعددت وسائط وسائل عرض الأفكار والمعلومات في أشكال ومتنوعة من النصوص والصور المتحركة وقد أثر ذلك الفعل على أنماط وعادات السلوك الخاصة بوسائل الاتصال فأقبل الناس على اقتنائها واستخدامها واندمجت عناصر تقانات الحاسب مع تقانات الاتصالات وأقمارها في توليفة أنتجت أنظمة الشبكة العالمية التي أصبحت وسيطاً عملاقاً ضم بداخله جميع وسائط الاتصال الأخرى المطبوعة والمسموعة والمرئية والجماهيرية والشخصية فاختصر بذلك  حواجز الزمان والمكان وقرب بين الواقع الفعلي والافتراضي والحاضر والغائب داخل فضاء المعلومات فكأنه نقل البشر والطبيعة إلى فضاء الشبكة وإن شئت فالعكس صحيح كذلك. وبهذا فإن الإنسان قد أصبح غير محتاج للجهد الذي كان يبذله في صياغة اللغة وطرائق البيان وفصاحة اللسان فطرائق التعبير أصبحت متعددة بين يديه بل ومتاحة عبر الهواتف النقالة والحواسيب اللوحية والدفترية للتواصل مع العالم كله عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ريب أن النفس الإنسانية تميل بطبعها إلى الجمال الحسي المتمثل في الصوت والصورة والمشاهد والحركة والألوان والانفعالات. وذلك ما عبرت عنه الصور والصور المتحركة أكثر مما فعلت ألفاظ البيان وحروف اللغة. فمال شباب هذه الأجيال إلى المحتوى الشفاهي الإلكتروني لأن فيه الخروج على التقليدية وتطور تقنية المؤثرات واستثارة الخيال بصور جديدة تبهر المتلقي وتنقله إلى عوالم غريبة وهمية غير واقعية وأبنية سردية غير حقيقية تتداخل فيها عوالم الوعي والخيال ويستطيع المتلقي التعرض الانتقائي لأنماط التواصل وأشكال التأثير فهو يمزج المتعة بالعمل والجد باللهو واللعب ويعيش حياة اجتماعية افتراضية دون أن يسعى إليها بقدم أو يبذل الجهد. وهو يختزل طرائق البيان المتعددة في الخطاب باستخدام الصورة والرموز فيقدمها على البيانات والنصوص. والملوم في هذا هو تعدد تطبيقات التواصل التي جنت على ثقافة الأفراد من حيث أتاحت المعلومات للمتلقي أينما كان عبر هاتفه الصغير فلماذا لا يتجه الناس نحو ذلك فهو البديل الحديث للوسائل التقليدية التي انتظمت العالم لعقود طويلة. فلا غرو أن ينقلب النشاط الثقافي والفكري للشباب على عقبيه في العصر الحاضر إلى نشاط الكتروني  شفاهي ليعود حواراً شفاهيا فالصورة هي إحدى القوى الفاعلة المؤثرة للتواصل وتمكين (الفرد) من أداء دور مؤثر في المشاركة على مستوى العالم وقد شكلت عالماً افتراضياً موازياً للعالم الواقعي وبنية اجتماعية جديدة في المجتمع الكوني الكبير وأنشأت كيانات جديدة يربطها هذا العالم الافتراضي. لكن ما حدث من ردة حضارية ليس شراً محضاً ففيه فوائد جمة فقد أتاحت للمستخدمين وسائل سهلة للتواصل فيما بينهم دون حدود مكانية أو زمنية أو قيود بالإضافة إلى إمكانية نقل محتوى أي رسالة بسهولة ويسر. وهي قد أدت إلى سهولة التعارف والتواصل بين البشر فقد حققت قفزة مجتمعية في التعارف والاتصال وإبراز الفردية وانعدام الوصاية في الاختيار والتعبير والنشر، حيث يستطيع حتى الأمي أن يستخدم هذه الوسائل في طرح آرائه وأفكاره، ويتلقى التعليقات عليها ويناقش أصحابه فيها كما أدت إلى صقل المعرفة وزيادة الثقافة من خلال التواصل مع ثقافات جديدة وأخرى غير معروفة، خاصة في ظل وجود خبرات متنوعة بين مستخدميها. وفي ظني أن التعايش ممكن بين الحالة الشفاهية الالكترونية الجديدة وحالة التدوين والكتابة فلكل أهلها وروادها.

رابط المجلة:

الروائي عمر فضل الله في حديث للرأي العام حول روايته الجديدة (أنفاس صليحة)


الروائي عمر فضل الله في حديث للرأي العام حول روايته الجديدة (أنفاس صليحة) والفضاء الروائي العام عربياً وعالمياً وسودانياً

أجراه عيسى الحلو:

عمر فضل الله روائي وشاعر، ومفكر. متخصص في تقنية المعلومات. يعمل مديراً لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الإلكترونية والذكية بدولة الإمارات العربية المتحدة

من أعماله:

  • دواوين شعر:
    (زَمَانُ النَّدَى والنَّوَّار) (1428هـ – 2007)
  • (زَمَانُ النَّوَى والنُّوَاح) (1431هـ 2009).
  • روايات:
  • “تُرْجُمَانُ المَلِكِ”(1435هـ- 2013)
  • “أطياف الكون الآخر” (1436هـ -2014)
  • “نيلوفوبيا” (1437هـ 2016)
  • “أنفاس صليحة” (1438هـ – 2017)
  • “تشريقة المغربي” (1438هـ – 2017) غير مطبوعة
  • أعمال أخرى:
  • “حرب المياه على ضفاف النيل – حلم إسرائيل يتحقق”(1435ه-ـ 2013)
  • “تاريخ وأصول العرب بالسودان للفحل الفكي الطاهر: تحقيق ودراسة” (1437هـ 2015).
  • له مقالات وبحوث منشورة في عدد من المجلات والدوريات العالمية.

لماذا اخترت الرواية كجنس تعبيري لمشروعك الأدبي والفني؟

الناس يحبون الحكايات بالفطرة. منذ الصغر كنا نسمع أحاجي (الحبوبات) قبل النوم، نسمعها مهما تكررت وقد نحفظها من كثرة التكرار لكننا رغم ذلك لا نمل سماعها. وأنا اخترت الرواية لاحتوائها على عناصر التشويق والمتعة والجمال وبذلك فهي تصلح وسيلة ناجحة لتوصيل رسالتي الأدبية والفكرية إلى الأجيال الحالية واللاحقة.

بدأت بالشعر. لماذا تركته؟ هل لأن هذا هو عصر الرواية؟

لم أترك الشعر فله مناسباته ومحبوه وقد أشربت حبه منذ الصغر لكن لم تعد له مثل مكانته القديمة ولا رسالته وأثره في نفوس شباب اليوم وبهذا فلو قلت إن هذا هو عصر الرواية فلن تكون قد أبعدت النجعة، رغم أن الشعر لا يقوم مقام الرواية ولا الرواية تقوم مقام الشعر فلكل جنس من هذه الأجناس الأدبية رسالته وعشاقه.

اتجه الكتاب الشباب لكتابة الرواية لأنهم يعبرون عن مأزقهم الموجود بإتقان كامل وهذا ما لا يسعف الكتابة الشعرية؟

هذا صحيح فالشعر يقيدك بالقافية والوزن والتفعيلة ويضعك في قالب أضيق من قالب الرواية ولهذا فليس كل الناس يقول الشعر فله ملكة خاصة لكن كثيرين يمكنهم كتابة الرواية لوصف واقع أو لمجرد الجنوح إلى الخيال هروباً من الواقع أو تمرداً عليه.

ماذا عن المشهد الروائي السوداني الآن؟

نحن نشهد انفجاراً مدوياً في كتابة الرواية في السودان لم نعهده من قبل فقد كان الروائيون في السابق يعدون على أصابع اليدين لكننا بتنا نشهد ظهور أعداد مهولة من كتاب الرواية كل عام بل أصبحنا نقرأ لروائيين سودانيين ينافسون الروائيين العالمين فيحوزون الجوائز وتتحدث عنهم المجالس الأدبية وتنتشر أعمالهم في وسائط التواصل الاجتماعي والصحف السيارة. كما أن الجوائز الأدبية قد أشعلت لدى الشباب روح المنافسة وحفزتهم على الكتابة والاتجاه لهذا النوع من الأدب، وقد يكون اتجاه الشباب والروائيين لكتابة الرواية والإقبال على قراءتها هو مجرد هروب من الواقع إلى عوالم الخيال والوهم والفانتازيا والأحلام.

 

هل أنت مع المقولة التي تجعل من الطيب صالح سقفاً للرواية؟

لا أعتقد أن للرواية سقفاً نضع فوقه كاتباً روائياً وينتهى الأمر ولا أعتقد أن الطيب صالح أو غيره هو سقف الرواية فالطيب صالح هو أحد الرواد بلا شك وهو أيقونة ضخمة من أيقونات الرواية العربية لكن المشهد الروائي الحديث يقول لنا إن هناك عظماء كثيرين من الروائيين السودانيين يكتبون في زمانهم مثل ما كتب الطيب صالح في زمانه أو ربما يتفوقون.

لماذا اخترت التاريخ إطاراً روائياً لأعمالك؟

عندي مشروع روائي ثقافي معرفي أريد أن أقدمه للعالم فقد رأيت عزوف شباب اليوم عن قراءة تاريخهم وحضاراتهم فوجدت أن أنسب الوسائل لربط الأجيال الحديثة بتاريخنا القديم وحضاراتنا يكون عبر كتابة الرواية التي يحبها الشباب وتجمع بين الخيال والحقيقة في وعاء واحد فتقدم الحقائق التاريخية لهذه الأجيال مغلفة بجرعة الخيال الذي لا يطغى على الحقائق حتى لا تشوِّه الرواية، أويذهب بجمالها وبهائها وإنما يتسرب خلالها كالماء الذي يروي الزرع. والجديد في مشروعي هذا هو أنه يأخذ وظيفة الأدب إلى توثيق التاريخ المحلي عن طريق السرد الأدبي بشكل يتداخل فيه الأدب مع التاريخ والبعد الإنساني معاً.

عالمك الروائي ينهض على أرض الفكر وليس التجربة الوجودية الحياتية المباشرة؟

بكل تأكيد فحين يكتب كثيرون منطلقين من تجاربهم الحياتية وإسقاطاتهم لمغامراتهم الشخصية والنفسية أقوم ببناء عالمي على مشروع فكري محدد الأهداف والمنطلقات عبر كتابة روايات معرفية تجمع بين الفلسفة والتاريخ الحقيقي والعجائب وتقدم أنموذجاً شاخصاً للرواية المعرفية كجنس أدبي متفرد بحضوره السردي، على طريقة عمر فضل الله التي توظف الرواية لتعكس لنا عالماً حقيقياً لكنه مسكون بالخيال، وتمثل تياراً من الواقعية السحرية التي تعتمد على العجائبية والخوارق ولكنها تبتعد بها عن عالم الكرامات والتصوف المعهود وتقدمها كموروث شعبي يعيد توظيف الحكايات الشعبية بفهم جديد عبر شخوص وأسماء ذكية تحترم ذكاء القاريء ووعي المجتمع الحديث. ولا بأس أيضاً من توظيف الأسطورة في إطار النسق المعرفي الكامن في المقولات الشعبية وحكايات التاريخ الشفاهي لنعود بها من كونها مجرد حكايات للتسلية والمتعة إلى كونها حكايات تؤيد التاريخ المحكي وتضيف لأدب الرواية وذلك من أجل إعادة تشكيل هوية معاصرة في زمن متحول ونقلها من خانة التصورات التاريخية الظرفية، إلى خانة الحكايات ذات الأصول التاريخية التي تقبل الدراسة والتمحيص وتتسق مع حقائق التاريخ.

الرواية الآن في كل ثقافات العالم المعاصر تحاول الخروج من عباءة السرد الكلاسيكي؟

الناس يحبون الجديد ويميلون للتجديد في شئون حياتهم، والرواية كأحد أنماط التعبير الأدبي لا تخرج على هذه القاعدة ولذا فالخروج عن عباءة السرد الكلاسيكي يكون مقبولاً في حال تمكن المؤلف من تجاوز عقدة الخصائص الفنية الروائية دون إخلال بجماليات السرد لكن قليلاً من الروائيين من يفلح حقيقة في الخروج عن مطلوبات الرواية التقليدية وخصائصها الفنية مثل الحبكة القائمة على التسلسل والترابط في البداية ثمّ الذروة ثمّ النهاية، واللغة النمطية، ثم يفلح بعد ذلك كله في تقديم رواية ناجحة ومشوقة يتكيء فيها على جماليات التفكك كبديل لجماليات الوحدة والتناغم، ويقودك عبر متاهات من السرد الجميل لتجد نفسك منساقاً إليه وتقدم عقلك طائعاً منقاداً واثقاً في المخرج ثم لا يخذلك فتجد أنه قد عبر بك إلى حيث يريد بعد أن يقوم بكسر مبدأ الإيهام بالواقعية، ويلغى منطق الخصائص الفنية للرواية ويوجد بنية لغوية جديدة ذات ملامح خاصة به ويكسر التسلسل الزمني، عبر الانحرافات السردية. قليل من ينجح في مثل هذه المغامرة.

الرواية الجديدة ليس لها نموذج جاهز .. هل هي قابلة للاختراع بوصفها شكلاً جمالياً؟

بكل تأكيد ففي ظني أنه قد انتهى عصر الرواية النمطية التقليدية في العالم فنحن نشهد بداية ميلاد نماذج جديدة للرواية تجعل النقاد والمختصين في علم دراسة الرواية يعيدون النظر في قوالب تنميط الرواية ويقبلون الجديد الذي يخرج على النماذج المعهودة وفي ظني أن القراء هم من يسهم في بلورة الأشكال الجمالية الجديدة وهم من يحكم لها أو عليها بإقبالهم عليها أو عزوفهم عنها.

تاريخ الرواية العالمية هو صراع بين المضمون والشكل؟

أو فلنقل هو تبادل للأدوار حيث يكمل بعضهما بعضاً وهو استعارة أحدهما لأكبر حيز ممكن في النص الروائي ولكن ليس بالضرورة على حساب الآخر وذلك لأن المساحات المخصصة لكل منهما ليست بالضرورة مساحات جامدة أو خطية فراغية لكنها مساحات مرنة وهو الأمر الذي يمنح كل رواية هويتها وتميزها ويمنح كل مؤلف بصمته في كتابة العمل الروائي. علماً أن هذا يختلف باختلاف لغة كتابة الرواية وبلدها.

لقد أسميت مشروعك (بالعرفانية) ماذا تعني؟

المعرفية أو العرفانية في أحد تعريفاتها اللغوية هي السرد نفسه فهي تشرح علاقة السرد كخطاب بالمعرفة كتجربة فآلية التخييل التي تعيد بناء التجربة النوعية وتسريدها من خلال نصٍّ تعاقُبيٍّ في الحبكة الروائية المتصلة تقوم بتحريك التاريخ وتقديمه للقاريء ليس باعتباره تجربة ماضية منقطعة، بل باعتباره فكرة دائمة التدفق شاخصة في الزمان وشاهدة على أحداثه من خلال الرواية المعرفية. وهنا تتجلى عبقرية المؤلف في سرد الحبكة الروائية التي تستعير أحداث الماضي وتخرجها من سياجها الموضوعي والزماني لتطلقها في فضاء الحاضر متكئة على إمكانات المؤلف المعرفية وتقنياته الكتابية، وملكته اللغوية، وتدمج كل ذلك في إشكالات الحاضر وهمومه وربط كل ذلك بأسئلة الهوية وثراء وتنوع مجتمعنا الحاضر. وأما القاريء فيأتي دوره في توقع صدق الحدث الروائي ليتحقق المعنى عنده منها، حتى لو جاءت الوقائع المحكية مفارقة لواقعه وفكره، إلا أنها تمثل ملامحَ من تاريخه الثقافي والحضاري، وتخاطب لاشعوره الجمعي. ولا يتأتّى هذا التخييل لأيّ كان، لأنه ليس شكليّا أكثر منه معرفيا وروحيا، إلا لسارد مقتدر ومتشبع بالتجربة وعارف بمضايقها، ومساربها فهو ينقلها ويخبر بها القارئ على النحو الذي يسمح له بفهمها وتذوّقها؛ ثُمّ هو يؤوّلها في حاضره بلا تعسُّف أو خلط. ولهذا أدخل في رواياتي العرفانية في حوار تخييلي مفتوح مع الشخوص الحقيقية للرواية التاريخية لأرسم صورة روائية تخييلية لكنها تقترب من الحقيقية لهؤلاء الشخوص بحيث تملأ كثيرا من الفراغات والفجوات بقدر ما يُقرّبهم من القراء حيث أقوم باستدعاء التاريخ وإعادة بنائه نصّيا على النحو الذي لا يصادم حقيقته على وجه الإمكان والاحتمال، ويجعل ذاكرة الحدث ضرورة من أجل الحاضر والمستقبل. باختصار أنا أقدم النّص الأدبي بأسلوب حكائي سردي منضبط بالمعايير الفنية للرواية، مما يسهل عبور المعرفة إلى القارئ من خلال النسق الأدبي المتجسد في الحكاية والسرد واستدعاء شخصيات تاريخية لها رمزيتها المعرفية التي تتصل بمرجعيات تاريخية أودينية عبر النص الروائي والذي قد يكون نصاً عجائبياً أحياناً ويتمحور حول شخصيات غير معقولة تقدم على أفعال عجائبية، خارقة للواقع الإنساني (كما في رواية أنفاس صليحة) وإذا كان النص العجائبي في السابق مقصود منه الإدهاش واستحضار عوالم جديدة ليست فلسفية فأنا أكتب روايات تجمع بين الفلسفة والتاريخ الحقيقي والعجائب في ما يسمى الرواية المعرفية.

الرواية الآن أهي تقوم على التجربة الفكرية أم التخييل بدلاً عن تصوير الواقع مباشرة

معلوم أن التخييل هو كل تاريخ يُبنى على وقائع في عقل المؤلف أكثر منه على وقائع حقيقية وأن الشخوص التي يستحدثها المؤلف هي مجرد شخصيات خيالية أيضاً بيد أن الوقائع الممثَّلة في التخييل ليست كلُّها بالضرورة متخيلة، وذلك مثلما هو في حالة آخر أعمالي (تشريقة المغربي) على سبيل المثال فقد أسستها على وقائع تاريخية مؤكدة، لكني أستغل فيها فراغات التاريخ وفجواته فأُدخل فيها شخصيات وأحداثاً مستوحاة من خيالي. وإذا كانت بعض الأحداث أو الشخصيات متخيّلة، فلا ينبغي بالقدر ذاته أن تكون غير حقيقية فعنصر التخييل في رواياتي مثلاً يسير جنباً إلى جنب في نسيجه السردي وسداه مع الحقيقة التاريخية. ومع أنني أقود القاريء عبر التخييل في عرض مادتي الحكائية لكنني لا أمنح الخيال الهيمنة الكاملة بل أجعل من الخيال مجرد عنصر مساعد فقط لتمكين الحقائق التاريخية في ذهن القاريء عبر السرد مع القدرة على مزج التخييل التاريخي، والعجائبي والذاتي مع الحقيقة التاريخية في نسيج متميز ينتج لنا الرواية المعرفية.

باختصار كيف تكون الرواية بنظرك؟

الرواية النموذجية هي كل إضافة جديدة في السرد تأخذ بألباب القاريء وتجبره على القراءة وتقدم له المتعة ليعيش فصولها عبر النّص الأدبي بأسلوب حكائي سردي سلس ومنضبط بالمعايير الفنية، مما يسهل عبور المعرفة إلى القارئ من خلال النسق الأدبي المتجسد في الحكاية والسرد وأيضاً تقدم الفائدة عبر موضوع يحكي تجربة حياتية وجودية أو حقيقة تاريخية أو حكمة أو عبرة وفي الوقت نفسه يكون جميلاً ألا تخرج الرواية عن المطلوبات والخصائص الفنية مثل الحبكة القائمة على التسلسل والترابط في البداية ثمّ الذروة ثمّ النهاية، مع اللغة الجميلة والأسلوب المبتكر.

إلى الدكتور عمر أحمد فضل الله من أحد معحبيه حجازي معتصم من الطليح


العيلفون ملتقي النبوغ والفكر والإبداع …
علي الشاطئ الأيمن من نهر النيل الأزرق الدفاق جنوبي محافظة شرق النيل تربض مدينة العيلفون بكل ثقلها الحضاري العريق؛ تقابلك مآذنها العاليات وقبابها الزاهيات متألقة وضاءة؛ وكأنما عناها أمير الشعراء ( أحمد شوقي ) – وهو يستقبل بلاده بعد غيبة – قائلآ :-
هدانا ضوء ثغرك من ثلاث … كما تهدي – المنورة – الصحابا …
تكاد تطل عليك من خلال هاتيك المآذن والقباب مواكب العلم والعلماء التي ازدانت بها العيلفون عبر القرون ؛ والعيلفون في تاريخها الحديث تشكل بوتقة إنصهرت فيها كل أجناسها العديدة ؛ في تناغم وإنسجام ينظرون بعين معجبة لذلك السجل الحافل بالأمجاد من لون الشيخ إدريس في دولة الفونج حيث كانت بلاده مورداً عذباً لكل طلاب العلم يعلمهم الشيخ ويجزل لهم القرى، حيث تدور جفونه الواسعات، من جيد الطعام تغرف من قدور راسيات ، وقد بلغ الشيخ درجة علمية عالية ، شهد له بها شيخ علماء الأزهر ( علي الأجهوري ) عندما حاوره أحد تلاميذه حاملاً رأيه في قضية تحريم التمباك ؛ فبعث الأجهوري للعالم السوداني ود الأرباب بشارة ومعها هدية إيذاناً له بالفتوى وإعترافاً باستقلال الرأي السوداني، في مجال العلم.
وتتعطر أجواء العيلفون من بعد ذلك بأريج نار القرآن ومن أشهر شيوخهم – الشيخ ( المقابلي ) الولي العارف الذاكر ، وفي العلم والفروسية يقابلك الشيخ – ( مضوي عبد الرحمن ) على صهوة فرسه يحمل سنانه ويحاصر الخرطوم من صفحتها الشرقية ، مساعداً المهدي في حصاره دولة الكفر حتي تم الظفر وانتصر الإسلام .
وسجل العيلفون الحديث به قامات تربوية عديدة آخذ منه نموذجآ – أستاذ ( أحمد حامد الفكي ) ، مشيراً إلى دوره في إعلاء شأن العلم في بخت الرضا وفي غيرها من المحافل التربوية ؛ وغير هؤلاء – فهم كثيرون .
إن هذا السجل الذي نأخذ منه شذرات ليدعو أجيال العيلفون الحديثة ، إلي تضافر جديد في إطار قومي موحد لإعادة ذلك الماضي المشرق .
لقد دارت بخلدي هذه الخواطر ، وأنا بين المثقف والمبدع والمفكر والعالم المتميز..
( الدكتور عمر أحمد فضل الله ) مثالاً .. فهو مبدع ومفكر وعالم وكاتب وأديب وباحث من مبدعي ومثقفي السودان ، تجاوز حدود الإبداع والثقافة إلى ما يمكن أن يطلق عليه
” الموسوعي اللامع ” ، يغترف من بحور الثقافة والمعرفة ما يوزن جبالا” من الذهب والمعادن النفيسة !!
ليس بمقدورك أن تصنفه من أي جيل هو ، من أجيال الأدب والثقافة والإبداع ، كلما حاولت الإقتراب منه تجد أن المسافة بينك وبينه طويلة وشاقة، ويتعذر عليك أن تقترب من شواطئها إلا بقدر معقول، وهو مايسمح لك سعيك لمجاراته دون أن تجد بمقدورك إلا أن تترك مسافة معقولة بينك وبينه ، حتى لا تغرق في أعماق مياهه الهادرة أو يصيبك الدوار من شدة ما ستواجهه من أهوال عندما تسعى للإقتراب من شواطئه ،وكأنك في رحلة سفر شاقة في بحر الظلمات!!
لكنه واضح كوضوح الشمس لايتلون ولا يهوى قلب أعناق الحقيقة أو يقبل بالمراوغة معها أو الإلتفاف عليها ، يقول كلمته بلا خوف أو تردد حتى وإن أغضبت الكثيرين أو لم تعجبهم ، شامخ كشموخ النيل في أعماق حضارته وسعة معرفته ، ويغترف من مياه النيل منابع إبداعه الفلسفي والأدبي والثقافي عموما” لكنها ثقافة من نوع خاص ،وهو ربما يتمنى دوما” لو أن السودان قد أوقعته الطبيعة قرب أحد المحيطات، لكي يكون بمقدور من يلج من أغوار الثقافة وعالم الإبداع أن يستزيد منها ، وهو ينهل من سحر الطبيعة وجمالها الخلاب ما يمكن أن يداعب مخيلة هذا المبدع المتميز على كل أطر وجوانب الإبداع، وكانك أمام مثقف عملاق إرتقى الى مكانة أولئك الكبار من أعمدة الثقافة والأدب والعلوم ممن كتبوا في سفر السودان مايخلد ذكرهم الطيب لقرون، وهو قليل الإنتاج الثقافي، بالرغم مما صدر له من روايات ومقتطفات أدبية إبداعية هنا أو هناك ، لكن موسوعيته الثقافية والعلمية حين تقابله أو يتسع لك الوقت لمحاورته أو الدخول في جدل فلسفي معه تكفي لمجلدات من الفلسفة والنظريات ، وكم تتمنى لو يكون بمقدورك أن تلم ببعض من إضافات هذا الرجل، الذي يفتخر السودان بأنه أحد نجومه بل كواكبه المضيئة علماً وثقافة وأخلاقاً وأدباً جم وقيماً وإبداعاً ونظريات وفلسفات ، وما أن تريد أن تغترف من أي علم من علومه حتى تجد مبتغاك في أن تشبع نهمك مما أنت تحلم به من أمنيات وما يختلج في دواخلك من معالم الإبداع، ويكبر بك لينقلك إلى عوالم أنت تجهل عنها الكثير، أو ربما لم تكن لديك القدرة على مجاراة تلك الثقافة الموسوعية التي أودعها الله في عقل هذا الرجل وضميره، حتى أوصلته الأقدار إلى تلك القيمة الإبداعية النادرة كندرة المعادن النفيسة والمياه النقية بين ينابيع الطبيعة وسحرها الخلاب!!
رجل ليس من السهولة أن تخوض في مكنوناته ، لكنك ما إن تقترب منه لفترات أطول ، حتى تجد أنه ليس بمقدورك إلا أن تستزيد من غزارة علمه وسعة مداركه، يحول الكلمة إلى لغة مصقولة موجزة بليغة يختزل بك البلاغة إلى أقصى حدودها ، ويخرج منه النص الإبداعي رشيقاً حلو المذاق طيب المنبع ، وقد يحول بعض الكلمات إلى سيوف يقاتل بها، في الوقت الذي يطوع الكلمة في وعاء آخر أو مناسبة أخرى ليجعل منها إبداعاً سحرياً يداعب مخيلة الحالمين بالمجد، أو ربما يبلغ بك عندما تقترب منه مبالغ أمراء الحرب وأمراء السلام، فهو لايهوى الحرب إلا في إطار المعرفة الإنسانية، “حرب العقل والمعرفة” وسيفه عقله وجواده هو هذا الخيال الجامح الذي يصهل بعالمه ، حتى لتجد أنك أمام فارس مغوار يلوي ذراع منافسيه، ومن يود مبارزته، حتى لتتخيل نفسك أمام مبارزة من نوع خاص قد تضطرك للتراجع عن مواجهة سهامه، ومع هذا تبقى تهوى تراقب مشهد المعركة التي يود الخوض فيها وكيف يرمي سهامه لانها لاتصيب أياً من جسمك بكدمات، بل تزيدك قدرة على أن تبلغ مديات الرجال المحاربين بسلاح المعرفة والثقافة فوق قدراتك المعرفية إن صح التعبير، إذ أن محسوساتها صعبة الإدراك إلا عندما تبلغ من العلم رسوخاً وعلو شأن !!
إنه الكاتب والأديب والروائي والمفكر والباحث والموسوعي والعالم الجليل السوداني الدكتور عمر فضل الله الذي وهبه الله من قدرات الإبداع والتميز الفكري الخاص ما يشكل جبلاً من جبال الإبداع الشاهقة، كلما حاولت الصعود وأن تلج وديانه ومرابعه، لتصعد إلى أعالي قمته حتى تعود قهقرياً إلى الوراء !!
من مواهبه التي من الله بها عليه أن لديه في القدرة على تطويع الكلمة وأن يستخرج من معادنها، كلمات مصقولة تغنيك عن قراءة كتب ومجلدات، فتقف حائراً أمام هذا الرجل الذي تتدفق كل مجريات الإبداع من قلبه وقلمه، مايجعلك ترتجف أن حاولت الإقتراب من شواطئه، لكنك ستبقى في كل الأحوال بعيداً بمسافة ما عنه حتى وإن سعيت لأن تمتلك إرثاً ثقافياً ومعرفياً يدخلك في منتجعات الإبداع ، وكلما حاولت الإقتراب لشغف في معرفة قيمته الإبداعية تشعر أنك أمام بحر متلاطم الأمواج، ليس بمقدورك مضاهاة أمواجه أو معرفة إلى أي المديات بمقدورك أن تغوص في أعماق تلك البحيرات التي تتدفق عذوبة ورقة وسماء صافية رقراقة، تجد فيها كل مايشدك الى سحرها الخلاب.
المبدع المتميز في بلدتنا ممن على هذا المستوى من الرجال هو من شق طريقه وسط منظومات فكرية وأخلاقية وسياسية ويخرج من كل هذه المنظومات بإطار جديد مختلف تماماً؛ ويضيف إلى المعرفة الإنسانية ما يشكل عالماً خاصا به، يشكل إطار إبداعه وتميزه وإضافاته الفكرية، فهذا مالا يتوفر للكثيرين ممن ولجوا عوالم الإبداع ،والتميز وصار إسماً لامعاً ليس من السهولة الدخول في عوالم مكنوناته الفكرية والقيمية، بعد أن بلغ شأناً من القيمة الإبداعية ما لا يمكن بمقدور أحد من أن يجاريه أو يقترب من شواطيء إبداعه ، ولهذا تبقى هناك مسافة يصعب على الكثيرين الولوج في مياهها وسط صخب البحر الهائج دوماً، وهو مايؤهله لأن يبقى أحد أهم الروافد التي تسقي بحور الإبداع ويرتشف منها محبوه ومن أهلتهم الأقدار للإقترب منه ان يجدوا فيه مبتغاهم الى حيث علو المنزلة ومنازل الكبرياء !!
السؤال الذي يراود الكثيرين ممن يعرفون عنه ثقافته الموسوعية، لماذا لايحب هذا الرجل تسليط الأضواء عليه في وسائل الإعلام، وتبدو إجابته مقنعة إلى حد ما أن حال الزمان الذي نعيشه، وما يواجهه من أهوال، وعزوف كثير من المبدعين عن الظهور ، وإهمال الكثيرين للثقافة وللمبدعين وعدم الاكتراث بهم وبقيمتهم الفكرية والأخلاقية هو ما يرغم الرجل للابتعاد عن الأضواء، لكن كثيرا من المبدعين في مجالات الأدب والثقافة والإعلام يدركون معنى مايحمله الأديب والمفكر الكبير من بحور الإبداع، مايشكل زاداً يغترف منه كل حالم بمجد او الصعود الى حيث ما يتمنى الأخيار ان الكواكب اللامعة ليس بمقدور الغيوم والسحب وأمطارها الكثيفة أن تحجب أضواءها، إن لم تزدها تالقاً وعلو شأن، وهو مالا يتوفر إلا لقلة قليلة وهبها الله كل هذه الخصال الفريدة ؛ والمواهب النادرة، لكي يبقى إشعاعها يتوهج ونورها يضيء ، ويبقى برغم إشكالات الزمن الثقافي الرديء هو أحد رجالات الثقافة والأدب والفكر والعلم وعملتهم النادرة ممن يشار لهم بالبنان !!

نقاط عبور – صديق الحلو: رواية أنفاس صليحة


أنفاس صليحة رواية عمر فضل الله. صدرت من مدارات للطباعة والنشر 2017 في 245 صفحة من القطع المتوسط. رواية شاملة كتبت بذوق رفيع. تتماهى مع الراهن بمعرفة. تمس أسباب الوهن دون لجاجة. “عند الفجر سقطت سوبا العاصمة وحين أشرقت شمس النهار غربت شمس علوة كلها وانتقض ملكها ولم تبق منها إلا الأطلال والأنقاض لتشهد على مجد غابر مضي ولن يعود مثلما كان بالأمس”. هنا كل شيء أصيل في رواية أنفاس صليحة: دفق العاطفة، الواقع المدهش، التعبيرية الباذخة، الرومانسية الشغوفة والرمزية المحببة. الفكرة متماسكة ومسبوكة جيداً. الهدف واضح والمنهج بين عمق يوصلك حد الثراء الفكري والرؤية واضحة. تحس بقوة المنطق ومتانة الحجة.

“النيل اختبأ في مجراه وغطى وجهه بأجساد الموتى وكأنه يخشى أن تنال منه سيوف المقاتلين ورماحهم بعد أن جرى ماؤه دماً أحمر، والتماسيح شبعت من الجثث الطافية على وجه الماء”. بلاء محيق يحيط بأرض النيلين ومؤامرات المحيطين تدعو للرثاء. الركاكة أصابت حركة المجتمع. ذلك شيء لايزيله سوى الصالحين والمصلحين. حين تصاب البلاد بالتكلس وعدم الإحساس تنمو الأخطاء وتفرهد. تروح البلادة وتجيء ويسود الغباء والتهور.

