ترجمان بلا ترجمان – بقلم تماضر


subawarriorهكذا تدخل الرواية القلب دون ترجمان أو وسيط .. الرواية مموسقة .. تارة اجدني اقرأ ببطء فاعيد المقطع مرارا وتارة أجدني اقفز للسطر الثاني قبل إكمال الأول .. اعتبر أن من معايير نجاح الرواية أن يتحكم فيك نسقها وتقتادك حيث تريد دون أن تملك حتى الخيار أن تتوقف لتعود .. أمتعتنا د. عمر ..‏ كعادتي أمل قراءة التأريخ لكن ليس في هذه المرة .. ليت كل التأريخ يكتب بهذا الأسلوب ..‏‎ ‎ بعض النقاط : ‏1. الرواية محبوكة لدرجة أنك لا تستطيع الفصل بين الحقيقة والخيال وهو ما أتوق الآن لمعرفته . ‏2. بعض الكلمات ذكر بأنها من اللغة الحبشية مع تقارب معناها في اللغة العربية مثل كلمة مصحف ومنبر (والمعنى مطابق لما نطلق عليه الآن بنبر ) فهل هذا التداخل يدل على اصول الأحباش ام على انصهار الثقافتين وهل يوجد هذا التداخل كثيرا؟

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

وقفة عند إيماءة ياسر خيري على نص الترجمان


إيماءة على نص “ترجمان الملك”/ عادات مسيحِيّة قدِيمة في السودان الشمالِي. 

ياللروعة والجمال. الآن بدأت أحس أن “ترجمان الملك” قد ألقت حجراً في اليم، وأن دوائر الحراك الثقافي بدأت تنداح على صفحة الماء. جميل هذا الطرح، وجميل أن نبدأ حواراً ثقافياً أدبياً تاريخياً نحيي فيه تراثنا ونعيد لهويتنا رونقها ونعلم النشء والأجيال أصالة هذه الرقعة من العالم. الكلام عن العادات والطقوس الوثنية أو المسيحية القديمة في المنطقة يتطلب حواراً مستقلاً بذاته، وربما أعود له فيما بعد ، ولكن يهمني هنا الجزء الثاني من مشاركتك وهو: (هل وقفت اللغة حاجزاً بين العرب وتأصيل الثقافة والمعارف الإسلامية فلم يستطيعوا القضاء على تلك العادات والتقاليد والطقوس المسيحية القديمة المتوارثة؟). معلوم أن هذه الرقعة من العالم هي من أكبر مواطن التجمعات البشرية الحضرية القديمة التي قامت على ضفاف الأنهار الكبرى مثل الحضارة الصينية وحضارة ما بين النهرين. يذكر “فرتز هنتزة” الأثري الألماني المعاصر والمتخصص في دراسات الحضارات النوبية السودانية القديمة أن التأريخ يسجل لحضارة نهر النيل النوبية السودانية أنها من أقدم مواطن العمران الإنساني وأنها ازدهرت تحت مسميات ممالك النوبة القديمة في البجراوية ومروي لأكثر من ثلاثة آلاف عام وازدهرت بقوة في الفترة من عام (2800 ق.م.) إلى عام (525 م) وقد تعاملت خلال هذه الفترات مع حضارات أخرى معاصرة مثل الإغريق والرومان وغيرهم من الأمم التي امتد نفوذها للمنطقة ، ولا تزال مخلفات الأهرامات والقصور الملكية بتماثيلها ونقوشها وخاصة منجم صهر الحديد ومعبد الأسد شامخة شمال مدينة “شندي”. كذلك أريد أن أقرر هنا أن هناك كثيراً من الرحالة والمكتشفين من المسلمين والإفرنج قد كتبوا عن المنطقة أو زاروها أمثال المقريزي والمسعودي وابن الأثير وابن خلدون وابن سليم الأسواني ، ومن الفرنجة هيرودوتس وديودورس الصقلي واسترابو الروماني ويوسفوس اليوناني ولبسيوس الألماني وصمويل شارب الإنجليزي وماسبيرو الفرنسي. كما أقرر هنا أن ممالك النوبة اتصلت بالحضارة الفرعونية في مصر وتبادلت معها الاحتلال المباشر وبسط النفوذ خاصة فترة الاسرتين الخامسة والسادسة والعشرين فهي فترة حكم ملوك النوبة السودانيين لمصر من أسرة (كشتا). ثم امتدت الثقافة الرومانية والبطلمية فشملت هذه المنطقة ونشأت نتيجة لهذا المد الحضاري أو الثقافي الجديد مملكات النوبة الثلاث (المسيحية) وهي: 1. مملكة النوبات (نوباتيا) وتمتد من منطقة نهر النيل من الشلال الأول إلى الشلال الثالث وعاصمتها فرس بشمال السودان. 2. مملكة المقرة وتمتد من الشلال الثالث إلى كبوشية وعاصمتها دنقلا بشمال السودان. 3. مملكة علوة وتمتد من منطقة مابين النيل الأزرق ونهر عطبرة وعاصمتها سوبا إلى الجنوب الشرقي من الخرطوم على ضفاف النيل الأزرق، وذكر المؤرخون أن علوة أهي أكبر هذه الممالك وأقواها وأكثرها نفوذا بل وامتد نفوذها إلى البحر الأحمر شرقاً وإلى منطقة كردفان غربا. الممالك المسيحية هي في واقع الأمر امتداد لحضارة ممالك النوبة السودانية القديمة فهي رغم أنها اتخذت المسيحية ديناً رسمياً للدولة إلا أنها حافظت على الممارسات الحياتية والمعتقدية والثقافية (النوبية والمروية) بوثنياتها وطقوسها. ولم يكن للمسيحية كدين سماوي أي ممارسة حياتية أو وجود حقيقي في حياة الناس. وحتى الطقوس المسيحية التي بقيت حتى الآن هي خليط بين المسيحية والوثنية القديمة. وأما الوجود العربي في المنطقة فهو ذو جوانب متعددة: 1. النزوح العربي القديم ما قبل الاسلام للقبائل البدوية الرعوية العربية التي هاجرت عبر ميناء عيذاب إثر موجات الجفاف خلال بدايات الممالك النوبية المسيحية في القرن السادس الميلادي، وأهم البطون والأفخاذ التي عبرت بالإبل إلى السودان هم جهينة وهوازن وربيعة وأسد. ويقال إن بعض هذه الهجرات تم في عهد مملكة مروي القديمة. 2. بعض هؤلاء العرب دخلوا عن طريق باب المندب إلى اثيوبيا ثم هاجروا إلى بادية السودان. 3. (رحلة الشتاء والصيف) التي ذكرها القرآن الكريم في سورة قريش والتي كان هاشم بن عبد مناف هو أشهر أبطالها فقد كان التجار العرب يعبرون البحر الأحمر ما بين اليمن والسودان خلال فترة الشتاء، أدت إلى التواصل بين العرب وسكان المنطقة. 4. تبلور الوجود العربي في المنطقة إلى اختلاط العرب المهاجرين بالنوبة والزنج فنتج عن ذلك مزيج سكاني اختلطت فيه الدماء والأنساب والثقافات والأعراق ثم بدأ اللسان العربي في فرض وجوده بالمنطقة ممتزجاً مع الرطانات المحلية ونتجت عنه اللهجة السودانية التي تجمع في مفرداتها الكثير من المصطلحات النوبية القديمة بالإضافة إلى المصطلحات العربية. أما الوجود الإسلامي في المنطقة رغم الهجرة المبكرة للمسلمين إلى علوة فقد جاء متأخراً فقد كان التأثير الإسلامي على المنطقة محدوداً لفترات طويلة قبل أن يغلب الإسلام على المنطقة بعد سقوط دولة علوة على يد الفونج وعرب القواسمة والعبدالاب. السودانيون (بمزيجهم القومي ذي الإعراق المتعددة) اعتنقوا الاسلام في القرن السابع الميلادي ولم يدخل الإسلام فاتحاً بالجيوش كما حدث في بقية الأقطار العربية والإسلامية. وانتشر الإسلام بالتدرج بين النوبة والعرب الزنوج ليحل محل المسيحية في ممالكها الثلاث والتي لم تكن متأصلة في قلوب أهل تلك المنطقة فقد كانوا يجمعون بين الثقافات الوثنية القديمة والديانة المسيحية التي لم يكن ولاؤهم لها بالقوة التي تقف في وجه انتشار الإسلام. يتبع.

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

إيماءة على نص “ترجمان الملك”/ عادات مسيحِيّة قدِيمة في السودان الشمالِي – ياسر عبد الرحمن خيري