“وأشرعة القوارب والسفن اشتعلت ناراً ودخانها المتصاعد تراقص فبلغ عنان السماء وسحبه الكثيفة غطت الأرجاء فقد أحرقوا أسطول الملك وسفنه والمراكب الشراعية الراسية غربي قصره قبالة الطرف الشمالي التي طالما شهدت مجونه ولياليه العابثة”.
عندما يسود النزق والضحالة يتحول كل شئ إلى مسخ. الغموض والعناد وتضخم الذات يؤدي إلى خداعٍ كبير وإلى النهاية والتلاشي .خواء الروح يؤدي الى الدمار. وأنفاس صليحة رواية مدهشة حد التخمة عرضت كل الصور الجميلة والمشوهة الممسوخة والمسخوطة. وتلك الملأى بالنبل والفروسية. شروخات كثيرة أصابت المجتمع وعمت الأرواح.
“ها أنت تشهدين الخاتمة بأم عينيك بعد ما كان أهل سوبا يقصون عليك من قبل أساطير البدايات ويقرأون في ساحة المدينة كل ليلة أخبار الحروب القديمة وصمود أسوار سوبا في وجه الغزاة في جميع الأزمنة الماضية”.
السلبية والسطحية هي ما أدى لخراب سوبا. هذا الزخرف ماهو إلا زيف خالٍ من المضمون. رواية أنفاس صليحة سردٌ كما قصيدة موشاة بلحن الحنين مدعمة بالخيال الوثاب، ومنفتحة في كل الاتجاهات بحس قوي مليء بالكبرياء والألق. كتابة كاملة الدسم. نظمت فوضي حياتنا ورفدتها بالخصوبة والجمال. أنفاس صليحة رواية رائعة فائقة الجمال شكلاً ومحتوى.
وظف عمر فضل الله التاريخي والنفسي والفني مواكباً العصر في أحداث عظيمة ومؤثرة.

في الشأن السياسي: اللواء عثمان عبد الله


( الشَأن السِيَاسِى )٣٧. 
[مشروع الجبهة الوطنية الموحدة] 
{الدكتور عمر فضل الله}
{{ إنّ من طبع المُجتمع البشَرى وسُنَّتِه أن يتضامَ الأفرادُ جماعةً،ويقومُ على كُلِّ جماعةٍ رأسٌ، يُمثّلهُم جميعاً وتتجسّد وحدتهُم فى شخصِهِ، ومن سَعيِهِ تنتظِمُ حركتهُم. والمُجتمعات المُؤسّسة على المُوالاةِ بسلام، والمُعاقدةِ بالرِضَا، يْقدّمُون ذاك الرأس ممن يرُونهَ من أولاهُم إلتِزَاماً بوجهتِهِم العامّة }}.
( الأنظومة الأميرِيّة/ السياسَة والحُكم / دكتور حسن عبدالله الترابى).

١- الدكتُور عمر فضل الله، صديقٌ على صفحات الرابط فيسبُوك منذ أعوام، وهو مقيمٌ بدولة الإمارات العربية المُتّحدة، مُثقّف مُتعدد المواهب، وأديب باحث فى شئون الأدب العربى، والشعر،والتاريخ ،والدين،والسياسة، والأدب الشعبى ، والتُراث، وروائي له عدّة إصدارات،،،، لهُ موقعٌ مُميّز على باحِث Google، إذا ولجتَّ فيه، صعُبَت عليك المُغادرة. 
٢- فى دعوة عشاء بداره فى چنيڤا/ سويسرا، عام ١٩٩٤، إستضافنا الصديق الدكتور كامل إدريس، أنا والصديق الراحل مولانا خلف الله الرشيد، رئيس القضاء الأسبق، عليه رحمةُ الله وغفرانه، ودار حديثنا فى الشأن الوطنى على وجه العموم، وكان الدكتور كامل يخطط وقتها للجمع بين من هٌم على قّمة النظام ، بمن هُم على قمّة المُعارضة، مُستهدِفاً يومها ،جمع شمل أهل (الشمال) فى مواجهة المد الجامح للدعوة بالإنفصال من أهل (الجنُوب).
٣- والدكتور كامل يحمل -مثل كل السودانيين الطيبين- همُوم الوطن، ويسعى للإصلاح، وكانت قد سبقت لى مُقدّماتٍ ساقها مثلهُ فى ١٩٨٦-١٩٨٨، كلٌ من الدكتور تيسير محمد أحمد، والدكتور عُمر إبراهيم عبُود، وإدوارد لينو، ودكتور لام أكول، وبعض الأكادميين، ولكن ، إزاء التوتر المُتصاعد بين شمال السودان وحركة وجيش تحرير شعب السودان ضاعت الفكرة. 
٤- فى ضيافة الدكتور كامل -ليلتها- أكّد ثلاثتُنا أنْ لا بُدَّ من إبتداع (وعاءٍ) جامعٍ يضُم معظم أهل الفكر، والقوى الناعمة فى المُجتمع، ويحشدهُم للعمل السياسى بديلاً عن الأحزاب التقليديّة، وبعيداً عن الإنتماءات بأنواعها ، ودارت الأيام ، إذ عاد الدكتور كامل إدريس بعد ترك المنصب الأُمَمى، ودعا لإجتماعٍ رتّب له الصحافى الكبير المُهندس عثمان ميرغنى بمكتب الأستاذ الصحافى محمّد لطيف بجامعة الخرطوم، وبرئاسته، وطُرحت فكرة (الوعاء) الجامع وتحمّس الحضور، لإنشاء (تيار سياسى) يطرح نفسه مُنافساً للقوى التقليديّة، ويأخذ موضعه طبقا لقانون الأحزاب والتنظيمات، وكان الأُستاذ عثمان ميرغنى قد تطوّع برعاية إجتماع عام، نواةً لجمعية عموميّة يترتب عليها تكملة المشوار. ولكن يبدو أنّ إجتماعنا ذاك كان (محضُوراً)، فنُصبت كل عراقيل الدنيا أمام دعوة الأستاذ عثمان ميرغنى، فأنفضّ السامر، وبقى عثمان ميرغنى مثلَ السيْفِ وحْدهْ. 
٥- فى منتدى على (فضائيّة أُم دُرمان)، فى برنامج (مطر الألوان)، ٢٠١١،إستضافنى الأُستاذ الإعلامى المرموق حسين خوجلى بمعيّة المُفكِر الدكتور على حمد إبراهيم، فى حِوارٍ عن (الدعوة للقبليّة) ما لها، وما عليها، وكان الحوار، والذى إمتدّ لأكثر من ساعتين، سياسِيّاً بإمتياز، حملنا ثلاثتنا فيه على تقاعُس (المثقفين) عن العمل السياسى فى أوعيِة جديدة تكون بديلاً للأحزاب التقليديّة ذات (الأرضيّة القبليّة) و (السقف الطائفى)، ومرّةً أخرى، لم يعقُب ذلك المُلتقى غير بعض التعليقات من بعض الصُحف اليوميّة، وكلها كانت مع الدعوةٍ لِ:- (الوعاء الجامع). 
٦- يعود الدكتور عمر فضل الله اليوم، واضعاً باقَةً من أهداف (الجبهة الوطنِيَّة المُوحّدة)، 
تسميةً أكثر شمولاً، وأهدافاً منتقاةٍ ومطهّرة من كل ما يدعو للِْبسْ فى الفهم، وهى – لعمرى – أهدافٌ تدعو للطُمأنينة وتبعثُ على الأمل، فالوطن فى أمسّ الحاجة لروحٍ وثّابةٍ وطمُوحٍ مفتُوحٍ على الأُفق، فالأحزاب ال :- ( بضعةٍ وثمانين ) حزباً، تتدافع على منصبٍ يضمن لرئيس الحزب مقعداً واحداً فوق مقطورة السُلطان، ولا عزاء لِوطَنْ.
٧- الدكتور عمر فضل الله، لسانُ صِدق، وأُذُنُ خير، وأفضل من يرفع القواعد من (الجبهة الوطنِيّة المُوحدة)، وهُو هادينا لوجهتنا.

اللواء م/ عثمان عبد الله

اللغة والتهديد الخارجي


إن الكلام عن لغة خطاب موحدة بين العرب بلهجة غير العربية الفصيحة هو كلام بعيد عن الواقع، فالعاميات العربية اكتسبت ملامحها المميزة عبر الأزمان تأثراً بثقافات ولغات ولهجات الشعوب من حولها أخذاً وعطاءً. ولو حدث التغيير أو التقارب فلابد أن يكون مشروطاً بغلبة ثقافة من الثقافات على الأخرى مشرقية كانت أو مغربية أو وسيلة تقارب فاعلة ومؤثرة. ولا أرى في الأفق دلائل واضحة على هذا، بل الواقع هو أن هناك تبايناً واضحاً بين لهجة المشرقيين والمغربيين فلا يفهم بعضهم بعضاً إلا إن اعتمدوا العربية الفصيحة لساناً بدل اللهجات المحلية.
العاميات أو فلنسمها (اللهجات) العربية هي بنات الفصحى تقترب منها أو تبتعد، وقد عاشت جنباً إلى جنب مع العربية الفصيحة منذ القديم، وكان العرب يفهم بعضهم بعضاً، لكنها كانت منحصرة في عدد قليل من قبائل الحجاز ونجد واليمن وحضرموت.. وغيرها، وقد أطلقوا عليها أسماء بحسب ما يميز لسان هذه عن تلك، مثل: طمطمانية حمير، وعنعنة تميم، وفحفحة هذيل، وغمغمة قضاعة، وكشكشة ربيعة.. وغيرها. واختلاف الألسن العربية هو عين السبب الذي من أجله نزل القرآن بالأوجه المتعددة للقراءات، وكذلك خاطب النبي تلك القبائل بألسنتها المتعددة. ثم لما اتسعت رقعة المسلمين، وتمدد العرب شرقاً وغرباً، وتمازجت القبائل العربية مع الأعجمية، واختلطت الثقافات؛ كثرت اللهجات، وتعددت تصنيفاتها بحسب الأماكن؛ فنشأت اللهجات المغاربية بلسان أهل المغرب العربي والمشارقية بحسب البلدان مثل لهجات جزيرة العرب الخليجية والنجدية والحجازية والعراقية ولهجات الشمال الشامية كاللبنانية والسورية والفلسطينية والأردنية، وحتى المدن والمناطق أصبحت لها لهجاتها، فاللهجة المصرية مثلاً تنسب إليها الصعيدية والإسكندرانية والقاهرية، واللهجة النيلية تنسب إليها السودانية والمحسية والشايقية والدنقلاوية.. وهكذا في كل بلد من البلدان، أضف إلى ذلك لهجات البدو في كل منطقة. وهذه اللهجات في طريقها للاتساع والتعدد أكثر من أيلولتها للتوحد، وسوف تبقى هناك فصحى وعاميات، حيث تكون الفصحى هي المرجعية كلما تفرقت بها السبل أو تعددت الألسن.
الإعلام الجديد وفر للناس إمكانية استخدام ما يشاؤون من لغات أو لهجات، كما أضاف المؤثرات النصية التعبيرية والصورة والصوت والخواص الأخرى، إضافة إلى التفاعلية في الحوار، ولذلك فقد أصبح من السهل التخاطب بين العرب باختلاف لهجاتهم، لكن نشأت إضافة إلى ذلك لهجات وطرائق مبتدعة للتواصل مثل النقحرة (النقل الحرفي Transliteration) لترجمة اللغات واللهجات واستخدام الحروف اللاتينية لكتابة العربية، وذلك مؤشر لتأثر اللهجات العربية بثقافة الغرب التي وفرت وسائل التواصل، فقد أدخلت ثقافاتها ولغاتها وفرضت على مستخدميها استخدام المصطلحات والنصوص والرموز الانفعالية Emoticons الخاصة بها؛ فأصبحت مهدداً آخر للغة العربية.
أصبحت الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من أدوات الهيمنة الثقافية على الشعوب العربية منذ انتشار التلفاز والقنوات الفضائية بالبرامج الأجنبية والغزو اللغوي، فأثر ذلك على لغتنا العربية واللهجات المحلية معاً، وغير كثيراً من أنماط حياتنا وحياة أبنائنا عن طريق البرامج والإعلانات التي تصب في آذاننا خليطاً غير متكافئ من اللغات، وأصبحت اللغات الأجنبية هي الغالبة لدرجة أننا أصبحنا نحس أننا لا نعيش في ظل مجتمع لغته هي العربية. فاللغات الأجنبية صبغت حياتنا بصبغة أجنبية غريبة، بدءاً بلغة الخطاب اليومي وكثرة المصطلحات الأجنبية، فالشوارع والأسواق تموج باللافتات والأسماء الأجنبية، كما تعمل تقنية الإعلام الجديد مثل الشبكة الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي على إضعاف بل هدم وتخريب اللغة والثقافة العربية بنشر ثقافة الغرب المدعومة بالصورة والصوت والمؤثرات. ومعظم هذه الثقافات إن لم يكن كلها هي باللغات الأجنبية التي بدأت تصبح هي المهيمنة حتى في لغة الدراسة للنشء في مدارسنا العربية، وأصبح الهاتف المحمول الذي يقدم هذه الثقافات للجميع هو أحد أخطر الظواهر الاجتماعية ذات التأثير الواضح والعميق في جميع مجالات الحياة البشرية.
ويكشف تاريخ الشعوب العربية، منذ ابتلائها بالاستعمار، وحتى تحررها، ثم ما بعد ذلك؛ أن الوجود الأجنبي لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية هامشية، وإنما كان سعياً أعد لإحلال لغة المستعمر محل العربية، لتصبح جزءاً أساسياً من الثقافة الرسمية في البلاد المحتلة، ثم ينميها ويغذيها تحت تأثير المناخ الاجتماعي والسياسي والفكري وشعارات مواكبة التحديث لانتزاع الشعوب بعيداً عن لغتها القومية، وادعاء أن العربية عاجزة عن مواكبة الحداثة والمعاصرة. والآن أصبحت مسؤولية الشعوب العربية استعادة قوة لغتها العربية عبر خطط وإستراتيجيات محكمة للتعليم والإعلام العربيين.

مقال : اللغة والتهديد الخارجي – المجلة العربية العدد 487 شعبان 1438 – مايو 2017
http://en.calameo.com/read/0001454401e86f2b10459

 

 

أنفاس صلَيحة.. مرة أخرى : الصادق عبد الله


أنفاس صلَيحة.. مرة أخرى

أعالج هذه المرة نصاً من شأن التنمية.. وبناء القدرات.. شراكة سمها مع الخليج أو غيره من شراكات التنمية..

وجهاز صغير إلى جنبي ..يبث نغمات وكلمات .. اشتقت ليك ساعة المسا فرد الجناح.. شوق اليتيم غلبو البكا .. والعبرة سدّت في الحلق.. من كم سنه سرج النياق في ليل وحاتك دون خبر.. مديت معابر شوقي ليك ..وحنين حنيني الطاغي ليك.. وفي اللحظة ديك اشتقت ليك واحتجت ليك .. قصة الجدة صليحة تنتابني.. إنه اسماعيل حسن.. إنه محمد ميرغني.. يغنيان.. لليتيم .. غلبو البكا.. لكن عمر فضل الله ايضاً.. في أنفاس صليحة..

أنفاس صليحة.. قصة من التيليباثي (التخاطر) عبر التاريخ.. الصحراء.. رحلات الحجيج.. قصص مملكة غابت عنها الشمس.. لكن .. لا زلنا نذكرك أيتها الجدة ..أيتها اليتيمة الغريبة.. نكاد نوقظك مرة أخرى لتحكي لنا عيان وبيان.. قصتك.. أتذكرين حين تخرجين كل يوم إلى أطراف البلدة تنتظرين عودة أبيك وأمك الذين لم يعودا ولن يعودا. فبقيت يتيمة.. جدّك كان يعلم فاجعة اليتم لصبية مثلك. لكنه سار جدك في رحلة الحج. ثم انفطر قلبه عليك وحزن لفراقك. جلس يبكي عليك كما لم يبك في حياته قط .. عاد من الحج لم يجدك.. علم ايتها اليتيمة أنك قد غادرت المكان تبحثين…ثم عاد منفطر القلب من حيث أتى. ..

تركضين لاهثة.. تلتحقين بقافلة.. يحذرك دليل القافلة من العقرب والثعبان في الصحراء، ومن تقليب الصخور. الحذر في كل خطوة. وفي ليلة ظلماء شيء ما يقترب منك. أنفاسه .. أنيابه الطويلة. لا تخافين ثم ترينه يقفز بعيداً .. ينطلق مبتعداً مذعوراً… وفي ليل الصحراء تثور الرمال.. حفرة في الرمل تجلسين فيها وتتدثرين بالثياب ولما تنهضين لا تجدين أحد هناك. آه لقد ذهبت القافلة منذ مدة .. أحسست هذه المرة برعشة تسري في أوصالك.. وعندما خرجت من مكانك إلى أعلى التلة.. يباغتك أحد ويربط قدميك ويعلقك مقلوبة من قدميك.

ثم تعجبين .. يعود الرجل يفك أسارك، يلحقك بقافلة تنطلق شرقاً عند الفجر.. امرأة في القافلة تعرف أنك تسيرين وحدك.. فتضمك إليها في المسار الطويل. تصلين إلى سوبا ووأيام تقضينها طريحة الفراش بعد عناء الرحلة.. ثم تخرجين وتسيرين في طرقاتها… في أسواقها .. هي خليط من الألوان والأجناس والأنفس والقبائل.

في سوبا ..تسألك زوجة عبدالله جماع إمرأة. من أنت وماذا تريدين؟. تجيبين ابحث عن جدّي جئت إلى هذه البلاد أبحث عنه يا «عائشة»!. كل يوم تطوفين شوارع (سُوبَا) وتنتظرين القوافل لعله وجه جدّك بينها.

وسنة كاملة يمضيها جدك .. مرافقاً قافلة الحج في سيرها الطويل المضني..يهاجمهم قطاع الطرق.. تتفرق القافلة ويفقد جدك أشياءه الثمينة.. يعبر البحر جدك ، ويذهب حاجاً .. يسأل الله أن يجمع بينك وبينه حفيدته «صُلَيْحَة». صليحة كانت كل همه.. كل دعواته وصلواته صليحة.

يعود جدك الحاج عبدالحميد اللقاني.. تقابله قافلة من (سُوبَا) يخبرونه بحصار المدينة.. ويحدثونه عن فتاة تعترض القوافل تسأل عن جدها.. (هوي ما شفتوا لي جدي عبدالحميد) .. يشد العزم يصل بعد اشهر ثلاث إلى (سُوبَا). لا يرى سوى الأطلال والخرائب . يصلي العشاء ثم يتوسد ذراعه لينام.

يتيم آخر .. عبدالسميع فتى يخدم القافلة. هو الآخر فقد الأب والأم في الوباء .. يحلم ببلاد مثل الجنة (أصلو ما معروفة وين).. صاحب جدك في رحلته شرقاً.. ثم فارقه في منتصف الرحلة إلى بلاد (النوبة).. ذاك أيضاً حين هاجم اللصوص القافلة كان عبد السميع من بين أولئك الهاربين.. تنتهي رحلة عبدالسميع إلى سوبا.. يلقاك.. فتتزوجينه.. لا أنت ولا هو يعرف .ز أنه رفيق جدك.. لكن اللصوص اضاعوه..

جدك ..يصلي العشاء ثم يتوسد ذراعه.. يستيقظ ليلاً.. فيرى شبحاً جاء يمشي نحوه.. رغم الظلام تشبه مشيتة الفتى عبد السميع.. إنه هو.. يهرع نحو جدّك الحاج ويعانقه. ثم يستضيفه عنده هناك في مشارف بادية (البُطَانَة). يقودان جمليهما .. يتحدثان .. ابحث عن حفيدتي. فإذا بك تخرجين من الخباء يا «صُلَيْحَة»! فيراك أمامه، فيفاجأ بك وتفاجئين به أمامك بقامته الفارعة، وثوبه الأبيض الجميل.

كلاكما أصابته صاعقة الدهشة. حين رآك ترنح وكاد يسقط. ثم تماسك فبقى واقفاً. هو غير مصدق. وأنت لا تصدقين، لكنك تركضين في جنون صوب ذراعيه المشرعتين لاحتضانك. نعم يا جدّي. روحي رأتك فعلمتُ أنّني سوف ألقاك. وبحمد الله رؤيتي قد تحققت فرأيتك على الحقيقة. ..

ثم ها أنتما ترقدان ابدياً .. قبران مجهولان في سكون أبدي، تسفي عليهما الرياح وتهطل الأمطار. تبنت شجيرات من الأكاسيا .. وعلى أديمهما قطاة تبيض .. ثم تطير مع أفراخها إلى جهة مجهولة. .. يمر النّاس بهما ولا يعرفون اسماً لصاحبيهما، فقد مات كل من كان يعرفهما. لكنهما مازالا هناك متجاورين، لا يشهدان تقلب الفصول، ولا تعاقب الليالي والأيام، فذلك لم يعد يعنيهما في شيء، ولا ينتظران أحداً يمر ليلقي التحية أو يرفع يديه بالدعاء، فقد مات كل من عرفهما…

الآن.. من بعث هذا الحفيد بعد طبقات من التاريخ .. يناديك.. يخاطرك.. وتخاطرينه.. يسائلك.. ..يقرأ خواطرك.. وقصتك عبر الصحراء.. الرمال.. القوافل.. سوبا.. عبدالسميع.. عبدالله القرين.. ينطوي الزمان..

وجدك.. يا صليحة.. لا تشائين أن تفاريقنه.. حتى الممات.. تلحقين به وترقدين إلى جواره.. قبران .. صامتان .. تشرق عليهما الشمس كل يوم.. تبث شعاعها وحرارتها. تنبت شجيرات الأكاشيا.. طائر القطا قرب القبرين يتخذ مفحصاً.. يضع بيضه.. يكير يغادر عشه في إقلاعه المعهود..

القمر ياتي مساءا.. يصيب الصحراء منه سحر وسكون.. يظل القبران صامتين.. .تدور السنون.. تروح أجيال.. لا أحد.. يذكر صليحة وجدها.. إلا هذا الحفيد.. الذي اسمه اسمه عمر.. وهذا القارئي.. يكاد يوقظك.. فلتنامين.. وسلام عليك وعلى أمم ممن معك.

وحدك هناك عبر المدى ما سامعه صيحات اليتيم.. بيموت وحيد في الضلمه زي موت الصدى.. وبقيتي إنتِ هناك براك.. زي الفنار الواقفه في قلب الغريق . مديت معابر شوقي ليك..

الصادق 15 مايو 2017

اللغة والتهديد الخارجي


إن الكلام عن لغة خطاب موحدة بين العرب بلهجة غير العربية الفصيحة هو كلام بعيد عن الواقع، فالعاميات العربية اكتسبت ملامحها المميزة عبر الأزمان تأثراً بثقافات ولغات ولهجات الشعوب من حولها أخذاً وعطاءً. ولو حدث التغيير أو التقارب فلابد أن يكون مشروطاً بغلبة ثقافة من الثقافات على الأخرى مشرقية كانت أو مغربية أو وسيلة تقارب فاعلة ومؤثرة. ولا أرى في الأفق دلائل واضحة على هذا، بل الواقع هو أن هناك تبايناً واضحاً بين لهجة المشرقيين والمغربيين فلا يفهم بعضهم بعضاً إلا إن اعتمدوا العربية الفصيحة لساناً بدل اللهجات المحلية.
العاميات أو فلنسمها (اللهجات) العربية هي بنات الفصحى تقترب منها أو تبتعد، وقد عاشت جنباً إلى جنب مع العربية الفصيحة منذ القديم، وكان العرب يفهم بعضهم بعضاً، لكنها كانت منحصرة في عدد قليل من قبائل الحجاز ونجد واليمن وحضرموت.. وغيرها، وقد أطلقوا عليها أسماء بحسب ما يميز لسان هذه عن تلك، مثل: طمطمانية حمير، وعنعنة تميم، وفحفحة هذيل، وغمغمة قضاعة، وكشكشة ربيعة.. وغيرها. واختلاف الألسن العربية هو عين السبب الذي من أجله نزل القرآن بالأوجه المتعددة للقراءات، وكذلك خاطب النبي تلك القبائل بألسنتها المتعددة. ثم لما اتسعت رقعة المسلمين، وتمدد العرب شرقاً وغرباً، وتمازجت القبائل العربية مع الأعجمية، واختلطت الثقافات؛ كثرت اللهجات، وتعددت تصنيفاتها بحسب الأماكن؛ فنشأت اللهجات المغاربية بلسان أهل المغرب العربي والمشارقية بحسب البلدان مثل لهجات جزيرة العرب الخليجية والنجدية والحجازية والعراقية ولهجات الشمال الشامية كاللبنانية والسورية والفلسطينية والأردنية، وحتى المدن والمناطق أصبحت لها لهجاتها، فاللهجة المصرية مثلاً تنسب إليها الصعيدية والإسكندرانية والقاهرية، واللهجة النيلية تنسب إليها السودانية والمحسية والشايقية والدنقلاوية.. وهكذا في كل بلد من البلدان، أضف إلى ذلك لهجات البدو في كل منطقة. وهذه اللهجات في طريقها للاتساع والتعدد أكثر من أيلولتها للتوحد، وسوف تبقى هناك فصحى وعاميات، حيث تكون الفصحى هي المرجعية كلما تفرقت بها السبل أو تعددت الألسن.
الإعلام الجديد وفر للناس إمكانية استخدام ما يشاؤون من لغات أو لهجات، كما أضاف المؤثرات النصية التعبيرية والصورة والصوت والخواص الأخرى، إضافة إلى التفاعلية في الحوار، ولذلك فقد أصبح من السهل التخاطب بين العرب باختلاف لهجاتهم، لكن نشأت إضافة إلى ذلك لهجات وطرائق مبتدعة للتواصل مثل النقحرة (النقل الحرفي Transliteration) لترجمة اللغات واللهجات واستخدام الحروف اللاتينية لكتابة العربية، وذلك مؤشر لتأثر اللهجات العربية بثقافة الغرب التي وفرت وسائل التواصل، فقد أدخلت ثقافاتها ولغاتها وفرضت على مستخدميها استخدام المصطلحات والنصوص والرموز الانفعالية Emoticons الخاصة بها؛ فأصبحت مهدداً آخر للغة العربية.
أصبحت الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من أدوات الهيمنة الثقافية على الشعوب العربية منذ انتشار التلفاز والقنوات الفضائية بالبرامج الأجنبية والغزو اللغوي، فأثر ذلك على لغتنا العربية واللهجات المحلية معاً، وغير كثيراً من أنماط حياتنا وحياة أبنائنا عن طريق البرامج والإعلانات التي تصب في آذاننا خليطاً غير متكافئ من اللغات، وأصبحت اللغات الأجنبية هي الغالبة لدرجة أننا أصبحنا نحس أننا لا نعيش في ظل مجتمع لغته هي العربية. فاللغات الأجنبية صبغت حياتنا بصبغة أجنبية غريبة، بدءاً بلغة الخطاب اليومي وكثرة المصطلحات الأجنبية، فالشوارع والأسواق تموج باللافتات والأسماء الأجنبية، كما تعمل تقنية الإعلام الجديد مثل الشبكة الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي على إضعاف بل هدم وتخريب اللغة والثقافة العربية بنشر ثقافة الغرب المدعومة بالصورة والصوت والمؤثرات. ومعظم هذه الثقافات إن لم يكن كلها هي باللغات الأجنبية التي بدأت تصبح هي المهيمنة حتى في لغة الدراسة للنشء في مدارسنا العربية، وأصبح الهاتف المحمول الذي يقدم هذه الثقافات للجميع هو أحد أخطر الظواهر الاجتماعية ذات التأثير الواضح والعميق في جميع مجالات الحياة البشرية.
ويكشف تاريخ الشعوب العربية، منذ ابتلائها بالاستعمار، وحتى تحررها، ثم ما بعد ذلك؛ أن الوجود الأجنبي لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية هامشية، وإنما كان سعياً أعد لإحلال لغة المستعمر محل العربية، لتصبح جزءاً أساسياً من الثقافة الرسمية في البلاد المحتلة، ثم ينميها ويغذيها تحت تأثير المناخ الاجتماعي والسياسي والفكري وشعارات مواكبة التحديث لانتزاع الشعوب بعيداً عن لغتها القومية، وادعاء أن العربية عاجزة عن مواكبة الحداثة والمعاصرة. والآن أصبحت مسؤولية الشعوب العربية استعادة قوة لغتها العربية عبر خطط وإستراتيجيات محكمة للتعليم والإعلام العربيين.

أنفاس صليحة للدكتور عمر فضل الله – مقال بقلم الأستاذ عبيد المجذوب


أنفاس صُليحة
د. عمر فضل الله
بقلم الأستاذ Obaid Al-Magzoub
الموضوع:

– الهجرات العربيّة إلي علوة.
– الهجرات الإفريقيّة.
– سقوط علوة.
المجتمع الجديد في علوة:- عرب ونوبة.
الدّين: مسيحيّة منقوصة مع رفض كنيسة الإسكندريّة وكنيسة أكسوم مّد يد العون.
– إلحاق الإنتهازيّة بالمسيحيّة بغرض مصالح ذاتيّة ومنافسة الملك وإنقسام دولة علوة داخلياً.
الملك وأنصاره من جهة، والكنيسة وأنصارها. وثنيّة، ومسيحيّة ضعيفة،
وإسلام منقوص، وعداء بين الكنيسة وعرب القواسمة ولّد أحقاداً قادت للإنقسام.
تحالفات: العرب وقبيلة الفونج القويّة.
والكنيسة والأحباش وقبائل أُخرى.
عرب القواسمة يخشون أن تنتفض قبيلة الجعليّين القويّة علي علوة من الشمال والغرب وتسيطر علي البلد لهذا السبب تحالف عبد الله جمّاع مع الفونج.
تعدّدت أصوات السرد ممّا أضفى واقعاً سحريّاً مع قفزة غر يبة بأن يكون الراوي سواءً كان الجد أو الأب أو الحفيد عند عناق صليحة تتملّكه قدرات أسطوريّة بالعودة إلي ماضي صُليحة الذي لا يعرف عنه شيئاً أصلاً فيستطلع الماضي ويحكى صُليحة نفسها وليس الآخرين بلسان المتكلّم والإستعانة بإحدى فنيّات السرد (الفلاش باك).
ما الذي تضيفه قوّة الأسطورة لأنفاس صُليحة لقوّة السرد؟
كأنّ الكاتب أراد دعم العنوان بهذه الصورة كونه عنصراً أساسيّاً من عناصر السّرد.
ومع ذلك طريقة الحكى هذه تدعم الجانب الأسطوري من الرواية في تنقّل صليحة في سنّ صغيرة من اقصى المغرب عبر الصحراء في رحلة شاقّة إلي سوبا بطريقة رائعة.
ودوانة زوجة الأمير وولي العهد أوندي الذي أعدمته الكنيسة لتكون لها مطلق السيطرة السياسيّة والدينيّة وابنتهما الفاتنة أونتي كان رائعاً حقّاً الإظلام الذي فرضه الكاتب علي ما تمّ بين عبد الله القرين ودوانة وما جرى من أحداث وانتقالها إلي سوبا كانت الحبكة رائعة وإظلاماً شاملاً إلي أن انكشف في نهاية الأمر أنّ دوانة لم تكن سوى عجوبة التي خربت سوبا وبدا جليّاً أنّ عمليات الإظلام في جوانب من الرواية عمل تكتيكي مؤثّر من قبل الكاتب.
مع إعجابي الشديد بالرواية والجهد الذي بذله الكاتب في تسليط الضوء علي سقوط دولة علوة وما كان يدور من مؤامرات بين الكنيسة والملك والعرب والنوبة والمسيحيّة والإسلام وكلّ القضايا اليوميّة في مجتمع سوبا الدّاخلي التي ساعدت علي سقوط سوبا وبالتالي علوة إلا أنّني حبّذت لو أنّ الرواية انتهت بنهاية مملكة علوة وسقوط سوبا بالمقطع المظلم من شخصيّة دوانة دون أن يصرّح أنّها سوبا [لعلّ الكاتب علي صواب؛ ذكر لي أحد الشباب النّابهين أنّه لم يكن يدري مطلقاً عن حقيقة عجوبة وسوبا إلا بتصريح الكاتب عن حقيقة دوانة وإلا لما فهم العلاقة من المثل المبهم السائر عن عجوبة الخربت سوبا!]
التهيئة لسقوط سوبا ونهاية علوة كان رائعاً ، المنازعات مع الملك وبين النوبة والمزارعين والعرب الرعاة والجعليّين والقواسمة وسقوط مجتمع علوة في بغضهم للمسيحيّة التي لم تجد العون من كنيسة الإسكندريّة ولا كنيسة الحبشة وبقاء بعض سكّان علوة علي وثنيتهم لأنّ العرب المسلمين لم ينشروا الإسلام هناك بل هم أنفسهم لم يحسن إسلامهم.
وعلي العموم رواية جدّ رائعة في عمومها وخصوص تقنية السرد وجوانب الحقائق والأساطير.
عبيد المجذوب.
منتدى كردفان الأدبي.

مقال لا تنقصه الصراحة حول العلاقات السودانية المصرية


بقلم عمر فضل الله

تضافرت الجغرافيا والتاريخ على تشكيل حضارة ذات ملامح ثقافية وعرقية متشابهة في وادي النيل امتدت لأعماق التاريخ القديم فقد نشأت الحضارات في المنطقة منذ آلاف السنين وقبل أن تعرف الدول والحدود فقد كشفت البحوث والحفريات أن الحضارة نشأت وازدهرت في جنوب وادي النيل، وعلى الأخص في حوضه الأوسط ثم تمددت شمالاً وجنوباً. وأنها ليست محض امتداد للحضارات في شمال الوادي، كما كان الظن سابقاً.

أثبت التاريخ أنه كلما حاق الضعف والإنحلال بمصر، تقهقرت الأسر المالكة، والأمراء والكهنة، يطلبون الملاذ في جنوب الوادي. كما سجل التاريخ ملاحم خالدة، هبت فيها ممالك من جنوب الوادي، إلى الشمال تطرد الغزاة والمحتلين من شمال الوادي، وتنشر القوة والبعث والإزدهار وتعيد الأمن والنظام. ونقرأ في دهشة تلك اللوحة المقدسة في جبل البركل المقدس في ذلك الزمان القديم، والتي يحذَّر فيها الملك بعانخي جيشه من المساس بالمعابد المقدسة، ويأمرهم أن يحيطوها بالإجلال والتعظيم، وأن يدخلوا طيبة المقدسة خاشعين مبتهلين. ونعرف زحف الملك ترهاقا، ليخلص شمال الوادي من قبضة الآشوريين.

أخبرنا التاريخ عن ظاهرة هامة هي أنه كلما فقدت مصر استقلالها أو أجبرت على الإندماج في أمبراطوريات أكبر منها كالأمبراطورية الرومانية أو الإمبراطورية الفارسية، تضمحل العلاقات بين البلدين حتى تثوب مصر لرشدها ولنفسها وتستعيد كيانها فتزدهر الروابط من جديد. هذا ما كان من شأن التاريخ القديم.
يذكر السودانيون سنوات طويلة من المهانة والإذلال تحت حكم ولاة محمد علي التركي الشركسي حاكم مصر الذي جاء من الشمال ليعتدي على السودان المسلم سنة 1821. ويذكر السودانيون ولاة محمد علي الشراكسة والأرناؤوط وحلفاءهم الأوربيين حتى وفاق 1899م الذي اعترفت فيه بريطانيا بحق السيادة على مصر، وبالدعاوى الخديوية للسيادة على السودان، والتي يزعمون أنها تُستمد من حق الفتح، أو من الفرمانات العثمانية، أو بحق العمران. وفاق 1899 اعترف بالسيادة المصرية على السودان، لكن في واقع الأمر كانت مصر نفسها تحت قبضة الإحتلال ولم تكن تملك قرارها ولا مصيرها.

منذ ذلك التاريخ بذلت بريطانيا وسعها لتفكيك الصلات في وادي النيل. عزلت السودان من مصر، وعزلت شمال السودان من جنوب السودان، وعملت كل ما في وسعها لعرقلة الصلات الثقافية والتاريخية والتجارية بين البلدين. جعلت جنوب السودان منطقة مغلقة أمام المؤثرات الثقافية العربية والإسلامية. وانتهزت الحكومة البريطانية مقتل السير لي ستاك سردار الجيش المصري في القاهرة فقوضت آخر ما تبقى من علاقات بين البلدين. في تلك الأيام بلغت المهانة بمصر – قبل ذلك وبعده – أن أدمج منصب الحاكم العام في السودان في منصب القائد العام للجيش المصري، فكان الإنجليزي قائد الجيش المصري هو حاكم عام السودان، وهو ما يسمى بسردار الجيش المصري. وطيلة المفاوضات الطويلة المضنية بين بريطانيا ومصر حول الجلاء وحول قضية السودان كان الموقف (المصري) التقليدي هو ادعاء السيادة على السودان والسيطرة على موارد النيل.

أما بريطانيا ففي سعيها للإنفراد بالسودان كانت تتذرع بمسئوليتها نحو السودانيين وحقهم في تقرير مصيرهم. وكلنا نذكر قولة صدقي باشا: (جئتكم بالسيادة على السودان) ولكن في مواجهة ذلك كانت القوى الوطنية في مصر تنادي بالكفاح المشترك لإجلاء الإستعمار من وادي النيل بأسره. وتُوِّج هذا العمل والنضال البارز للشعبين بمذكرة مؤتمر الخريجين السوداني في 3 أبريل 1942حين رفع مؤتمر الخريجين مذكرة تاريخية للحاكم العام، حوت اثنى عشر مطلباً سياسياً. كان المطلب الأول فيها: (أن تُصدِر الحكومتان البريطانية والمصرية في أول فرصة سانحة، تصريحاً مشتركاً، يمنح السودان بحدوده الجغرافية حق تقرير المصير مباشرة، وضمان حرية التعبير مع ضمانات تؤكد للسودانيين حق تكييف علاقاتهم الطبيعية مع مصر في اتفاق خاص بين المصريين والسودانيين).

وكانت الخطوة التالية هي الثورة المصرية التي تخلت نهائياً عن دعاوى السيادة على السودان، وتوصلت مع السودانيين إلى اتفاق تاريخي هدفه الأساسي هو إنهاء الحكم الثنائي، وتصفية الإدارة البريطانية، ومنح حق تقرير المصير للشعب السوداني. وشاء السودان أن يختار الإستقلال.
هذه المقدمة التاريخية الهامة توضح مجال أو مسار العلاقات الطبيعية بين مصر والسودان منذ التاريخ القديم.

السودان تربطه بمصر إنتماءات عميقة كان ينبغي أن يستثمرها البلدان لتقوية هذه الإنتماءات ولمصلحة البلدين بتبني سياسات الحدود المفتوحة بدلاً من أن تكون بؤر للمنازعات ودعاوى للتبعية وتهريب ومشاكسات كان ينبغي أن تتحول إلى بؤر للمصالح المشتركة، والإنسجام الثقافي وتجارة الحدود وتبادل المنافع والتمازج الحضاري.

السودانيون من جانبهم قدموا أكثر ما يمكن أن تقدمه أي دولة جارة نبيلة وبلد حر لأشقائهم في الشمال. يذكرون بالإعزاز وقوفهم مع مصر حين تخلى السودانيون عن أراضيهم طوعاً وقاموا بترحيل مواطنيهم لتنعم مصر بأرض مياه السد العالي. وحين أقرضوا مصر الجزء الأكبر من نصيب السودان من مياه النيل وحين وقفوا مع مصر في الحروب فحين تهزم مصر يلجأ رئيسها عبد الناصر للخرطوم ويقول: (الخرطوم عاصمة الصمود) لتكون الخرطوم هي ملهمة عبد الناصر في الصمود. وهى التي تقود تنقية الجو العربي، ووقف الحرب اليمنية، وتدبر اللقاء التاريخي الشهير بين عبد الناصر والملك فيصل. بل ويسارع السودان قبل أية دولة عربية إلى قطع علاقاته السياسية والدبلوماسية كاملة مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا أيام الحرب. ويستضيف الطيران المصري الجريح في قاعدة وادي سيدنا، فيخليها من الطلاب والسكان والمدينة ويجعلها قاعدة جوية مصرية. ويستضيف السودان الكلية الحربية المصرية على أرضه لتدريب وإعداد الضباط المصريين وفي ملحمة السد العالي ينسى السودانيون حلفا وأهلها، فيقدمونها ضحيةً وقرباناً أمام تحدي مصر للغرب. وفي كامب ديفيد، يغامر السودان بكل علاقاته العربية والإسلامية، فيقف مسانداً لمصر ويخسر كل العالم من حوله، كل ذلك وقفه السودان بسبب هذا الإنتماء، ليس بسبب أي مصلحة مع مصر أو مصلحة خارجية.

لكن مصر تعودت أن تعض اليد التي تمتد إليها بالإحسان. تعضها في كل موقف وفي كل مرة ففي حرب الخليج حيث تمزق العرب، وأصبح البترول العربي وأصبحت قناة السويس، من جديد، عبئاً إستراتيجياً خطيراً على الحياة العربية تصبح مصر هي العصا لتأديب السودان ويسعى رئيس مصر للفتنة بين السودان وأشقائه من الدول العربية. بل وتسعى مصر لوصم السودان بالإرهاب وتصنيفه ضمن دول الضد وضمن الدول الراعية للإرهاب. مصر هي التي تقود الحملة ضد السودان.

العلاقة بين السودان ومصر لا يمكن أن تكون علاقة اعتيادية بين أي دولتين جارتين فهي إما أن تسير في اتجاه التكامل والتوافق والوحدة، أو أن تسير في اتجاه الصراع وذلك لكثرة المصالح المشتركة التي تربط بينهما لكن مصر اختارت جانب الصراع وفضلته على جانب الوحدة والإخاء واختارت أن تقطع شريان الحياة الذي يمدها بالماء والخصب والنماء فمصر كانت وما زالت هي هبة السودان عبر النيل. ونتساءل هل نهر النيل هو النهر الوحيد المشترك بين دولتين في العالم؟ بالطبع لا ولكن لهذا النهر خصوصيته فهو حين يدخل مصر يعبر أرضاً صحراوية شرقه وغربه فيحيلها إلى أرض خضراء ثم إن دول المنبع مثل إثيوبيا ويوغندا وكينيا، ليست في حاجة له، بل هي في حاجة إلى تصريفه. وحتى كثير من أراضي السودان ليست في حاجة كثيرة إلى النيل، مثل غرب السودان، وشرقه ومن باب أولى جنوبه. فالنيل سلاح ذو حدين، إما أن يكون أداةً للتكامل، أو أداةً احتراب. ومشكلة مياه النيل يمكن احتواؤها بالتكامل، خاصة وأن السودان دعا مصر للإستثمار والزراعة في الأراضي السودانية، لكن مصر في استراتيجيتها تجاه السودان ظلت تعامله معاملة الأخ الأكبر المتنمر بل وتدعو العالم للإضرار بالسودان. ظلت مصر تبحث بحثاً عن نقاط الخلاف مع السودان. مصر مازالت تتحدث عن الإرهاب الذي منبعه السودان ومصر تحزن لرفع العقوبات عن السودان ومصر تحتل الأراضي السودانية في حلايب وشلاتين وتزعم أنها أرض مصرية وترفض التفاوض حولها. ومصر تحرض إعلامها للنيل من السودان ومصر تصدر المنتجات الملوثة للسودان وتغضب حين يرفض السودان استيراد مثل هذه المنتجات. ولك أن تسأل لماذا لم ينفجر الموقف العدائي بين البلدين إلا مؤخراً؟ والجواب هو أن السودان كان يلجأ لشعرة معاوية في كل مرة، فهو دائماً الذي يطيل حبال الصبر. وقد يفسر البعض أن هذا موقف ضعف من السودان، لكن السودان كان حتى وقت قريب يرجو أن تفيق مصر من غيبوبتها وتعيد صياغة استراتيجيتها تجاه السودان. وظل موقف السودان الرسمي منطلقاً من موقف الشعبين فلا يوجد مصري واحد من عامة الشعب ولا سوداني واحد يسره أن تحدث المواجهات والعداءات بين البلدين لكن الواقع ليس هو الأماني والمشاعر والعاطفة. ومصر سوف تخسر لو راهنت على ضعف السودان فقد طفح الكيل وفاض. لاشك أنه لو حدثت مواجهة فسوف يخسر الطرفان لكن مصر ستكون هي الخاسر الأكبر. الإعلام المصري بدأ أخيراً يحرض الساسة المصريين على أن تمتد حدود مصر إلى الشلال الرابع والسودانيون في مواقع التواصل الاجتماعي بدأوا يقولون إن صعيد مصر كله يتبع للسودان. فمثل هذا الكلام من الجانبين له خطورته. وأؤكد أن مصر لو خسرت السودان فلن يبقى لها حليف بعد ذلك.

لكننا مازلنا نقول رغم مرارة الظلم الذي يعيشه السودانيون من العدوان الإعلامي المصري، فظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند ما زلنا نقول إن المسرح السياسي لن يستمر طويلاً على ما هو عليه الآن. ومازلنا ندعو العقلاء في مصر إلى قيادة الوعي وتحكيم العقل المصري وكف الأذى الذي يأتينا من إعلامهم قبل أن تقع الواقعة فمصر وحضارتها وشعبها لا يسمح أن يستمر هذا الظلم على السودان وشعبه.

أما على المستوى الاستراتيجي فنقول إن هناك خطراً كامناً لابد من التنبيه عليه وهو أن العلاقات السودانية المصرية تسير من سيء إلى أسوأ وليس العكس. فاستراتيجية مصر تجاه السودان ظلت ثابتة فهي تريد أن يكون النظام السياسي في السودان أو الحكومة في السودان، رديفاً تابعاً للنظام المصري بصورة من صور التبعية، الآيديولوجية، والثقافية والإقتصادية وفي حال عدم توفر هذا فهي تريد أن ينزلق السودان في حالة من الإضطراب السياسي والإقتصادي، وعدم الإستقرار الأمني ليكون في دوامة من الإعياء السياسي. وفي حال تعذر هذين الخيارين فإن مصر تريد أن يبقى السودان معزولاً، محاصراً وضعيفاً فقد حرصت طوال الأعوام الماضية على هذا بل إن مصر الرسمية سعت لعدم رفع المقاطعة والحصار الأمريكي عن السودان حتى لا يجد جهة حليفة له وخاصة الدول المشاطئة للنيل.

لو أرادت مصر الحفاظ على علاقات متميزة مع السودان فعليها أن تعيد صياغة استراتيجيتها للتعاون والتعامل المشترك بين الحكومتين في مصر والسودان، بحيث تسعى نحو تحقيق وحماية مصالحها في السودان انطلاقاً من الندية في العلاقات وليس ادعاء الوصاية التي لن تفلح في أي يوم من الأيام. ولو فعلت هذا لوجدت متسعاً من الترحيب من الحكومة السودانية في أن تسعى معها بل ومن الشعب السوداني أجمعه رغم كل شيء ـ في تطوير علاقات تقوم على المصالح المشتركة، لكن الحكومة المصرية لا تريد تطوير مصالح مشتركة، وإنما تريد تحقيق مطامعها في المنطقة. وفرق كبير بين المصالح والمطامع.

إن على مصر أن تعلم أنها حين تتأزم أوضاعها الداخلية فتنقلها إلى معارك خارجية بالتحرش بالمملكة العربية السعودية مثلاً أو القيام بتمثيل دور الشرطي الدولي في إفريقيا أو التحرش بجارتها الأزلية السودان فإن ذلك لن يزيد مصر إلا بعداً عن تحقيق أمنها الداخلي فالسودانيون يراهنون على العقلاء من الشعب المصري.

لقد ظلت السياسة المصرية تجاه السودان تتسم بالخداع وتكريس الأمر الواقع وأشير هنا إلى مسالة الخلاف حول حلايب والخطوات التي قامت بها مصر الرسمية والتي تدل على التحرش، والطمع الشديد، واللعب على حبل الصبر السوداني بل لا تدل على العقلانية، ولا مراعاة المصالح المشتركة. ففي بداية الأمر اتفقت مصر مع السودان على تطوير العلاقات بين البلدين، وألا تكون مشكلة حلايب عائقة في هذا الصدد، وأن تحال إلى اللجان المتخصصة لتحل حلاً سلميا. لكن لا تمضي أيام على ذلك الاتفاق إلا وتقوم الحكومة المصرية بتعزيز الوجود الآلي والبشري الكثيف في المنطقة المتنازع عليها، فتنشيء المباني، والمباني غير الثابتة تجعلها مباني ثابتة، وتعزز القوى وتقوم بتحويل قرية شلاتين إلى مدينة كاملة، وتفتتح قيادات للقوات المسلحة المصرية والشرطة والأمن في المنطقة وتوزع الجوازات المصرية وبطاقات الشخصية لقبائل البشاريين، والعبابدة السودانية في المنطقة الممتدة من جنوب حلايب إلى الأراضي المصرية وتنشيء مباني جديدة داخل النقاط المصرية الموجودة أصلاً داخل الحدود السودانية وتهجم القوات المصرية على الشرطة السودانية، فتقتل بعض رجال الشرطة السودانية وتسعى سعياً حثيثاً لتمصير المواطنين الذين يوجدون في المنطقة ثم تعلن عن قيام محافظة كاملة (مصرية) اسمها حلايب وشلاتين!

حين نقول هذا نفرق دائماً بين علاقات الشعوب وعلاقات الحكام. أما الشعوب فمن تلقاء الجوار يكفي أن تقوم بينها علاقة صديقة وحميمة لتبادل المنافع والمصالح المشتركة، وهذا هو الشأن الموجود في كل أنحاء الأرض، فالطبيعي أن علاقات الجوار وحدها كافية لأن تؤسس قاعدة للتعامل السوي الرشيد بين الشعوب لكن مصر لم تراع كل ذلك فبدأ تفقد مكانها ومكانتها بين الشعوب. كانت مصر في يوم من الأيام زعيمة الأمة العربية، وحاضنة لجامعة الدول العربية وزعيمة العالم الإسلامي، وذات دور ريادي في إفريقيا، واستطاعت أن تقيم علاقات حتى مع عدوتها التقليدية اسرائيل فتطبع علاقاتها معها، واستطاعت أن تحل مشكلة طابا بالحوار، لكن من الواضح أنه من العسير على مصر، التي فعلت هذا مع اسرائيل عدو الأمة العربية والإسلامية، أن تقيم علاقات ندية وأخوية مع السودان. ومن الواضح أن مصر لا تريد هذا أو لا يراد لها هذا.

قال أحد الإخوة المتشائمين من إصلاح العلاقات السودانية المصرية إن مصر الرسمية لو خيرت لاختارت أن يكون السودان أرضاً وماء بلا بشر ولو استطاعت لفعلت بأهل السودان ما فعلته أمريكا بالهنود الحمر. ولأن ذلك ليس سهلاً فمصر دائماً، وفي كل سنوات حكمها ومراحلها كانت تحرص أن يكون الحكم في السودان ضعيفاً تستطيع من خلاله أن تستغل مياه النيل بغير حدود وإن لم تستطع ذلك فتتحرش بالنظام في السودان وتتخذ من الذرائع والمبررات مثل حلايب. ولو تخلى السودان عن حلايب بالكامل لمصر لبحثت عن سبب آخر وجيه أو غير وجيه لاستفزاز السودان. فهذه النوايا الحقيقية لمصر الرسمية. ورغم قناعتي أن كثيراً من المصريين والسودانيين يختلفون معه في هذا الرأي إلا أن ما نشاهده مؤخراً من تصدير المنتجات الملوثة وتصدير السلاح للحركات المسلحة التي تقاتل السودانيين وغير ذلك من المؤشرات ثم الهجمة الإعلامية الظالمة للتحقير من شأن السودان وشعبه وأهله ووصمهم بالعبيد في الإعلام المصري الرسمي بل والتهجم على ضيوف السودان وزواره يجعلنا لا نستبعد هذا الرأي المتطرف كثيراً.

إننا في السودان نحمل السلطة في مصر المسئولية كاملة فهي المتهم الأول عندنا فالسلطة في مصر لم تتصالح مع الشعب المصري والوجدان المصري في أي يوم من الأيام والدليل على ذلك هو الثورات المستمرة على مدار الحكومات التي تعاقبت على الحكم في مصر. وفي تقديري أيضاً أن الخلاف بين النظامين المصري والسوداني يندرج في إطار المصالح بين النظامين الحاكمين وليس بين الشعبين السوداني والمصري. لكنه الآن بدأ ينحو منحى الخلاف بين الشعبين أيضاً. فمصر الرسمية لاتعبر عن الوجدان المصري والشارع المصري تجاه السودان. ومصر تلعب الدور وفقاً لتغير المصالح ففي قضية حلايب، ذكر د. بطرس غالي في كتابه “أضواء على الدبلوماسية العربية” أن حلايب هذه أرض مقفرة وليس لمصر أي مصالح حقيقية فيها، ولكنها كانت تدخلاً من مصر حتى تتم الإنتخابات السودانية بعد قيام الوحدة المصرية السورية، فتتمكن الأحزاب الموالية لمصر في ذلك الوقت من الاستفادة من هذه الوحدة كرتاً رابحاً لها للفوز بالإنتخابات في السودان. إذن قضية حلايب بدأت سياسية في المقام الأول، والآن مصر تنقل لها الماء من السويس وحتى شلاتين، لأن حلايب ليس بها ماء أصلا. ومصر قصدت أن تستفز السودان وتجره إلى معركة لم يحدد زمانها وإن كان مكانها معلوماً.

إن النظرة الخديوية أن يظل السودان مزرعة خلفية أو حديقة خلفية لمصر هي ذهنية واضحة في الوجدان السياسي المصري، والإعلام المصري ينفخ فيها فيقول إن مصر كان يحكمها ملك مصر والسودان! وهذه فرية في أذهان المثقفين في مصر والسودان. فبعض المثقفين المصريين والسياسيين المصريين يعتقدون أن مصر استعمرت السودان وهذا غير صحيح. فمصر استقلت في عام 1954 بجلاء الإنجليز وهي لم تستعمر السودان في أي يوم من الأيام حتى يكون لهم يد وشعور بالعلوية علينا أوشعور بالدونية من جانبنا. وما كان لمصر في أي يوم من الأيام أن تستعمر السودان حتى تشعر بهذا الشعور. ومع أن فصل جنوب السودان كانت تعتبره مصر من مهددات الأمن القومي المصري. لكنها لم تستطع أن تقف في وجه الولايات المتحدة حينما حرضت جنوب السودان على الانفصال مع أنه حدث ضد إرادتها.

كلمة أخيرة ونصيحة للعقلاء من الشعب المصري:
بدلاً من أن توجهوا سهامكم نحو الغاضبين من الشعب السوداني وجهوها نحو الإعلام المصري الظالم الذي نعتقد أنه هو القنبلة الموقوتة التي من الممكن أن تنفجر وحينا نقول للشعبين في وادي النيل لقد ولى عهد السلام والاستقرار في المنطقة.

الصادق عبد الله وأنفاس صليحة


شكرا لك د.عمر… شكرا لك د خالد فرح…
لقد تابعت من قبل الجدة صليحة وهي بعد طفلة يافعة.. من منشئها.. سمه دار فاس.. مغامرتها للحاق بجدها..وفقدانها للقافلة.. إثر عاصفة رملية.. وفقدانها راحلتها.. والتقاطها بواسطة أحد الهمباتة.. ثم تكامل خيوط نجاتها.. من وسط الحسانية.. دخولها تمبكتو.. ثم خروجها في رفقة قافلة أخرى.. وأرملة في عودتها إلى (أوليائها) بعد وفاة زوجها.. وحتى دخولها سوبا.. وشهادة صليحة لأحداث.. تدبير.. مؤامرات.. انسحاب ..تمويه.. عودة ..واقتحام.. وإزالة مدينة من وجه الأرض.. زواج صليحة..عودة جدها من رحلة الحج.. اللقاء المستحيل.. وأكثر من ذلك الراوي الحفيد.. حيث يناديها.. يسائلها.. يقرأ أفكارها.. وتقرأه.. إلى أن تغادر الدنيا تلحق بجدها.. وترقد إلى جواره.. ليصبحا قبرين صامتين.. تشرق عليهما الشمس كل يوم.. تبث شعاعها وحرارتها. تنبت شجيرات الأكاشيا.. طائر القطا قرب القبرين يتخذ مفحصاً.. يضع بيضه.. يكبر يغادر عشه في إقلاعه المعهود.. القمر ياتي مساءا.. يصيب الصحراء منه سحر وسكون.. يظل القبران صامتين.. .تدور السنون.. تروح أجيال.. لا أحد.. يذكر صليحة وجدها.. إلا حفيد بعيد اسمه عمر.. يسائل جده.. من لنا في ذاك المكان.. فكانت أنفاس صليحة… جدتي.. أو تسمعين طرق أصبعي في هذا الجهاز اللوحي.. خشيت أن أوقظك.. لكن
عبر الأثير استقبلت نصها.. طرياً.. تتبعته وتابعته.. فأصابتني الدهشة.. وأول سمت الدهشة الصمت.. ومنه الذهول. حتى أيقظني اليوم هكذا الدكتور خالد فرح.. شكراً . جدتي.. أو تسمعين طرق أصبعي على هذه اللوحة..
الصادق عبد الله.

أنفاس صُلَيْحَة: رواية جديدة للدكتور عمر فضل الله – بقلم: د. خالد محمد فرح


بقلم: د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com

الدكتور عمر فضل الله أديب وقاص وباحث وكاتب سوداني مرموق ، له إسهامات متنوعة ورفيعة المستوى في شتى مجالات العلم والمعرفة والأدب والفكر والدراسات الاستراتيجية وتقنية المعلومات، وهو يعمل حالياً ومنذ عدة أعوام استشارياً كبيراً في مجال ” الحكومة الالكترونية ” بدولة الإمارات العربية المتحدة.
أما في مجال الرواية تحديداً ، فقد صدرت له من قبل رواية ” ترجمان الملك ” ، وهي عبارة عن معالجة روائية لقصة هجرة صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) في القرن السابع الميلادي إلى مدينة النجاشي التي هي ” سوبا ” حاضرة مملكة ” علوة ” ، فراراً بدينهم من بطش مشركي قريش وأذاهم ، كما اقتضت تلك الرواية ، وكذلك اتساقاً مع فرضية بذات المضمون قال بها من قبل بعض العلماء والأدباء السودانيين خاصةً ، كان على رأسهم العلامة الراحل بروفيسور عبد الله الطيب.
وكنت قد عرضتُ لهذه الرواية الأخيرة لهذا الكاتب ، في مقال لي بعنوان: ” قراءة في رواية ترجمان الملك للدكتور عمر فضل الله ” ، نشرته بالصحافتين الورقية والالكترونية معاً. فمن أراد الرجوع إليه فليقوقله ، فهو ثمة.

على أنَّ رواية ” أنفاس صُلَيْحة ” التي يصدرها الدكتور عمر فضل الله في بحر هذا العام 2017م ، تُعتبر هي الأخرى ، بمثابة معالجة روائية مماثلة لتاريخ وملابسات وآثار هجرة القبائل العربية إلى السودان ، وتزايد أعداد أفرادها وجماعاتها ، إلى الدرجة التي أغرتها في نهاية المطاف بتضييق الخناق على مملكة ” علوة ” المسيحية وإسقاطها ، وانتزاع الملك منها في القرن الخامس عشر الميلادي ، لكي تسطِّر بذلك صفحة جديدة في تاريخ البلاد ، مما غير وجهتها الحضارية ، وكرَّس فيها شخصية وطنية جديدة ، تجسدت فيها غلبة الثقافة والتوجهات العربية والإسلامية بصورة حاسمة ونهائية.

وبمثلما فعل الدكتور فضل الله في روايته السابقة ” ترجمان الملك ” ، فقد اتكأ هذا الكاتب بشدة على التراث في روايته هذه ” أنفاس صُليحة ” ، التي عمد فيها إلى المزج بين الخيال والواقع والتراث والتاريخ ، وربما ملامح من السيرة الذاتية ، إلى جانب الروايات الشفاهية ، وخصوصاً روايات النسّابة التقليديين في السودان ، لكي يُخرج لنا عملاً سردياً باذخاً ، قوامه لمع فسيفسائية الشكل من كل ذلك ، ولكنه – في ذات الوقت – يختلف عن كل ذلك ، لأنه في خاتمة المطاف ، عمل روائي وليس منجزاً بحثيا. ذلك بأن أداته الأولى هي التخييل ، وغايته القصوى هي التشويق والامتاع في المقام الأول.

ولما كانت الرواية كما يقول العتابي: ” هي حبكة وشخصية ووصف ، هذا في ظاهرها ، أما داخل ذلك فثمة آراء وأفكار ورسائل يحاول الكاتب أن يقول رأيه فهي حينئذٍ موقف من الحياة والواقع ” ، فإن بوسعنا أن نقول إن عمر فضل الله قد استوفى بعمله هذا ، الشروط والمقومات الفنية للعمل الروائي تماماً ، من حبكة ، وصراع ،وصناعة شخصيات ، وتصوير لها من حيث المظهر والمخبر والنوازع النفسية الخ ، وسرد للأحداث ، وعقد للحوارات الدرامية. ولكنه قد تجاوز ذلك لكي يلقي من خلال سرده الروائي الممتع والمشوِّق ، بعض الأضواء الكاشفة على طريقته ، على مرحلة مفصلية ومهمة للغاية من مراحل التطور التاريخي للسودان بأسره على الصعيدين السياسي والاجتماعي ، وخصوصاً منطقة الوسط التي شهدت قيام مملكتي العبدلاب والفونج على التوالي ، ثم قيام التحالف المشهور بينهما بعد ذلك.
هذا ، ولا شك في أن البعد الذاتي ، أو متعلقات السيرة الذاتية والخلفية الاجتماعية للمؤلف ، قد لعبت دوراً محوريا في صناعة هذا العمل الإبداعي للدكتور عمر فضل الله. فالمؤلف هو من بلدة ” العيلفون ” القريبة من ” سوبا ” عاصمة مملكة ” علوة ” التي انقض عليها العرب بقيادة ” عبد الله جماع القريناتي القاسمي ” الملقب ب ” عبد الله جماع ” ، فأسقطوها ، وخربوها خراباً صار مضرب مثل مشهور في السودان.
وقد ارتبطت منطقة العيلفون بشخصية الشيخ الصوفي الكبير ” إدريس بن محمد الأرباب ” 1507 – 1651م ورهطه من قبيلة ” المحَسْ “. والمحس الذين يقطنون بمنطقة ملتقى النيلين الأزرق والأبيض ، وإلى الجنوب منها قليلا والذين ينتمون إلى الخزرج كما يقال، قد عُرفوا منذ قدومهم إلى هذه المنطقة من ديارهم الأصلية بحوالي منطقة الشلال الثالث على النيل بشمال السودان منذ قرون ، بالعلم والصلاح والتدين عموما. وهم أقدم العناصر سكنى في منطقة الخرطوم الكبرى عموماً ، إلى جانب الجموعية ” العباسيين ” ، والزنارخة ” البكريين ” ، وبين الثلاث فئات تزاوج وتداخل وتجاور دائم.
ولكن محس هذه المنطقة ، كأنهم يستشعرون إحساساً خاصاً بأنهم هم الورثة الحقيقيين للتراث الثقافي لهذه المنطقة بصفة عامة ، ولعل السبب في ذلك انتشار الوعي و التعليم بينهم منذ وقت مبكر نسبيا. فعلى سبيل المثال نجد أن من أوائل من حرصوا على طباعة كتاب ” طبقات ود ضيف الله في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والفقهاء والشعراء في السودان ” ونشره ، كان هو القاضي ” إبراهيم صديق ” ، وهو من محس توتي ، وقد كان ذلك في عام 1930م. أما الرائد المسرحي الأستاذ ” خالد أبو الروس “، وهو من محس الخرطوم الكبرى أيضا ، فقد خلّف لنا أثرا أدبيا نادراً وشديد الارتباط بتاريخ هذه المنطقة وتراثها ، بل بذات الأحداث التي تدور حولها رواية عمر فضل الله نفسها ، ألا وهي مسرحيته الشهيرة ” خراب سوبا ” ، التي صرح خالد أبو الروس نفسه أنه أخذ قصتها كاملة عن عمة له.
ولئن كان خالد أبو الروس يسمي المرأة التي خربت سوبا ب ” عجوبة ” ، فإن عمر فضل الله يسميها الملكة ” دوانة ” أرملة آخر ملوك العنج في سوبا ، وتبرر الرواية سلوكها التخريبي ، برغبتها في الانتقام من بعض منسوبي البلاط الذين كانوا يكيدون لها ولزوجها.

أما ” صُليحة ” المذكورة في عنوان هذه الرواية ، فهي فتاة يتيمة والديها ، تنتمي إلى أسرة من الأشراف المغاربة الشناقيط. توفي والداها وهي صغيرة ، غب جائحة من وباء الطاعون ، اجتاحت قريتهم في بلاد السوس الأقصى بالمغرب ، فكفلها جدها وربّاها ، ووعدها بأن تسافر معه إلى الحج إلى الأراض المقدسة عبر بر السودان ، أي مملكة علوة. ولكنه اضطر إلى إخلاف وعده لحفيدته ، تحت إصرار ” الشيخ محمد ” الفقيه والمعلم بكتاب القرية ، بأن تبقى صليحة وديعة عنده بالكتّاب ، حتى تتعلم القرءان ، وكذلك خوفاً عليها من مشاق الرحلة الطويلة والمرهقة والمحفوفة بشتى صنوف المخاطر في ذلك الزمان.

ولكن صُليحة تهرب من ” الخلوة ” ، وتنخرط في مغامرة رهيبة كادت تفقدها حياتها في سبيل اللحاق بجدها الذي كانت تحبه حبا جما ملك عليها أقطار نفسها ، بل كان يمثل بالنسبة لها كل شيء في حياتها. فتتنكر في زي فتى ، وترافق قوافل التجار والحجاج العابرة للصحراء الكبرى ، وتكابد صنوفاً من الرهق والعذاب ، حتى تصل إلى سوبا ، فيسعدها الحظ بمقابلة جدها ، ويجتمع شملهما مرة أخرى. وهنالك في بلاد علوة ، يطيب لهما المقام ، فتتزوج سودانياً من أصل مغربي أندلسي أيضا ، وتصير هي نفسها جدة لراوي هذه الرواية ، بل جدة لجد جده في الحقيقة. ولما كان الراوية صبياً مغرماً ومفتونا تستهويه قصص الماضي ، فإن جدته البعيدة ” صُليحة ” هذه تحكي له ولنا على سبيل الاسترجاع أو ” الفلاش باك ” السينمائي ، سيرتها الذاتية منذ أن كانت طفلة في أرض المغرب ، وجميع ما اكتنف حياتها ، إلى أن وصلت إلى سوبا ، ولقائها الدرامي بجدها ، وزواجها بسوبا وإقامتها بها ، وما رافق ذلك من أحداث مهولة تمثلت في الصراعات و التحولات التاريخية والحضارية الكبيرة التي شهدها السودان آنئذٍ.

ولا شك في أن الاسم ” صُليحة ” الذي اختاره مؤلف هذه الرواية لكي يطلقه على بطلة هذه القصة ، له دلالته الخاصة ، خصوصاً بالنسبة لأهل العيلفون وغيرهم من محس الخرطوم الكبرى والصعيد عموما. ذلك بأنه يتناص مع اسم علم مشهور عندهم ، هو ” صُلحة ” التي هي ” فاطمة بنت الشريف حمد أبو دنانة ” ، ووالدة الولي الصالح المُعمَّر الشيخ ” إدريس ود الأرباب ” الذي مر ذكره من قبل. والشريف حمد أبو دنانة هذا كما تقول رواية شفهية شعبية واسعة الانتشار في السودان ، شريف مغربي كان صهراً للشيخ محمد بن سليمان الجزولي مؤلف كتاب ” دلائل الخيرات ” ، قدم إلى السودان في حوالي عام 1445م ، وأقام ببلدة ” سقادي ” بنواحي المحمية من ديار الجعليين ، وأنه كانت له سبع بنات ، تزوجن من رجال أعلام من أهل السودان ، وأنجبت كل واحدة منهن ولدا صار من بعد وليا مشهورا في السودان. على أن من الملاحظ والمدهش حقاً أن الشيخ محمد النور بن ضيف الله لم يذكر اسم الشيخ أبي دنانة هذا ، ولم يشر إلى هذه الواقعة في كتابه الشهير ” الطبقات ” ، على الرغم من أنه قد ترجم لجميع الشيوخ الذين تزعم تلك الرواية نفسها أنهم أبناء خالات ، كما أن الأستاذ الباحث الطيب محمد الطيب ، قد أنكر صحة هذه الرواية في كتابه ” المسيد “. والله أعلم أي ذلك كان.

وبالفعل ، فإن سياق السرد يقتضي أن تلتقي ” صُليحة ” بطلة الرواية بعائشة ابنة الشريف حمد أبي دنانة ، وزوجة الشيخ ” عبد الله جماع ” ووالدة ابنه الشهير ” الشيخ عجيب المانجلك ” ، فتذكر لها عائشة المذكورة ، أن شقيقتها هي نفسها تُسمى ” صليحة “. وتخبرها أيضاً بأنهم من الأندلس أصلاً ، رغم أنها تؤكد لها أن ” الشريف حمد أبو دنانة ” محسي القبيلة ، وهذا ما تختلف فيه الرواية عن أكثر روايات النسابة والإخباريين التقليديين شيوعا ، والقائلة بأنَّ الشريف حمد ، هو شريف مغربي فحسب.