yasserأثارت رواية د/عمر أحمد فضل الله الأُولى الكثير مِن النِقاش استَدْعيت معه كُل ما لَفَت انتباهنا ونحن لا نزال صِغاراً في أقصى شمال السودان في دِيار أهلنا المحس و”الحلفاوِيين” و “الدناقلة” فهي كانت وبِحُكم الموقع الجغرافي النافِذة التي ولجت من خلالها الثقافات والمعارِف والمُعتَقدات الدِينية، مِن جُملة ما جرى مُشاهَدته ومُعايشته ومُمارسته مِن طُقوس وعادات لا تمت للإسلام بصِلة بل ترتَبِط ارتِباطاً وًثِيقاً بالثقافة المَسِيحية، والتي ربما كانت نَتِيجةً لما تـمَّ توارُثه مِن الأجيال السابِقة بحُكم التَعوُّد واستمرت بعد الفتح الإسلامي ، وبرغم أنَّ الكثير منها قد بدأ في الاندِثار إلـّا أنّه لا تزال هناك بَقايا مِنها، والغرِيب أنّ اندثارها لم يكن بفعل العمل الدعَوِي على الرغم مِن ” خلاوِي ” القرآن الكريم العريقة وجماعات الطُرق الصُوفِيّة الضارِبة في القِدم إنما كانت بِفعل تطوُّر اللُغـة النُوبِية المحلِية”الرُطانة”، فالرُطانة السائدة حالِياً بالمُنطِقة تَغْلُب عليها العَدِيد من المُفردات العربية حتى أنّك قد تَجِد البعض مِن الجِيل الحالي لا يفهم الكثير مِن المُفردات النوبية القدِيمة. وكمِثال لتلك الطُقوس والمُمارسات النصرانِية شَكل بوابات البيوت النُوبِية القدِيمة الرئيسية حيث كان يتم تَثْبِيت عدد ثلاث أطباق دائرية في شكل مثلث مُتساوِي الأضلاع كان يتم نَهْينا بِشدَّة ونحن صِغار أن نعبث بها تحطِيماً أثناء اللعب الأمـر الذي كان له أنْ يُرَسِّخ في أذهاننا نحن الصِغار شيئاً مِن القَداسة ولاحِقاً أثناء زيارة بعض الغربيين النَصاري عرفنا مِنهم أنّه أثرٌ نصرانِي قديم (الثالوث المُقدَّس)، الأب الإبن ، الروح القُدس..! وأيضاً لا يفوتني هنا الإشارة لتلك الجملة التي لا تزال تطرق مَسامعي مِن بعض كِبار السن عند عِيادَتهم للمرضى إذ يقولون: (( مــاريا مِــير)) أي ترعاك ماريا”السيِّدة العذراء مريم”! ويرادفها بذات اللُغة قولهم : ((نُـور إيكّا مـِير)) أي يرعاك الله ويحفظك فالأصل في “الرُطانة”أنّ الاسم يسبق الفعل على الدوام في جميع الجُمل… لكن أكثر ما كان يدهشنا ونحن في غمـرة طقوس الزواج الاحتفالِية أنّ “العريس” ومَن معه يتوجَّهون صوب النِيل وفي يدِه السيف و سوط “العَنج” فيقوم بِضرب صفحة الماء بالسيف مِن أعلى لأسفل ومن اليمين لليسار على شَكل صليب! بالطبع دُون أن يدرِي هو أو نحن أو هم مُبرِرات وكُنه ما يفعل.. لعل ما سَبق يقودنا للسؤال الأهم الكبير وهو حين قدِم العرب المسلمون وقاموا بنشر الإسلام هل وقَفت اللغة حاجِزاً بينهم وبين تأصِيل الثقافات والمَعارِف الإسلامِيّة فلم يستطِيعوا القضاء على تلك العادات والتقالِيد والطُقوس المسيحية القَدِيمة المُتوارَثة أم أنَّ اهتِمامهم المعروف بحب الترجمة انصبَّ على معرِفة وإتقان اللغة النُوبِية المحلِية. الثابت لدي أنّ تطوُّر اللُغة النُوبِيّة المَحليّة كان له الأثر البالِغ في القضاء أو التَخْفِيف مِن تلك العادات والمُمارسات القدِيمة. ومِمّا يُثِير الاستِغراب حَقاً كَثرة مُخلّفات العُصور المَسيحِية مِن آثار على حِساب مُخلفات المسلِمين العرب في السودان باستثناء مسجد دنقلا العجُوز

انظر تعقيب د. عمر فضل الله على المقال بعنوان: وقفة عند إيماءة ياسر خيري على نص الترجمان

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

ترجمان الملك – مقدمة الراوي


لَمْ أَعْجَبْ حِينَمَا استَدْعَاني مِنْ بينِ أطلالِ الماضي الغَابِرِ، لتقديمِ رِوَايَتِهِ للناسِ، في زَمَانكِمُ هَذَا، فَقَدْ كُنتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْتَاجُنِي. أنا الشابُّ “سِيْسِّي بن أَبِيْلُّو بن دَلْمَار”، الذي عاشَ حياةً حافلةً في زمانِهِ، ثم ماتَ وماتتْ King_Toroمَعَهُ قِصَّتُهُ. لم يسمعْ بهِ ِأَحَدٌ في عصرِكُمْ هذا. وَحِينَ حَدَّثَنِي أنَّ أَحَدَاً في زَمَانهِ لا يقْدِرُ أَنْ يُقَدِّمَ رِوَايَتَي أَفْضَلَ مِنِّي صَدَّقْتُهُ، مِثْلَمَا صَدَّقْتُ حِينَ عَادَ إِلى الماضي بَاحِثَاَ عَنِّي يَنْبِشُ القُبُورَ في خَرَائِبِ مَدَافِنِ “العَنَج” العَمَالِيق جَنُوبَ سوبأ، وَيَقْرَأُ الشَّوَاهِدَ لِيَجِدَنِي، آخِرَ الأمرِ ثُمَّ يُخْبِرَني أَنَّ العَالَمَ بقي بَعْدَنَا ألفاً وَخَمْسَمِائةَ عَام! وأنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِلمَ ْتَحِنْ بَعْدُ. صَدَّقْتُهُ في كُلِّ هَذَا، وَلَكِنَّنِي لَمْ أُصّدِّقْ أَنَّ أَحَدَاً مِنَ النَّاسِ لا يَعْرِفُ سوبأ العَاصِمَةَ، وَ”مَمْلَكَةَ عَلَوَة العَظِيمة”، بَعْدَ مُضِيِّ خمَسْةَ َعَشَرَ قَرْنَاً فَقَطْ. كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَبْقَى في ذَاكِرَةِ العَالمَ مِائَةَ قَرْنٍ أُخْرَى.!! لوَلا ِهَذَا ما وَافَقْتُ عَلى العَوْدَةِ لِأَرْوِيَ لَكُمْ. أَقِفُ الآنَ جَنُوبَ سوبأ العَاصِمَةَ فِي زَمَانِنَا القَدِيمِ مُتَأَهِّبَاً للإطْلالَةِ عَلَى زَمَانِكُمْ والشُّرُوقُ، يُزَيِّنُ بِفُرْشَاتِهِ أَسْوَارَها، وَأَسْوَاقَهَا، والبُيُوتَ، وَالأحْيَاءَ، أَمَلاً في مَجِيءِ نَسِيمِ (البُطَانَة)(1) الشَّرْقَيَّة ليِتَأَمَّلَ هَذِهِ اللَّوْحَةَ، قَبْلَ أَنْ يَنْفُثَ سِحْرَهُ فِيهَا يَرْجُو لهَا الخُلُودَ، والنيلُ يَرْبِضُ غَرْبَهَا مِثْلَ طِفْلٍ بَرِيءٍ يَخْتَبِيءُ مِنْ أَقْرَانِهِ في لُعْبَةِ “دَسُّوسِيَّةٍ”(2 ) بَدَأُوهَا عِنْدَ العَشِيَّاتِ ثُمَّ غَلَبَهٌمْ النَّوْمُ، والنِّيلُ مَا يَزَالُ مُسْتَمِرَّاً فِي اللَّعِبِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ الأَقْرَانِ. لَوْ ذَهَبْتُمْ لِلنِّيلِ لَحَدَّثَكُمْ عَنِّي وَعَنَّا، وَعَنْ سوبأ َوَعَلَوَة، وَالمُلُوكِ العُظَمَاء وَالنَّاسِ. النِّيلُ رَاوِيَةٌ قَدِيمٌ، لا يَمَلُّ مِنَ التِّكْرَارِ. “أَسَاطِيلُ عَلَوَة” وَهِيَ تَزْحَمُ النِّيلَ بِأَشْرِعَتِهَا البَيْضَاءَ المُنَشَّرّةِ. وَأَنَاشِيدُ الجُيوشِ العَظِيمَةِ، وَ”العَنَجُ” العَمَالِقَةُ الذينَ تَهْتَزُّ الأرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ الضَّخَمَةَ حِينَ يَعْرِضُونَ القُوَّةَ وَالبَأْسَ الشَّدِيدَ فِي مَسِيرَاتِهِمْ عَبْرَ طُرُقَاتِ سوبأ وَخَارِجَ أَسْوَارِهَا. الطُّبُولُ “النُّحَاسِيَّةُ” المَرْصُوصَةُ جَنْبَاً إلى جَنْبٍ في سَاحَةِ المدِينَةِ والتي تَخْلَعُ أَصْوَاتُهَا القُلُوبَ حِينَ يَتَقَافَزُ الضَّارِبُونَ حَوْلَهَا وَيَدُورُونَ وَهُمْ يَنْقُرُونَهَا بِالعِصِيِّ الخَشَبِيَّةِ القَصِيرَةِ المُدَبَّبَةِ المَكْسُوَّةِ بِجُلُودِ أَذْنَابِ البَقَرِ. والرَّاقِصُونَ عَلَى وَقْعِ الطُّبُولِ نَهَارَاً أَوْ لَيْلاً وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالحِرَابِ وَالعِصِيِّ والنُّشَّابِ وَالدَرَقِ. عَبَقُ الطُّيُوبِ الشَّرْقَيَّة التي تَضَعُهَا نِسَاءُ عَلَوَة! مَا زَالَ فِي أَنْفِي بَعْدَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ! أَيْنَ ذَهَبَ كُلُّ هَذَا؟ حِينَ دَعَانِي للعَوْدَةِ إِلى سوبأ لأَتَأَكَّدَ بنفسي لم أُصَدِّقْ مَا رَأَيْتُهُ. بَقَايا كَنِيسَةِ “مَارِيَّةَ” العَظِيمَةِ أَطْلالٌ مِنَ الطُّوبِ المُسَوَّى بِالأرضِ. قَصْرُ الملكِ المُنِيفِ إلى الشِّمَالِ صَارَ مَزَارِعَ ِللْدّوَاجِنِ. وَمَاذَا فَعَلْتُمْ بِالنِّيلِ؟ نِيلُ سوبأ العَظِيمُ انحَسَرَ مَجْرَاهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَحَدَ الجَدَاوِلِ التيِ تَسِيلُ مِنْ الشَّرْقِ أَيَّامَ الخَرِيفِ فِي زَمَانِنَا. وَاختفتْ مِنْ فَوْقِهِ الأسَاطِيلُ المَهِيبَةُ ذَاتُ الأَشْرِعَةِ البَيْضَاءَ. “جَزِيرَةُ التِّمْسَاحِ” تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهَا وَصَارَتْ عِدَّةَ جُزُرٍ صَغِيرَةٍ تَحْتَمِي بِكَبِدِ النِّيلِ الحَرَّى وَتَسْتَغِيثُ مِنَ الغَرَقِ. وَاخْتَفَتِ الأسواقُ والسُّورُ وَمَرَابِطُ الخَيْلِ وَثُكْنَاتُ الجُيُوشِ وَبُيُوتُ الكَهَنَةِ وَأَدْيِرَةُ الرُّهْبَانِ وَأَحْيَاءُ سوبأ الجَميلَةِ وَمَبَاني الجَصِّ وَالطُّوبِ والحَجَرِ. أَيْنَ أَشجارُ النَّخِيلِ البَاسِقَةِ والدَّوْمُ ِوَالمَانْجُو واللَّيْمُون؟ أَيْنَ السَّاحَاتُ الخَضْرَاءُ؟ أَنْتُمْ بَارِعُونَ جِدَّاً فيِ القَضَاءِ عَلى كُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ. لا أَرَى حَوْليِ في زَمَانِكُمْ إِلا صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ قَاحِلَةً مَدَّ البَصَرِ، يَشُقُّهَا طَرِيقٌ أَسْوَدٌ قَمِيءٌ، وَعَرَبَاتٌ كَئِيبَةٌ تَجْرِي فَوْقَهُ بِلا أَحْصِنَةٍ وَلا خُيُول، وكَأَنَّمَا تُطَارِدُهَا أَشْبَاحُ سِيْمُونَةَ(3) المَسْعُورَةُ. بَدَأْتُ أُصَدِّقُ أَنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِقَدْ اقْتَرَبَتْ. وَلَكِنَّيِ نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَ المُؤَلِّفَ: لِمَنْ تُرِيدُنِي أَنْ أُقَدِّمَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ هَلْ بَقِيَ فِي العَالمَ قُرَّاءُ مِثْلَمَا كُنَّا فِي زَمَانِنَا؟
تذييلٌ: سَوْفَ أَتَوَلَّى رِوَايَةَ قِصَّتِي بِنَفْسِي فَي الصَّفَحَاتِ التَّالِيَةِ. لَنْ أَسْمَحَ أَنْ يَرْوِيَهَا أَحَدٌ غَيْرِي!