ومهما يكن من أمر ، فهاهو الدكتور عمر فضل الله يخرج لنا مرة أخرى ، رواية دسمة مفعمة بالفن والمتعة والتشويق ، علاوة على أن فيها كدا ذهنياً ، وجهدا بحثياً ملحوظا ، وتنقيباً في المصادر والمراجع ذات الصلة في مجالات تحركات وأماكن انتشار واستقرار القبائل العربية والسودانية ، وحركة القوافل والهجرات والتحركات السكانية عبر الصحراء الكبرى ومن وإلى بلاد الشمال الإفريقي ، فضلاً عن مجالات التاريخ السوداني والإفريقي الوسيط ، واللغات واللهجات وهلم جرا.
فنراه على سبيل المثال ، وهو يورد لنا في متن الرواية ، أمثلة طريفة من اللهجة المغربية بما في ذلك نماذج مما تنطوي عليه من ألفاظ ذات أصول طارقية وأمازيغية ، وذلك في أكثر من مناسبة متى ما اقتضى السرد والحوارات الدرامية ذلك. وذلك من قبيل قوله: ” ترفاطت ” وهو وعاء جلدي يوضع فيه الصوف والوبر ، إلى جانب بعض مصطلحات الشعر والغناء الحساني الموريتاني مثل: ” اطلَعْ ” و ” الكِيفان ” و التَّبْراع ” الخ. مما يؤهل الرواية لآن تكون سائغة وحرية بالرواج بكل تأكيد ، في سائر بلاد المغرب العربي الكبير.
أما الحيز الزماني ، أو السياق التاريخي الذي تتم فيه أحداث الرواية ، فيتطابق مع تلك الفترة التي تُعتبر بين سائر المؤرخين ، فترة مظلمة في تاريخ السودان بسبب شح المصادر التي تؤرخ لها أو انعدامها بالكلية. ألا وهي الفترة ما بين سقوط مملكة المقرة النوبية المسيحية بشمال السودان في القرن الرابع عشر ، وسقوط مملكة علوة في خواتيم القرن الخامس عشر إلى مطلع القرن السادس عشر الميلادي. ولذلك فإن الرواية تشي بالحالة السياسية والاجتماعية والدينية والعقلية السائدة آنئذ ، كما وتصور أجواء الصراعات والدسائس والمؤامرات داخل بلاط مملكة علوة التي ساعدت على انهيارها ، علاوة – بالطبع – على الضغط والحصار الحربي الرهيب الذي فرضته القبائل العربية عليها.
وتنم الرواية كذلك – استقاء من مرجعياتها المعرفية بكل تأكيد – عن طبيعة التركيبة السكانية لمنطقة ” شرق النيل ” بمنطقة الخرطوم الكبرى في تلك الحقبة ، حيث يكثر فيها ذكر العنج ، والنوبة ، والمحس ، والعبدلاب ، والفونج ، وجهينة ، والمغاربة ، مثل الشيخ ” حسوبة ود عبد الله ” في سوبا ، وكذلك الشيخ ” لُقاني ” وهو اسم جد البطلة ” صليحة ” الذي يذكرنا بدوره وبقوة ، باسم الحاج ” لقاني ” خال الشيخ حسن ود حسونة الذي قدم جده إلى أرض السودان من الجزيرة الخضراء من جزائر الأندلس كما جاء في سيرته بالطبقات.
وبالجملة فإن هذه الرواية تسوقنا حقيقةً ، في سياحة معرفية ووجدانية في غاية الامتاع والتشويق في دهاليز تاريخنا السياسي والاجتماعي الوسيط ، عبر معالجة روائية وفنية مبهرة ، مما يجعلها قمينة حقاً بالاطلاع.

المصدر:
http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=97615

التعليم الثانوي في السودان: بئر معطلة وقصر مشيد


التعليم الثانوي في السودان: بئر معطلة وقصر مشيد

بعد شهور من المذاكرة المستمرة والاجتهاد المتواصل، خرجت مي شوكت في صبيحة 14 مارس/آذار باكراً من منزلهم بضاحية الشجرة بالعاصمة السودانية الخرطوم لأداء أول امتحانات الشهادة الثانوية السودانية، بعد ثلاث سنوات دراسية قضتها في مدرسة خاصة، حسنة التأسيس، مكتملة الكادر التعليمي. ويجلس نحو 470 ألفاً من الطلاب السودانيين لامتحان موحد ينتظم البلاد كافة ويتنافسون على نحو 125 ألف مقعد لمستوى البكالوريوس والدبلوم بمؤسسات التعليم العالي لهذا العام، حيث يوجد بالسودان نحو 31 جامعة حكومية تمنح البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، بجانب 64 مؤسسة تعليمية، تتنوع بين أهلية وخاصة.ليس كل الطلاب السودانيين يحصلون على فرصة دراسية مثل تلك التي تنعم بها الطالبة مي، فقد نشر ناشطون صورا لطالبات في محلية طويلة بشمال دارفور يؤدين امتحانات الشهادة السودانية في نفس اليوم 14 مارس/آذار 2016 وهن جالسات على سجادة مهترئة في فصل لا يكاد يحجب عنهن أشعة شمس السودان الحارقة.
ينبه الدكتور شهاب موسى الأستاذ بجامعة سنار إلى أن مثل هذه المشكلات تعاني منها حتى مدارس العاصمة السودانية الخرطوم، يقول لـ”العربي الجديد”: “عملت قبل سنوات قليلة أستاذا بمدرسة الكدرو الثانوية بالخرطوم بحري، وكان الطلاب لا يجدون أدنى مقومات العملية التعليمية، حتى الكتاب المدرسي كان منعدما وربما يوجد أحيانا كتاب واحد يكون من نصيب الأستاذ بينما يضطر الطلاب لشراء الكتاب إن استطاعت أسرهم لذلك سبيلا”. 
ويضيف شهاب “قد تضطر الأسر المقتدرة ماديا أحيانا إلى جلب أستاذ خصوصيا للطالب حتى وإن كان يدرس في مدرسة خاصة تدفع لها الأسرة الملايين سنويا”.تباهي الأمهات ويقول البعض إن الأمهات اتخذن من أولادهن وسيلة للتباهي الاجتماعي، وهذا جعلهن يمارسن نوعا من الضغوط النفسية المباشرة وغير المباشرة على طلاب الثانوية العامة من أجل النجاح والتفوق، حتى أن جلب أستاذ خصوصي يدخل في التباهي أكثر من كونه حاجة حقيقية للطالب، يقول الدكتور عمر فضل الله “هذه ليست سمة عامة وقد تنحصر في المدن فقط، لكنها ظاهرة موجودة، لا يمكن أن نتجاهلها”.
 في المقابل، يرى الدكتورعباس محجوب أن “ظاهرة الدروس الخصوصية تزيد مشكلات الأسر وتهدد كيان المجتمع حيث يكون التعليم للقادرين مادياً وضياع ديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص وإضعاف وظيفة المدرسة الرسمية وتهميشها زيادة على تدني المستويات التعليمية في المدارس الحكومية”.
تسرد الناشطة (ناهد علي) جملة من المشكلات التي تكتنف التعليم الثانوي في السودان “رغم التوسع الأفقي الذي نشهده في التعليم إلا أن هنالك كثيرا من السلبيات منها: عدم مجانية التعليم، ضعف المناهج التعليمية وعدم مواكبتها لمتطلبات المرحلة، ضعف تأهيل الأساتذة، عدم توفر الكتاب المدرسي، تصدع بناء المدارس- سوء البنية التحتية- وعدم توفر الأثاث اللازم من أدراج ومقاعد
مسارات التعليم
عن مسارات التعليم الثانوي، يشير الخبير الإستراتيجي السوداني الدكتور عمر فضل الله مدير مشاريع الحكومة الإلكترونية بحكومة أبو ظبي “في التعليم الثانوي الجميع يسعى للتعليم الأكاديمي، ومتدنو الدرجات يتجهون للتعليم الفني أو الزراعي أو الصناعي أو التجاري وبذلك فإن الغالبية العظمى تتجه نحو التعليم الأكاديمي، وهذا يكون على حساب التخصصات المهنية الأخرى، كما أنه يزحم المدارس الأكاديمية بكميات هائلة من الخريجين الذين لا يجدون فرصاً لمواصلة التعليم الجامعي فيكتفون بالتعليم الثانوي ويعدّون فاقداً تربوياً”. ” التعليم الثانوي لا يصاحبه توجيه لتخصص الطالب من منطلق مهاراته ومقدراته العلمية والأدبية والفنية، فالطالب يكون في حيرة من أمره هل يتجه للمساق العلمي أم للمساق الأدبي فالطالب يكون في حيرة من أمره هل يتجه للمساق العلمي أم للمساق الأدبي؟ وكثيرون يخطئون في اختيارهم وتكون النتيجة هي الفشل في امتحانات الشهادة الثانوية ليس لأن الطالب غير كفء أو غير مؤهل ولكن لأنه أخطأ المسار فلم يوجه طاقاته التوجيه الصحيح ولم يتلق الإرشاد السليم”. تهتم الأسرة الحضرية في السودان اهتماما مبالغا فيه بأبنائها في المرحلة الثانوية على وجه الخصوص بإرسالهم للمدارس الخاصة المتميزة وباستجلاب الأساتذة الخصوصيين لهم، في المقابل – بحسب فضل الله – فإن “الطلاب في المجتمعات الفقيرة والمتخلفة في معظمها لا تولي العملية التربوية حقها من الاستعداد والعون من جهة الآباء فيقتصر دور الآباء أو الأمهات على القليل من الدعم المعنوي والكثير من التوبيخ والتقريع والتحطيم المعنوي والنفسي”. 
ويقول الخبير الإستراتيجي “علاوة على ذلك أدت الظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد إلى هجرة كثير من الآباء والاغتراب في دول أخرى مما أدى إلى تولي الأمهات مهام الآباء في الإرشاد والتوجيه، وهذا لا يكفي في تلك المرحلة الخاصة بالمراهقة والتمرد فتكون النتيجة انحدار مستوى الإرشاد والتوجيه، وحين تأتي امتحانات الشهادة الثانوية تستعد لها الأسر بتوفير بيئة الاستذكار ولكن كثيراً من التلاميذ الذين استذكروا الدروس لا يملكون الاستعداد النفسي لمواجهة لحظات الامتحان نظرا للرهبة الفطرية من الاختبار”.في الأرياف تنتشر الأمية وينخفض مؤشر التعليم العالي بين الآباء والأمهات في الأرياف، وبالتالي فإن الطالب يخوض معركة التعليم وحيدا ويقاسي الفقر وشدة الحياة وغياب الموجّه التربوي؛ لأن “كثيرا من الآباء لم يكونوا قد بلغوا المستوى التعليمي لأبنائهم وبهذا فهم لا يملكون الخبرة والمعرفة الكافية لتوجيه أبنائهم كما أن وزارة التربية والتعليم لم تضع ضمن خططها واستراتيجياتها المرشدين التربويين الذين يتولون هذه العملية مع الآباء”. بحلول نهاية مارس/آذار الجاري، سيطوي الطلاب السودانيون آخر أوراق امتحانات الشهادة الثانوية، وينتظرون ما تسفر عنه النتائج، وتتعلق قلوب مئات الآلاف من الآباء والأمهات، ينتظر الأغنياء منهم والذين حصلوا على تعليم جيد في صباهم الباكر نجاحا جديدا تتباهى به الأسرة في مسيرتها الاجتماعية، وينتظر الفقراء أملا جديدا يساعد في انتشالهم من مستنقع الفقر إن ابتسم له الحظ والتحق بإحدى كليات القمة… وبين هذا وذاك تبقى مشكلات التعليم الثانوي في السودان تنتظر حلا ناجعا. 

وليد الطيب
العربي الجديد

أنفاس صُليحة رواية جديدة للأديب الروائي دكتور عمر فضل الله – أحمد حسن إمام


أنفاس صُليحة، أنفاس صُليحة
أنفاس صُليحة رواية جديدة للأديب الروائي دكتور عمر فضل الله.
وهذه بعض الحروف كتبتها علي عجالة وأتمنى أن تفيد ولا تقلل من شأن الرواية فمهما كتبت لن أستطيع أن أصف ما بها من جمال..
يستمر منبع نهر الإبداع في جريانه، يخبئ لنا في أعماقه أغلى وأنفس الكنوز، تشكل أمواجه وانسيابها حوارها الراقي والحنين مع الشواطيء يسحر المراقب بجمال صنع الله.. يروي ظمأ متشقق الجوف، تمرح الأرض وتضم ذراتها علي ضفتيه فرحاً بمواسم الارتواء ونمو الزرع، الشمس تمتص كل يوم منه في محاولة لتبريد جوفها المحترق ويليها القمر باحثاً عن الأنس الجميل..
هكذا هو نهر الإبداع الأدبي دكتور عمر فضل الله في مجري حروفه من منبع الفكرة وحتي وصول تدفق الحروف إلى مصبها (نحن القراء) فنقول شكراً يارب …
(ترجمان الملك)، ذلك الفيضان النافع الذي أخرج لنا كنوز تلك الحقبة المهمة من تاريخ السودان بما يحويه من ثراء معلومات غنية بدسم الفائدة والتعرف بشخوص ملهمة وفاعلة في رسم تاريخ وحضارة السودان وعلاقاته الداخلية والخارجية.. ونقله للأحاسيس المختلفة من فرح وخوف ونشوة وإثارة.. مساحة للعديد من التساؤلات التي تقودنا الى فتح باب الحضارة عبر بوابة الفنون والخيال الممزوج بالواقع..
وها هي رواية (ترجمان الملك) تقودنا عبر بوابتها الزمنية إلى (أنفاس صُليحة) فيقودنا الراوي عمر فضل الله الى ارتباط عميق جداً بين الروايتين ارتباطاً يجعل الرؤية التاريخية واضحة ويفتح باباً ضخماً للدخول الى تلك الحضارة وارفة الظلال ( السودان ) رصيد الحضارة الانسانية. ممالك وحضارات تنبض قلوبها من جديد وتضخ الدماء في أوردة الحاضر.
تفتح لنا رواية (ترجمان الملك) نوافذ جديدة للمشاهدة فتعود الحياة مرة أخرى عبرها لتلك الحقبة من تاريخ السودان النشأة والحياة ثم تعود الحياة مرة أخي ولكن لتروي لنا النهايات عبر رواية (أنفاس صُليحة) أجواء وتفاصيل نهاية مملكة علوة وتفاصيل الحياة عبر مسارح التشويق والإثارة عبوراً بعالم مقام الدهش…

(أنفاس صُليحة) هي امتداد لتلك الدماء الجارية في شرايين وأوردة التاريخ السوداني. هي نافذة أخرى فتحها لنا الأديب الروائي دكتور عمر فضل الله لمشاهدة تلك الحقبة التاريخية المهمة عبر قالب روائي وأدبي فائق في تميزه وتفرده يروي لنا ملابسات وحقائق انهيار مملكة علوة في قالب رائع وجميل.
لا أريد أن أبحر في تفاصيل الرواية حتى لا أفقدها المتعة ولكن أقول:
• إن كنت باحثاً في التاريخ السوداني والإنساني ففي رواية أنفاس صُليحة إجابات وقراءة جديدة للتاريخ.
• إن كنت من المحبين للروايات المشوقة والحبكة المميزة ف(أنفاس صُليحة) فيها كل ما تبحث عنه.
• هل أنت مهتم بالأنساب وهجرة القبائل العربية إلى السودان وارتباطها ببعضها وتأثيرها وأثرها في البناء المجتمعي والثقافي والقيمي للسودان؟ كل ما تبحث عنه ستجده أو تجد اشارات تقودك للفهم المطلوب في (أنفاس صُليحة).
• هل أنت مهتم بعالم الارواح وانتقالها عبر الزمن؟ فكن برفقة (أنفاس صُليحة).
• انت سياسي مهتم بفهم نفسية الحكم والحكام والمحكومين والتطور؟ افترش الأن الأرض وتمتع بالأنس السياسي مع (أنفاس صُليحة)
• هل أنت مهتم بكتابة السيناريو وصناعة الحوار فاقرأ بتمعن (أنفاس صُليحة).
• إن كنت مولعاً ببحور اللغة العربية والمفردات الرائعة والغريبة فعليك أن تحكي لنا قصة الجدة وتمضي الى الماضي قبل أن تسمع عنها وتروي لنا التفاصيل وترسم لنا المشاهد!
• وإذا كنت. وكنت …الخ من الاهتمامات فكن بصحبة (أنفاس صُليحة).
في قادمات نتحدث أكثر عن الرواية عدد الصفحات التبويب بعض المقتطفات…
• ترقبها قريبا بالمكتبات ..

أحمد حسن إمام.

هذا الصنف – قصة قصيرة – عمر فضل الله


عاد إلى الشقة متأخراً وهو يخبئها في الجيب الداخلي الذي طلب من الخياط أن يفصله له في موضع خاص فالناس لا ينظرون إلى هذه المواضع عادة. صعد الدرج إلى الطابق الخامس في ذلك المبنى القديم ذي النوافذ المنخفضة. دخل شقته وأوصد الباب بالمفتاح، ثم عاد ليتأكد من إغلاق الباب مرة أخرى. أكمل دورتين للمفتاح وتركه في القفل من الداخل. 

– انتبه الصنف ده خطييييير.. 

مازال الحوار الذي دار بينه وبين صاحبه يتردد في أذنه. لكنه يعرف نفسه جيداً. جرب كل الأصناف لكنها لا تؤثر عليه فهو قوي كالثور. 

– المرة دي ما زي المرات الفاتت يا فردة.. عموماً أنا حذرتك وانت المسئول.

– ياخ ما مشكلة انت عملت العليك..

– يازول أنا باتكلم جد..

– هات هات. جيب ياخ.. ما تضيع لينا زمنا ساكت بالكلام الكتير. خطير علىّ أنا؟ قال خطير قال..

خلع قميصه وبنطاله وبقي بتلك الملابس الداخلية المهترئة. تذكرها فأخرجها من الجيب الداخلي. بحث عن الولاعة وأخيراً وجدها داخل حذائه.. جلس على الأرض. وأشعلها. أخذ نفساً عميقاً. ثم آخر. ثم أطفأها راضياً.. سعل سعلتين قبل أن ينفث الدخان. وحين نفث بقوة هذه المرة أحس به يتسلل من عينيه إلى الخارج. الدخان خرج من جميع فتحات وجهه. خيل إليه أنه خرج من أذنيه أيضاً.. لابد أن هذا صنف جديد لكنه قوي. أعجبته الفكرة. ابتسم.. وامتدت يده إليها لتشعلها مرة أخرى لكنه جبن.. بقي متسمراً على الأرض وبقيت هي في يده. رأى وجه المرحومة أمه. كانت هناك. مستندة إلى جدار الغرفة. رآها تضحك ملء شدقيها. فزع لكنه تمالك نفسه ولوح لها بيده ليسلم عليها لكنها اختفت دون أن ترد السلام. انتبه إلى أنه ما زال يلوح بيده بعد أن اختفت صورة أمه.. نهض متثاقلاً وذهب إلى الحمام.. نظر في المرآة فرأى وجهه بالمقلوب. كان شعر رأسه للأسفل وذقنه في الأعلى بدلاً من شعر رأسه.. وعيناه أسفل خديه… أجفل وخرج من الحمام.. عاد مرة أخرى ونظر في المرآة ولكن بتردد وحذر هذه المرة.. رأى وجه امرأة يطالعه من المرآة. لم تكن هي أمه .. ابتسم فابتسمت. فتح فمه ففتحت فمها خرج وعاد مرة أخرى ونظر مكان المرآة . فلم يرها هذه المرة. ولم ير المرآة.. فرك عينيه فلم ير شيئاً. مجرد ضباب كثيف.. في عينيه يحجب الرؤية.

تحسس طريقه إلى سريره. لم يعرف إلى أين يتجه. رأى بصيصاً من النور فاتجه نحوه.. ارتطم بشيء يشبه حافة السرير لكنه عال جداً.. لماذا ارتفع السرير هكذا فجأة ياترى. رفع رجله ليصعد. فوصلت بعد جهد كبير. أمسك بتلك الحافة الخشبية. ورفع رجله الأخرى ليضعها على السرير. لكنها انزلقت في الهواء. لماذا أصبحت المسافة إلى المرتبة بعيدة هكذا فجأة.. رأى أنواراً تصعد إلى الأعلى.. والنوافذ تطير مرتفعة إلى السماء بسرعة كبيرة. ونظر فرأى النجوم والقمر. كان الليل هادئاً، والناس نيام.. ولم تكن هناك أي أصوات إلا صوت ارتطام شيء بالأرض شيء سقط من نافذة الطابق الخامس لذلك المبنى القديم على أرض الشارع .. ثم سكون.

صحيفة ألوان – أنفاس الكلام – الثلاثاء 21 ربيع الأول 1438 الموافق 20 ديسمبر 2016

 

من زوايا الذاكرة – أدب الشوارع بقلم د. عمر فضل الله


حدث ذلك وأنا طالب في المرحلة المتوسطة. فحين كنا صغاراً ما كان أهلنا في القديم يتحرجون في إرسالنا للسوق لشراء اللحم والخضار أو للبقالة لشراء الملح أو الزيت والسكر أو كلما احتاجت أمي لشيء ما يلزمها في عملها كل يوم عند صنع الطعام أو عمل القهوة. ورغم أنني كنت أذهب متذمراً من تلك المراسيل في كل مرة لكونها تحرمني اللعب إلا إن كانت وراءها منفعة من أكل ونحوه أو بعض قروش مما يبقى من قيمة المرسال إلا أن هناك مرسالاً خاصاً كنت أنشط له جداً بل وأترقبه كل أسبوع وأفرح حين يأتي رغم أنني لم أكن أنتظر من ورائه عائداً مادياً. هذا المرسال كان هو مرسال القراءة كل يوم جمعة حين يدعوني أخي الأكبر علي أحمد فضل الله وفي يده كتاب أو رواية يتبادلها مع ثلاثي القراءة المشهور في العيلفون في ذلك الزمان: الأديب القاص الراحل أبوبكر خالد مضوي والأستاذ هشام إدريس الخليفة والأستاذ النور أو مصطفى أحمد المكاوي. كنت أنشط لهذا الأمر لأنني كنت أعلم أن فرصتي الوحيدة للمس وحمل تلك الكتب التي لم أكن أحلم باقتنائها أبداً هي حين أحملها من بيتنا إلى بيت الأديب القاص الأستاذ أبي بكر خالد في الحي الأمامي وقد كان رحمه الله يقيم في نفس بيت صهره القاضي عبد الرحيم صباحي. كان أخي يعطيني الكتاب لأذهب به إلى بيت أبي بكر خالد وأعود بكتاب آخر وذلك على طريقة التبادل بينهما وأحياناً أخرج بكتابين لأمر في طريقي على هشام الخليفة لأعطيه أحد الكتابين وآخذ منه آخر إلى بيت أبي بكر وبذلك تتاح لي الفرصة مضاعفة لاختيار أحد الكتابين وتصفحه في الطريق ولو أعجبني فإنني أجلس في ظل أحد البيوت لأقرأ ذلك الكتاب أو تلك الرواية. بهذه الطريقة كنت أقرأ الكثير من قصص وروايات إحسان عبد القدوس المنشورة كتباً أو المضمنة في مجلة روز اليوسف. ولأن القصة تكون طويلة أحياناً فإنني كنت أتصفح الكتاب أو أمر مروراً سريعاً على أحداث القصة فأقرأ سطوراً هنا وسطوراً هناك. ارتبطت روايات وأعمال الأديب إحسان عبد القدوس وكذلك مؤلفات الأديب نجيب محفوظ عندي بمعالم معينة في القرية فلا زلت أذكر أين قرأت رادوبيس أو زقاق المدق (قرأتها بين دكان ود البر وزقاق إدريس الخليفة) واين قرأت السراب أو تصفحت بين القصرين أو قصر الشوق أو السكرية ولا زالت اللص والكلاب تذكرني بكلب العم عبد الكريم الأمين في القرية حين أمر من بيتنا إلى بيت العم عبد الرحيم صباحي على طريق عبد الكريم الأمين. أستطيع أن أقول إنني قرأت السمان والخريف كاملة في الطريق لكنني تصفحت ثرثرة فوق النيل وميرامار وأولاد حارتنا ثم لم أتمكن من قراءتها بعد ذلك كاملة إلا بعد أن أصبحت طالباً في الثانوية العامة. ولهذا فلما أعدت قراءة هذه القصص والروايات ذقت لها طعماً خاصاً لأنها ارتبطت عندي بذاكرة التاريخ القديم في القرية وبالأماكن والطرقات. قرأت تلك الروايات والقصص متلصصاً وخائفاً أن يضبطني أخي الأكبر أو يعثر علَّى أحدهم في الطريق جالساً منهمكاً في القراءة. وأظن أن الأستاذ أبوبكر خالد قد لاحظ أنني أقرأ تلك الكتب أو أتصفحها لأنه كان دقيق الملاحظة وكان واضحاً أن تلك الكتب تصل إليه متربة متسخة وبصمات أصابعي مطبوعة في كل صفحة من صفحاتها لكنه كان ذا أدب جم فتجاهل ذلك ولم يسألني يوماً عن السبب. لست أدري هل يصح أن أطلق عليه أدب الشوارع أم لا لكنني فتحت عيني على قراءة الأدب في الشوارع.

عمر فضل الله

حوار الأديان في رواية (ترجمان الملك) للدكتور عمر  فضل الله! بقلم محمد العكام


          لا شك أن الأنماط الدينية التاريخية التي تتمتع بها رواية (ترجمان الملك) تجعل منها منظومة أدبية لوحدها، حيث أنه تتعدد بها الملامح الأدبية المختلفة، وأن من يقرؤها لابد له أن يعيد قراءتها مراراً وتكراراً، ليستنبط منها دهشة الحكي والسرد التي ترتاب مخيلتك وأنت تقرأ كل هذا الزخم الهائل من المعلومات عن المنسي من تأريخ السودان، ولكن الأدهى والأمر أن تحاول استقراء السهل الممتنع لهذه الأدبيات من مشروع د. عمر فضل الله الروائي وأنت قارئ بسيط.

          فمعنى الحوار في اللغة: مراجعة الكلام وتداوله، والمحاورة: المجادلة، والتحاور: التجاوب، وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام، ومنه قولهم: لم يُحِر جوابا أي: لم يرد ولم يرجع الجواب؛ فمرجع الحوار للتخاطب والكلام المتبادل بين اثنين  فأكثر. والمعنى اللغوي العام للحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين، فإذا أضيف إلى الأديان أصبح معناه ما يدور من الكلام والحديث والجدال والمناقشة بين أتباع الأديان، وهذا يدل على أن معناه عام متعدد الأشكال والصور والأنواع بحسب نوعية الكلام والمناقشة. أما مدلوله الاصطلاحي فهو مجمل غامض، لأنه يستعمل بأكثر من معنى، فهو يحتاج إلى بيان أنواعه والفروق بينها. فعبارة «الحوار بين الأديان» تشمل معنى صحيحاً ومعنى باطلاً يحتاج كل منهما إلى بيان وتوضيح.

          إن مسألة التأريخ تشكل دائماً النموذج الذي يملك المجتمع الدراسات الإنسانية وحقائق التأريخ في قوالب أدبية متعددة الإنتاج، لكن هنا في رواية (ترجمان الملك) شيئاً ما يتمرد علي العقل ويسرح بك الخيال ليمتزج مع الحقائق التي نقبها الراوي في الفترة ما بين 340 ميلادية إلي 600 ميلادية لتأريخ مملكة (علوة) المسيحية في عهد الملك (النجاشي) ملك الحبشة والعلاقات الإنسانية من مرحلة غامضة لتأريخ تم سرده بحرفية عالية من خلال التشويق والتسلسل الحدثي، والإبداع في الحوارات مما يجعلك أحد أبطال الرواية وأنت متاح لك الاختيار كيفما تشاء، وقد اتسمت الرواية بالتشخيص الإيجابي في النضج الفكري لصناعة الرواية ومنهجها الجيد الذي ينم عن عبقرية الراوي. وبحكم أنني لست ناقداً وكوني قارئاً بسيطاً استلهمت الرواية شغفه في أن يسبر غورها، أجدني أتقمص شخصياتها وأعيش دورها، وهي تضفي إلي حبي للدراسات الأدبية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الموفور بين طياتها، شيئاً من المتعة، ثم جذبتني لأعيش نوستالجيا عهد ذلك (النجاشي) الملك الذي لا يظلم عنده أحد كما قال سيد المرسلين سيدنا (محمد) عليه أفضل الصلاة والسلام، وهجرات المسلمين القادمين في عهده من مكة للاحتماء بمظلة عدالته هروباً من قبضة قريش وعذابها.

          لقد استطاع الراوي أن يجمع ما بين الكنيسة (المسيحية) والإسلام في قالب أدبي لحوار الأديان لتلك الحقبة من تأريخ السودان المنسي لــ(مملكة علوة المسيحية) وسكانها الذين كانوا يطلقون عليهم اسم العنج، وهو مؤرخ لا يشق له غبار في ذلك. ويحكي لنا بلسان (سيسي) ابن دلمار بن أرياط (ترجمان الملك النجاشي)، مستصحباً أدوات الشروح والتمحيص في حوار للأديان (Interpath) من خلال نصه المشبع بالخيال والحقيقة، لأن هناك شروط عديدة بين أصحاب الديانات المختلفة، كالدعوة إلي رب السموات والأرض، بالحكمة والموعظة الحسنة والابتعاد عن العنف وكل ما يؤدي له، والتعصب لفريق معين علي حساب فريق آخر، واستخدام العقل وجوهره في جميع الأمور، واعتماد أساليب البرهان الذي يحق الحق ويزهق الباطل. والإقناع أيضاً والإيمان الكامل بالدين ومبادئه الأساسية والأهداف التي جاء بها والتوسع باستخدام العلم في الحياة الدنيوية والدينية، والحث علي الاستقلالية في التفكير. كان دلمار بن أرياط (ترجمان الملك) هو النموذج للكنيسة عندما يأتي العرب إلي الحبشة بغرض التجارة أو غيرها، فأمية إبن أبي الصلت الذي ترك بناته في اليمن وجاء إلي (سوبا) ليحاور الأسقف حول المذهب الذي تتبعه الكنيسة في مملكة (علوة) _والمعروف أن أمية بن أبي الصلت موقفه من الرسول (ص) حينها_ كان مُحباً للسفر والترحال، فاتصل بالفُرس في اليمن وسمع منهم قصصهم وأخبارهم، ورحل إلى الشام في رحلات تجارية وقصد الكهان والقساوسة والأحبار وسمع وعظهم وأحاديثهم، وكان كثير الاطلاع على كتب الأديان والكتب القديمة فاطلع على التوراة والإنجيل كما أنه كان كثير الاختلاف والتردد على الكنائس ورجال الدين، وكان مُهتماً بيوم البعث والحساب والجنة والنار فكان يكثر من ذكرها بأشعاره وأسجاعه، وكان أحد رؤوس الحنفاء في الجزيرة العربية المُنادين بتوحيد الخالق ونبذ الأوثان وما دون الله. والحنيفية قبل الإسلام كانت مدرسة ناشئة تجديدية تأثرت باليهودية والنصرانية وأدركت الوضع السيئ لحال العرب الديني الجاهلي، فالتجأت إلى التوحيد والأمر بالارتقاء العقلي والأخلاقي والثقافة والتعلم، غير أن الأحناف لم تكن لهم عقيدة معينة فكانوا يختلفون بآرائهم ويجتمعون على التوحيد ورقي التفكير، وأمية بن أبي الصلت يُعد أشهر هؤلاء الأحناف مع قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث، وغيرهم. وهنا في رواية (ترجمان الملك) نجد كل ذلك وهو يجادل ويحاور الأسقف والكهنة حول تأريخ الكنيسة ليرد عليه رئيس الكهنة في (صفحة 26 ) من الرواية قائلاً :

(( أنت سمعت القصة المختلفة من أهل غزة يا ” إبن أبي الصلت ” وهم يزعمون البشارة وصلت إلينا عن طريق “متي” العشار حين أمره “بطرس” بالقدوم إلي بلادنا بعد بني كنيسة روما، في العام 62 لميلاد المسيح له المجد، لتنفيذ وصية المسيح بتلمذة جميع الأمم، ولكنني أؤكد لك أن هذه قصة لا أساس لها وأن “متي” تنيح قبل أن يصل إلي بلادنا، وأن من جاء إلينا بهذا النور هو جدي (فرمنتيوس)، بعد أن تمت رسامته من قبل (أثناسيوس) بطريرك الإسكندرية عام 326، وهو أول مطران لبلادنا. وأنت تعلم أنه بعد مجمع (نيقية) ثم مجمع (خلقيدونية)، عام 451 انفصلنا عن روما وغيرها وأنني كمطران لكنيسة علوة لا أتبع إلا للإسكندرية. ))

ثم قال رئيس الكهنة لأمية (صفحة 28):

أنا مندهش من إجتهادك من أجل معرفة عقائد الكنيسة ( يا إبن أبي الصلت ) مع أنك أخطأت فهمها. وعلي كل حال أنت حر في أن تعتقد ما تشاء، ولكن مذهبنا هو الحق الذي أقره مجمع “أفسس” منذ عام 431 ميلادية. … إلخ !

وكل هذا السرد، لم يكن مقنعاً لــ(لأمية إبن أبي الصلت) فجعله ضاحكاً وهو يقول لرئيس الكهنة أنني أتفق معك ولكن كان رأيه مغايراً لأن دلمار كان يترجم (الإنجيل) لأمية ولذلك كان يعتبر أن ترجمة دلمار للإنجيل هي الصحيحة حيث أن دلمار _ حسب ما قاله سيسي _ قال لكبير القساوسة (صفحة 81) من الرواية :

_ ((أنتم تقرأون في الكنيسة من نسخة وصلت إليكم من الإسكندرية وفيها نصوص مترجمة تخالف ما تعلمناه من الكهنة الذين توارثوا هذا العلم منذ عهد (فرمنتيوس السرياني) وتناسيتم الترجمة الحبشية الأصلية التي عمرها أكثر من مائتين وخمسين سنة والتي كتبها فرمنتيوس السرياني باللغة الآرامية لغة المسيح، واعتمدها عيزانا ملك أكسوم منذ العام 340 حين تحولت جميع بلادنا إلي المسيحية. وهي محفوظة عندي. هذه هي الترجمة التي يجب أن تسود في بلادنا وليست الترجمة القادمة من الإسكندرية يا نيافة الكاهن.))