***

“لَيْسَ كُلُّ مَا يَلْمَعُ ذَهَبًا وَلَيْسَ كُلُّ شَقْرَاءَ مَلِيحَةً” مثل حديث
في سوبأ: “كلُّ مُا يَلْمَعُ ذَهَبٌ وَكُلُّ سَمْرَاءَ مَلِيحَةٌ ” مثل قديم

_____________________
(1) البُطَانة: هي السهل الممتد شرق النيل الأزرق وهي أرض خصبة المرعى نقية الهواء. (2) الدَّسُّوسِيَّةُ: هي لعبة الغميضة أو الاستغماية يلعبها الصغار فيختبيء أحدهم ويقوم الآخرون بالبحث عنه. (3) ساحرة مشهورة أيام مملكة علوة

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا (2)


b368

afewerek***

“سُنْجَاتَا” كانت هي المخلوق الوحيد الذي تعلقت به. كنا نأتي كل يوم و
نجلس تحت شجرة الأراك ونحلم. ابتسامتها البريئة، ووجها الطفولي، وطعم فمها، وكلامها الذي يحملك إلى عالم مسحور. كانت لا تربط بين الأفكار، بل كل ما يخطر على بالها تقوله. وكان هذا يدهشني فكنت أطير معها في عالم الخيال الجميل الذي له أجنحة تحلق بك أينما تريد. كنا نبني معاً عوالم مسحورة في أفق الفضاء، أو في دنيا لم يرها إنسان. وكنا نعيش يومنا مع الطيور والحوريات وعالم الجن. كنا نبني قصوراً من الوهم على شواطيء الأحلام ونقطف الأزهار البرية من روضات الحدائق النائمة، عند السحر، والقمر قد سئم البقاء وحده في أفق الفضاء، فبدأ يتأهب للنوم. قالت لي “سُنْجَاتَا” يوماً:

– “سيس” لماذا لا يوجد قمران في أفق السماء؟

– القمر وحده لأنه يلعب مع الشمس لعبة المطاردة، فهو يهرب منها بالنهار. وحين يتأكد أنها قد ذهبت تبحث عنه وراء الأفق يأتي إلينا وحده متخفياً بالليل. ألا ترين أنه يبتسم ابتسامة ساخرة؟

– “سيس” أين ذهب أبوك؟

– أبي هو القمر الذي يهرب من أمي. أمي تجلس وحيدة في غرفتها كل ليلة مثل الشمس في كبد السماء.

– بجد يا “سيس” أين ذهب أبوك؟

– أبي هو “ملك ملوك الجن”، وهو في مهمة، وسوف يأتي قريباً من العالم السحري.

– “سيس” هل تحبني حقاً؟ عندما أكبر أريد أن أتزوجك. ونطير معاً فوق البحار. ونلعب لعبة الشمس والقمر. أريد أن تكون لي أجنحة أحلق بها في الفضاء. هل تصدق هذا؟

– ….

– سيس هل عندك شعر هنا؟

وأشارت إلى موضع عانتي من الخارج.

– أنت مجنونة !!

– أحلى شيء الجنون. “سيس” هل جربت يوماً أن تخلع كل ملابسك وتغلق الأبواب وترقص عارياً وتصيح بأعلى صوتك حتى يبح حلقك ثم تقفز عالياً وتسقط على الفراش؟ تعال نجرب هذا يوماً معاً، ولكنني لن أخلع ملابسي.

كانت “سُنْجَاتَا” مثالاً حياً لكل التناقضات المجنونة الموجودة في البشر. كانت أكثر الناس رقة، وأشدهم جنوناً. كانت منطلقة كمهر جامح في البرية لا يقدر عليه أحد. وكنت أحب هذا فيها. ولعل هذا الأمر قد دفعني حين كبرت قليلاً إلى ترويض المهارى الوحشية والحمير البرية والبغال الجامحة. ولكن “سُنْجَاتَا” اختفت فجأة من حياتي ولم أعد أراها. قصدتُ بيتهم كثيراً، ولكنه كان خالياً وبابه مغلقاً. لم أعرف يومها ما الذي حدث لها أو لأمها. أعرف أنها يتيمة الأب، وأن أمها، كانت تُشاهَدُ في بيت قائد الحرس كثيراً وكانت تعود إلى البيت سكرانة كل ليلة. أخبرني “عِبْدِي” بذلك وقال إن “سِمْبَا” هو الذي أخبره. حزنت لهذا، ومع الأيام ضمرت ذكراها في فؤادي، أو لعل تلك الذكرى اختبأت خزياً حين كنت أذكر أمها. كنت أذهب كل يوم وأجلس وحدي تحت ظل شجرة الأراك. حاولت استجماع الذكريات فلم أقدر على الإمساك بها. كانت تتسلل هاربة من ذاكرتي كلما كبرتُ. حين رأيت “سُنْجَاتَا” بعد كل هذه السنين وهي جارية في قصر الملك حاولت أن أتحقق من مشاعري فأحسست بغضب عارم يتأجج في كبدي. لم أعرف له سبباً. ذكريات المشاعر القديمة عادت واستحالت شيئاً مشوهاً. “سُنْجَاتَا” لم تعد بتلك البراءة ولا الجموح. كانت مستكينة خاضعة. وخمد ذلك البريق في عينيها وكأنما أسدلت فوقهما غلالة من بؤس العبودية. تمنيت ساعتها أن أصبح تاجراً للعبيد، لأشتريها وأبيعها بعيداً للعرب عبر بحر الجار فلا أراها بعدها أبداً. ثم تمنيت أن أصبح نسراً كاسراً يختطفها بمخالبه ويحلق بها فوق أجواء عَلَوَة ويلقي بها من حالق فتندق عنقها ويطويها النسيان. ولكن كل هذا لا يشفي غليلي. ولذا فقد بقيت وحيداً متوحشاً طيلة هذه السنوات، لا أسمح لأحد أن يقترب مني!!

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن.

ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا


سُنْجَاتَا

“قصة حب نسي الزمان أنه رواها من قبل فأعاد تكرارها”

نشأت في بيت أمي “تَانِيْشَا” وأنا لا أعرف أباً غير جدي “دَلْمَار”. وكان يحبني حباً عظيماً، فكنت أهرول إليه وأنا صغير كلما عاد من سفر أو من القصر لأنني أعلم أنه قد أحضر لي هدايا معه. لم يكن مهماً ماهي الهدية ولكنني كنت أفرح بما يحضره لأنني لحظتها أحس أن لي قيمة وأن هناك من يتذكرني وهو بعيد.