ولذلك كان أمية يستنبط ويستوعب الدروس والمحاضرات من الكهنة والقساوسة عن الكنيسة  أكثر مما يقوله في المقارنة، وبالطبع هي ما كانت ترنو له حينها الكنيسة في ذاك الوقت لتنفيذ الوصية بأن الكنيسة تعلم الإنسان المحبة والتسامح والرفق والاهتمام بالإنسان والحياة واعتبار قدسية الحياة والحفاظ عليها من أجل سعادة الإنسان وأمنه ورفاهيته. والرواية مليئة بالأحداث التي تنقلنا بين طيات صفحاتها عن حوار الأديان. و حوار الأديان هو مصطلح  يُشير إلى التفاعل، والبناء الإيجابي  بين الناس من تقاليد دينية مختلفة، ومعتقدات روحيّة، وإنسانيّة سواء كان ذلك على مستوى الفرديّة، والمؤسسيّة، وهو يختلف عن التوفيق بين المعتقدات أو الدين البديل؛ حيث يتم في هذا الحوار تعزيز التفاهم بين الأديان أو المعتقدات المختلفة لزيادة قبول الآخر، بدلاً من تجميع معتقدات جديدة.

 فعندما زار (الزبير) مملكة (علوة) أخذه (سيسي) بن دلمار ليتجولوا في طرقات سوبا، فــ(الزبير) من أقارب الرسول (ص) وهو إبن خاله، ويصفه (سيسي) ( صفحة 87) من الرواية قائلاً :

(( كان (الزبير) مختلفاً عن كل من عرفتهم من الأصدقاء. لم تبهره روعة سوبا ومبانيها وحضارتها، ولا حتي كنيسة (مارية). ))

فكان الزبير صامتاً بليغاً في صمته، في تجواله مع (سيسي) إلي أن دخلا النيل، وقد يدلنا هنا الحوار التالي لما يشكل علاقة الإسلام بالتسامح بتشريح إيجابي للكنيسة، وأن الإسلام كان دائماً يعلم التسامح ويفرضه حيث وجد. هذا في حين أن بقية الأديان الأخرى، وبخاصة الأقرب إليهم كاليهودية والمسيحية، كانت متعصبة وغير متسامحة، عكس ما كان يتحدثون به، قال (سيسي) ظل الزبير صامتاً ولم يجبني، وخرج من الماء علي الشاطئ ومد يده وغرف من الماء، وذاقه ثم شرب، ثم اغتسل بنفس الطريقة التي رأيتهم يفعلونها في بيت (تانيشا).

_ أنتم تغتسلون كثيراً يا زبير! رأيتك تفعل هذا في البيت.

_ نتوضأ لكل صلاة! هكذا علمنا النبي.

هنا يريد الزبير أن يلقن (سيسي) بسلاسة أن نبيه، كيف كان يعلمه الدين الاسلامي، كما كان يشرح (سيسي) لأمية إبن أبي الصلت ماهية الكنيسة وما تحويه من تقاليد دينية.  قال الزبير بذات الحوار.

_ ولكننا نتوضأ للصلاة، بل نصلي هكذا مباشرة. هل نبيكم نصراني أيضاً يا زبير؟

_ لا لا .. نبينا مسلم ونحن مسلمون.

_ من هو هذا النبي؟

_ محمد بن عبد الله، هو رسول المسلمين! وهو إبن خالي، وزوج عمتي خديجة بنت خويلد.

_ أنت ابن عمة نبي ؟!

إنها دهشة الحوار والكتابة الإبداعية التي أمتعنا بها الراوي، والتسلسل في أحداثها بحيث أنك لا تستطيع أن تنفك منها، وهذا دلالة علي أن الراوي له إستراتيجياته في الكتابة، بالإضافة لأنه يمتلك ناصية من المهارات لتحقيق التواصل والإحاطة المعلوماتية الدقيقة من خلال الخيال والحقائق، للإقناع والتفاعل مع الآخرين داخل النص.

ثم يواصل (الزبير) الحوار مع (سيسي):

_ نعم .. أمي صفية بنت عبد المطلب، وأبوه عبد الله بن عبد المطلب.

وهكذا يسرح بنا الحوار والتخيل. سأل (الزبير) هنا (سيسي) بعد صمت وتفاصيل كثيرة:

_ هل (النجاشي) نصراني؟

_ نعم نعم وكذلك جدي وأمي وأنا.

وكأنما هنا يريد أن يمجد ويفتخر بديانة الكنيسة كما إفتخر له (الزبير) بإبن خاله (محمد) رسول المسلمين، صل الله عليه وسلم، ثم يستمر في مدح جده (دلمار) بأنه يذهب للكنيسة وهو يعرف الأناجيل ويقرأ الكتاب المقدس ، إنه بارع جداً  .. وهو يملك أقدم نسخة من الإنجيل في علوة. توارثها عن أجداده ولكن الكنيسة لا تقدر أن تنتزعها منه لأن لجدي نفوذاً كبيراً عند النجاشي.

          وهكذا تأخذنا رواية (ترجمان الملك) بين هذه الحوارات حتي نهايتها، ولا يمكن لهذا المقال تشريحها كلها، ولكن هذا غيض من فيضٍ كثير للغموض الذي يكتنف التأريخ في هذه الرواية بوصفه معرفة، والتأريخ بوصفه حدثاً هو علامة علي أن التأريخ عبارة عن طريقة منضبطة يريد أن يقولها لنا _  د. عمر فضل الله _ لتصور الماضي. إنها حقاً رواية مختلفة تماماً عما نقرأه في الساحات الأدبية. وهي من روايات التأريخ المشيد بروحية الحداثة والذي بدوره هو تأريخاً تنويرياً يستند إلي تقنيات كـ(البحث في الماضي) والسعي وراء أخلاقيات معينة أرادها الراوي أن تكون سياحية تاريخية روائية بتكنيك المحترف في الكتابة الإبداعية داخل قالب حداثوي كما قرأناه في هذه الرواية التاريخية (ترجمان الملك).

وختماً حاولت جاهداً من خلال هذه الومضة أن أجوس سريعاً مع (حوار الأديان _ Interpath) في ديار مملكة (علوة المسيحية) آخذاً نماذج خفيفة  داخل هذا النص من الرواية التي تجمع أيضاً أنماطاً أدبية أخري .

والله ولي التوفيق والمستعان

                                                                         محمد العكام

                                                                     كسلا _ السودان

                                                                   13/ ديسمبر 2016 م

مقتطفات من رواية نيلوفوبيا – عمر فضل الله: الجنازة


4حفيف المعاول وهي تحفر القبر يهمس لي بأنني السبب في موت صلاح ويتوعدني بنفس المصير. الذين نزلوا داخل اللحد اختفوا عن الأعين يحفرون وأنظر فلا أرى إلا رؤوس (الأجَمَات) والمعاول و(الكواريق) تظهر وتختفي والتراب يطير من داخل اللحد في الهواء ليستقر على جوانب القبر ويؤكد لي موت صلاح. العيلفون كلها اصطفت خلف شيخ الزين إمام مسجد الشيخ ادريس لصلاة الجنازة في ذلك اليوم. ربما اصطفوا ليقدموا التحية لصلاح أو ليعتذروا أنهم لم ينقذوه من النيل. كان في كفنه الأبيض نائماً لم يستيقظ ليقف مع المصلين. وأنا لم أقف معهم ولكنني ذهبت لأنظر داخل القبر. اللحد المحفور فغر فمه وكاد يبتلعني. وحين أجفلتُ همس لي أنه سيأخذ صلاح بدلاً مني حالياً ولكنه لا يطيق الانتظار ليأخذني أيضاً. وسيكون ذلك قريباً جداً. أقرب مما أتصور. وهو الآن مشتاق ليضم صلاح ولو استطاع لزحف نحو الجنازة فأخذها ثم أغلق عليها إلى الأبد. عيون الموتى كانت تخرج من تلك القبور وتحدق فينا من كل مكان، تبحث عني وتتربص بي، وأكفان الأطفال الموتى تطاردني. وتسألني متعجبة كيف لم أمنعه من الذهاب للنيل؟ وأنا الذي ما كنت أعلم أنه سوف يفعلها. ذهب ليلعب مع النيل ولم يكن يدري أن النيل ليس له صديق ولا يحب الأصدقاء. يا أيها الموتى أسألكم بالله هل القبر الذي سيضمه ضمة أبدية أرأف به أم النيل الذي كتم أنفاسه وأخذ روحه وكاد يأخذه ويذهب به عبر البلاد ثم لا يعود؟ اشتهت روحي البائسة أن تتبادل الأمكنة مع روحه المطمئنة ولو قليلاً حتى يسكن رَوْعي ويعود قلبي لمستقره داخل تلك الضلوع. أتمنى أن أُدْفَنَ معه في جوف هذا القبر ولو يوماً واحداً. أرجوك أيها القبر ضمني إليك مع صلاح ثم أغلق أبوابك ولا تفتح لأي طارق أبداً.

شيخ الزين رفع يديه وكبر التكبيرة الأولى لصلاة الجنازة وأنا ركضت وتمددت جوار صلاح على النعش. شيخ الزين نظر إلينا ولم يقطع صلاته. رأيت دمعتين تستبقان على خديه لما رآني ممدداً بجوار الجنازة. نظر إلى الأرض وأكمل. الدمعتان تحدرتا فوق لحيته وتسربتا إلى ذقنه وعنقه وتغير صوته فأصبح مثل أنين المصاب بالحمى حين نطق التكبيرات الثلاث الباقية. والتكبيرات خرجت من جوفه وليس من لسانه. نطقها ولكن بفؤاده والمصلون خلفه رددوها بأفئدتهم التي أخذت تختلج وتهتز. عم حسن كان واقفاً مصطفاً خلف الإمام. نظر إلى جنازة صلاح والناس يصلون عليها. ضربته صاعقة الحزن وذاق جسده رجفة المذبوح. دموعه لم تطق انتظار التكبيرات كلها. ما الذي يجعلها تنتظر؟ وبعضهم قطع الصلاة وأسرع نحوي ليبعدني من الجنازة وأنا تشبثت بها حتى كدت أنزع الكفن من جسد صلاح. وأبعدوني رغماً عني. البصير كان قوياً فحملني بين يديه ورغم أنني عضضته حتى سال الدم من يده إلا أنه لم يتركني وأبعدني عن الجنازة. القبر قوَّسَ ظهره الترابي فوق صلاح كأنه يغار عليه ويخشى أن نحفر فنستعيده. والريح شاركت العيلفون البكاء تحت شجرة السيال وقمرية ناحت قليلاً على الغصن وخنقتها عبرة الحزن فأخرستها، ثم حلقت فوقنا وصفقت بجناحيها ولطمت وهي تغادر المكان، ربما لتبكي حيث لا يسمعها أحد. النساء لا يخرجن مع الجنازة في قريتنا وأمي لم تكن معنا ولم تر ما فعله عم حسن. حين تلفت باحثاً بالغريزة عن ابنه صلاح ليضمه فلم يجده جاء فحملني بين يديه وضمني بقوة. ذراعاه القويتان أوجعتاني لكن دموعه على وجهي وعنقي أوجعتني أكثر وفَطَرَت فؤادي. تلك الدموع بقيت الدهر كله تؤرقني وتفري كبدي. كان صلاح هو وحيده الذي أنجبه عند الكبر. ولكن صلاح ذهب مسرعاً. وعم حسن بحث عن ابنه ليضمه بين ذراعيه وحين لم يجده بكى عليه بصوته العميق المفجوع الممتليء حزناً حتى فقد بصره. رأيته بعد ذلك يمشي ويتخبط في الطرقات على غير هدى وهو يستكشف ما أمامه بعكازته يحركها يميناً وشمالاً حين يسير. كانت طرقات عكازته على الأرض تقول لي أنت السبب! أنت السبب.! أنت فجعتني في ولدي.. كنت إذا رأيت عم حسن يسير في الطريق أفر هارباً وتضطرم أوصالي خوفاً وندماً وأبحث عن البكاء ليريحني فلا أجده.

حوار مع د. عمر فضل الله – صحيفة الأهرام 2/11/2016


15230559_1380220185345247_8466459878626350535_n

يشاع على نطاق واسع أنك من أبرز المرشحين لحقيبة ومنصب رئيس الوزراء.

نعم قرأت الشائعة المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن ترشيحي لمنصب رئيس الوزراء ضمن قائمة أخرى من التكنوقراط.

وماهي ردة فعلك؟

بالطبع أصابتني الدهشة لتداول هذه الشائعة التي جاءت في غير وقتها فسارعت لنفيها وانشغلت بالإجابة على آلاف الأصدقاء والمحبين الذين تواصلوا معي عبر هذه الوسائل لتأكيد أو نفي الشائعة واضطررت لتسجيل النفي بصوتي ونشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليتأكد الإخوة من عدم صحة ما تردد.

وهل هناك جهات رسمية من داخل الحكومة اتصلت بك أو تمت مشاورتك؟

لم تتصل بي أي جهة رسمية ولم تتم مشاورتي في هذا الأمر حتى الآن فالأمر لا يعدو كونه شائعة تم تداولها.

هل ستقبل بأي تكليف في الحكومة القادمة؟

إذا تم ترشيحي لأي مهمة في الحكومة المقبلة فبالتأكيد لن أقبل إلا وفق شروط معينة تضمن اصطحاب رؤيتي للحلول وبضمانات التنفيذ والنجاح لهذه الرؤية. أما الآن فلا أقبل أن أكون تنفيذيا لمخرجات حوار لم أشارك فيه ولم يشارك فيه أقراني من الكفاءات الوطنية المنتشرة داخل البلاد وخارجها.

هل تملك رؤية للإصلاح؟
في واقع الأمر أمتلك رؤية شاملة للإصلاح في البلاد ظللت أنادي بها منذ مجيء الإنقاذ وعملت من أجلها ما استطعت وحين اضطررت لمغادرة البلاد في منتصف تسعينيات القرن الماضي بقيت أنادي بها وأنا خارج السودان.

هل مازالت الفكرة باقية؟
بالرغم من مضي أكثر من عشرين عاماً فلا أظن أنه قد تبين للحزب الحاكم أو للقائمين على الأمر أن ما ظللت أنادي به طوال هذه الفترة هو المخرج لمشكلات البلاد السياسية والاقتصادية وغيرها فلو تبين لهم لتواصلوا معي بكل تأكيد لكن لا أعتقد أن المشكلة هي في عدم توافق الرؤى مع الآخرين.

بحسب الرؤية التي تمتلكها ماهي مشكلة السودان؟
أعتقد أن هناك مشكلة كبيرة في آلية النظام القائم للتواصل مع الآخرين وهذه المشكلة تجعل النظام غير قادر على حل مشكلات البلاد لأنه بعجزه عن التواصل قد عزل نفسه.

بمعنى أن ثمة مساحة شاسعة من التباعد بين النظام والآخرين؟
أكبر دليل على مقولتي هذه هو أن الحوار الأخير ظل حتى الآن منحصراً في الأحزاب السياسية والحاكم دون أن يتم تواصل حقيقي مع من يملكون رؤى وإمكانات إنقاذ البلاد وأسباب نهضتها وتقدمها.

هل كنت تتوقع أن يكون اسمك ضمن المرشحين لمنصب رئيس الوزراء؟

فوجئت بالشائعة وبصراحة لا أظن أنه من الممكن أن يعرض على أي منصب في الحكومة القائمة وذلك نظراً لما قدمته من أسباب. وسوف أكون متفاجئاً أكثر لو غير القائمون على الأمر نظرتهم فتواصلوا معي أو عرضوا على أي منصب من المناصب لأن هذا سيكون ساعتها مؤشراً إيجابياً ودليلاً على التعافي والبدء في التفكير السليم نحو المضي في المسار الصحيح لإنقاذ البلاد.

هل منصبك الحالي تطوير لحكومة الالكترونية في دولة الامارات هو المحفز لاختيارك للحكومة الجديدة؟

بالتأكيد لا فعملي في تطوير الحكومات الإلكترونية ليس بدعاً ولا جديداً فقد عملت على تطويرالحكومة الإلكترونية للسودان في عام 1990 وسبقت بذلك جميع حكومات العالم بما فيها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية كما أنشأت مؤسسات التخطيط الاستراتيجي للبلاد وغير ذلك من المشاريع الوطنية المعلومة للجميع.

إلى أي شيء تعزي طرح أسماء في الوسائط والقول بأنك ضمن وزراء الحكومة القادمة؟

أعتقد أن الشائعة هذه مردها إلى أسباب كثيرة فقوائم الترشيحات مجرد تكهنات من أشخاص لديهم أشواق لرؤية حكومة تكنوقراط في السودان لأنها هي الحكومة التي تقود الإصلاح الحقيقي.

كيف تنظر للقوائم المتداولة في الأسافير؟
القوائم المتداولة وفقاً للشائعة  لا تتوافق مع ظروف بلد يعاني من الديون بالمليارات وهو بلد غير منتج. والطريقة الصحيحة المعتادة هي أن رئيس الجمهورية هو من يقوم بتعيين رئيس الوزراء ثم يكلفه بتشكيل الحقيبة الوزارية ويقوم بتشكيلها بالتشاور مع رئيس الجمهورية والجهات المختصة.  علماً بأن الحكومات تشكل لأهداف معينة فهناك حكومات تهدف لإنشاء البنى التحتية وهناك حكومات تهدف للتركيز على التنمية الزراعية أو الصناعة وغيرها. وبهذا يكون التركيز على الرؤية والرسالة والأهداف والبرامج وليس على الأفراد.

هل أنت على تواصل مع الحزب الحاكم؟

لست على تواصل مع الحزب الحاكم ولم تتم مشاورتي بواسطة أي مسئول في الحزب الحاكم لكن تواصل معي بعض المسئولين في الدولة للسلام والتحية فقط.
يقال إنك أحد كوادر الحركة الإسلامية.

أنا مواطن سوداني وأعتبر نفسي شخصية قومية وليس لي لون سياسي ولا انتماء فأنا أمثل السودانيين جميعهم خارج الوطن.

ولماذا أنت بعيد عن الساحة السياسية طيلة هذه الفترة؟

لأنني لا أمارس السياسة ولا أنتمي إلى السياسيين ولا يمكن تصنيفي كناشط سياسي.

ومارأيك في الحوار الوطني والوثيقة الوطنية؟

رغم أن رأيي قد لا يعجب النظام القائم ولا المتحاورين لكنني سأقوله للفائدة العامة ولمصلحة البلاد ففي رأيي أن الحوار الحالي هو حوار قد دار بين غير أهله ومع غير أهله فهو حوار الأحزاب والحركات المسلحة والسياسيين الذين أعتبرهم مسئولين عما حاق بالبلاد من مشكلات عبر السنوات الماضية، وهو حوار قد عزل بقية الشعب عن المشاركة الحقيقية وبالطبع لم أكن واحداً من المشاركين في الحوار ولم أدع إليه ولم أشهده وأنا لست متفائلاً بمخرجاته ليس لأنني لم أشارك فيه ولكن قناعاتي هي نتيجة لما قرأته وتابعته وبما أن الأيام القادمة ربما تشهد تنزيل هذه المخرجات إلى أرض الواقع فلننتظر هذه النتائج قبل أن نحكم على الحوار ومخرجاته.

في اعتقادك ماهو الدافع في وجود اسمك ضمن قائمة المرشحين لحكومة الوفاق الوطني؟

الناس اعتادوا على تداول أسماء وشخصيات معينة بين يدي أي تغيير سياسي أو وزاري. وفي تقديري أن هذه الشائعة المتداولة تدخل ضمن هذا وربما تهدف لاستبيان الرأي العام في شخصيات معينة قد أكون أنا واحداً منها أو أنه عمل أمني لجس نبض الشارع السياسي وقراءة ردود الأفعال أو قد يكون لا هذا ولا ذاك بل مجرد أشواق وأماني لبعض الإخوة الذين يتمنون الإصلاح الحقيقي للبلد عبر ترشيح أفراد معينين.  وقد اعتدنا على مثل هذا في وسائل التواصل الالكتروني.

خلال حضورك الاخير للسودان عقدت عدداً من الندوات هل تعتقد ذلك نوعاً من النشاط السياسي؟

عقدت ندوات علمية وفكرية وثقافية وأدبية طرحت من خلالها مشروعي الثقافي المتمثل في التوثيق لتاريخ السودان من خلال العمل الروائي كما قدمت محاضرات علمية عن فيزياء الكم ومحاضرات أخرى ثقافية متنوعة كما قمت بإطلاق روايتي الأخيرة نيلوفوبيا بالإضافة إلى مناشط حوارية أخرى في الصالونات الأدبية والملتقيات.

رئيس الوزراء الإسفيري عمر أحمد فضل الله لـ”اليوم التالي”


حوار الزين عثمان – صحيفة اليوم التالي – السبت 26 نوفمبر 2016
** عقب انتهاء ماراثون الحوار الوطني وبدء الحديث عن تشكيل حكومة جديدة حملته الأسافير إلى منصب رئيس الوزراء, عمر أحمد فضل اسم بدا وكأنه يأتي من خارج الصندوق السياسي المعروف فهو ينفي عن نفسه صفة الحزبية ويبدلها بصفة الانتماء لهذه الأرض. يقول الرجل الذي يشغل منصب مدير المشروعات في حكومة أبو ظبي الإلكترونية إنه علم باختياره رئيساً لوزراء حكومة السودان من تطبيقات هاتفه الذكي.. لا يرفض فضل شغل المنصب لكن وفقاً لشروطه هو.. يقول لا يمكن أن أكون رئيساً لوزراء يتم فرضهم عليّ فلا يمكن إنجاز إصلاح وتغيير باستخدام ذات أدوات الفشل القديمة. وبصرامة يجزم “سأقبل بالمنصب شريطة أن أختار أنا من يعمل معي”.
في حواره مع (اليوم التالي) بين ساحات معرض الشارقة للكتاب بدا ابن العليفون قانعاً من خير يأتي من قبل الحكومة أو تدفع به المعارضة للشعب، معتبراً أن الصراع الذي يدور الآن هو معارك في غير معترك كل ما تفعله أنها تزيد من الاحتقانات الموجودة حيث لا يبدو هناك حل يلوح في الأفق.. يصر عمر على أن العلاج ممكن فقط بإعادة تعريف السياسة كفعل هدفه الرئيس تحقيق تطلعات الناس وليس الجلوس على صدورهم.
ينزل عمر فضل من كرسي السياسي ليجلس في مقعد الراوي؛ يقول صاحب ترجمان الملك وصويحباتها إن الرواية عنده ليست إعادة لكتابة التاريخ وإنما هدفها الرئيس إزالة الغبار العالق بتاريخنا وكتابته كما هو والانتقال به لصناعة مستقبل في وطن صالح للحياة. يؤكد أيضاً على أن الحديث عن إنجاز مشروع الحكومة الإلكترونية في البلاد على درجة عالية من الصعوبة لكنه ليس مستحيلاً في حال نجحنا في إنجاز بنية تحتية سليمة.. لا يمكنك أن تقيم حكومة إلكترونية “عشان تقع” بمجرد إنقطاع التيار الكهربائي. أيضاً لا يمكنك أن تحلم بحكومة إلكترونية في وسط يحارب الشفافية.
الكتابة.. السياسة.. الأحلام والبلاد ذات التاريخ الضارب في الجذور.. هجرة المسلمين الأوائل إلى (سوبا) وإبحار الوطن الكبير نحو المستقبل، كانت هي أجندة حوار مع رئيس الوزراء الإسفيري عمر أحمد فضل الله تقرأون تفاصيلها في الحروف القادمة:
* تم نشر حكومة على الأسافير وكنت رئيسا لوزرائها؟
– دعني أخبرك أن هذه الحكومة وجدتها مثلكم في الأسافير وتم إرسالها لي عبر الواتساب هذا الأمر لم يتخذ الشكل الرسمي (مافي زول اتصل بي) بشكل رسمي لتولي منصب رئيس الوزراء في البلاد.
* ألم تصلك دعوة للمشاركة في فعاليات الحوار الوطني ؟
– وصلت دعوة من مسؤول ملف الحوار الوطني فيما يتعلق بالمقيمين في الخارج ولم أستجب لها ولم أشارك في مداولات الحوار الوطني التي لا أظن أنها ستأتي بجديد يقود السودان نحو الاستقرار المنشود والمنتظر ففي معركة السلطة والمعارضة يبدو الاهتمام بقضايا الناس خارج أولويات التفكير.
يعني هذا عدم موافقتك على شغل منصب رئيس الوزراء؟
إن أصبح الأمر حقيقة سأقبل بتكليف أن أكون رئيساً للوزراء فمهما كتب علينا الابتعاد فإنه في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح والمؤكد أن هذه الأرض لها جمائل علينا سابقة وعلينا لها فاتورة يجب دفعها سأعود لأشغل منصب رئيس الوزراء ولكن وفقاً لشروطي.
عن أي شروط تتحدث؟
هو شرط واحد وهو أن يوكل لي كل الأمر فلن أعود لأكون رئيساً لوزراء أجد أسماءهم في لستة موضوعة سلفاً ولا يمكنني العمل مع من امتهنوا الفشل طوال السنوات السابقة فلا يمكنك أن تصنع إصلاحا باستخدام ذات أدوات الخراب القديمة، إن تمت الموافقة على هذا الشرط فإن نداء الوطن واجب الاستجابة.
بظنك لأي مدى يمكن أن تتوفر هذه الشروط؟
عني لا أطمح في التنازل الطوعي من قبل الحاكمين عن السلطة فهو أمر بعيد المنال في الوقت الراهن ولا يمكن تحققه بين ليلة وضحاها وأن عملية الحوار الوطني لا تعدو سوى كونها لفة في مضمار طويل يتسابق فيه الجميع نحو الكراسي ولا يرغبون في تحقيق إصلاح حقيقي وهو ما لم يتحقق إلا بوجود رجل تعلو عنده قيمة الوطن على ما سواها ليخلِّص البلاد من ويلات الحكومة ونيران المعارضة.
لكنك يا دكتور كنت جزءا من هذه الحكومة في وقت سابق؟
يمكنني أن أقسم أنني لم أنتم في وقت لمنظومة سياسية حزبية ولا أظنني سأنتمي إليها بعد هذا العمر، من يقول إنني حزبي عليه أن يأتي بالدليل على ذلك، أنا أنتمي فقط لهذا الشعب السوداني.
لكنك عدت إلى البلاد مع مواقيت عودة الإسلاميين عقب انقلاب الإنقاذ؟
نعم ذلك صحيح عدت لإحساسي بأن الوطن يحتاج مهاراتي وأنه بإمكاني أن أقدم له شيئاً ولم أكن لأرفض الاستجابة لنداء المشروع الإسلامي في ذلك الوقت فأنا تنحدر جذوري من منطقة العيلفون ذات الإرث الإسلامي العريق.
هل وجدت المشروع الإسلامي من خلال ممارسات السلطة الجديدة ؟
للأسف لم يتحقق ذلك الهدف والدليل على ذلك أنني حزمت حقائبي وعدت من حيث أتيت، لكن الإخفاق الذي صادف أداء المجموعة  الإسلامية يعبر عن إخفاق للقيم الإسلامية في تحقيق معايير العدل والمساواة والشفافية وسيادة حكم القانون. كما أنه لا يمكننا أن نخرج إخفاق سلطة الإنقاذ من الإطار العام الذي لازم النخبة السياسية السودانية منذ الاستقلال وحتى الآن فقد كتب علينا الدوران مع ساقية الفشل.
ما الذي حدث في تلك الفترة وجعلك تغادر البلاد؟
لم تكن الأوضاع مواتية للعمل في تلك الفترة، كانت المشكلات توجد في أي مكان ربما كان هناك من لا يرغب في إعادة بناء الوطن على أسس الشفافية والمحاسبة وتحديد الأولويات في سبيل ذلك كانوا يحاربون من يتخذ طريقاً مختلفاً، على كل أنا راض عما قدمته في تلك الفترة وعن المشاريع التي طرحتها مثل مشروع التعداد السكاني في بداية التسعينات وإنشاء مركز الدراسات الإستراتيجية رغم أنه في نهاية المطاف تم سلبي حتى الحق الأدبي فإنني صاحب هذه المشاريع وتم نسبها لآخرين وهي كانت المشروعات الأولية من أجل إنجاز مشروع الحكومة الإلكترونية.
هل يعني أنك خرجت من البلاد مغاضباً؟
كانت واحدة من أسباب مغادرتي البلاد هي محاولتي اللحاق بما استجد من تكنولوجيا فوظيفتي في مجال التقنية كانت تتطلب مني مغادرة السودان حتى لا أكون خارج الزفة، ففي ذلك الوقت كان السودان خارج حسابات التقنية، لذلك غادرت البلاد من أجل اللحاق بالتطورات التكنولوجية الهائلة.
أنت الآن مسؤول الحكومة الإلكترونية في الإمارات، لماذا لم يتم هذا الأمر هنا؟
أولاً ثمة اختلاف كبير بين البيئة في الإمارات والبيئة في السودان من حيث عملية الاستقرار السياسي وحالة التماسك الاجتماعي ما جعل الإمارات تتقدم، هو ذاته ما قاد غيابه إلى تأخر السودان دون أن يعني هذا إهمال عوامل أخرى، فتعريف دور الحكومة في الإمارات يبدو مناقضاً تماماً لتعريفها في السودان، وكذلك الأدوار المنوط بها غياب الصراعات السياسية والرغبة في العبور نحو المستقبل كانت هي وصفة النجاح للتجربة الإماراتية بالإضافة لعملية حشد الخبراء من مختلف أنحاء العالم.
يعني هذا استحالة تطبيق مشروع الحكومة الإلكترونية في السودان؟
تطبيق مشروع الحكومة الإلكترونية يتطلب مجموعة من الإجراءات والبرامج التي يجب تنفيذها وهو ما يحتاج لبنية تحتية على الأرض وهو ما لا يتوفر في السودان، لا يمكن تنفيذ حكومة إلكترونية في بلد لا يتوفر فيها استقرار للكهرباء، هذا يعني أن ترمي أحلامك فوق السراب، أن تنجز حكومة إلكترونية فأنت محتاج إلى سودان مختلف عن الموجود الآن.
لكن السلطات تتحدث عن قطع أشواط بعيدة في مشروع الحكومة الإلكترونية؟
هذا الأمر لا يعدو سوى كونه حديثا للاستهلاك الإعلامي لا أكثر ولا أقل وربما محاولات لصرف أموال جديدة دون نتائج على أرض الواقع، في بداية التسعينات خضت معركة لإدخال البلاد في الإنترنت باعتباره خدمة تقدم للبلاد وحتى لا يصبح السودان خارج البيئة الدولية في الاجتماعات، كان البعض لا يرى في الإنترنت إلا أداة من أدوات التجسس على البلاد والتي يجب مكافحتها. إلا أنه في آخر المطاف تدخل الرئيس البشير وحسم الأمر بضرورة تنفيذ المشروع.
برأيك، ما السبب في مواجهة الحكومة الإلكترونية؟
لنعد للوراء قليلاً فيما يتعلق بالمعركة التي خاضها البعض ضد تنفيذ مشروع الإيصال الإلكتروني حتى لا يصبح حقيقة، الحكومة الإلكترونية في معناها الأخير تعني الشفافية الكاملة أي بكبسة زر يمكنك أن تعرف كم دخل خزينة الحكومة وكم خرج منها وأين تم صرف هذه الأموال، من يرفضونها يرفضون أن تخرج أموال الشعب إلى النور.
يعني قولك هذا أن ننسى تطبيق حكومة إلكترونية في بلادنا؟
يجب نسيانها في حال استمرت الظروف على ذات المنوال، الانتقال نحو الحكومة الإلكترونية يتطلب بالضرورة تغيرات على المستوى السياسي ووجود سلطة بأفكار جديدة تتجاوز الصراع القديم وتنحو نحو البناء.
لكنك تبدو قانعاً من تحول تصنعه الحكومة أو آخر يأتي عبر المعارضة؟
هذا صحيح، الحكومة لا تملك حلولاً والمعارضة لا يبدو حالها أفضل علينا من أجل إيجاد حل ناجع أن نخرج بالبلاد من هذا الصندوق، الحل في إيجاد قائد جديد يكون خارج هذه البيئة ويحمل تطلعات الأمة السودانية ويعيد البلاد إلى تاريخها الزاخر.
من أين لنا بمثل هذا الشخص؟
حواء السودان ما تزال ولودا، ثمة كثيرون يمكنهم تحمل المسؤولية وإعادة البريق إلى البلاد وإلى شعبها.
ومن أين له بوصفة النجاح؟
من قال إن هذه البلاد تفتقد الموارد التي تجعلها الأولى على نطاق العالم؟ ما يوجد في السودان لا يوجد في أي مكان آخر يعني ممكن من خلال العودة إلى الزراعة أن يعود السودان إلى مصاف البلاد المتقدمة إعادة النظر في السياسات التاريخية هو الطريق نحو المستقبل.
لكن البعض يقول إن هذه البلاد مستهدفة عبر العقوبات؟
هذا الأمر صحيح، ولكنه يتطلب أيضاً إعادة النظر في تعريف العلاقات الدولية باعتبارها علاقات مصالح، نعم أمريكا تفرض ضغطا على الخرطوم منذ عشرين عاماً لكن في ظل هذا الضغط فإنها تضطر لرفع يدها باستثناء الصمغ العربي لأنها تحتاجه، لماذا لا نستخدم نحن هذا الكرت الذي نملكه؟ يمكننا أن نطالب من يريد الصمغ أن يمنحنا بديلا عنه أو في حالة العدم فليقيم مصانع صناعته داخل البلاد. من غير المنطقي أن تعيش البلاد أزمة تتعلق بالدواء ومعظم الأدوية يدخل فيها الصمغ الذي ينبت في أراضيها.
هل يهرب عمر من السياسة إلى الرواية ؟
لا الرواية نفسها هي أداة من أدوات تحقيق مشروعي الذي أحلم به مشروع السودان الكبير بتاريخه وجغرافيته وموارده.
في روايتك ترجمان الملك تبدو وكأنك تكتب تاريخاً جديداً ؟
ليست محاولة لكتابة تاريخ جديد بقدر ماهي محاولة لإزالة الغبار العالق بتاريخنا القديم، ترجمان الملك يحكي عن الهجرة الإسلامية الأولى التي هبط من خلالها المسلمون الأوائل في أرض سوبا القديمة وتأكيد على أن قيمة العدالة في أصلها سوداني ويجب أن نعود إليها.

هل هناك طقوس معينة في الكتابة؟
الكتابة مثلها والحياة تحتاج مقومات لكي تعاش فكلما توفرت الإمكانيات للكاتب كلما أصبح أكثر قدرة على الإبداع والتميز دون أن يرتبط الأمر بجغرافية معينة أو مكان.
يطلق عليك البعض اسم الطيب صالح الجديد؟
هذا أمر يبعث السرور فالطيب صالح كان نسيجاً إبداعياً لوحده وكان سودانياً حد الاكتمال، أن يتم وضعك في مقارنة مع شخص مثل الطيب فهذا يعني أنك تمضي في الطريق الصحيح ويمكنك أن تصل إلى ما تريد، أنا ما زلت مزهواً بلقاء جمعني بصاحب موسم الهجرة إلى الشمال في تسعينات القرن الماضي بلندن وخاطبته بطريقتي في الكلام حيث كنت أخلط الدارجي السوداني بالعربية الفصحى فعلق ضاحكاً ( تعرف طريقتك في الكلام زي محاولات انتماء السودانيين بأنسابهم للعرب والعروبة مع أنهم عارفين لاهم عرباً خُلص ولا هم أفارقة خلص وقدر ما يحاولوا يتفلفصوا من افريقيتهم لونهم ده يخذلهم. ثم ضحك بصوت وقال: لكن أنت فصيح وفصاحتك تعجبني) أنا أحاول توظيف هذه الفصاحة لخدمة الرواية وتوظيف الرواية لخدمة القضايا التي أومن بها وعلى رأسها هذا السودان.

ناصر ساتي: أنفاس صليحة سوف تثير جدلاً كثيفاً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي


كتب دكتور ناصر ساتي عن الرواية بعد أن أكمل قراءة الفصل الأول:

صباح الدعاش يا صديقي صاحب القلم الأنيق والخيال المدهش والثقافة التاريخية الجاذبة بحقائق جديدة كثيرون لم يكونوا ليسمعوا بها ..أنا الآن أقرأ في هذه الرواية التي تسابق عيني كلماتها بلهفة لتنتقل إلى التي تليها من مشاهد ومعلومات ترسم صورة جديدة عن تاريخ علوة لم تكن لتتشكل في تفاصيلها إلا بعد هذا العمل الأدبي الرفيع بأسلوبه في السرد الشيق. الرواية تقدم للقاريء رسالة تربوية وتعليمية كم نحن بحاجة إليها الآن لمعرفة عواقب الخلافات الداخلية وأهمية التحالفات الإقليمية مثل ما فعلت علوة عندما مدت يدها للأحباش و البجة.. فجميل تسليط الضوء على جوانب تفتح عقل المتلقي لكون أن التحالفات الاقليمية مع الأحباش ليست جديدة والاصطفاف الداخلي ليس جديداً كما في حالة تحالف البجا مع النوبة في علوة.. جميل أن نرى أسماء شخصيات الرواية مستمدة من ثقافة السودان القديم ذلك لأهمية الأسماء باعتبار أن الاسم شارة من شارات الهوية. أعتقد أن هذه الرواية سوف تثير جدلاً كثيفاً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي ونقاشاً بين المهتمين بالتاريخ وهذا هو ما يجب أن يكون ضمن أهداف أي عمل روائي بحيث يخلق دافعاً جديداً لدراسة تاريخ البلد والاستفادة من العبر السابقة بحيث أنه إذا غرقت السفينة فالكل سوف يغرق. عموماً أنا الآن أكملت الفصل الأول فقط وسوف أواصل قراءة بقية الفصول لما لها من عنصر تشويق أدبي ومعرفي يدفعني إلى ضرورة استكمال القراءة و التحليل.

شكراً أيها الروائي الجميل دكتور عمر فضل الله ..وفقك الله دائماً وأنت تقدم وتسهم بفكرك الثاقب و الواعي.
ناصر ساتي

الدكتور عمر فضل الله ورواية أنفاس صُليحة – بقلم هيثم أحمد الطيب


haythamجزء من مشروع الدكتور عمر فضل الله الروائي اتساقه مع (رواية المعرفة)،الرواية التي تنتهج فضيلة السردية الجميلة برؤية تقديم معرفة تاريخية واجتماعية،تحاول قراءة التأريخ بطريقة توثيقية، و(رواية المعرفة) فكرة روائية لم نصل بعد لكي تكون جزءً من مباحثنا الكتابية في السودان، ورواية (أنفاس صُليحة) هي جزء من هذا المشروع الكتابي ..
هي تحاول قراءة التأريخ بالحقيقة الكاملة،ثم فتح مسارات الحياة الاجتماعية لمنطقة سوبا وتعقيدات ذلك الزمان، ومباحثه ، ومناهجه التي لم يقترب منها قلم أو رواية أو توثيق على طريقة (رواية المعرفة)..
هذه الرواية التي قامت على فحص وتشريح تاريخي واجتماعي لتاريخ سوداني، أعتبرها الاضافة الواثقة التي تقول لنا : (هيا للتأريخ ككتابة روائية، ليس استلهاماً أو توثيقاً فقط،بل عبر النظرة الكاملة لرؤية منطقة كاملة، بتأريخ اجتماعي وسياسي وديني، والتعابير الدينية الموسومة والغير موثق لها)..
هذه الرواية تضع (صُليحة) ليست محوراً لها، بل إشارة من ضمن إشارات متعددة ومختلفة تقرأ وتوثق التأريخ، (صُليحة) البعد التوثيقي والمعرفي في الرواية، تقرأ نفسها عبرها، وتأريخ مجدها ومجد أهلها، ثم تكتب بنفسها رؤيتها لذلك..
منطقة سوبا، منطقة سودانية، لم نعرف الطرق لمعرفتها بالكامل، في هذه الرواية نكتشفها ونقرأها بسردية عميقة ترسم نقاط وصل اجتماعي بين المجتمع ولم نكن نعرف ذلك..
بقراءتنا لهذه الرواية نعرف مجتمع ومملكة، صراعات وتناقضات، تعقيدات اجتماعية وهجرات، رؤية دينية واجتماعية لناس مختلفين دينياً، رواية عمقها في صوتها الداخلي عبر (صُليحة)، وأصواتها المتناقضات والمتفقات، في سردية لا تأخذك للتأريخ، بل تضيف لذلك واقع اجتماعي وتجليات صوفية وتفاصيل هجرات مجموعات انسانية،كانت سوبا مهجراً لهم..
هي رواية تأخذ منها معرفة بكل تفاصيلها، التأريخ جزء، والناس كذلك، ثم متبابينات دينية وتدفقات سكانية في مناطق أخرى، هي نفسها تأريخ كتابي ومعرفي وديني..
ذاك المشروع الروائي للدكتور عمر فضل الله، يرتكز على صياغة معرفة في رواية، ومتعة سردية في تحقيق تأريخي، ثم اشارات متبانية لمجتمعات سودانية..

احتفائية الصحافة برواية نيلوفوبيا – عمر أحمد فضل الله


عمر أحمد فضل الله و رواية «نيلو فوبيا»
احتفائية الصحافة بالإصدارات والكتاب

كتب أحمد عوض لجريدة الصحافة
احتفى الاتحاد العام للأدباء والكتاب السودانيين أمانة السرد والنقد وامينها الناقد محمد الجيلاني ودار مدارات لصاحبتها الناشرة الشابة سناء ابو قصيصة ظهر الاربعاء الماضي بصالة المجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون بصدور رواية الكاتب الدكتور عمر أحمد فضل الله الصادرة عن دار مدارات وتحدث حول الرواية الناقد الاستاذ عز الدين ميرغني الذي اشار الى انها رواية واقعية تحكي قصة مأساة غرق الباخرة العاشر من رمضان في بحيرة النوبة بشمال السودان وجنوب مصر وعلى متنها 60 طالبة من ثانوية الجريف شرق ومعهن إدارة المدرسة في ثمانينات القرن الماضي. تدور أحداث الرواية في ـ العيلفون ـ تلك القرية التاريخية التي تعتبر أنموذجاً حياً وشاخصاً لأنماط الحياة في القرى السودانية في تلك الفترة، نيلوفوبيا تحكي قصة حياة أحد الشباب والمؤثرات الاجتماعية التي شكلت شخصيته وحادث غرق صديق الطفولة الذي أوجد في نفسه رهاب النيل وظل ملازماً له طوال حياته كما تقدم وصفاً واقعياً لحياة الطفولة في تلك المنطقة وجوانب من الحياة الطلابية والمدرسية والحياة السياسية والتاريخية للمنطقة وتربطها بحاضر وحياة سكانها، كما تضمنت الرواية وصف الرحلة بالقطار من الخرطوم إلى مصر وجوانب الحياة الاجتماعية في منطقة شمال السودان وارتباط تلك القرى والمدن بالسكة الحديد والمسافرين كما وصفت بعض الأماكن التاريخية والأثرية في القاهرة وجنوب مصر ووصفت في مشاهد مروعة حادث غرق الباخرة وما تلاه من أحداث، الرواية مليئة بالجوانب الإنسانية في لغة شاعرة وأحداث متتابعة تشد القاري.

وأشار عز الدين ميرغني الى ان الرواية حوت ملامح السيرة الذاتية يتمثل ذلك في ان الكاتب ذكر اسماء لاماكن واشخاص باسمائهم الحقيقية وأكد انه لابد من التفريق بين التخييل والواقع حتى يتم تجنيس العمل الى رواية او غيرها، إذا كانت الرواية في أحد تعريفاتها هي الفن الذي يُوفق ما بين شغف الإنسان بالحقائق وحنينه الدائم إلى الخيال، فالنص السردي إذاً يقوم على اقتناص الأحداث الواقعية وبلورتها وتحويرها لكينونة لغوية تحيلها من الواقعي إلى الجمالي في إطار بنية سردية محكمة، عادة ما تتضمن النصوص الأدبية هوية كاتبها، لكنها في المقابل لا تملك حداً فاصلاً واضحاً وملموساً بين الواقع والخيال، أو بين الخيال الذي يصير واقعاً، والواقع الذي أمسى أكثر غرابة من الخيال.

صحيفة الخليج: توقيع رواية نيلوفوبيا وتواجد متنوع من القراء والمثقفين في معرض الشارقة للكتاب



الشارقة: «الخليج»

حفل يوم أمس الأول بقائمة كبيرة من الكتَّاب الذين قاموا بتوقيع مؤلفاتهم في الركن المخصص بالتوقيعات في المعرض، في شتى صنوف المعرفة في الأدب والعلوم.
وقع رئيس مجلس الشارقة للتعليم، عضو المجلس التنفيذي ورئيس جمعية المعلمين في الإمارات الدكتور سعيد مصبح الكعبي كتابه «تحديات تنفيذ استراتيجية وزارة التربية (2010-2020) من وجهة نظر مديري المدارس». حرص مؤلف الكتاب على التفاعل المباشر مع جمهور القراء والمثقفين والمتخصصين في الدول الخليجية والعربية والعالمية ومناقشة أفكاره التي يطرحها والاستماع والتعرف إلى ردود أفعالهم ورؤاهم بشأن القضايا والتصورات التي يحتوي عليها، لا سيما أنه يناقش شأناً مجتمعياً مهماً وهو قطاع التعليم في الدولة.
اشتملت التوقيعات على رواية «سطحي» للإماراتي محمد السركال وصدرت باللغة الإنجليزية «Shallow» وهي تتناول قصة كلوي، الفتاة الشابة الخجولة التي تعيش مع والدتها وشقيقها الأصغر هانك في مدينة روستوك الألمانية، وتحرص على حماية شقيقها الأصغر طوال الوقت، ويروي الكتاب أفكارها وتجاربها أثناء سفرها في رحلة للبحث عن هويتها واكتشاف ذاتها.

 وعن دار «مداد» الإماراتية وقعت الروائية اللبنانية، د. سعاد صليبي، على «سأعاتبك في الليل»،
بدوره وقع الروائي الجزائري واسيني الأعرج روايته الجديدة «حكاية العربي الأخير»، إضافة إلى عدد من أعماله القديمة التي صدرت حديثاً.
وشهدت أروقة الركن توقيع ديوان «يا إمارات» للدكتور شهاب غانم، و«نصف البرجر» لبراءة العزاوي، و«بوليفارد» لجمال السميطي، ورواية «هايبر» لعلاء عبد الهادي، ورواية «ذاكرة الكورفيدا» للخطاب المزروعي، وكتاب «ومضات استراتيجية من المنجزات العلمية لمركز بحوث شرطة الشارقة خلال الأعوام 2010 2015» للرائد عبدالله محمد المليح، وديوان «ممكن جداً» لدايا إلياس، ورواية «أقدار البلد الطيبة» لعبدالله الوصالين الذي وقع أيضاً مجموعتين قصصيتين جديدتين هما «وميض الأزمنة المتربة»، و«أمشاج»، ورواية «نيلوفوبيا» لعمر فضل الله، وكتاب «المصرفية الإسلامية مفاهيمها وخصائصها وتطبيقاتها» لإبراهيم العبيدي.
وقع باسل عبد العال ديوانه «لا شيء فيك سواي» ومحمد الغنيري ديوان «عطرها»، وفاطمة عطفة «هدهدات مريم»، بينما وقع القاص علي الجاك مجموعته القصصية «غيوم وحجارة»، وعلي الكنعان مجموعته الشعرية «غيوم الخشخاش»، ومحمد ثلحي «قصب الملح»، ومنى كامل تركي «جرائم الاعتداء على الأطفال»، وجورج يرق روايتي «حارس الموتى»، و«ليل»، بينما وقعت جيهان جلال «دمى وأزياء من عالم ألف ليلة وليلة»، كما وقعت بدرية الشامسي كتابها «حاسة كاذبة جدا»
وفي ديوانه «يا إمارات»، يتغنى د شهاب غانم بدولة الإمارات، يبذل الحب قصائد على جنبات الوطن، ويتغنى بإماراتها، ويمجد قياداتها، وشهداءها الذين بذلوا الدماء في سبيل عزتها ومجدها.
أما «ومضات استراتيجية من المنجزات العلمية لمركز بحوث شرطة الشارقة خلال الأعوام 2010 2015»، فيسلط الضوء على أداء مركز بحوث شرطة الشارقة خلال خمس سنوات ماضية، وتحليل الوضع الراهن للمركز، ووضع خطة استراتيجية شاملة ومتوائمة مع الرؤية الاتحادية.
وتتميز رواية «هايبر» لعلاء عبدالهادي بأنها تجمع بين الرواية والسيرة الذاتية، وتعتبر الأولى من نوعها في المكتبة العربية، تحكي قصة أب مع ابنه وهو الطفل الذي يعاني فرط النشاط الحركي، والرواية تنبه الأهالي إلى خطورة هذا المرض الذي قد يؤدي إلى إيذاء الطفل نفسه، فمحاولة استيعاب هذا المرض من قبل الأهل ضرورية، والكتاب يرصد بأسلوب أدبي معاناة الأسرة مع هذا الطفل، حتى استطاعوا أن يعبروا به إلى بر الأمان وأصبح مهندساً متخصصاً في أدق فروع «الميكاترونكس».

حكومة الواتساب من الذي شكلها؟ – محمد عبد الله برقاوي


[fusion_builder_container hundred_percent=”no” hundred_percent_height=”no” hundred_percent_height_scroll=”no” hundred_percent_height_center_content=”yes” equal_height_columns=”no” menu_anchor=”” hide_on_mobile=”small-visibility,medium-visibility,large-visibility” class=”” id=”” background_color=”” background_image=”” background_position=”center center” background_repeat=”no-repeat” fade=”no” background_parallax=”none” enable_mobile=”no” parallax_speed=”0.3″ video_mp4=”” video_webm=”” video_ogv=”” video_url=”” video_aspect_ratio=”16:9″ video_loop=”yes” video_mute=”yes” video_preview_image=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” margin_top=”” margin_bottom=”” padding_top=”” padding_right=”” padding_bottom=”” padding_left=””][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ layout=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” border_position=”all” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”small-visibility,medium-visibility,large-visibility” center_content=”no” last=”no” min_height=”” hover_type=”none” link=””][fusion_text]

10-29-2016 10:24 AM
طالعنا بالأمس عبر الأسافير وتحديداً على الواتساب .. قائمة طويلة من أسماء لرجال ونساء قيل أنهم المرشحون لحكومة مرحلة ما بعد الحوار الوطني ..وقد ضمت أكاديمين وتكنوقراط و حزبيين معروفين .. حيث ورد إسم الدكتور عمر فضل الله مرشحاً لرئاسة الوزارة وهو شخصية غير معروفة على المستوى السياسي .. ويعمل حاليا مستشارا لحكومة دبي الإلكترونية !

بينما تم تسمية الدكتور محمد طاهر ايلا .. نائبا لرئيس الوزراء ووزيراً للإسكان والتخطيط العمراني ..واسندت حقيبة المالية للدكتور بشير عمر والذي كان قد شغلها إبان إحدى الحكومات قبل إنقلاب الإنقاذ وهو الى جانب أنه خبير إقتصادي يعمل لدى البنك الدولي .. فمعروف كعضو بارز بحزب الأمة ومن المقربين للإمام الصادق المهدي ..وعاد الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل من جنيف ليشغل منصب وزير الإستثمار في التشكيلة المزعومة… الدكتور العبيد الحسن وزيرا للنفط ويعمل حاليا مستشارا نفطيا بالسعودية.. أما السيد مبارك الفاضل المهدي فقد تنحى له البروفيسور ابراهيم أحمد غندور عن حقيبة الخارجية ..السيد ابراهيم الميرغني وزيرا للإعلام وهذا يعني أن صاحبنا أحمد بلال قد راح في شربة مية..د/ مبارك خلف الله سيتولى وزارة الزراعة والذي يعمل الان مستشارا لمؤسسة خليفة بدولة قطر ..أما كرم الله عباس والي القضارف المتمردالسابق والمزارع الذي شق عصا الطاعة عن المؤتمر الوطني فسيتولى نيابة وزير الزراعة ..وزارة التعليم العالي اسندت لزميلنا الصحفي السابق والأستاذ الحالي باحدى الجامعات الخليجية البروفيسور عبد الرحيم نور الدين ..الدكتورة اشراقة ابراهيم الكاتبة المعروفة عبر صفحات الراكوبة والتي تعمل أستاذة جامعية في النمسا .. ستكلف بوزراة الثقافة فيما سيكون الأستاذ عبد الماجد أحمد الحسن نائباً لها ..الدكتور التيجاني السيسي وزيرا للتعاون الدولي .. أما صديقنا السيد عمر الدقيرفحجزت له حقيبة النقل والمواصلات ..السيد محمد أحمد سلامة.. الشباب والتقنية ..الأستاذة أمل البيلي..للشئون الإجتماعية بينما سيصبح السيد بشرى محمد صالح نائبا لها .. البروفيسور عزالدين موسى وزير للمغتربين .. وسيصبح نائبا له البروفيسور هشام عباس.. أما مفاجأة التشكيلة الفريدة فهي أن تتولى السيدة ناهد جبرالله عضو الحزب الشيوعي البارزة وزارة المرأة وشئؤن الأسرة.. الدكتور كرار التهامي وزيرا للعمل.. أما الأمير اللواء عبد الرحمن الصادق فسيتولى حراسة البلاد وزيرا للداخلية ويعاونه الأستاذ كمال الدين ابراهيم كنائب لسيادته وزارة التربية ستتنازل عنها حرم امين الحركة الإسلامية للبروفيسور عثمان أبوزيد وسيعود السيد محمد دوسة ليقود مسيرة العدالة ..والدكتور حافظ عبد الرحمن محمد خيروزيرا للإرشاد و يعاونه الشيخ عبد المحمود ابو ..خطيب وإمام مسجد الأنصار ..!
تحليلي الشخصي أن من سرب هذه التكهنات لا ينقصه الذكاء الذي قصد منه زيادةالهلع في نفوس الجماعة الإسلامية والقابضين على اللجام المهتري من أهل المؤتمر الوطني بعد أن أثاره فيهم الرئيس البشير شخصيا طالبا منهم بل الرؤوس للحلاقة .. بينما يقول بعض الظرفاء إن جهاز الأمن هو من أطلق هذا العيار لإحداث دوشة تلوي الأعناق عن ثورة الجريفات وينشغل الناس أيضاًعن كارثة الميزانية التي ستقع على رأس المواطن المسكين بعد أن مهد لرفع الدعم غير الموجود أصلا نواب الشعب الذين يعملون ضده لصالح الحكومة
ولكن بعض الخبثاء يهمسون بأن الهدف من إطلاق هذا البالون وفي هذا التوقيت هو إحراج السيد الصادق المهدي الذي يظنون أنه يتلمظ لرئاسة الوزارة شخصيا .. وليقولوا في مكر أن الرجل متفق مع الإنقاذ قلبا وقالبا رغم تظاهره بالحرد كنوع من مكياج التمثيلية بدليل أن عددا من المقربين له هم ضمن التشكيلة إياها!
عموما بغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذه التوليفة السابقة لآوانها أو كفاءة أوعدم أهلية المرشحين أعلاه للخروج بالبلاد من جُب الأزمة العميق .. فإن حكومة بهذا الترهل لن تكون فاتحة خير للبلاد التي تعاني إنهاكا إقتصاديا جعلها تسير على عجل الحديد كما يقول المثل الشائع .. فإذا ما اضفنا الى هؤلاء الثلاثين وزيرا جمهرة النواب الذين سيدخلون الى القبة الخالية من الفكي ونواب المجالس التشريعية والولاة و المستشارين و الوزراء الولائيين والمعتمدين..فإننا سنكون قد قطعنا رأس العجل و كسرنا الزيربضربة سيف واحدة .. !
بالتالي إندلاق أمال الذين يعولون على نجاح حوار المحاصصة على أرضية الخيبة .. وسيهتف جمهور الساحة الخضراء المغيب تحت أشعة الشمس الحارقة مرات ومرات .. سير سير سير .. بنا الى .. ..ولا أحد يدري الى اية هاوية أكبر من التي نحن فيها !

bargawibargawi@yahoo.com

[/fusion_text][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

القدس العربي: السوداني عمر فضل الله: غياب النقد المتوازن يضاعف عدد الروائيين


تنوعت مؤلفاته بين الأدب والعلم وأسس مراكز أبحاث

 Oct 18, 2016

يرى المفكر السوداني عمر فضل الله أن تعدد الأعراق في بلده عنصر ثراء لمكونات الهوية. الباحث الذي تنوعت مجالات اشتغالاته وكتب الشعر والرواية، ينظر بعين الرضا إلى المشهد الأدبي في موطنه رغم ضعف الإمكانات وفقر المؤسسات.
هنا حوار معه:
الخرطوم ـ منى حسن:
• تنوعت مجالات عملك الابداعي، كيف تعرّف نفسك، الشاعر، المؤرخ، الروائي، خبير تقنية المعلومات، أم الداعية والمفكر الإسلامي؟
□ أحب أن أقدم نفسي عمر فضل الله الذي عرفه البعض شاعرا أو قرأه الآخرون روائيا أو عملوا معه خبيرا أو استمعوا إليه داعية أو حاوروه مفكرا وهي جميعها محاولات للوصول إلى عمر فضل الله الإنسان الحقيقي الذي لم أكُنْهُ بعد.

• «قيل للخليل بن أحمد: ما لك لا تقول الشعر؟! قال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني، تُرى هل هذا سرُ هروبك غير المُعلن من حقيقة كونك شاعرا، وانجذابك نحو الرواية والمؤلفات الأخرى؟
□ بدأت بالشعر باكراً جداً منذ عهد الصبا فغالبته وغلبني، لكنني صبرت عليه لعلمي أن من يجمع فيه بين الموهبة والدُّرْبة فيتقنه ويعلمه لابد سيكتب الرواية بلغة شاعرة، وسيقدر على مزج سحر الرّويٍّ في الشعر بفن الغواية في كتابة الرواية، فيصعد بها إلى ﻣﺮﺗﻔﻌﺎﺕ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦﺍﻟﺨﻴـﺎﻝ ﺍﻟﻔﻨﻲ العظيم، الذي لن يطاله من ليس من أهل النظم ولن يناله من لم يسمر مع شياطين الشعر في وادي عبقر هازجا وراجزا. ولو كتب الرواية من ليس هو من أهل القريض فلن يكتب رواية يطرب لها القارئ طرباً حقيقياً فالذوق الشعري هو الذي يمزج الرواية بلمسة العبقرية ليتذوقها القارئ كما يتذوق القهوة، وترقصه فصول الرواية كما ترقصه أوزان الشعر. لكنني حين سبحت في بحر الشعر وجدته صعباً طويلاً سلمه. وحين زلت به قدمي هربت من مضماره سرا ورضيت من الغنيمة بالرواية بعد أن عشت «زمان الندى والنوار» فعرفت كيف أتقمص روح الترجمان لأحلق مع «أطياف الكون الآخر».أما انجذابي لألوان المؤلفات الأخرى فقد أملته حادثات الليالي ومخترعات العصر فحملتني على التأليف والكتابة.

• كيف تنظر لمستقبل الرواية العربية في ظل الازدياد المطرد في عدد الروائيين- إن صحت التسمية- وهذا الاستسهال الكبير لفن الرواية، حيث يشهد المتابع للمشهد الأدبي العربي تحول القارئ العادي أو الصحافي أو السياسي فجأة إلى روائي ترحب به دور النشر!
□ من الطبيعي في ظل ضعف أو غياب النقد الأدبي المتوازن أن يزداد عدد الروائيين وينخفض مستوى فن الرواية. وهذا عرض خطير سوف يؤدي بالتأكيد لزهد القراء في هذا النوع من الفن رغم كونه يتصدر المشهد الثقافي الحالي جنبا إلى جنب مع الشعر. إضافة إلى ضعف التدقيق في النصوص الروائية والأدبية المقدمة إلى دور النشر، وجنوح كثير من هذه الدور للمنافسة والربح بدون النظر لمستوى المادة المنشورة. ولو امتنعت مؤسسات منح الجوائز في الدول العربية عن كونها مؤسسات مسيسة وانحازت للمنهجية العلمية في تقييم الروايات والحكم عليها فربما يؤدي هذا إلى ارتقاء مستوى فن الرواية العربية فيذهب الزبد جفاء ويمكث في الأرض ما ينفع الناس.

• يقول جون ماكسويل: «الموهبة لا تكفي أبدا، اكتشف الخيارات التي تأخذك لأبعد من موهبتك»، فما هي الخيارات التي ترى أن اتخاذها كان في صالح تنمية مواهبك وتطويرها؟
□ كان خيارا القرآن واللغة في أول عهدي بالدراسة، هما أفضل جناحين حملاني لأبلغ المستحيل، ولأسبر أغوار قدراتي العقلية والإبداعية. ثم خيار التغرب عن الأوطان في طلب العلا، والعلم بالأسفار، وتحمل الأخطار وما فيه من الفوائد حين تفتقت موهبتي عن أكمامها فأزهرت ما ترونه، أو ما سوف ترونه مما لم يحن أوان قطافه بعد.

• رغم احتشاد السودان عبر تاريخه الثقافي الحافل بأسماء شعرية وأدبية مؤثرة بعضهم ترك الدنيا مخلفا إرثا ثقافيا عظيما، وآخرون ما زالوا يرفدون الساحة الثقافية بإبداعاتهم، إلا أن أغلبهم ظلوا مغمورين قياسا لنظرائهم في الوطن العربي، فما سر هذا الغياب أو التغييب عن الساحة الثقافية العربية؟
□ مثقفو وأدباء السودان جنت عليهم تربيتهم التي تدعو إلى التواضع مع الزهد في الشهرة بين الناس، والرغبة في خمول الذكر، وعدم حب الصدارة . كما جنت عليهم مؤسساتنا الثقافية والإعلامية بضعف إمكاناتها الذي أدى إلى عدم قدرتها على تسويق إنتاجهم، فغرق نشاط أدبائنا في المحلية واستكان إلى حين، لكنه لم يمت بالإهمال. ورغم ما ذكرت إلا أنه يصفو لنا عدد غير قليل ممن ذاع صيته واشتهر وملأ الآفاق، مثلما أن وسائل الإعلام الجديد أسهمت كثيرا في التعريف بأعلام الثقافة والأدب من أهل السودان، فبقينا في الآونة الأخيرة ندهش العالم كل يوم جديد ببعض أبنائنا من عباقرة هذا الشعب المترع أدبا وثقافة.

• لديك كتابٌ عن تاريخ وأصول العرب في السودان، ولا يخفى على مثقف مُطلع أزمة الهوية التي يعاني منها السوداني. الهوية التي تتأرجح بين العربية التي لا تعترف بها نظرة العرب العنصرية للسودان، والإفريقية التي يستهجن أغلب الشماليين في السودان فكرة الانتماء لها، إلى أي مدى أسهمت هذه الأزمة في ما مر ويمر به السودان من أزمات، بدءا بالحروب الأهلية وانتهاء بتقسيمه الموجع، وما الحل في نظرك؟
□ أزمة الهوية نفسية في المقام الأول وهي ناتجة عن أزمة الثقة بين أبنائنا تحديداً بما يخص أصولنا وموروثنا التاريخي والثقافي والفكري. وقد نجح المستعمر في زعزعة الثقة وطمس الهوية عن طريق السياسات ومناهج التعليم عبرالأجيال لننسى أمجادنا، ولا نعرف قيمتنا الحقيقية فقبلنا ذلك وخنعنا واستطاع أن يحكمنا ويستغل خيرات أرضنا عبر تقسيمنا وزرع الفتنة في ما بيننا. أما الهوية السودانية فمحسومة لأن تعدد الأعراق عربيها وعجميها وتعدد الثقافات في الوطن الواحد هو عنصر ثراء لمكونات الهوية السودانية التي تميزنا بها، والأفريقية هي الأرض التي نعيش عليها. فالهوية هي الأرض أولا والتاريخ ثم البشر وثقافاتهم. والحل يكمن في مناهج التربية الوطنية للناشئة وفي النشاط الثقافي بين أبناء الوطن ليوثق ارتباط السودانيين وانتماءهم للأرض وليس للعرق.

• كلما زار أديب أو شاعر السودان لأول مرة نجده يكتب متفاجئاُ عما رأى ووجد، فما سر ضحالة ثقافة العرب عن السودان، وغيابه عنهم، والذي أدى إلى تصوير مشوه للإنسان السوداني في الإعلام العربي؟
□ السودان عاش عزلة مفروضة عليه أدت إلى جهل بقية الشعوب بهذه البلاد مثلما عاش تهميشا متعمدا منذ عهد الاستعمار. إضافة إلى تقصير أبنائه في التعريف به خلال العهود الماضية. وفي ظني أن كسر طوق العزلة هو مسألة وقت، فأبناء السودان الآن انتبهوا لهذه المسألة، مثلما أن الهجرات خارج الوطن هي عامل تنوير وتعريف بالسودان وأهله فليست الهجرة كلها نقمة.

• حركة هجرة المواطن السوداني إلى الخارج المتزايدة يوميا، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها هجرة عقول، إلام تعزوها؟
□ الهجرة كانت في السابق نتيجة تردي السياسات وفرص العمل وهبوط مستوى دخل الفرد عبر الأنظمة السابقة مع زيادة الغلاء وارتفاع الأسعار، لكنها تضاعفت في هذا العهد نتيجة عدم التوازن بين مخرجات المؤسسات التعليمية وسياسات الاستيعاب والتعيين، وعدم تكافؤ الفرص. فاضطرت العقول للهجرة حينما حرمت من حقوقها في الداخل، وأتيحت لها الفرص خارج الوطن، واستفادت منها بعض الدول بذكاء.

• كيف تنظر لتجربة ومستقبل حكم الحركة الإسلامية في السودان، ورؤيتك لسودان ما بعد الحوار الوطني؟
□ الحركة الإسلامية في السودان فاجأت العالم بأنها أخفقت في أول اختبار حقيقي وهو اختبار السلطة والحكم، رغم تمتعها بأعداد غير قليلة من العقول والخبراء في مختلف التخصصات والمجالات. وفي تقديري، انتهى عهد تنظيمات الحركات الإسلامية فالعالم لم يعد يتقبل فكرة التنظيمات الأيديولوجية لكنه يتقبل فكرة منظمات المجتمع المدني. وبذلك فلا مجال للحركة إلا التحول لمنظمات مجتمع مدني فاعلة إن أرادت البقاء والاستمرار. أما رؤيتي لما بعد الحوار الوطني فلست متفائلا كثيرا بما بعد مخرجات الحوار، لأنه لم يجمع كل ألوان الطيف في السودان وإنما اقتصر على الحوار بين فئة الأحزاب السياسية وحركات التحرر فقط وبذا لم يكن حوارا حقيقيا يستوعب فئات الشعب وإنما هو حوار بين السياسيين مع أنفسهم. وهو حوار بين غير أهله ومع غير أهله. فهؤلاء المتحاورون من الأحزاب السياسية هم من ضيع الوطن وظلم أهله. لا أرى في ظل ما يدور إلا المزيد من التخبط والظلام، بل إن قراءتي الواقعية تقول إن المقبل اسوأ من الماضي، وأسأل الله اللطف بأهل السودان جميعا.

• كانت لك تجربة العمل في وظيفة حكومية في السودان في فترة حكم الإنقاذ، كيف تقيم تجربتك فيها، ولم اتخذت قرار الهجرة إلى الخارج؟
□ لم أعمل موظفاً في وظيفة حكومية في السودان في عهد الإنقاذ، لكنني شاركت في أعمال قومية تمثلت في إنشاء مؤسسات التخطيط القومي والاستراتيجي ومؤسسات المعلومات وتقاناتها، بالإضافة إلى مشاريع أخرى. وذلك في بداية عهد الإنقاذ ووجدت نفسي أعمل بين شركاء متشاكسين تغولوا على هذه المؤسسات ووأدها، ثم لم يندموا بل أصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، رغم أن هذه المؤسسات في بداية عهدها قامت بأدوار كبيرة في التأسيس لبنية التخطيط الاستراتيجي والمعلوماتي. وأما قرار الهجرة فاتخذته حين يئست من الإصلاح فهاجرت ولسان حالي يقول:

مَتى يَبلُغُ البُنيانُ يَوماً تَمامَهُ ** إذا كُنتَ تَبنيهِ وَغَيرُك يَهدِمُ
وَإِن عَناءاً أَن تُفهِّم جَاهِلاً ** فَيَحسَب جَهلا أَنَّهُ مِنكَ أفهَمُ
مَتى يَنتَهي عَن سَيء مِن أتى بِهِ ** إذا لَم يَكُن مِنهُ عَلَيهِ تَندَمُ

• كيف تنظر لواقع المشهد الأدبي السوداني؟
□ المشهد الأدبي السوداني بخير، فقد شهدنا ميلاد كثير من الأدباء من الشعراء والروائيين وغيرهم في الآونة الأخـــــيرة. وشهدنا نشاطا كثيفا وحماسا وانتشارا، بل واحــتفاء بالأدب وأهله، رغم ضعف الإمكانات وفقر المؤسسات وقلة الحيلة.