مرة أحضر لي قلابة لقنص الطيور، فقد كان يعلم ولعي بصيد القطا، وفي مرة أحضر لي “نبلة” تشبه المقلاع. مقبضها من خشب الأبنوس، وشريطها سَيْرٌ من جلد “التيتل”، فكنت أتباهى بها بين أقراني عدة أيام قبل أن تصير عادية. وفي مرة أخرى حين عاد من الاسكندرية أحضر لي معه “خذروفاً”( ) فكنت أديره في دكة باحة الكنيسة المنحوتة من الحجر الصوان، فيطن طنيناً وهو يدور حول نفسه ويحدث صوتاً مثل رفيف أجنحة طائر الدوري حين يوشك أن يحط على نافذة غرفتي من الخارج. ورأته “سُنْجَاتَا” فأعجبها، وحين لمحتُ البريق في عينيها أخبرتها أنه يمكنها أن تحتفظ به لتلعب به في بيتها، فطبعت على خدي قبلة سريعة مباغتة ثم انطلقت تركض به نحو بيتها. حين سألتني أمي مساء ذلك اليوم عن “الخذروف” أين هو وماذا فعلت به، نظرت إلى الأرض حياء وتغير لون وجنتى، فقالت أمي:
– “سُنْجَاتَا”!؟
أجبت وكأنني سأموت من الخجل.
– نعم يا أمي!
– هه.. متى صرت بهذه الشقاوة؟ أعرف أنك مسكين وقليل الحيلة. واضح أن أقرانك علموك الشيطنة. سوف أنتبه في المرة القادمة وآخذ بالي منك!! وهي ماذا أعطتك بالمقابل؟
قالتها وقرصتني في خدي وهي تبتسم ابتسامة عريضة. جدي “دَلْمَار” كان مشغولاً معظم الوقت، ولذا فقد كانت أمي هي بمثابة أمي وأبي. كنت قريباً منها فكانت تخبرني بأشياء كثيرة وكنت أخبرها بكل شيء يحدث معي، إلا ما يحدث بيني وبين “سُنْجَاتَا”. لم أعرف ما هو شكل أبي، فلم أره قط. قال لي جدي أنني ولدت بعد فقدان أبي بأشهر قليلة، شهرين أو ثلاث. وحين كبرت قليلاً وكان الأطفال يلعبون معي كان بعضهم يناديني “بن تَانِيْشَا”، ورغم أنني كنت أحب أمي جداً إلا أنني كنت أغضب من مناداتي بهذا الإسم فقد كنت أعتبره تحقيراً لي، فكنت أنهال عليه بالضرب، ثم أخاصمه ولا أعود ألعب معه حتى يعتذر ويسترضيني. وأما لماذا كنت أعتبر مناداتي باسم أمي تحقيراً لي فقد كنت أرى أن جميع أقراني لهم آباء وينادونهم باسم آبائهم إلا أنا. فقد كانوا يدعونني باسم أمي. كنت أتخيل أبي دائماً وأعقد المقارنات في ذهني بيني وبينه. أبي يتيم الأم ماتت أمه وهو صغير، وأما أنا فقد فُقِدَ أبي قبل أن أولد. كان أبي وحيد أبيه وأمه، وأنا وحيد أبي وأمي. أبي رباه “دَلْمَار” وأنا رباني “دَلْمَار”. كنت أفكر في أبي كلما رأيت صبياً يسير مع أبيه في السوق أو أباً يعلم ابنه الرمي بالسهام خارج أسوار سوبأ. كنت أرسم لأبي صورة جميلة في ذهني. صنعت منه في خيالي بطلاً من أبطال الحروب مرة، وجعلته قائداً عظيماً مرات، وتخيلته ملكاً من الملوك متوجاً والناس يسجدون له، مثل النجاشي عندنا في عَلَوَة. وفي مرة أخرى تخيلت أن أبي هو الكاهن الأكبر في الكنيسة يجلس أمام المصلين بملابسه البيضاء الزاهية المطرزة بالذهب، بينما يقوم الشماس بتلاوة الصلاة كل يوم أحد. صنعت لأبي صور كثيرة وشخصيات متعددة. وأحياناً كنت أكلمه بكلام كثير حينما أكون وحدي. وكنت أسمعه وهو يرد على أسئلتي وينصحني. قلت لأبي مرة: أين أنت يا أبي فأنا أشتاق إليك كثيراً؟ هل تعلم أن أمي تبكي كل ليلة في فراشها؟ أنا أعلم لماذا تبكي. لأنك ذهبت سريعاً. ليتني رأيتك ولو مرة واحدة وأنا مستعد أن أتخلى عن نصف عمري مقابل ذلك. احتفظت أمي بملابس أبي التي تركها وراءه، وحين كبرتُ أخرجتها من صندوق كان في غرفة أبي ولبست قميصاً منها.afewerk-tekle_tsedey

كانت غرفة أبي مغلقة طوال هذه السنين، ولم أرها مفتوحة يوماً ولا يدخلها أحد. ويوم لبست قميصاً من قمصان أبي وخرجت من غرفتي صرخت أمي وهرعت ناحيتي واحتوتني بيديها وذراعيها وجثت على ركبتيها تبكي. كان جدي “دَلْمَار” قد عاد لتوه من القصر. لأول مرة أرى جدي غاضباً. رفع صوته وأشار بيده في حزم : – اخلع هذه الثياب فوراً. وإياك أن تلبسها مرة أخرى. من الذي أعطاك هذه الثياب؟ مجنونة أنت يا “تَانِيْشَا”؟ ما هذا الذي تفعلينه بابنك؟ – أنا لم أعطها له ولم ألبسه إياها يا عمي، فهو الذي أخذها من غرفة أبيه. خلعت قميص أبي بسرعة وألقيت به على الأرض، فأسرع إليه جدي وأخذه دون أن ينظر إليه وأعاده بسرعة في صندوق أبي وأغلق الصندوق. ورغم أنه اجتهد أن يخفي أى مشاعر في وجهه تعبر عن تصرفه هذا، إلا أنني قرأت الحزن العميق في عينيه، واضطرام وجنتيه. لاحظت الاختلاف الواضح في مشاعر جدي عن مشاعر أمي حين لبستُ قميص أبي. كان جدي منزعجاً بينما قرأت في نظرات أمي أنها لم تكن تود أن أخلع قميص أبي أبداً. التباين في ردة فعل أمي وجدي جعلت ذهني كقدر يفور بالسؤالات المنثالة. لماذا كانت ردة فعل أمي انفعالية وبهذه القوة بعد كل هذه السنين من موت أبي؟ ولماذا غضب جدي “دَلْمَار” حين رآني في ثياب أبي؟ ولماذا الحزن العميق في عينيه ووجهه؟ شيء طبيعي أن ألبس ملابس أبي. ولكن لماذا هي محرمة على؟ ومن هو أبي أصلاً؟ وهل هو ميت فعلاً؟ وكيف مات؟ وأين قبره؟ ولماذا مات قبل جدي “دَلْمَار”؟ هنل هناك شيء تخفيه أمي عني؟ أو لا يريدون أن أعرفه؟ كانوا لا يجيبونني حين كنت أسألهم: أين مقبرة أبي؟ أريد أن أزور قبره. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى الكنيسة، وكان “أبونا يُوأنَّسْ” واقفاً على عتبة الباب يهم بالخروج. ولكنه لما رآني داخلاً أقبل نحوي بلهفة حين رآني. وعاد معي داخل الكنيسة. ولكنني لما سألته هل كان يعرف أبي “أَبِيْلُّو” تغير وجهه فجأة وأصابته مسحة حزن واضحة. “أبونايُوأنَّسْ” غير ماهر في إخفاء مشاعره. ظاهره مثل باطنه، ولهذا فقد كنت أحبه. سكت ولم يرد. ثم اعتذر بلطف وقال لي إن أمامه مشوار هام ولا بد أن يدركه ولم يعدني بإكمال الحوار في مرة قادمة. انقلبت على أعقابي وخرجت من الكنيسة ، وسرت هائماً على وجهي في طرقات سوبأ، وقادتني قدماي دون أن أشعر إلى شجرة الأراك قرب الكنيسة والتي كنت أجلس تحت ظلها مع “سُنْجَاتَا” حين كنا في السابعة، بعد أن أكون قد قطعت غصناً صغيراً، ونزعت أوراقه ثم بدأت أنظف به أسناني، وكانت “سُنْجَاتَا” تأخذه من فمي وتنظف أسنانها بطرفه الآخر. كان له طعم لاسع، ورائحة نفاذة ولكنها محببة. كانت أسناننا تصبح بيضاء بعد أن ننظفها بالأراك، وكنت أقول لها: – انظري أسناني كيف صارت؟ ثم أفرج شفتي ليبدو صف أسناني ناصع البياض. وكانت “سُنْجَاتَا” تضحك وتقلدني فتفرج شفتيها وتقربهما مني وتقول: – انظر أسناني كيف صارت؟ وفي إحدى المرات قربت فمها كثيراً من فمي، وحين كانت تتحدث شممت رائحة أنفاسها فأثارت في نفسي شيئاً غريباً أصابني بخدر لذيذ، ودون أن نشعر التصقت شفاهنا، وبادرت هي فقبلتني، فكانت هي أول قبلة من “سُنْجَاتَا”، ولم أكن يومها أعرف ما هي القبلة أصلاً، ولكنني أحببتها. كانت أمي تقبلني من خدي، وفي أحيان قليلة كانت تقبلني من فمي قبلة خاطفة، وكان لقبلتها وقع مختلف وشعور آخر. أما قبلة “سُنْجَاتَا” فقد أوقدت في نفسي رغبة أن أقبلها مرات ومرات. وفي كل مرة كنت أحس بشعور غريب. في ذلك اليوم الذي شهد أول قبلة بحثت عن الكلام فلم أجده. كنا قبله نتحدث كثيراً وكانت “سُنْجَاتَا” قبل ذلك تنطلق في الحديث ببراءة، فقد كانت مترعة بالنقاء. وبعد أول قبلة اضطربت وترددت، ثم قبلتني بقوة، ثم صمتت صمت القبور. ولم تنظر في عينى بعدها. وانطلقت تجري نحو بيتها. وكانت قد ربطت شعرها ضفيرتين فكانتا تتقلبان بالتبادل بين كتفها الأيمن والأيسر وهي تجري وتهز رأسها يميناً وشمالاً، وترفع عقبيها بتكلف فيضربان على ردفيها برفق وهي تجري. خفت ألا أراها بعد ذلك اليوم ولكن اللقاءات تكررت كل يوم بعد ذلك تحت شجرة الأراك. وتكرر تنظيف الأسنان حتى صارت أسناني تبرق في الظلام. وبالطبع تكررت مشاهد ما بعد السواك.

يتبع : ترجمان الملك – مقتطفات – سنجاتا (2)

منقول من منتديات العيلفون جنة عدن

القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية – رواية ترجمان الملك مثالا


جامعة إفريقيا العالمية
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية رواية ترجمان الملك مثالا

د. عثمان أبوزيد عثمان
المستشار في رابطة العالم الإسلامي

مقدم إلى المؤتمر العالمي الأول للسيرة النبوية الشريفة
الخرطوم 29- 30 صفر 1434هـ الموافق 11- 12 يناير 2013م