من العيلفون إلى أمريكا

عمر فضل الله من أبناء العيلفون، تلك القرية السودانية الغافية على ضفاف النيل الأزرق التي ما إن يرد اسمها حتى تقفز إلى ذاكرتنا حلقات القرآن الكريم، و(خلاويه).
حفظ القرآن الكريم مبكراً، وكان من المتفوقين دراسيا في كل المراحل بدءا بالمرحلة الابتدائية، وحتى دخوله في العشر الأوائل على مستوى جمهورية السودان في الثانوية، أكمل دراسته الجامعية في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، وتخرج في كلية علوم الاتصال، ومن ثم سافر إلى أمريكا حيث نال درجة الماجستير والدكتوراه في تقنية المعلومات من جامعة كاليفورنيا، عاد ليعمل في المملكة العربية السعودية حتى عام 1991. ثم عمل محاضرا في الجامعات السودانية ومؤسسا لعدد من مؤسسات ومراكز البحوث والدراسات، حيث أسس مركز الدراسات الإستراتيجية، والمركز القومي للمعلومات في السودان، وأسهم في إنشاء المكتبة الوطنية السودانية.
ثم هاجر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1996حيث يعمل حالياً مديراً لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الإلكترونية في أبوظبي. صدر له عدد كبير من المؤلفات الأدبية والعلمية والبحوث باللغتين العربية والإنكليزية نذكر منها: «حرب المياه على ضفاف النيل (حلم اسرائيل يتحقق – دراسة عن سد النهضة الإثيوبي وآثاره)، «ترجمان الملك» (رواية)، «أطياف الكون الآخر» (رواية)، «زمان الندى والنوار» (شعر)، «زمان النوى والنواح» (شعر)، تحقيق كتاب «تاريخ وأصول العرب في السودان» للفحل الفكي الطاهر الذي صدر في الخرطوم في 2015.

المصدر: القدس العربي http://www.alquds.co.uk/?p=615118

alquds_al3arabi_pic

بل إنقاذ السودان أهم من محاسبة الإنقاذ. د. عمر فضل الله رئيساً للوزراء


tariqد. طارق عبد الهادي

هناك لحظات فارقة ومنعطفات خطيرة في حياة الشعوب ما لم تهب هذه الشعوب وتمسك بزمام الأمور بنفسها فستعض أصابع الندم لاحقا ، المنحنى خطير و المرحلة دقيقة و علينا تلمس الخروج الآمن من سطح صفيح الإنقاذ الساخن بدل الوقوع في فوهة البركان.
لا شك أن الإنقاذ أخطأت كثيرا جدا وأهدرت الكثير من الوقت وأضاعت الكثير من فرص التنمية على البلاد والعباد، في هذه لا تنتطح عنزان. في عهدها تردت كل مرافق الخدمة المدنية و لم يقدم الحزب الحاكم للناس ما ينفعهم في معاشهم وحياتهم و اقتصادهم ولم يقدم الحزب للناس رخاء اقتصاديا كما فعل و يفعل حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي لم يحوز على ثقة الناس بالخطب والمواعظ والتغني بالمشروع الحضاري بل بالاهتمام بما ينفع الناس في معاشهم ، فشل إسلاميو السودان في النهوض بالزراعة والصناعة في بلد بإمكانات السودان بل قتلت روح المبادرة الفردية لدى السودانيين و تعطلت الصناعات الزراعية والتحويلية ، لذلك أسعار السلع الغذائية مرتفعة عندنا، والشباب عاطلون والنيل ممددا وبئر معطلة وقصر مشيد، و قد خرج النائب الأول السابق السيد علي عثمان طه على الناس بعضمة لسانه قائلا ان قفة الملاح لم تكن في يوم من الأيام موضع اهتمامهم بالحكم! وانه أتوا ليربوا الناس على تحمل الجوع والعطش كما حدث في شعاب بني طالب!، بئس هذا الحكم الذي كنت تسوس به، ذلك الذي لم يكن مقصدك فيه قفة الملاح وإشباع الناس. الم تسمع قول سيدنا عمر (ان لم نوفر لهم، أي للرعية، مأمنهم وحرفتهم ونسد جوعتهم فلماذا نسوسهم).

ما أوصلنا لكل هذا عاملان اثنان لا ثالث لهما ، الفساد الذي استشرى كالسرطان في مرافق الدولة والحصار الخارجي الذي تسببوا هم فيه بسياستهم الخارجية الرعناء مما لا داعي لتكراره مما هو أصبح معلوم بالضرورة لدى السودانيين، بل الحصار نفسه هو ادعى لهم ان كانوا وطنيين ليشاركوا الآخرين شراكة حقيقية من اجل ان يرفع الحصار و تذهب صادراتنا لأوربا ويعود ريع الصادر ويرفع الحظر البنكي الدولي على السودان فما من بنك عالمي إلا و فيه أسهم أمريكية تمنعه من التعامل مع السودان وبرفع الحصار تعود مساعدات الاتحاد الأوربي ونصبح جزءا طبيعيا من هذا العالم بدل البقاء في الهامش ورمي الآخرين بالطوب.

معاداة روسيا وأمريكا منذ طفولة عهدهم الباكر وآخر تخبطهم قبل ان يتوقفوا عن ذلك كان التحرش بإسرائيل عبر تهريب السلاح في معاكسة للرأي العام السوداني الذي يميل لإقامة علاقات معها بالحد المقبول كسائر معظم بلدان العرب والأفارقة وبالحد الذي يجلب لنا احتراما دوليا ويفتح آفاق علاقتنا مع الدول الغربية لأبعد حد ممكن، لماذا نعادي اسرئيل أكثر من العرب هل نكون ملكيين أكثر من الملك. (راجع مقالي بعنوان الوصفة لتجنب الطيران الإسرائيلي، http://www.alrakoba.net/articles-act…w-id-26412.htm )

بفذلكة تاريخية قصيرة لتاريخ الإنقاذ نجد ان خلط الموقف الديني بالسياسي اضر بالممارسة السياسية في الداخل و الخارج فالسياسة نسبية ، هي فن الممكن ، فن المنطقة الوسط او المنطقة الرمادية والدين مطلق وخلط المطلق بالنسبي يفسدهما معا ، والتوجه الإسلامي الصارخ كانت نتيجته الدخول في حرب مع الغرب ومع الكنيسة والسودان لا قبل له بذلك ، والغرب نفسه عدة مستويات لماذا نعاديه أصلا؟ ، هناك غرب القيم والتكنولوجيا، وهذا علينا ان نتعلم منه كما تعلم منا فقد اخذوا هم من الحضارة الإسلامية التي بدورها كانت أخذت من اليونانية والإغريقية فالمسالة تبادلية ، وهناك غرب المجتمعات المدنية وهذا غربٌ حليف لنا وصديق، وهناك غرب ملايين السياح ذوي الحس الإنساني الرفيع ترونهم بين ظهرانيكم في بلادنا في البجراوية وغيرها ، إذن من الغباء وضع كل هؤلاء في السلة ذاتها مع غرب الأنظمة.

إحقاقا للحق أهل الإنقاذ لديهم انجازات ولكن تقل و تقصر قيمتها النوعية مع طول مدة بقاءهم في الحكم 27 سنة مقارنة مع مشاريع فترة عبود ست سنوات، لديهم اختراق في التعليم العالي فقد وسعوا مواعينه وان كانت الناس دفعت من حر مالها بالخاص وأقاموا جسور وطرقا كان يمكن ان تكون أفضل من طرق الموت هذه (راجع مقالي عن الحل الوحيد لطرق الموت السريع هذه.

في المحصلة النهائية نقول أن حزب المؤتمر الوطني ليس مثاليا لشعب عظيم كالشعب السوداني وليس قويا ، هو قوي لان معارضيه هم هؤلاء! الذين ترونهم! في الساحة، هو قوي بضعف هذه المعارضة الهزيلة وليس هناك من يلتقط الحبل على الأقل حتى الآن0

السؤال هو ما المخرج اليوم بعد حراك الأطباء السلمي وبعد لقاء الرئيس البشير التلفزيوني الذي خرج اقل من المتوقع بكثير؟
هناك حلان لا ثالث لهما، أولهما هو فن الممكن الذي يمكن عمله شراكة من الطرفين معا مؤسسة الرئاسة من جهة والمعارضة من جهة أخرى ورمزها السيد الصادق المهدي صاحب الأكثرية بآخر برلمان منتخب، والخيار الثاني هو فن الممكن الذي تقوم به مؤسسة الرئاسة منفردة كفترة انتقالية.

الحل الأول هو ان تقدم المعارضة السبت لتحصد الأحد، اي ان تبادر المعارضة للرئاسة وتتعهد بتسوية قضية الجنائية الدولية في الإطار السوداني السوداني لدفع الرئيس ليمضي قدما في انفتاحه على عملية الإصلاح، على المعارضة ان تقدم السبت بل والأحد ان كان ثمن ذلك إخراج الرئيس من براثن حزب المؤتمر الوطني العتيق، فالكرة اليوم هي في ملعب المعارضة و الحبل ملقي فمن يتقدم ويلتقط الفرصة التاريخية السانحة والشراكة بين مؤسسة الرئاسة والمعارضة هي الخيار الاوفق للسودان للنهوض سيكون البشير حينها حليف للمعارضة ان كانت الناس تفهم في السياسة حقا! ، حيث لا تنتظر في السياسة ان تحصل على كل شيء، في السياسة الذي يلتقي معك على 40% هو شريك والذي يلتقي معك على 60% أو أكثر هو حليف.
يقول توماس فريدمان في كتاباته عن نهايات ومصارع الطغاة في الشرق الأوسط ، يأتوه (للدكتاتور) للمصالحة والتنازل قليلا فيقول أنا قوي لماذا أتنازل حتى يفوت الأوان و تأتي للمعارضة الضعيفة ان تقبل بحل وسط يقولون نحن ضعفاء لن نقبل بالتفاوض الآن!

لقد تأخرت المعارضة كثيرا فمنذ خطاب الوثبة الشهير بمطلع 2014م لم تقم المعارضة بخطوات جدية وظلت تراوح مكانها لغياب الخيال ولغياب فراسة انتهاز الفرص وظلت تطالب بتسليم السلطة كاملة!، هو غياب الثقة وبدون الاتفاق على تسوية سودانية سودانية فلا احد سيسلمك رقبته او يعطيك حبلا لتشنقه

على قوى المعارضة الرئيسية بالبلاد ان تعلن إدانتها الصريحة للعنف والعمل المسلح كوسيلة للتغيير، من لم يقل صراحة انه ضد العنف للتغيير سيخسر في هذه المرحلة ، نعم إن المرحلة القادمة هي مرحلة تصنيف وغربلة القوى السياسية الناضجة من المراهقة ونبذ وإدانة العنف المسلح كوسيلة للتغيير هو الذي يجعل المعارضة تكبر في نظر الشعب والعكس صحيح الذي يحمل السلاح ويمارس العنف إن أيدته وأوصلته للسلطة بمجرد أن يصل للسلطة سوف يقصيك!، فالمزاج الشعبي الآن إن كنا نستنطقه هو أن (من الأفضل الاحتفاظ بالسيئ المتاح الآن إذ أن من سيأتي أسوا و أشوم).
لقد فشل خيار الانتفاضة ببساطة لأن هناك جهويات تحمل السلاح ففي أكتوبر وابريل لم تكن الجهويات تحمل السلاح فالإخوة في دارفور وجبال النوبة مدخلهم للنضال خاطئ وثبت ان حمل السلاح يقوي النظم العسكرية ولا يزيحها.

اذا أردنا ان ننفذ هذا السودان على الجميع الترفع عن شعار المحاسبة عن كل الفترة الماضية منذ الاستقلال و حتى فترة الإنقاذ ان كان ثمن ذلك هو حكومة قومية تجبر الكسر وتعوض من يستحق التعويض العادل ممن فقدوا أرواحهم او وظائفهم ويكون التعويض بحسب إمكانات الدولة ودعم المانحين وإمكانات الشعب السوداني نفسه للنفير ان دبت فيه روح وطنية جديدة و سترون انه كيف سيهب للنخوة والعزم ان شعر بالثقة وبالصدق وان هناك فرصة جدية للسلام والنهوض من كبوتنا، سيهب الشعب للدعم والتبرع من الداخل ومن قارات العالم الخمس .

إذن علينا إبداع حل نابع من التسامح السوداني ومن الحكمة ان تعلن القوى السياسية إنها ليست اقصائية وستسمح للمؤتمر الوطني نفسه بالمشاركة في المرحلة اللاحقة اذ من شأن هذا أن يحد من العرقلة النابعة من داخل المؤتمر الوطني نفسه فتيار من بقي من الإصلاحيين داخله سيميل للاستجابة للتغير الديمقراطي على أمل أن يتمكن في الفترة الانتقالية وبعدها في الفترة الديمقراطية من إجراء جراحاته وإصلاحاته على الحزب الشيء الذي عجزوا عنه تماما والحزب في قمة السلطة منفردا،
من الجيد بل ومن المفيد للسودانيين ان يروا حجم حزب المؤتمر الوطني بعد ان تزول أشرعة السلطة عنه وبعد الفترة الانتقالية تركه لينافس عبر صناديق الاقتراع حينها سيتولى أمر عقابهم الشعب السوداني بإبعادهم ديمقراطيا. نريد ان ننهي دورة العنف ألاجتثاثي من حياتنا السياسية مرة واحدة والى الأبد.

علينا ان نعلي من قدر القضاء الوطني بديلا عن لاهاي فالذين قتلوا في الحرب في دارفور هي كانت حرب بين جيشين كل منهم مسلح بالاربجي والدوشكا والجيم ثري والحركات المسلحة لم يكونوا ينثروا الورود والزهور بل كانوا يقتلون عناصر الجيش و الشرطة ولديهم تجاوزاتهم في المدنيين أيضا لذلك ينبغي أن تحصر تجاوزات الطرفين في المدنيين للتعويض العادل. هذا هو فن الممكن اليوم و الرد لمن هو قائل والدماء التي سفكت في دارفور هو ان هذه الحركات لم تكن تلقي الزهور والرياحين على أهل السودان لقد قتلت من الشرطة والجيش وبعضها تفلت وكسرت البنوك ودمرت أبراج الاتصالات والكهرباء ومن الذي لم يخطئ في الفترة السابقة؟

ان تسليم الرئيس البشير للجنائية لن يفيد أهل دارفور ولن يفيد السودان بل تعويض من قتل من كل الأطراف تعويضا عادلا وإدماج كل الأقاليم بما فيها دارفور في الدورة الاقتصادية لحين إجراء انتخابات تحدد الأوزان للجميع. إذن الحركات المسلحة عليها ان تجنح الى السلام و قد فعل كثيرون منهم ذلك، فالعنف لن يقود إلى نتيجة والتحرش بالقوات المسلحة بأطراف البلاد لتحقيق هدف سياسي هذا عمل لا يخلق شعبية ولا يسقط حكما وهو عمل عبثي وإزهاق لأنفس كريمة من الطرفين و غير جائز شرعا وغير موفق سياسيا ومضر وطنيا إذ واجب القوات المسلحة هو الحفاظ على ما تبقى من هذا السودان بعد ذهاب الجنوب لحاله ومن يتحرش بها ومن بدا سيتحمل نتيجة فعله ، أما الدعوة للتغير سلما وتجمع القوى المحبة للخير لهذه البلاد والقوى المحبة للازدهار والديمقراطية والتسامح والاعتدال والتصالح فهي الدعوة حق مشروع ومن يقف في طريقها لن تكون له الغلبة.

هذا هو الحل العقلاني الشامل وإذا لم تسمو المعارضة ولم ترتقي الى اللحظة الحرجة التي نحن فيها فلا بد من سيناريو الحل الثاني والذي تقوم به مؤسسة الرئاسة منفردة.

في الحل الثاني ستكون الكرة في ملعب الرئاسة ومؤسسة الرئاسة بل هذه بالضبط هي أيام الرئيس!، حيث الرئيس البشير ونائبيه بيدهم الجيش والأمن ويمكن ان يتكئ عليهما فقط للإصلاح وعليه ان يرشح شخصية وطنية وقومية لمنصب رئيس للوزراء بعد استحداث المنصب وأمامه كثيرون في الداخل و الخارج من أهل الكفاءات من التكنوقراط، ان أراد شخصية من الداخل عليه بالإداري و التنفيذي الطوربيد والنموذج الناجح أسامة داود عبد اللطيف وان يمنح كامل الصلاحيات للإصلاح وان أراد من كفاءات الخارج فعليه بالدكتور عمر فضل الله الخبير الاستراتيجي و ألأكاديمي البارز المقيم بدولة الإمارات العربية وهو شخصية وطنية تجمع بين صفات الكاتب والمفكر والباحث والمؤرخ، ويشغل د. عمر فضل الله حاليا مدير مشاريع تقنية المعلومات و مشاريع الحكومة الالكترونية بابوظبي.

على الناس الصبر على حكومة تكنوقراط وستكون هذه فرصة عظيمة للبلاد ولاستعادة عافية الخدمة المدنية وتكون هذه بداية مرحلة رشد سياسي للجميع فمن الذي لم يخطئ في الفترة السابقة؟

الشعب السوداني سيقبل بحكومة التكنوقراط ككبري نحو الديمقراطية، فهو شعب قد نضج وجرب كل شيء واستوي عوده وليس بحاجة إلا إلى القدوة الحسنة وبلغ من نضجه ان الفكرة عند المفكر يمكن ان يدلك عليها صبي الدكان وسائق التاكسي وسيكون الشعب منتجا و جبارا ، ستقوم حكومة التكنوقراط باستخدام الطاقة الشمسية وستنتج كهرباء إضافية فورية بإقامة محطات حرارية بالنفط الرخيص عالميا الآن لتمتد أعمدة الكهرباء في الفيافي والوديان خضرة وزرعا وضرعا وقمحا ووعدا ، و سنلحق بالآخرين في وقت قياسي اذ التكنولوجيا للتنمية نفسها حدثت فيها طفرات هائلة بالسنوات الاخيرة ومن حسن اهل السودان انهم سيستخدمون آخر واحدث طرق الإنتاج الزراعي والحيواني حيث الإنتاج السريع والوفير وبعد ان يعم الرخاء ستنتهي الحروب دون رجعة و أمامنا تجربة البرازيل من الفقر الى الحكم الرشيد والى الوفرة والغنى و ماليزيا للتجانس وصهر الوطنية بعيدا عن هذا التشرذم الحالي. إنها الفرصة ستكون قد أتت في بلد واعد بإمكانات السودان، وانه ليس حلما، مثل حلم د كنج، ان تم هذا السيناريو وهو ليس صعبا ولا مستحيلا، في غضون عامين او ثلاث فقط ستسير البلاد على الطريق الصحيح حتى موعد الانتخابات لتحديد الأوزان بعدها من يختاره الناس سينطلق بالتنمية بذات المسار المتين الذي وضع وبدون خطب وضجيج فالناس شعارها التنمية والرفاهية في المرحلة القادمة و ستختار على هذا الأساس ومن تختاره في انتخابات ديمقراطية لاحقة سيواصل عملية النهوض بالبلاد و ستكون معه معارضة راشدة في إطار ديمقراطية راشدة ومستقرة تنتظر الانتخابات القادمة هذه المرة لتكسب بعد ان وعى وتعلم الجميع دروس القدوم من وادي سيدنا، من أقصى اليمين الى اليسار فقد جربنا كل شيء وآن أوان الحكم الرشيد للخروج من النفق لمن يحكم هذا البلد السودان ذي الإمكانيات الهائلة المعطلة لسوء الاختيار و تنكب الطريق ، يمكن لرئيس الوزراء من التكنوقراط ان يواصل مساره السياسي بعد ان يسلم منصبه بنهاية الفترة الانتقالية وان يؤسس لحزب خدمي تنموي وهذا الحزب سيلهم الشباب بالأمل وسيكون إضافة حقيقة وضمانة للديمقراطية المستدامة واحترام الدستور و تشكيل حزب شعاره تنموي بحت سيثري الحياة السياسية بعقد ندواته ويعرف ببرنامجه ويطوف ببرنامجه أنحاء البلاد وفي أي انتخابات بعدها وبما يناله من نصيبه الشرعي في السلطة سيحدث حراكا وأفكارا وسينطلق ويرسخ أقدامه في الساحة ويوجه فكر الناس للتنمية عبر الإعلام التنموي فالناس شعارها التنمية والرفاهية في المرحلة القادمة و ستختار على هذا الأساس.
والله من وراء القصد

tarigelsheikh@hotmail.com

الصادق عبد الله يكتب عن رواية ترجمان الملك


Alsadig Abdallaترجمان الملك

عندما بدأ تعليقات المعلقين تترى على صفحات التواصل. اكتفيت على استحياء بالتعليق على صورة الغلاف. وذلك أضعف التعليق.. حتى جاء بي العيد. وذهبت وسألت أيكم ترجمان الملك، أيكم دلمار، أو سيسي أو حتى أصحمة. أريد سيمونة وبناتها.. فكان لي.

عزيزي القارئ.. إذا أريد لهذه كلمة أن تكون على هامش رواية ترجمان الملك. فستكون هي الكلمة الرابعة.. من القارئ وإليه. هذا بعد كلمة المؤلف والراوي وكلمة الناشر. ولعمري هنا كلما يلمع ذهباً.

تبدأ الرواية بالترجمان حفيد الترجمان، حيث تعلم الترجمان الجد العربية من اختلاطه بقوافل تجارة العرب المتجهة غرباً في العدوة الغربية من البحر الأحمر. تنقل المنافع في سلع ذلكم الزمان. وتحط في سوبا أو سبأ في العدوة الشرقية للنيل قبل مقرنه الكبير. وقد تعلم الترجمان الحفيد من جده وأخذ منه العلم والحكمة. وقد تجاوزت وظيفة الترجمان إلى الترجمة وأشياء أخرى من شأن البلاط والسياسة. ومنها الوصل بين الملك والرعية (إعلامي داوكاتي)، ثم دخوله عرّاباً وسيطاً لاستراداد العرش وإعادة الأمير إلمختطف إلى عرش والده.

الرواية تروي عن سوبأ. سوبأ عاصمة دولة مكتنزة كاملة التقاسيم. ومن يذكر سوبأ لا بد أن يذكر النيل. بأفراسه ولقالقه وتماسيحه وجزائره، شرقه وغربه.وتذكر الممالك أعلاه واسفله. وما حوله من بلاد. ويذكر تاريخ الملوك. سوبا وشعبها العنج العماليق، هي وريثة سبأ، بمجدها وسحرها. وسوبا بوتقة لغات العالم في وقتها. سوبأ مدينة المنازل الفخيمة والبساتين. كنائسها وأجراسها. مدينة تحيطها اسوارها. مرابط الخيل ودور الجند العنج. والأسواق، أسواق تعج بالجالبين والطالبين. الثياب من جزر أعالي البحار. الدمقس والحرير. الذهب. لم تعرف بلاد في الدنيا بالذهب مثل سوبا العاصمة. قصر السلطان الملك. ومنحوتاته الذهب والمرمر. عاصمة استخدمت العربة والخيول كما استخدمت عجلة الماء (النواعير والسواقي) تضاهي نينوى، دمشق أو روما أو أثينا إن شئت .

عندما أعلنت الرسالة السماوية الخاتمة في جزيرة العرب، كانت أخبارها طازجة، كدتّ أقول صحف الصباح توزع مع زلابيا الصباح. يتداولها الراي العام في سوق سوبا. كان قوم سبأ أو سوبا إن شئت يعرفون أسلاف هذا النبي الخاتم، الذي ملأت شهرته الآفاق. فقد كان هناك أبو طالب، بل كان الجد هاشم من رواد هذه السوق الافريقية. أما آخرا، فقد كان شاعر العرب أمية ابن الصلت يرتاد مجلس الملك في سوبا ويتعبد في كنائسها، ينتظر مقدم الرسالة. حتى قدم المهاجرون بدينهم، باسمائهم ونسائهم. يغسلون أجسادهم يرتلون صلواتهم ويقيمونها ركوعا وسجودا. وكعادة العرب يحتفظون بكامل هويتهم ونسبهم حتى الجد الاخير. وبينهم صبيهم الزبير بن العوام الذي امه صفية بنت عبدالمطلب. والذي صادق وصاحب الترجمان الحفيد (السيسي). وقد قص الزبير كل قصة ما يدور في مكة للترجمان الصغير. ثم عودتهم ورجوعهم شرقاً من حيث أتوا. جاءوا مرة أخرى، ويستقبلهم النجاشي اصحمة بن الابجر، لترسل قريش على إثرهم وفدها ليجادل الملك. وعندما تمددت الامبراطورية الاسلامية كان كل شيء هادي في الميدان الغربي (افريقيا).

الرواية ملئية بالفعل السياسي. التنصيب. المكيدة. الحرب.الاختطاف. سطوة المؤسسة الدينية ونفوذها في تعيين الوزراء دون اعتبار لمؤهلات أو كفاءة. وهم شرهون للثراء بكافة الوسائل. ومكيدتهم لازاحة الملك واختطاف ولي العهد. والسحر والاتجار بالبشر. بل وشن الحرب على الملك القائم. والرواية تتوسع قصة اختطاف الأمير. تدبيرها. بيعه. نقله. معاناته. دعائه. وانفراج أمره وعودته للعرش. كأنها قطعة من رواية أليكس هيلي (الجذور). الرواية دائرية. الملك الصغير يظهر في بداية القصة كملك ثم يأتي لاحقا الحديث عن اختطافه ثم عودته للحكم. والراوي الترجمان يحكي عن جده الترجمان..

بالرواية وصفات كاملة لبعض فلكلور مملكة سوبا: مبروكة بائعة الروب، جنازة دلمار (الترجمان الكبير)، حمام الدخان والدلكة. زفة العريس (السيرة)، بل وصورة جزيرة التمساح المزبلة المتسخة .. ضفادع، خنافس، ونباح الكلاب (ألا زالت جزيرة التمساح متسخة؟)

ومفردات النبلة، القلابة، الدردور، المسقوفة (الراكوبة) الطهارة (الختان)، ساري الليل. جزيرة التمساح. شطة القبانيت (شطة سودانية، أم حبشية أم كلاهما). البرذعة (البردعة).. اليرابيع (الجرابيع). المدرة. متمطق (تحريك اللسان). محفظة (محفضة). المرق (العمود). الدانقة (الغرفة). التُّكل.. المرحاكة (المحراكة). البرجوب. استقاء الماء من النيل بالجرار. والنسوة يغسلن الملابس باقدامهن.

رواية ترجمان الملك عن دار نهضة مصر، عن عمر فضل الله. كتاب يتأهل لمقولة ابن قدامة المقدسي.. حمل الاسفار في الاسفار. فهو كتاب بحجم جهاز التلفون (تاب فور). سهل الإدارة، في بيتك أو جيبك أو حقيبتك. صفحاته من الثلاثمائة أقل قليلاً. جاءت رواية ترجمان الملك، كما قيل عنها في مسار الروايات التي مدارها التاريخ. تصنع من حقائق التاريخ خبزاً ومتاعا حسناًً. ذكرتني الرواية فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي.. ورجال حول الرسول لخالد محمد خالد، والذي كتب فيه السيرة بصورة أقرب للدراما. ثم ذهبت بي ترجمان الملك إلى أليكس هيلي في رائعته الجذور.

ترجمان الملك لها قابليتها للتوسع في الجغرافيا والتاريخ والفلكلور والسياسة. لها قابلية أن تلتهم قصص الرحالة الذين صعدوا أو هبطوا مجرى النيل.. الذين وصفوا النيل، هضابه ووهاده وشعوبه الطوال منهم والقصار. يمكن لرواية ترجمان الملك أن تنمو من الداخل. أو نحو الممالك المجاورة. أو نحو التاريخ اللاحق إلى عهد الفونج، بما في ذلك قصة الخراب الشهيرة.. وكفيلة بأن تدخل عهود لاحقة حتى إدريس ود الأرباب وحسن ود حسونة ورثاء سوبأ. ولها مرونتها أن تصبح فيلماً أو مسلسلاً مسموعاً أو مشاهداً بكامل صوره، مشاهداته. والرواية بدون شك ستجد موقعها في سنار عاصمة الثقافة.. عاش ملكنا أصحمة. وعاش كاتبنا عمر بن أحمد بن فضل الله.

الصادق عبدالله عبدالله
20 سبتمبر 2016

هيثم أحمد الطيب: رواية ترجمان الملك هي الطريق لتحقيق المعرفية


رواية (تُرجُمان الملك) للروائي دكتور عمر فضل الله،ليست قراءة للتأريخ أو توثيقاً له،هي التحالف بين ذلك مضافاً له حركية سردية تعرف كيف تفتح للقاريء مسارات اكتشاف الرواية نَفَسَها وصخبها..
الرواية (معرفة)،ثم متعة قراءة سردية،واكتشاف لعالَم ثاني وروائي يكتب للاكتشاف وليس للإمتاع فقط،وهنا الفرق بين رواية معرفية ورواية للقراءة فقط..
كثيراً ما كنت أقول لطلابي وطالباتي في الدورات التدريبية الإعلامية إن (الرواية المعرفية) حركية إعلامية حقيقية،والأعمال الأدبية هي (معرفة)،للتأريخ والانسانية..
نفتقد فلسفة ورؤية (الرواية المعرفة)..
الرواية (فكرة وخيال)..
الخيال (معرفة حقيقية)..
فلو كان الخيال مع الحقيقة التأريخية في تحالف سردي،فهذا هو جمال (الرواية المعرفة) التي نحلم بها..
(تُرجُمان الملك) تحقق الفكرة المفتقدة في عالمنا،أن تكون لنا فلسفة معرفية في الرواية،لليقين أن الرواية تشكل رؤية إعلامية،والمعرفة من باب الإعلام تأتي..
قرأت رواية (تُرجُمان الملك) وفي ذهني سؤال : هل تحقق هذه الرواية (رؤية معرفية،مضافاً لها خيالاً سردياً)..؟
واكتشفت تحقيقها لذلك..
تطورنا المعرفي يتحقق بهكذا روايات..
تطور العالم معرفياً يتحقق برؤية أن تكون الرواية باباً للمعرفة والعلم..
لماذا لا تحقق الرواية السودانية هذا الحلم،يمكن أن تحقق معرفة وامتاعاً في تحالف بين الحقيقة والخيال..
الرواية بجدلها ووزنها بين أجناس الأدب هي الطريق لتحقيق (المعرفية)..
وانتاجنا الروائي السوداني يبدو كثيفاً بعض الشيء،فحلمنا فيه تحقيق (معرفية بنا وبإنساننا،ثقافتنا وحركتنا كلها)،معرفة كثيفة وقليلاً من خيال يجعلنا نقول للعالم (هذه رواياتنا)..
هكذا نحن..
وهذا هو الحلم..
برواية (تُرجُمان الملك) للروائي الدكتور عمر فضل الله تحقق بعض الحلم..
معرفة بتأريخنا،ثم خيال بين ثنايا التأريخ يحكي ثم يحكي..

فانتازيا: قصاصات آمنة الفضل


النيل من نشوة الصهباء سلسله
وساكنو النيل سمار وندمان
وخفقة الموج أشجان تجاوبها
من القلوب التفاتات وأشجان
(إدريس جماع)
* الرواية  هذا العالم الجميل المشاكس والقادم من فضائل تماثله في الواقع، يكسر حواجز الوهم  يطرح نفسه بطرائق مختلفة وأحيانا جدّ ملتوية إذ أن الراوي لا يكشف كل أوراقه من أول وهلة بل يظل يمارس لعبة المراوقة السردية فينقاد إليها المتلقي طواعية  مشاركا سراد اللعبة وحكاية إنتاج دلالات النصوص الأدبية والتمتع بآثارها الجمالية التي تصب في مصاب سحر البيان..
* أجمع الكثير من النقاد على أن الرواية هي نتاج تواصل تاريخي متمازج من حركة الترجمة والمحاكاة والخلق والإبداع. وتعتبر الرواية الفن الأحدث بين أنواع القصة والأكثر تطوراً وتغيراً في الشكل والمضمون بحكم حداثته..
* تظل الرواية الكاميرا المزروعة بين أحاسيسنا والمشهد  القادم ما بين  همس الشارع وفوضاه وقلقه العارم  وطموحات الشعوب و إنزوائها خلف ستائر الخوف…
* كثيرا ما نرسم لأنفسنا واقعا يبحر بنا بعيدا عن الذي نركن بين جنبيه نسترسل في الأحلام بلا بطاقة هوية عابرين حدود الأرقام والأسماء طالما أن ذلك السفر اللامحدود متاحا في العالم الآخر.
الروائي دكتور (عمر فضل الله)  ما بين التاريخ والسياسة والحياة الريفية إقتلع مشاهد روايته (نيلوفوبيا) من بين فكيي النيل وقت أن صافح كف القدر وأهداهه أرواح من لاذوا بظهر تلك الباخرة الملعونة العالقة ما بين الخرافة والحقيقة…
قصاصة أخيرة
ما بين القاع والسطح تسكن آلاف المشاهد

المصدر: جريدة الصحافة 1 سبتمبر 2016
http://alsahafasd.com/943910

“نيلوفوبيا” رواية جديدة تحكي قصص واساطير الحياة على النيل


نبوكين – الخرطوم، صهيب عثمان زمراوي

دشن المجلس الأعلي لرعاية الأدب والفنون مساء أمس الثلاثاء، بمقر اتحاد الكتاب والادباء السودانيين في الخرطوم،  رواية “نيلو فوبيا ” للكاتب الدكتورعمر فضل الله وسط حضور كبير من المبدعيين السودانيين والنقاد.

كشف مؤلف الرواية  عمر فضل الله عن سر تسمية الرواية بـ “نيلوفوبيا” التي تعني الخوف من النيل، لحوادث الغرق الكثيرة التي شهدتها منطقة العليفون، واهدى الكاتب الرواية  لكل من فقد عزيزا بالغرق في النيل، اضافة الى شهداء حادث غرق باخره العاشر من رمضان، موضحاً  بأن عشقه وحبه لمنطقة العيلفون جعلته يستشعر كل كلمة وردت في الرواية، مؤكداً بأنه يدين لها بالكثير، باعبتارها المدينة التي  حفظت له ملامح طفولته، لذلك اراد أن يوثق  جزء من جمالها، وحقب مختلفة مرت عليها، يمكن حصرها في العناوين (الجنازه ، طفوله غاضبة، الباليه الروسي ، صداقات جديدة ، سوق الشجرة، تشزوفرينيا سياسية ، ثانوية الجريف ، الرحله الى القاهرة ، العودة ، الحريق ، البحيرة ، الجبل،  العيلفون ، حديث النيل ، حكايات عباس).