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فهذه ورقة مقدمة إلى المؤتمر الدولي الأول للسيرة النبوية المنعقد بجامعة إفريقيا العالمية، بعنوان: القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية – رواية ترجمان الملك مثالا، ضمن المحور السابع من أعمال المؤتمر الذي يتناول جهود المسلمين في العصر الحاضر في خدمة السيرة النبوية، وفي القسم الخاص بجهود المسرح والسينما والقصص والشعر.
وقد وقع الاختيار على إحدى الروايات الصادرة حديثاً لتكون مدار البحث؛ رواية “ترجمان الملك” للكاتب الدكتور عمر أحمد فضل الله، تحكي قصة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهجرتهم إلى الحبشة واستقبال ملكها النجاشي لهم. وهي أنموذج للنص الأدبي الذي يلتزم الصدق الفني، والتمحيص الدقيق بين روايات الإخباريـين للوصول إلى ما هو أقرب إلى الواقع التاريخي.
وفي وقت يسارع فيه المبغضون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إنتاج المواد الإعلامية والأفلام المسيئة لمقامه الكريم، ، ينبغي الاهتمام بالتخطيط للاستفادة من جميع الوسائل العصرية للتعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم وإثراء الدعوة إلى الله تعالى. ولعلّ عصرنا الحاضر الذي تتجدد فيه وسائل النشر والبلاغ، يقدّم فرصة ذهبية للأدباء والإعلاميين بتقديم التاريخ الإسلامي إلى ملايين المتلقين عبر خطاب متجدد يتوسل بالقصة الجذابة والرواية الشائقة عن طريق توظيف الفنون بالصوت والصورة و(دراما) الإذاعة والتلفاز والسينما.
ومن قديم استمد الأدب من الدين قوته التعبيرية والتأثيرية، وحملت النصوص الأدبية بصمات الدين، بحيث إنها لم تخلُ في أي وقت من أن تكون تعبيرًا عن مبدأ إنساني أو عقيدة دينية؛ أياً كانت هذه العقيدة.
وظهرت أنواع كثيرة من الإنتاج الأدبي شعراً ونثراً في تراثنا حملت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ في شكل قصائد منظومة وأناشيد منغومة ونصوص سردية. كما زخرت ثقافتنا الشعبية بما يعرف بأدب المدائح النبوية الذي أتاح ثقافة جماهيرية واسعة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعرّف بمناقبه وأخلاقه في زمان شحّت فيه الكتب وطغت فيه الأمية. واهتمت مناهج التعليم في بعض البلاد، بتحفيظ التلاميذ متوناً من منظومات السيرة مثل نظم المغازي للبدوي وقرة الأبصار وغيرها.
إن أساس الإنتاج الإعلامي الجيد هو وجود نصوص جيدة، وأهمها الرواية الأدبية التي تتبوأ اليوم مكانة مرموقة بين الأجناس الأدبية في وقتنا الحاضر ، بل ربما تقدّمت على الشعر الذي هو “ديوان العرب” كما يسمى.
ومن ينظر في الأعمال الأدبية من روايات وقصص، يجد أن استفادتنا من السيرة النبوية ليست بالمستوى المطلوب، كما أن محتوى وسائل الإعلام في هذا الجانب وإن كان كثيراً من حيث الكم، فإنه يبدو نادراً وضعيفاً من حيث الكيف، ولا نعلم السبب في ذلك؛ أهو عدم وعي وسائل الإعلام بأهمية السيرة؟ أم هو استسهال الإنتاج السطحي ومسلسلات الأنس والبرامج الغنائية ونحوها؟
ولا يخفى أننا ما نزال متخلفين عن أصحاب الثقافات الأخرى الذين وجهوا عنايتهم إلى تاريخهم الديني والوطني واستلهموا منها العبر والدروس، وقدموها سائغة عبر مادة محببة إلى النفوس في شكل أفلام وبرامج إذاعية وتلفزيونية وصحفية.
لم يعد لدينا عذر مع وجود هذه الوسائل في مضاعفة قدرتنا على التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم ونشر الدعوة الإسلامية، ليس على نطاق الجمهور الداخلي فحسب، بل بالنفاذ إلى الشعوب الأخرى التي تجهل الغالبية العظمى منها دين الإسلام ونبي الإسلام. والشواهد كثيرة على ما يسود هذه الشعوب من الجهالات والشبهات، فمن ذلك مثلاً ما أظهره نشاط تعريفي بدين الإسلام في شوارع البرازيل، عندما أراد بعض الدعاة اختبار عينة عشوائية حول معرفة العامة بدين الله وبرسول الرحمة ” محمد صلى الله عليه وسلم “، فظهر أن الغالبية لا يعرفون شيئا عن الإسلام ولا عن رسولنا الكريم، أو توجد لديهم صورة مشوّهة عن الإسلام والمسلمين.
وقد وقف الباحث على طرف من تلك الشبهات والجهالات عندما حضر المؤتمر العالمي للحوار بين أصحاب الأديان والثقافات في العاصمة الأسبانية مدريد عام 2008م ، وبسؤال المشاركين من أتباع الديانات الأخرى أدرك ضعف ما لديهم، حتى أن أحدهم دخل إلى المعرض المصاحب للمؤتمر وكان يضم صورة الكعبة المشرّفة وسرداً باللغات الأوروبية لقصة زمزم، فذكر أنه يشاهد صورة الكعبة لأول مرّة في حياته، مبدياً إعجابه الشديد بقصة زمزم ، وأن أطفاله سوف يسرّون كثيراً بهذه القصة البديعة حين يقصها عليهم في أمسيته تلك!
هذا، وتشمل الورقة أربعة أقسام هي:
1. السيرة النبوية في الأدب ووسائل الإعلام.
2. رواية ترجمان الملك: عرض تقديمي وتحليلي.
3. خبر النجاشي كما ورد في النص الروائي.
4. توظيف القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية
وتحاول الورقة من خلال عرض الرواية التاريخية المذكورة مناقشة الجهود الممكنة في توظيف القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ومن ثم إنتاج برامج إعلامية وفنية على مستوى رفيع من المهنية والإتقان.
ونسأل الله تعالى التوفيق والإعانة، فهو ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

د. عثمان أبوزيد عثمان
مكة المكرمة في المحرم 1434هـ

1. السيرة النبوية في الأدب و وسائل الإعلام

بدأ عرض وتسجيل أحداث السيرة النبوية في الشعر منذ أيام البعثة الأولى، وتعدّ أشعار شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم من أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة باكورة لهذا الأدب. والشعر العربي قديماً وحديثاً زاخر بما خصصه الشعراء من قصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم متناولين شمائله وصفاته بالتفصيل. ووجدنا بردة البوصيري وما جاء على منوالها من معارضات الشعراء. حتى إذا كان العصر الحديث وقفنا على صور جديدة مثل الملاحم كما عند الشعراء : عامر بحيري وأحمد محرم وكامل أمين وغيرهم. غير أننا شهدنا ضموراً واضحاً في الاتجاهات الحداثية في الشعر المعاصر التي لم تقارب هذا الميدان إن لم يكن يقف منه موقفاً مضاداً.
وبرزت (الموالد) وهي صورة من النثر المسجوع الذي يقرأ بصفة معينة في اجتماع أطياف من مدارس الذكر، وتنشد في هذه الاجتماعات أيضاً المدائح النبوية التي صارت سمة ثقافية مشهورة في غالب المجتمعات الإسلامية.
وشهدنا في عصرنا الحاضر ميلاد أجناس أدبية وإعلامية عرضت السيرة النبوية عرضاً متجدداً، فكان ميلاد الرواية التاريخية، والأفلام والمسلسلات التي تخاطب جمهور عاماً.
ولما كان تلقي السيرة النبوية من الكتب والمراجع مما يصعب على غالب الناس ، كانت حاجتنا إلى العنصر الأدبي والإعلامي، رغبة في الوصول إلى أكبر قدر من الجمهور. وبذلك أصبحت السيرة النبوية ميداناً رحيباً للكتب الثقافية والأدبية التي اتخذ بعضها طابع الفن القصصي والروائي.
ونستطيع أن نحصي أمثلة كثيرة للأعمال الأدبية التي جاءت لتجعل أحداث السيرة المطهرة في متناول الجميع؛ بداية من رسالة خلاصة السيرة النبوية للسيد محمد رشيد رضا ومروراً بسلسلة العبقريات لعباس العقاد، وعلى هامش السيرة للدكتور طه حسين، ورجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي والسيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (قراءة جديدة) لمحمد الصويان ، وصور من حياة الصحابة للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، وقصص السيرة النبوية للصغار لمحمد موفق سليمة، وغيرها.
واهتم الإذاعيون ومعدو البرامج التلفزيونية بالسيرة النبوية، فجاءت الأحاديث الإذاعية والتلفزيونية شكلاً رائجاً من أشكال التحرير الإعلامي، وما تزال بنا حاجة لأشكال وأجناس أخرى في الإنتاج الإعلامي مثل الدراما والبرامج التسجيلية. ولا شك أن وجود نص روائي تاريخي محكم البناء هو أول خطوة في إنتاج الدراما التلفزيونية والإذاعية. ويعد غياب النص الملائم أكبر معوقات إنتاج الدراما التاريخية والدينية على العموم. ومعروف أن منتجي الأعمال الفنية لهذا النوع لا ينشطون لها لأسباب مختلفة من بينها تكلفتها المالية العالية، وأيضاً ما يجده الممثلون من صعوبة في حفظ الأدوار والتحدث باللغة الفصحى وتهيئة بيئة الإنتاج المناسبة في (الديكور والملابس والاكسسوارات وأماكن العرض).
ومهما يكن فإن أعمالاً روائية في السينما ووسائل الإعلام، أحدثت أثراً في التعريف بالسيرة النبوية وبالتاريخ الإسلامي، وكلنا يذكر فيلم الرسالة والمسلسلات الدينية التي قدمت في المواسم الدينية ، عرّفت بشخصيات مثل قطز وبيبرس وصلاح الدين، وشخصيات الصحابة التي أثار إظهارها جدلاً عارماً مثل مسلسل “عمر بن الخطاب” في موسم رمضان 1433هـ.
وقد أطلع الباحث على ظروف إنتاج المسلسل التلفزيوني قمر بني هاشم من ثلاثين حلقة عن السيرة النبوية، الذي قدمته قناة (ساهور) بمشاركة أكثر من مائتي ممثل من عدد من الدول العربية .
وهناك مشكلات كثيرة إدارية ومالية وغيرها تحول دون إنتاج فني في هذا المجال، ولكننا نبرز في الآتي بعض المشكلات المنهجية التي تواجه خدمة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي عبر الأدب العربي ووسائل الإعلام في الآتي:
أولاً: ضعف التوثيق وتشويه التاريخ:
يشير العلامة يوسف القرضاوي في كتابه “تاريخنا المفترى عليه” إلى ما جنته كتب الأدب من تشويه التاريخ الإسلامي ، ويعرض أمثلة من الأغاليط والمبالغات التي حوتها كتب مثل الحيوان للجاحظ ، والكامل للمبرد ، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وغيرهم. ويلاحظ أن بعض هذه الموسوعات الأدبية ذهبت إلى جعل أسانيد للقصص المروية تشبه أسانيد الحديث النبوي شكلاً ، ولكنها حوت حكايات وغرائب لا يصدّقها العقل.
وقال القرضاوي إن أصحاب الكتب والموسوعات الأدبية لم يأخذوا مروياتهم عن ثقات معروفين بالعدالة والضبط ، ولم يراعوا شروط الحديث من حيث السند والمتن. وهذا ما فعله الكثير من الأخباريين ، وعذرهم أنهم لا يروون في الأحكام وأمور الحلال والحرام .
وقد لا يكون مطلوباً – كما يشير أكرم ضياء العمري – معاملة الروايات التاريخية والأدبية كالأحاديث النبوية من حيث اشتراط المستوى نفسه من الصحة وعدالة الرواة وضبطهم ، ولكن يصبح التزام المنهج مطلوباً في تحري الدقة مع السبر والمقارنة بين متون الروايات للوصول إلى ما هو أقرب إلى الواقع التاريخي بدل رفض المرويات جميعاً.
هذا المنهج المتكامل الذي قدّمه المحدّثون استفاد منه الباحثون في التاريخ، وحتى رواة الشعر شاع بينهم إلى وقت قريب أخذ الإذن عند رواية القصائد مشافهة أو كتابة.
وقد يلاحظ في الروايات التاريخية التي أخرجت للسينما أو التلفزيون ضعف التوثيق سمة ظاهرة، ومن ذلك رصد بعض الأخطاء التاريخية إن على مستوى الأحداث والوقائع، أو في الديكورات والملابس والاكسسورات التي يقصد منها إضفاء الجو التاريخي الملائم للفترة التي تدور فيها أحداث المسلسل. فترى شخصيات التمثيلية بملابس متشابهة مع اختلاف العصور عندما يتم تصويرهم بعمائم تأخذ في الغالب شكلاً واحداً ، كما أن ملابس النساء في العصور الإسلامية المختلفة تضج بالكثير من التزويق والزركشة والبهرجة.
ومما لوحظ أيضاً أن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قد يُعرض في النصوص الأدبية بنوع من التصوير التجريدي الذي يركز على فكرة النور المحمدي ، وعلى صفاته صلى الله عليه وسلم الخاصة بالجمال والبهاء والطلعة الندية وغير ذلك ، مما يجعل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد مثال نقف أمامه مبهورين بالإعجاب دون أن يؤدي ذلك إلى الاقتداء بسنته واتباع نهجه.
ولا شك أن امتزاج التاريخ بالأدب من شأنه أن يمنح الشخصيات التاريخية والأماكن بعداً معيناً قد يبتعد بها من الحقائق المجردة. ويقتضي ذلك ألا يعتمد المؤلف مزاجه الشخصي وأن يحافظ على جوهر المادة التاريخية زماناً ومكاناً وشخصيات حين يعيد صياغتها في العمل الأدبي والفني.

ثانياً: المحذورات الفقهية:
يمكن النظر إلى بعض المحذورات الفقهية سبباً في تحرج البعض من تناول السيرة النبوية، ومن ذلك ما يحصل من جدل حول تمثيل شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم والخلفاء الراشدين، وكذا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما تمثيل وتصوير ورسم شخصيات الأنبياء ، فلا اختلاف على حرمته باتفاق بين العلماء وصدرت بذلك الفتاوى المانعة. والواقع أنه يحصل بون واسع بين المقيس والمقيس عليه في حال تصوير الأنبياء، ومهما حاول المصوّرون أن ينقلوا الصفات المشهورة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثلا فلا بد أن يقع نقص من أوصافه الشريفة، ثم هناك تعدّد الصور باختلاف الشخصيات التي تؤدي شخصية نبي من الأنبياء ، ولا أدلّ على ذلك مما وقع عند تمثيل سيدنا يوسف وسيدنا المسيح عيسى عليهما السلام .
وهناك توجه الآن إلى قبول تمثيل شخصيات الصحابة، وكذلك شخصيات الخلفاء ويرى الدكتور علي الصلابي أن المسألة تبقى مسألة اجتهادية، وتحتاج أن يُنظر إليها في المصالح والمفاسد والضوابط، سواء الضابط التاريخي أو الضابط الشرعي، وأن هناك مجموعة من الفقهاء والعلماء أصبحوا يميلون بقوة بالإفتاء بدعم المسلسلات التاريخية وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله عز وجل، وقد جرى استثناء إظهار للرسول عليه الصلاة والسلام وأمهات المؤمنين، وأما الخلفاء الراشدون، فيمكن أن يخرجوا للمصالح الكبرى المترتبة على ذلك، خصوصاً حين يخضع النص إلى مراقبة شرعية ومراقبة تاريخية، ويشرف عليه أهل الاختصاص؛ لتقديم العقيدة وتقديم الفكر والحضارة والثقافة من خلال سير هؤلاء العظماء الذين تعتز بهم الأمة الإسلامية.

ثالثاً: ندرة النصوص الروائية:
حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الحقيقة الكبرى للإنسانية المستخلفة في الأرض، ولكي نستمد منها نوراً وطريقاً قويماً لا بد من تقديمها للعالم المتعطش لإدراك الحقائق الدينية والكونية. وأول خطوة في هذا السبيل إنتاج مادة قصصية وروائية تصلح للفئات العمرية المختلفة، وتجهيز “سيناريوهات” ملائمة لذلك.
ومع كثرة البرامج الإذاعية والتلفزيونية في موضوع السيرة النبوية ، فما تزال النصوص الجيدة قليلة وكذلك البرامج ذات النوعية والمواصفات التي ترتقي لمستوى الحياة النبوية التي تمثل الحقيقة الكبرى للإنسانية. وينبغي للأجيال في أعصرها المختلفة أن تستمد من هديه نورًا يضيء لها آفاق الحياة , ويشرح لها بقدر ما يطيق كل جيل من تحمل أمانة الله في استيعاب إشراق النبوة، وكما يقول الشيخ محمد الغزالي، فإن “من الظلم لفترة نابضة بالحياة والقوة أن تُعرض في أكفان الموتى” .
ومن هنا نرى أن صدور رواية جديدة في السيرة مما ينبغي الاحتفاء به، لا سيما إذا جاءت الرواية بمواصفات النص المطلوب من حيث منهج التوثيق والالتزام بالمعايير الفقهية من ناحية والمعايير الفنية من ناحية أخرى.

2. رواية ترجمان الملك: عرض تقديمي وتحليلي

صدرت رواية “ترجمان الملك” عن دار نهضة مصر في القاهرة. وجاء في تصدير المؤلف لروايته أنها “مرآة ساطعة، تعكس زمان وأحداث هجرة الصحابة إلى الحبشة، برواية أحد سكان مدينة سوبا، حاضرة مملكة عَلَوَة المسيحية آنذاك، وتجمع بين الحقيقة والخيال في قالب إبداعي، يضع هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية”.
وعلى غير المألوف يقدّم المؤلف لروايته بمقدمتين؛ إحداهما مقدمة المؤلف والأخرى مقدمة الراوي، ويقرر المؤلف في مقدمته أن البر الغربي للبحر الأحمر وضفاف النيل الأزرق كانت ملاذاً للعرب المسلمين المهاجرين من مكة إلى مملكة علوة المسيحية. ويرى المؤلف أن هذه الهجرة كانت بمثابة خطوة إستراتيجية عسكرية ناجحة لتأمين ظهر الدعوة الإسلامية وهي في مواجهة أعتى إمبراطوريتين في ذلك الوقت الروم والفرس، كما كانت أنجح سفارة في تاريخ الإسلام كله.
ظلت هذه الجبهة الغربية ساكنة إلى أن زحفت جيوش أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في اتجاهها، ولكن عثمان بن عفان الذي عرف هذه البلاد معرفة قريبة بحكم هجرته إليها مرتين، دخلها صلحاً لا فتحاً.
وأول ما يشدّ انتباه القارئ لرواية ترجمان الملك؛ أسلوبها الجزل ولغتها الرصينة التي تستعير ألفاظاً وأسماء من لغة هذه البلاد وبيئتها، تضفي جواً من الغموض الفني، فينتقل الخيال إلى الماضي ليعايش صوره وملامحه:
“أقف الآن جنوب سوبأ العاصمة في زماننا القديم متأهباً للإطلالة على زمانكم والشروق يزين بفرشاته أسوارها وأسواقها و… أملاً في مجيء نسيم (البطانة) الشرقية ليتأمل هذه اللوحة، قبل أن ينفث سحره فيها يرجو لها الخلود، والنيل يربض غربها مثل طفل برئ يختبئ من أقرانه في لعبة “دسّوسية” بدأوها عند العشيات ثم غلبهم النوم” .
وتقوم بنية الرواية على سرد متناغم يتوغل في أعماق الشخصيات، ليصف عالمها الداخلي ، وما يدور فيه من خواطر نفسية، أو حديث مع الذات، وهو ما يسميه النقاد بـ “السرد النفسي”…
في مقدمة الراوي: “أنا الشاب سيسي بن أبيلو بن دلمار الذي عاش حياة حافلة في زمانه، ثم مات وماتت معه قصته. لم يسمع به أحد في عصركم هذا … سوف أتولى رواية قصتي بنفسي في الصفحات التالية، لن أسمح أن يرويها أحد غيري”.
وربما يسأل القارئ؛ أهذه رواية تاريخية أم رواية للتاريخ؟ فوضع مقدمة المؤلف نهجٌ غير معتاد في كتابة الرواية. وتميّزت الرواية بدقة في حقائق الأحداث المرتبطة بالإنسان والزمان والمكان، وباستثناء بعض الملاحظات اليسيرة التي نذكرها في موضع لاحق، يلتزم الراوي بأصح الروايات التاريخية، وقد رجع المؤلف إلى نحو ثمان وأربعين من المراجع والمصادر التاريخية والحديثية المعتبرة.
إن كثيراً من كُتاب الروايات الأدبية التاريخية أهملوا الحقائق وبالغوا في الخيال إلى درجة الإخلال بالصدق وتشويه التاريخ، مع أن الرواية الأدبية التاريخية تتأسس على بنية من الوقائع والحوادث الحقيقية بمعنى وجود وشخوص حقيقية وجو وفضاء وأحداث. صحيح هناك مرونة في أسلوب الروائيين والإخباريين، فليس مطلوباً التقيد بضوابط أهل الحديث ولا بشروط المؤرخين، ومع ذلك لا يترك الأمر فوضى دون مقياس أو ضوابط، والحد الأدنى هو وجود بنية تاريخيّة تتأسس عليها الرواية .
خيال المؤلف امتداد لحقائق التاريخ والجغرافيا:
“يا ولدي هذه الأخشاب تأتي مع النيل الأخضر من الأعالي، من حيث أتى أجدادك الأقدمون، ومن مكان يقال له أكسوم بلد الملك العظيم “عزانا”…
تضمنت رواية ترجمان الملك فيما تضمنت، عرضاً لعلاقة عاطفية، ومع أنها ليست في بؤرة النص الروائي، وإنما هي مدفونة فيه، فإننا نتساءل: هل نحن بحاجة إلى قصة حب في كل عمل روائي؟ وفي كثير من الروايات التاريخية، يعمد الروائيون إلى اختراع هذه القصة إن لم يجدوها ، بحجة أن العمل الفني لا يستقيم بعده التشويقي إلا بها، وقد يذهبون أبعد من ذلك إلى الاستثارة الحسية والجنسية.
وما دام العمل الفني معنياً بالنظر في بواطن الإنسان وأسراره الكامنة، فلعل من الأرجح وجود هذا الجانب الوجداني من حب ومعاناة ونحوها، علماً بأن القصة القرآنية الأنموذج نفسها (قصة يوسف عليه السلام) لم تخل من هذه الجانب.
وإذا كانت السمة السائدة في كثير من الروايات الحديثة هي تعمّد تشويه الشخصية الإسلامية حتى صارت هناك شخصية نمطية للمتدين بشكل عام ، فإن شخصيات الرواية في رواية ترجمان الملك تظهر في طابع مشرق ، إذ تزخر الرواية بنماذج وأطياف إنسانية متنوعة في الإطار الإيجابي الذي يحبب الدين إلى نفس القارئ. وهناك معالجة لفكرة النقيض الأخلاقي بإيجاد شخصيات غير سوية تتجسد في الساحرة وبعض الوزراء الفاسدين والكهنة في بلاط النجاشي.
وأبرزت القصة أكبر قضية إنسانية استأثرت بالاهتمام في ذلك العصر ، ألا وهي تجارة الرقيق ، وعكست مدى المعاناة التي حاقت بقطاع عريض من البشر أوقعهم حظهم التعس في أيدي النخاسة.
هذا النجاشي (أصحمة بن الأبجر) يحكي طرفاً من معاناته عندما باعه تجار الرقيق ووضع في سفينة تتأهب للإبحار نحو جزيرة العرب: “أصعدني أحد الحراس وجعلني أتسلق السلم إلى سطح السفينة ثم نزل إلى القارب وعاد إلى الشاطئ. جاء من كان على سطح السفينة ينظرون ويتفحصونني. ثم أمرهم أحدهم أن ينزلوني إلى قاع السفينة ففتحوا باباً خشبياً وألقوا بي مثل كيس من القطن أو مثل زكيبة قمامة حين ترمى في سباطة النفايات فوقعت على وجهي وأغلقوا الباب.
المكان مظلم ورطب ، والدم يسيل من فمي الذي وقعت عليه ، وحركة السفينة صعوداً ونزولاً مع الأمواج أصابتني بدوار البحر فتقيأت كل ما كنت قد أكلته صباح ذلك اليوم. وجاءت الفئران وبدأت تأكل ذلك القيء ، الفئران لم تكن خائفة فقد تسلقت جسدي على الفور وبلا تردد. أصبحت وحيداً ضعيفاً خائفاً خائر القوى، يائساً واستسلمت لما سوف يفعلونه بي.