وقال الدكتورعوض الله عبدالله نائب السكرتير العام لاتحاد الأدباء والكتاب السودانيين معقباً في الجلسة، “نحن اليوم سعيدين مابين طرب وترف وجداني” مشيراً الي ان قيمة  الرواية تكمن في صدقها واحتوائها علي حقائق تاريخيه وواقعية، واضاف بأن المنطقه ثريه بشخوص واحداث تستحق التاريخ لها في روايات وكتابات اخرى.

واضاف الناقد عزالدين ميرغني بأن الرواية عبارة عن “سيرة ذاتية”، مؤكداً بأن الرواية المحكيه بطريقة الأنا، اصعب تنسيقا بالنسبه للكاتب، وابان اعجابة بذاكرة الطفوله لدي للكاتب، حيث أنه يختزن الكثير من المعلومات وتفاصيل الاحداث الدقيقه ، وأن  المشاهد النيليه لن يستطيع تصويرها غير الذين سكنوا علي الشريط النيلي، لأنهم  يميلون للحكايه والقصص .

واشار الأستاذ ميرغني الي أن الاساطير حول النيل لم تكتب كثيرا في الروايات السودانيه، حكايات الاشباح والكائنات التي حولها، فالبطل عبدالعزيز هو المسؤل عن موت صلاح، واصبح شقيا يضرب الاطفال، ويتناول دراسته في الخلاوي والمدرسه، الي ان اصبح استاذ وصولاً الى اكتمال فوبيا النيل بحادثة العاشر من رمضان.

يذكر ان الرواية الصادرة عن شركة مدارات للطباعه والنشر والتوزيع، نالت اهتمام ومتابعة النقاد والصحافة والادبية،ومتوفرة الان في المكتبات السودانية.

المصدر: http://nubokeen.com/web/%D9%86%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%81%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D9%83%D9%8A-%D9%82%D8%B5%D8%B5-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D9%8A/

ندوة رواية نيلوفوبيا – الإتحاد العام للأدباء والكتاب السودانيين أغسطس 2016


[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”yes” min_height=”none”][metaslider id=15650][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

محاربة النجاح والإبداع مرض نفسي يجب علاجه


مشكلة بعض السودانيين أنهم لا يشجعون المبادرات وإنما يعملون فكرهم وجهدهم وربما عرقهم من أجل التفكير في الأعذار للتشكيك في النجاحات وإيجاد العراقيل والعقبات أمامها. يريدون أن يولد كل شيء ناجحاً وكاملاً ومتقناً وعملاقاً منذ اليوم الأول. لا يريدون أن يجهدوا أنفسهم من أجل النجاح أو يشاركوا في البدايات وإنما يريدون النجاح دون بذل الجهد. وإذا سبقهم أحد لفكرة جديدة أو عمل إبداعي لا يعجبهم هذا فهم يريدوcooperateن أن ينسب إليهم العمل دون أن يقوموا هم بأنفسهم به ولهذا فإنهم لا يرضون عنه فيسعون لقتله أو عرقلته أو تخذيل الآخرين من المشاركة فيه. يبدأون بتصنيف المبدعين والرواد في أي عمل والتشكيك في من يقف وراءهم فإذا لم يجدوا ضالتهم اختلقوا تصنيفًا لصاحب العمل أو الإبداع ثم ألصقوه به. أمثال هؤلاء مرضى وعلينا تفاديهم وتجنبهم حتى لا يعدوا بقية الشباب. لن يتقدم السودان بمثل هؤلاء ولكن يتقدم بالشباب الإيجابي المتحفز لعمل الخير والمشاركة في إنجاح الأعمال ودعم الغير لينجحوا.
ياشباب السودان:
ادعموا كل عمل مفيد وإيجابي ولو بكلمة طيبة. ساندوا كل من يريد الخير للبلاد ولو بدعوة صادقة. تجردوا من مشاعر الغيرة أو الحسد وتحلوا بمشاعر إرادة الخير لأنفسكم وللغير. الوطن يحتاج كل جهد وكل عرق وكل تكاتف وتعاون من أجل الخير. هذه البلاد واسعة تسع الجميع وخيراتها وفيرة. لا تحصروا فكركم في عمل واحد محدود ولا منطقة واحدة ولا جهة واحدة. اسعوا في أرض السودان وكونوا الجمعيات والمجموعات والشركات والمؤسسات وأنشئوا الأعمال ونظموا أوقاتكم وانطلقوا على بركة الله. لن تنهض البلاد إلا بعمل الصادقين وجهد الحادبين ونصح الناصحين.
بلادنا تحتاج لكل العقول والأيدي والسواعد من أجل البناء والنهضة والتقدم.
هيا بنا. متوكلين على الله وحده.
‫#‏قادة_السودان‬ ‫#‏شباب_السودان‬ ‫#‏عمر_فضل_الله‬ ‫#‏بيت_الخبرة_سوداني

قراءة في رواية أطياف الكون الآخر – د. إبراهيم جبريل


• عتبة النّص الأولى:

الغلاف والعنوان:


• لوحة الغلاف أقلّ وضوحاً من سابقتها (ترجمان الملك) شخوص مبهمة متعدّدة الألوان متداخلة، ولعلّ هذا لطبيعة الرسم التشكيلي ولتعلّقه بعالم غير واضح أصلاً، غير أنّها لا تحوى خطأً كاللوحة الواضحة بترجمان الملك؛ إذ أنّ الهيئة التي يبدو بها أحد الأشخاص يكرع من ماء النّيل تدل أنّ الرسام لم يشرب يوماً من نهر أو ترعة مباشرة ولم يرَ من يصنع ذلك!

• العنوان معبّر تماماً عن طبيعة النّص مع غموض مناسب.

• الرواية سياحة عبر المكان والزمان في فضاء بلا حدود حيث تعدّدت الأماكن والأزمنة منذ بدء الخليقة ما قبل آدم ليومنا الحاضر.

• الطيف بلا اسم محدّد تنقّل متوجساً في العوالم والأزمنة مطارداً من جند أبيه الذي لم يره يوماً، مسجوناً من قبل نبيّ الله سليمان –عليه السّلام- مضطهداً من البشر، ناشراً للشر والخير منتقلاً من الغواية للهداية آخر المطاف. والرائحة التي تدلّ عليه غير ثابتة تظهر أحياناً في النصّ وتختفي.

• عالم الأطياف ممزوج بعالم البشر مع التركيز علي الجنّ، ولم أجد كاتباً يكتب عن عالم الجنّ المحض إلا الشيخ “طارق اللبيب” في (أميرة الجنّ المظلومة).

• الرواية إبداع ولكن أقلّ حبكة من “ترجمان الملك” فيها نقاط ضعف بعكس ترجمان الملك ممّا يولّد انطباعاً أنّها متقدمة عليها!

• عالم السحر في الرواية عرض بصورة مبدعة لواقع بشع؛ وعرض الكاتب لخبرتين متباعدتين في الموضوع: الخبرة الأوربيّة حيث يجمع إبليس السحرة ويهينهم ويمهروا بإمضاءاتهم على عهود إذعان مطلق ومواثيق طاعة للشيطان. الخبرة الإقليميّة أنّ الساحر يقوم بعقد عهد سري فردي مع الشيطان ليضرّ النّاس بالسحر مقابل المال، والخبرة الغربيّة تركز على المجون والمتعة الشخصيّة للساحر حتّى وصل بهم اليوم القبول بعبدة الشيطان وطقوسهم الماجنة في الإحتفالات الرسميّة كما حدث في افتتاح نفق “غوتهارت” بسويسرا قبل أيّام.

• والخبرة النقيض التّي أخذ بها الكاتب للمنظور السحري (الخبرة الوهّابيّة) حيث تتوسّع في مفهوم السحر، حيث أورد الطيف (شمهروش) –رضي الله عنه- كتابع من أتباع إبليس؛ وهذا شأن الخبرة الوهّابيّة حيث تدرج كلّ ما أشكل عليها تحت بند السحر).

• هذا المزيج أنتج تصورّاً قويّاً لبشاعة السحر.
(الإمام “الغزالي” كتب في (الإقتصاد في الإعتقاد) عن المثلث المعروف وبيّن أنّ له خواصاً أودعها الله فيه وتكلّم الإمام “الرازي” عن ضرورة التفريق بين السحر وخواص الأشياء. وقال الإمام “الصاوي” المالكي بالأخذ بالطلاسم غير المفهومة إذا وردت عن ثقة كدائرة الإمام الشاذلي. الوهّابية في الحجاز ومناطق داعش تعدم من تجده راسماً المثلث المذكور أو دائرة كدائرة الشاذلي، وفي الحقيقة يعدمونهم لأنّهم اتبعوا أئمتهم! أسفي عليهم، وحكومتنا تصمت صمت القبور!)

• بنى الراوية شخصيّات الفتيات الثلاث بصورة واضحة خاصّة شخصيّة “ماويّة” الأبراميّة وتخلّت عنهنّ وسط الرواية مع تخلّى الطيف عنهنّ مع رفيقتيها في قفر موحش.

• شخصيّة “ماوية” لو استمرّت -بشكل أو بآخر- لأضفت علي النص مزيد بهاء ورونق.

• تخلّى النص عن كلّ الشخصيّات تقريباً التي اجتهد الكاتب في بنائها بناء متماسكاً فتخلّي عن “أشتوت” والفتيات الثلاث فلم تظهر بعد أن اضطرّ الكاتب لبناء شخصيّات جديدة؛ (أوشيك، ورحمة، وغيرهما…). • شحصيّة “أوشيك” جاءت باردة تفتقر للفضول تهتم بإبراز ما عندها من معلومات دون أن تأخذ ما عند الآخر؛ من الذين يتكلمون ولا يسمعون.

• شخصيّة “رحمة” آليّة لا تعرف الخوف كشخصيّة “ماوية” إلا أنّ “ماوية” كانت نافذة لها رؤية و”رحمة” بلا رؤية. لم تتردّد “ماوية” في مواجهة الطيف: (أيّها الشيء إنّك نفس خبيثة تعيش علي الكذب والخداع)! -رغم ضعفها الجسدي وقوته المتناهية- ففرّ من قوّة المواجهة لا يلوي على شيء.

• تصوير الطيف ومشاعره في القمقم السليماني تصوير مبدع يصوّر المشاعر منذ اليوم الأوّل حتّي انكسار القمقم بعد ثلاثة آلاف عام.

• مشهد “العسكر” وردّة فعلهم الحادّة علي إجابة الطيف حين سألوه عن هوّيته تعبّر عن حالة الشرطة بكلّ العالم حيث تكره من تشتم منه رائحة استخفاف بمهامهم (السامية)، كذا مشهد الزنزانة، لكن تقيؤ الطيف غير منطقي وهو الخارج من حبس آلاف السنين بلا طعام!

• يندمج “أوشيك” في شرح معالم الحضارة لـ”أبلسة” في أسلوب الأستاذ مع التلميذ ممّا أضعف الحبكة الروائيّة بالأسلوب الوصفي التحليلي.

• الحكايات والأساطير والخرافات أضافت روحاً أدبيّة أفضل من حكي “أوشيك” : بابل، أوروك، سدوم، عموريّة، آلهة مصر وتشاكسها. 

نص أطياف الكون الآخر جهد مبدع طرق زاوية منسية في رؤية ممتعة للقاريء والناقد وهي إضافة حقيقية للمكتبة العالمية فضلاً عن السودانية والغربية….

 

حول ترجمان الملك – سارة عبد الله محمد


السلام عليكم أستاذي د. عمر فضل الله

قرأت الرواية بتمهل وعايشتها وأحببت عمقها وتفاصيلها …. أعجبني أسلوبك الرائع ورصانة اللغة ودقة التصور والتصوير. جزيت خيراً أيها الراوي لموافقتك علي العودة لتروي، وليتنا نستطيع أن ننبش القبور ونجد حضارتنا

عذرا نيلنا العظيم علي طول الإنتظار  وصبرك  وأملك في أن يستنطقك أحد، وليس من مبالٍ..

نحن كما قال (سيس) بارعون في القضاء علي كل جميل …. تميزنا بالفشل في الحفظ علي قيمنا دعك من حضاراتنا

أين ذهب كل هذا يا (سيس) .. أين العاج والذهب؟ ، أين الأبنوس وريش النعام؟؟؟  وحتي الصمغ أبت الهشاب أن تبكيه بسخاء كما السابق.
Sara Abdalla1لي بعض الوقفات التي كان لها أثر في نفسي أذكر منها:

  • عايشت وصف تلك الحقبة من زنجية وإنفعالات وحب وهيبة وحضارة ورقي وقيم ، والذكريات …. جميلة ذكريات (سيس) عن جده (دلمار) ،،، وجميل لقاءه ب (سنجاتا) بعد كل تلك السنوات ،،، فذكرياتنا دائما تجرنا للماضي.
  • رائع وصف هيبة (دلمار) عند إستقباله للقافلة العربية بزعامة عثمان بن مظعون ، وفي صياغتك أنه رحب بهم بالعربية ، أحسست أن ماذكر هو عربي فصيح
  • عمتمصباحاً . أهلاً ومرحباً بكم، مَنْ القوم ومن أين قدمتم؟
  • ونعم القوم ونعمت البلاد ، أنا ” دلمار بن أرياط” ترجمان الملك النجاشي ” أصحمة بن الأبجر” ! نزلتم أهلاً وحللتم سهلاً.

وأن ما ذكر مختلف عن لغة باقي الرواية.

  • لفت إنتباهي ما صورته عن حياة (الزبير) في لقائه مع (سيس) وصداقته به، حيث عكس جانب آخر لحياة الصحابة بشكل مختلف عن ما قرأته دوماً عن الصرامة والحزم،، فهم يتسامرون ويمرحون ويلعبون.
  • ذكرت بتفصيل وعمق وصف (دلمار) الدولة ل (سيس) وفرض الكنيسة فسادها بإسم الدين والتعيين بالولاء وليس الكفاءة ، هو وصف مشابهه لحال دولتنا اليوم بخلاف خلووها حتي من ملك عادل أو رجل رشيد.
  • عصارة خبرة (دلمار) بوصاياه لحفيده هي بمثابة منهج لكل قائد، دبلوماسي ، سياسي وإستراتيجي ( إعمل في صمت – إفتح عينيك جيداً ، إشتر ولا تبع ، إسمع ولا تتكلم ، وضع نفسك مكان عدوك ، أنظر كيف يفكر واستبق الأحداث ).
  • وصف مكتب الترجمان يعكس المستوي الإداري الرفيع والسلطة التنفيذية بمعناها العميق لإحتوائه علي :

–         الإرشيف

–         مفاتيح إقتصاديات الدولة

–         المخاطر والمهددات

–         إدارة شؤون الأفراد بالقصر

–         المخاطبات والمكاتبات الواردة والصادرة

–         كتم الأسرار

سلطت الرواية الأضواء بعمق على كيفية نقل المعرفة من جيل لآخر، وضرورة الإهتمام والتفرغ للجيل الجديد وإعداده الإعداد الجيد لحمل الرسالة وأن كل ما تبذره سينمو يوما ويزهر ، كما أني أري ان الجهد المبذول في تربية أبناء الحسب والنسب وتربيتهم وتعليمهم بكفاءة ينتج منهم قادة مؤهلين أكثر من غيرهم للإدارة والقيادة، بخلاف حال قياداتنا اليوم الهشة ومستجدي النعم، ليحكموا بعقلياتهم القاصرة وأهوائهم الشخصية وقصر نظرهم وتفكيرهم ورؤاهم وبعدهم عن القيم والأخلاق وعن الزهد هو ما أضاعنا،، فأصبحنا في زمان يعاب فيه صاحب الأخلاق ونفخر بصاحب المفسدة.

  • رغم أن أصحمة هو أمير …. إلا أن وضعية الذل التي عاشها ووصفه لنفسه وهو عبد مباع ، يأكل كما يأكل الكلب، كانت نقطة تحول كبير في حياة الأمير أصحمة لتجسد أصحمة الإنسان العادل الذي لا يظلم أحدا. وهي الجزئية المكمله في إعداد وتنشئة القائد الحقيقي من وجهة نظري.
  • الأسلوب رائع وتصويري وعايشت الأحداث كأني جزء منها من لحظات الفرح والحزن، والخوف والترقب .. ومن أمثلة ذلك ترقبي عودة الزبير بالخبر اليقين عندما بدأت الحرب، وعندما لوح بثوبه وصاح بصوت قوي ونقل البشارة، قلت لا شعوريا : الحمد لله.
  • الرواية أجابت علي تساؤلات كثيرة، أهمها ما استغربته عن حضارات وقصص الأحباش والنجاشي وإيواء العرب المسلمين ، وأن أثيوبيا لا تزال بلداً مسيحياً ! ! !
  • صححت الرواية عدداً من الأحداث التأريخية الكبيرة التي كنت أعلمها بشكل مغاير.
  • علمت من الرواية بروعتها أن التاريخ والحضارة العظيمة والملك النجاشي هو إرثنا نحن،،،،، نعم هو نحن وليس سكان أثيوبيا
  • من الجيوش القوية ،،،، هؤلاء نحن
  • من عادات الزواج والختان والولادة والدخان النسائي ،،،، هؤلاء نحن
  • من أجواء الفرح وقرع الطبول والنحاس ،،،، هؤلاء نحن
  • من حسن الإستقبال والكرم ،،،، هؤلاء نحن
  • من السحر والسحرة ،،،، هؤلاء نحن
  • من إنصهار العرب المهاجرين لاحقا مع أهالي علوة ،،،، هؤلاء نحن
  • وثقت الرواية العديد من الأحداث المهمة والإرث الحضاري لحضارتنا كشعب
  • أحببت الرواية وأنا من من يتعلق ببعض الروايات التي أقرأها عادة  وأعاود قراءتها مرات عديدة … ومؤكد أني سأعاود قراءة هذه الرواية لمرات أخري.
  • أحببت دلمار وسيسي وتانيشا وأبيلو الغائب ، وحتي سيمونة الساحرة وأسرارها ، وفاق حد الوصف حبي وإعجابي بسليل الملوك ومجسد العدل والهيبة (أصحمة بن الأبجر)

 

قراءة نقديّة تحليليّة لرواية ترجمان الملك الأستاذ الأديب/ عبيد المجذوب


Alobaid_Majzoubفي تاريخ السودان فترات تستحق الوقوف عندها وكشفها لما فيها من أسرار وتعتيم، أو مسكوت عنها وبعض تاريخنا منسوب لغيرنا. بعضه طمرته الصحراء، وبعضه طمرته البحيرات سواء عن عمد أو عن جهل، وكلّ هذا يجب الوقوف عنده. وقد حاول روائيون معاصرون التعرّض لمثل هذا الشيء مثلما تعرّض له الأخ الصديق “الزين بانقا” في روايته (ثورة العبيد). و(زهرة الصبّار). والروائي الرائع “حمور زيادة” في روايته (شوق الدرويش) تعرّض لفترة دقيقة نهايه العهد التركي وبدايات الثورة المهديّة وفترة “عبد الله التعايشي” والفوضى التّي صحبتها. وكذلك الأخ الروائي الدكتور/ إبراهيم جبريل في روايته (رحلة الشركسي من الشيشان إلي شيكان). تعالج ذات الفترة من نهاية الحكم التركي وفترة المهديّة وحتّى نهاية عهد “عبد الله التعايشي”. والآن الروائي الرائع الدكتور “عمر فضل الله” في رائعته “ترجمان الملك” ….

• المقدمة عبارة عن مدخل لنبش مقبرة بـ”سوبا” وجعل الشابّ “سيسّي بن أبيلو بن دلمار” يستيقظ من قبره ليروى لنا حكايته، وهي لفتة تكنيكيّة ذكيّة من الكاتب شبيهة بلفتة “يوسف زيدان” حيث استحدث لفتة تكنيكيّة ذكيّة مدعياً أنّه عثر علي مخطوط قديم وهو لا يفعل شيئاَ سوى ترجمة المخطوط.

• لاحظت أنّ الرواية تحتاج لجرعة أكبر من اللغة الأدبيّة بدلاً من اللغة الأقرب للغة الإعلاميّة.

• الرواية المعاصرة بعيدة عن استخدام الزمن الخيطي المتتابع، لا بدّ من تكتيكات أخرى مثل الفلاش باك والحوار، والتقطيع وتداخل الزمن. وتداخل الأمكنة والرسم بالكلمات، والإهتمام بموسيقى المفردة والعبارة، واستعمال اللغة الصوتيّة حتّى تكون الرواية بحقّ هي (ديوان العصر) قادرة علي استيعاب كلّ الأجناس الفنيّة؛ من قصّة قصيرة ومسرح وشعر وتشكيل وموسيقى. • بناء الشخصيّات منتهى الروعة؛ مثل “دلمار” و”سنجاتا” و”تانيشا” كما أنّ الأسماء موسيقيّة وتجمع بينها علاقات حميمة ومدهشة.

• يجب أن يتذكّر الكاتب أنّه يكتب للمتلقّي العادي، وحتّى للمثقف العادي، لا للصفوة أو صفوة الصفوة؛ من غيرهم يفهم أنّ “سوبا” عاصمة الحبشة هناك قلّة قليلة جدّاً يدّعون أنّ الهجرة الأولى كانت للسودان “علوة” ربّما وليست للحبشة… مَن غير “عبد الله الطيّب” و”حسن مكّي” وأمثالهما يمكن أن يناصر هذه الإدعاءات؟ الإنسان العادي يعرف أنّ الحبشة شيء غير السودان..غير “علوة” وأنّ “النجاشي” ملك الحبشة وعاصمته غير “سوبا”، أنا أتفهّم قصد الكاتب جيّداً لكن ربما يجد هذا الوضع رفضاً من البعض؛ ربما يعتبرون أن تكون “سوبا” عاصمة الحبشة مجرّد هراء. بعض المثقفين الإرتريّين يدّعون أن المهاجرين نزلوا في “مصوّع” التي قطعاً كانت وقتها تابعة لـ”علوة” وكما يدّعي البعض أنّ أحد المهاجرين تزوّج من إرتريّة وأنجبا بنتاً سمّياها “زينبش” وأنّ إحدى حفيدات “زينبش” هذه اصطادت سائحاً روسيّاً تزوّجها وأنجبا طفلاً هو “بوشكين” شاعر “روسيا” الأشهر، وأنّ “بوشكين” يتفاخر دائماً بالدم الحبشيّ والدم القرشيّ الذي يجري في عروقه، وأنا أتفهّم التداخل بين “علوة” و”الحبشة” “علوة” تمتدّ إلي مناطق شمال غرب بحيرة “تانا” وجنوب شرقها حتّى “قندر” وأنّ “عيناتا” كان يسمّي نفسه ملك الحبشة وحضرموت وبلاد “تنهسو” يعني (الحبشة واليمن والسودان) لكن علي الكاتب أن يحسب مثل هذه الأمور حساباً دقيقاً في مثل هذه الروايات التّاريخيّة

• في الرواية المعاصرة ما يسمّي اللغة الإشاريّة؛ أن تستدعي أشخاص ومواقف وأحداث بلغة الإشارة دون استعمال أيّ تقرير؛ أن ينادي “سيسّي” أمّه : يا “ماكدة”! الكاتب هنا يستدعي “بلقيس” ملكة “سبأ” وكلّ الإشارات الحبشيّة أنّهم من نسل “بلقيس وسليمان” فـ”بلقيس” في “سبأ” يسمّيها العرب “ماقدة” لاحظ الإشارة الصوتيّة، لا فرق سوى لكنة الحبش. العلاقة الحميمة بين “سيسّي” و”الزبير” وإعجاب “سيسّي” بأخلاق العرب وصلاتهم ودينهم الجديد وإعجابه بزجر جدّه لرئيس الكهنة، وكون “سيسّي” مستشار “النجاشي” فيه إشارة ربّما لاعتناق “النجاشي” للإسلام دون أن يقرّر ذلك قولاً. • الإشارات الذكيّة والإستشهاد بآيات التوراة ما يفيد بقدوم “المسيّا” وحديث الساحرة “سيمونة” عن قدوم “شيلون” وأنّ “المسيّا” من خارج ملة اليهود وهو من أبناء “إسماعيل” أي العرب مما حدا باليهود لتزوير التوراة حتّي يكون النبيّ من أبناء “اسحق” وليس من أبناء ” إسماعيل” ونسوا أن يعدلوا (ابنك الوحيد) لأنّ “إسحق” لم يكن ابن “إبراهيم” –عليه السّلام- الوحيد عندها فـ”إسماعيل” أكبر من “إسحق” و(ابنك الوحيد) تعني “إسماعيل” وليس “إسحق” فأسقط في يد اليهود.

• حبّ “تانيشا” لزوجها الذي افتقدته وحسرة “سيسّي” على أبيه جميل هو إخفاء كيفيّة موت “أبيلو” إلي النهاية يشوّق القارئ أن يقرأ ويقرأ علّه يكتشف كيف مات “أبيلو” وكما يبدو لي فإنّ الكاتب تعمّد عمليّة الإخفاء كنوع من التكنيك الداعم لعمليّة التشويق والبحث.

• “ديمونة” والفتاة العربيّة التّي أرسلها والدها اليهودي “لبيد بن الأعصم” لتتعلّم السحر في “علوة” “سوبا” فيه إشارة ذكيّة للعلاقات بين العرب والسودان حتّى قبل الفتوحات الإسلاميّة.

• بعض الأحداث الغريبة مثل ذهاب الأمير “أصحمة” بن النجاشي مع الساحرات الصغيرات إلي جزيرة “التمساح” وكيف خدّرنه بـ”الخشخاش” وعبثن به، وزيارته للكنيسة وتقبيل الراهبات له وأنّ إحداهنّ قبّلته في فمه قائلة أنّ هذه قبلة مقدّسة، والغرف داخل الكنيسة ممنوع الدّخول فيها، وفي الكنيسة غرفة خاصّة بالساحرة “سيمونة” رغم عدائها لكبير الكهنة …إشارات لمعتقدات شعب “علوة” المتناقضة بين الوثتيّة والنصرانيّة. • مشهد الجولة في سوق العبيد مع “أبرهيت” ومن بعدها اختطاف الأمير “أصحمة” مشهد رائع مؤثّر تمّ رسمه بدقّة واحترافيّة شديدة … وتجارة الرقيق من القضايا المسكوت عنها في تاريخ السّودان، وقد أبدع الكاتب في كشفها وتصويرها وتعريتها.

• رحلة أصحمة مع العبوديّة كانت مدهشة لكن أن ينقذه “دلمار” كانت مفاجأة لي (تحسب للكاتب). • العادات والتقاليد وبعض الملابس تمّ عرضها بتقريريّة، يجب أن تأتي من خلال حياة النّاس العادية كأن تدعو “ناتيشا” إحدى العربيّات لحفرة الدخان ثمّ يأتي التعرّف عليها وهكذا. • الحوار بين كبير الكهنة وسيسّي أكبر من “سيسّي”. وعلي وجه العموم: الرواية جميلة… جميلة… جميلة!

ترجمان الملك لعمر فضل الله – مزيج من روعة التاريخ وأصالة أهل السودان – د. إيمان شريف


Iman Sherifكل مهموم بوطنه عليه أن يقرأ (ترجمان الملك) لعمر فضل الله

كما يقال دوما إن الحضارات تنمو وتزدهر علي ضفاف الأنهار .. أما نيلنا وأرضنا الخضراء مهد السنا فلم تكن أرض حضارات وحسب وإنما كانت تحولات في تاريخ البشرية والإنسانية كما تشير إلى ذلك رواية ترجمان الملك، إذ يستهل الكاتب روايته بنص استراتيجي بأن الرسول الكريم في دبلوماسيته ونظرته البعيدة اختار أن يؤمن ظهره إلى أن يستقر الحال بالدين الجديد، فقد كانت سوبا وعلوة أرض خير وفير وقوة كبيرة، فجنودها العنوج وإبلها البجاوية مصدر خطر .. ذات الإبل البجاوية والعنوج في عصور لاحقة صنعت لبلادنا مجداً تغني به أهل الإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس (الفزي وزي fuzzy wuzzy ). فما كان لدى علوة من عز وسلطان لم يكن لدي بلاد العرب الذين كانوا يأتون مهاجرين. وكما أورد الكاتب في المقدمة أن كل ذلك كان من الدبلوماسية السلمية .. عندما قدم المهاجرون بدينهم من بطش أهلهم مكثوا وسط الناس فكسبوا عقولهم وقلوبهم (They won their hearts & minds) بحسن خلقهم وكما كان يقول أهل هذه البلاد إن القادمين على غير المعتاد ليسوا مثل من يأتون عادة للتجارة فأؤلئك كانوا أفظاظ وعندما يتأمل القاريء ويربط بين حديث المؤلف والراوي فكأنما فعلاً قد تم انتقاء هؤلاء المهاجرين لرسالةٍ ما.. كان لابد أن تصل السيدة التي تزوجها النبي من أرض علوة والتي سافرت بكامل عدتها وعزوتها وخدمها وحشمها وكان قد خطبها له النجاشي ودفع مهرها “يعني بالأصول” .. ربما ارتأى النجاشي أن في ذلك التحول خيراً له ولبلاده لذلك لم يمانع في أن يتزوج النبي من المهاجرين الذين في كنفه والذين هم من رعاياه وربما فكر النجاشي في أنه للمستقبل هذا الجوار الجديد وسيلة ما للافتكاك من النفوذ اليهودي/الروماني الذي كان يخنق بلاده ويهدد ملكه..

 كتب مسرحي بحريني موخراً عن عشقه لبلاد السودان فذكر أن أباسفيان لو كان قد توجه إلى بلاد (السودان) بدلاً من بلاد (البيضان) لازددنا رسوخاً وأصالة، تماماً مثل إنسان السودان ..

Torgoman_in_Winterشخصية الجد (دلمار) المستنير المتنور العارف المترقب المتواضع هي شخصية كل رجل سوداني يمشي علي قدمين. وطريقة نقل العلم الى حفيده (سيسي) ما زالت مثلما يحدث عندنا.. وكما قال الأديب الراحل الطيب صالح: “نحن قوم أنبياء”..

عندما صلى العرب في بيت (تانيشا) لم تكن ممارسه غريبة على أهل علوة فقد قالوا هكذا كان يصلي المسيح عليه السلام.. مجتمع سوبا أثقلته خطيئة الرق والاسترقاق والتي كانت تتم بإشراف الكنيسة وتهدد سلطان الملك والمجتمع. فأسرة سيسي كذلك كانت أحد ضحايا تلك التجارة البغيضة.

موخراً كتبت السيدة (فيرجس) الباحثة عن عهود تجارة الرقيق كتبت تقول إنه قد تم استرقاق ثلاثين مليون مواطن إفريقي وتم بيعهم في أوروبا وأميريكا ليبنوا ويعمروا للبيض مدنهم هناك وكان ذلك بموجب قانون وضعته الكنيسة .. كان ملك علوة قوياً ذا سلطان لكن القوى الروحانية الأعلى كانت تأتي من الكنيسة في الإسكندرية إذ كان ولاء الوزراء للسلطة الكنسية أكبر من ولائهم للملك. يقول فيكتور هوغو (إن العلاقة بين الملك ووزرائه مثل العلاقة بين الزوح وزوجته وعشيقاته، فالزوجة لا تعلم شيئاً أبداً..) مشهد النساء العربيات ومجالسهن يحكي كيف أن الاندماج والتوحد قد حدث بكل إخاء ومحبة بين أؤلئك المهاجرين ومجتمع سوبا فهم قوم التقوا وتحابوا في الله وهكذا فعلاً دخل الإسلام السودان.. مجلس النساء منذ ذلك الزمان ومشهده في الرواية ما زلنا نراه في مجالس أمهاتنا وجداتنا (حبوباتنا) ففي ترجمان الملك كانت النساء العربيات يملن إلى الجلوس والحديث بينما واقع نساء سوبا وعلوة  يختلف قليلاً إذ كانت النساء دوماً مشغولات.. ومجالس نسائنا اليوم وغداً تجمع بين هذا وذاك ففريق منهن ينصرف لتقاسم العمل وفريق آخر يجلس ليسامر ويتآنس ويحكي.. الرواية تحكي عن زينة النساء السودانيات في ذلك الزمان القديم (Sudanese ladies toilet) والذي بقي كما هو منذ ذلك الزمان وربما منذ زمان أقدم لم يتغير.. وذكر (التواليت) النسائي هو إشارة الى مستوى الرقي والحضارة التي كان يتمتع بها القوم وما زالت ذات الطقوس سارية كما يقول الفرنجة (nous sommes un pays à l’etat brut) (نحن كما نحن لم نتغير).. بلادنا كانت دوماً تأكلها الدسائس ويقع أهلها في الشرك.. مشهد المهددين لعلوة والذين كانوا يتجمعون لمحاربتها تكرر مراراً وتكراراً حتى في زماننا الحديث هذا وما زلنا نعيش تبعاته.. كان اليهود في انتظار ظهور النبي الحديد كما أخبرتهم التوراة وكانوا يتحسبون لذلك ولم يكونوا يعرفون في أي البلاد سيظهر فقد كانت هناك إشارات عامة ومبهمة للمنطقة التي سيظهر فيها لذا توزعوا ما بين اليمن والجزيرة العربية وأرض علوة والحبشة وفي داخل علوة نصبوا سمومهم فالساحرة الشريرة (سيمونة) هي نفس المشهد يتكرر في زماننا هذا ولو في صور وأشكال مختلفة. وبعدما ظهر الدين في بلاد العرب وعرفت الوجهة بدأوا في سحب الثروة وتجريد علوة مما لديها وما زال هذا يحدث..

 شجرة الحب بين (أبيلو) و(تانيشا) كأنما هي الشجرة التي أظلت سيدنا آدم وأمنا حواء عندما نزلا إلى الأرض.. وربما سوبا أو علوة هي حقاً أرض اللقاء فسوبا بكل تفاصيلها تشبه أرض اللقاء..

الرواية حدثت عن مشهدى حب بين (سيسي وسنجاتا) و (أبيلو وتانيشا) بعد عودة الغائب..

د. إيمان شريف – المملكة المتحدة