3. خبر النجاشي كما ورد في النص الروائي

تتوفر في السيرة النبوية مادة علمية صحيحة تكفي لتجسيد شخصية النجاشي، لذا لم يكن مؤلف الرواية بحاجة إلى إعمال خياله الإبداعي لتصوير هذه الشخصية ، وقد عرض هذه الشخصية عرضاً أميناً مثيراً للأحاسيس والعواطف الدينية.
ومع ما تقدم فإن الرواية تثير أسئلة تاريخية مهمة طالما كانت موضع مناقشة وجدل، وأول تلك الأسئلة ما تعلّق بالمكان الذي هاجر إليه الصحابة، فمنذ أن أطلق المرحوم عبد الله الطيب مقولته حول هجرة الصحابة وأنها كانت إلى أرض السودان الحالية وليست إلى أثيوبيا، ما تزال الفرضية بين متقبل لها ورافض.
تذهب رواية “ترجمان الملك” إلى أن منطقة سوبا هي المكان الذي عاش فيها النجاشي، وفيها استقبل المهاجرين، ولا نعلم يقيناً إن كان هذا صحيحاً ، فهناك أقوال أخرى تفترض تحديد أماكن أخرى ، فهذا مثلاً الأستاذ سليمان صالح ضرار يعيّن منطقة البجا وبالتحديد جزيرة أكسوم حيث كانت عاصمة مملكة بني عامر، وعمد آخر إلى تعيين أريتريا أو منطقة البجراوية ، وأيضاً نهر بركة.
قدمت ورقة الدكتور عبد الله الطيب أسباباً مقنعة تجعل هجرة الصحابة إلى ضفاف النيل الأزرق مقبولة لا إلى أثيوبيا. ويبدو أن كاتب رواية ترجمان الملك مال إلى اختيار سوبا مكاناً لهجرة الصحابة باعتبارها حقيقة تاريخية لا مرية فيها. غير أن الكاتب اجتهد جداً في التحقق من هذه الواقعة، ويكفيه أنه رجع إلى (148) مصدراً ومرجعاً، واطلع أيضاً على ما كتبه الدكتور حسن علي الشايقي من دراسة تقويمية لرأي البروفيسور حسن الفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة الكرام للحبشة.
ومهما يكن فإن هذا الإقليم كان ممتداً دون حدود ، عرفه العرب بالحبشة، وكان يضم شرق السودان. والعمل الروائي بطبيعة الحال يحاول أن يقدم ما هو جوهري ولكنه لا يستطيع أن يترك التفاصيل من أسماء شخصيات ووصف الأماكن ونحو ذلك.
أما النجاشي فهو اسم لكل ملك ولي إمارة أو مملكة في الحبشة ، واسم هذا النجاشي أصحمة بن الأبجر ومعناه عطية، ولكنّها لا تنقل التاريخ بحرفيته ، بقدر ما تصوّر رؤية الفنّان له وتوظيفه لهذه الرؤية للتعبير عن تجربة من تجاربه ،أوموقف من مجتمعه يتخذ من التاريخ ذريعة له وردت قصته في حديث أم سلمة وفي حديث عائشة. ثمة واقعة تاريخية تحتاج إلى وقفة وردت في رواية ترجمان الملك؛ وهي أن أصحمة بن الأبجر (الملك النجاشي) أعيد إلى علوة قبل أن يركب البحر عقب اختطافه وبيعه عبداً. وهنالك رواية غير مشهورة لكن اختيارها كان أقرب إلى “تكنيك” الرواية وتوظيف الحدث للحبكة القصصية. فقد أورد السهيلي في “الروض الأنف” أن النجاشي عاش في جزيرة العرب، ورعى الغنم في بدر لأحد رجال بني ضمرة من إحدى بطون كنانة. لقد ورد في شرح سيرة ابن هشام كيف أن النجاشي لما علم بانتصار المسلمين في غزوة بدر أرسل إلى من عنده من المهاجرين، فلما دخلوا عليه وجدوه قد لبس ملابس بالية جالساً على التراب والرماد، فعجبوا لذلك وسألوه فقال لهم: إنا نجد في الإنجيل أن الله إذا أحدث بعبده، وجب على العبد أن يحدث معه تواضعاً ، وأن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن النبي محمد بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك كنت أرعى فيه الغنم على سيدي وهو من بني ضمرة ، وأن الله قد هزم أعداءه فيه ونصر دينه.
وهذا الخبر له ما يؤيده فالإمام علي رضي الله عنه وجد عند أحد تجار مكة ابناً للنجاشي يعرف بأبي نيزر فاشتراه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه بالمسلمين في الحبشة.
ومعروف في السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار أن يبعث بكتابه إلى النجاشي الذي دعاه فيه إلى الإسلام مع رجل من بني ضمرة يسمى عمرو بن أمية الضمري لعلمه صلى الله عليه وسلم بصلة النجاشي ببني ضمرة. كل ذلك يدل على أن النجاشي عاش في بلاد العرب وتعلم اللغة العربية فيها، وهذا سر الخطاب المباشر من سيدنا جعفر بن أبي طالب للنجاشي ففهمه دون وسيط أو مترجم.

3. توظيف القصة الأدبية في خدمة السيرة النبوية

ثمة رباط وثيق بين الدين والفن. ينقل علي عزت بيجوفيتش عن هنري بيرجسون قوله: “إن الفن ابن الدين” ، ويقول بيجوفيتش: إذا أراد الفن أن يبقى حياً ، فعليه أن يستقي دائماً من المصدر الذي جاء منه . لقد بلغ فن المعمار في جميع الثقافات أعظم إلهاماته في بناء المعابد ، وينطبق هذا على المساجد في أنحاء العالم الإسلامي، كما أن الأعمال الفنية الكبرى في عصر التنوير الأوروبي اقتصرت على الموضوعات الدينية.
نعني بتوظيف الأدب في خدمة السيرة النبوية ، أن نجعل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم جزءاً أصيلاً من ثقافة الأمة ، ونرسخ الهدي النبوي والسنة القويمة في الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية للجمهور‏.‏
إن الفن بمعنى إبداع الجمال تتجلى دلالته الواضحة في الإعجاز البياني للقرآن الكريم ، فالله تعالى قصّ في القرآن أحسن القصص، بكلام معجز فصيح ، وبأسلوب بديع. فعلينا أن نحاول جهد طاقتنا الاهتداء بالقرآن والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، حتى يكون البلاغ عن هذا الدين بأقوى الأساليب وبأروع أشكال الأدب والفن الجميل.
تصلح أحداث السيرة النبوية أن تكون مادة قصصية فنية، بسياقات مستقلة؛ لكل قصة بِنيتها من حيث الحبكة والإيقاع وذروة الحدث والنهاية، ونستطيع أن ننتج مئات الكتب القصصية وأمثالها من الروايات والأفلام والتمثيليات. وليس الهدف منها أن نجعل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مسلاة أو إحالتها إلى أغانٍ وتواشيح وقصائد للطرب.
عندما كتب الشيخ محمد الغزالي كتابه فقه السيرة أراد أن يُنبه إلى تلك القراءة المبتسرة للسيرة التي قدّمت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه عظيم من العظماء أو مصلح من المصلحين. وهي القراءة التي عنيت بإبراز العبقرية والامتياز الذاتي دون أن تلتفت لخصوصيتها ممثلة في خبر السماء. وبذلك وقع في أوهام البعض أن سنته تناسب عصره , وأن ما تحفل به السيرة من قيم ومواقف وقواعد للسلوك العملي لا ينفك عن الإطار الزمني الذي جرت فيه.
ودعا الغزالي إلى قراءة صحيحة بالنظر إلى وقائع السيرة من حيث هي التشكل التاريخي و الواقعي لعقيدة الإسلام قرآناً وسنة ورصيدًا تشريعيًا , والبعد عن اجتزاء و انتقاء أحداث بعينها ومقاربتها من زاوية فكرية أو فلسفية تشوه ملابسات الحدث , و تثير في النفوس دواعي الشك و الاضطراب .
يقول الشيخ الغزالي في مقدمة كتابه فقه السيرة: “قصدت أن تكون السيرة شيئاً ينمي الإيمان ، ويزكي الخلق ، ويلهب الكفاح ، ويغري باعتناق الحق والوفاء له” . وقد عاب الغزالي على البعض أن جعلوا السيرة غناءً وطرباً قائلاً لهم: إذا أراد أحد أن يغني أو يستمع إلى غناء فليفعل ، أما تحويل الإسلام نفسه إلى غناء ، فيصبح القرآن ألحاناً عذبة ، وتصبح السيرة قصائد وتواشيح ، فهذا ما لا مساغ له وما لا يقبله إلا الغافلون. وقد تم هذا التحوّل على حساب الإسلام ، فانسحب الدين من ميدان السلوك والتوجيه إلى ميدان اللهو واللعب، وحقّ فيمن فعلوا ذلك قول الله عز وجل: “وذكر به الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا”.
من واجب الإعلام الديني أن يكون متوازناً في منهجه بحيث لا يطغى الانحياز للغيبيات والخوارق التي لا يقوم عليها دليل , وصوغ أحداث السيرة ضمن إطار يستحضر ما هو غيبي دون أن يهمل عالم الشهادة. وأن يستفاد من المرويات التي تتضمن القيم الإنسانية والتربوية والمناقب والفضائل المشهورة المتواترة والتي تغني عن الروايات المنكرة والضعيفة .
إن صيغ الوعظ والإرشاد رغم أهميتها ، تصلح لمقام معين ولكل مقام مقال ، ويتعين عرض صيغ أخرى في التوجيه تنسجم مع مستجدات العصر في التلقي. وهذا ما يُلقي على عاتق الإعلام الإسلامي مسؤولية كبيرة في تبني طرح عصري ومتجدد للسيرة النبوية، قوامه تقديم المثال العملي من سنة النبي وهديه .
هذا فيما يتعلق بالمنهج والأهداف ، أما ما يتعلق بالوسائل ، فمن الضروري العناية بالتمويل اللازم للإنتاج الأدبي والفني . إن إنتاج فيلم أو مسلسل مؤثر يحتاج إلى الملايين من الدولارات ، وما يزال مجتمعنا ينشط فقط في وجوه البر المعروفة مثل بناء المساجد وكفالة اليتامى ووقف المال لتحفيظ القرآن ونحوه ، في حين أن تمويل وسائل الدعوة والإعلام والتعريف بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تقل أهمية. وعلى كل فإن تمويل العمل الإعلامي الحقيقي لن يتأتى بانتظار رؤوس الأموال التي يقدمها التجار والمستثمرون في شكل صدقات أو زكوات لأعمالهم ، وإنما بنشأة شركات أعمال في صناعة الإعلام وسوف تجد لنفسها الدافع إلى ولوج عالم التجارة والاستثمار. وقد اتضح عند دخول بعض رؤوس الأعمال الصغيرة عالم الاستثمار التجاري أنها حققت مكاسب وكان نجاحها منطلقاً لإنشاء العديد من الأعمال الإعلامية الناجحة ، وبذا انفتحت مؤشرات مشجعة للإقدام على خطوة الإنتاج الإعلامي ، مما أثبت أن المؤسسات الإعلامية تحقق عوائد ربحية لا يستهان بها.
وإذا كان من توصية نختم بها هذه الورقة ، فهي أن تتبنى مؤسسة إعلامية تحويل رواية “ترجمان الملك” إلى عمل روائي سينمائي ، فالرواية نواة جيّدة لإنتاج فني خلاّب. ونقترح عند كتابة “سيناريو” الفيلم استدراك المعلومة التاريخية المهمة أن النجاشي رعى الغنم في بدر وأقام في الجزيرة العربية.

الحواشي:

———————————————————————————————————————————-

[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][i] أنتج المسلسل بتمويل سوداني، التأليف محمود عبد الكريم، سيناريو الدكتور محمد مصطفى محمد صالح. مقابلة مع الأستاذ عبد الله محمد طاهر مدير قناة (ساهور) الفضائية.

[ii] انظر ص 255، ط 5، والكتاب نشرته دار الشروق في القاهرة.

[iii] مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الأخباريين، ahlalhadeeth.com

[iv] انظر فتوى في حرمة تصوير الأنبياء للدكتور أمجد رشيد، ص 23، دار الفتح، الأردن.

[v] مقابلة صحفية مع الدكتور علي الصلابي بمناسبة عرض مسلسل القعقاع بن عمرو انظر islamtoday.com

[vi] انظر مقدمة فقه السيرة، ص 3، طبعة دار القلم بدمشق، 1416هـ.

[vii] مؤلف الرواية عمر فضل الله ، ولد ونشأ بضاحية العيلفون، درس بالسودان والسعودية وحاصل على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس بالولايات المتحدة، عمل في عدد من المراكز العلمية والبحثية بالسودان مثل مركز الدراسات الإستراتيجية والمركز القومي للمعلومات والمكتبة الوطنية وغيرها قبل أن ينتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعمل مديراً لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الإلكترونية. له إسهامات متنوعة في العديد من مجالات المعرفة والأدب والفكر والدعوة، وهو شاعر وأديب، له ديوانا شعر: (زَمَانُ النَّدَى والنَّوَّار) و(زَمَانُ النَّوَى والنُّوَاح)، ورواية “تُرْجُمَانُ المَلِكِ”.

[viii] انظر ص 13 وما بعدها، في رواية ترجمان الملك.

[ix] مرجع سابق ، استقصى الدكتور أكرم ضياء العمري هذا الفرق في كتابه: مرويات السيرة بين قواعد المحدّثين وروايات الإخباريين.

[x] انظر د. كمال سعد خليفة، الشخصية الإسلامية في الرواية المصرية الحديثة، مكتبة العبيكان، 1428هـ.

[xi] يذكر الباحث تلك الأمسية جيداً عام 1402 هـ – 1982م ، وذلك في مقر كلية الآداب بجامعة الرياض عندما قدّم البروفيسور عبد الله الطيب ورقته إلى الندوة العالمية الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية بعنوان: هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ. ومع أن البروفيسور الطيب جزم بأن الهجرة كانت إلى أرض السودان، فإنه ذهب في حديث تلفزيوني إلى أن تعيين المكان في أرض السودان تخمين لا يعوّل عليه.

[xii] يكتبها المؤلف (سوبأ) ، فهي من سبأ اليمنية، ونسبتها إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، والعرب تخففوا من الهمز في سبأ، وقالوا : سبا لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا الهمز، وعلى ذلك كان اسم سوبا الحالية في السودان، والله تعالى أعلم.

[xiii] الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق وتعليق وشرح عبد الرحمن الوكيل، انظر ص 222 وما بعده، دار الكتب الحديثة.

[xiv] انظر الإسلام بين الشرق والغرب، ص 148، ط2، 1979م، ألمانيا.

[xv] فقه السيرة، مرجع سابق، ص 5.

[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

رواية ترجمان الملك والعهدة على عمر فضل الله


osmanسألت أحد أصدقائي في الخرطوم من المواكبين لحركة النشر والثقافة: هل سمعت بصدور رواية ترجمان الملك لعمر فضل الله؟ فأجابني: “لم أسمع عن عمر فضل الله منذ (طريفته) التي أطلقها في مؤتمر الإستراتيجية القومية الشاملة هنا بشأن الاستعانة بالجان، وإن سمعت بارتفاع شأنه في دنيا الحاسوب والمعلوماتية، ولم أكن قد قرأت له شيئا البتة ، ولكنى أظنه نجيبا أريبا ، نفع الله به” . و أردف صديقي قائلاً: “الأديب (الحيلتنا) الطيب صالح لم يسمع به أحد حتى كتب عنه المرحوم رجاء النقاش ورفع ذكره في الآفاق! ” صدرت الرواية  في القاهرة. وجاء في تصدير المؤلف لروايته أنها “مرآة ساطعة، تعكس زمان وأحداث هجرة الصحابة إلى الحبشة، برواية أحد سكان مدينة سوبا، حاضرة مملكة عَلَوَة المسيحية آنذاك، وتجمع بين الحقيقة والخيال في قالب إبداعي، يضع هذه الرواية في مصاف الروايات العالمية”. وأول ما يلفت القارئ لرواية ترجمان الملك؛ أسلوبها الجزل ولغتها الرصينة التي تستعير ألفاظاً وأسماء تضفي جواً من الغموض الفني، فينتقل الخيال إلى الماضي ليعايش صوره وملامحه. “أقف الآن جنوب سوبأ العاصمة في زماننا القديم متأهباً للإطلالة على زمانكم والشروق يزين بفرشاته أسوارها وأسواقها و… أملاً في مجيء نسيم (البطانة) الشرقية ليتأمل هذه اللوحة، قبل أن ينفث سحره فيها يرجو لها الخلود، والنيل يربض غربها مثل طفل برئ يختبئ من أقرانه في لعبة “دسّوسية” بدأوها عند العشيات ثم غلبهم النوم”. وربما يحار القارئ؛ أهذه رواية تاريخية أم رواية للتاريخ، فالمؤلف يضع مقدمة للرواية على غير عادة الروائيين، ويحاول أن يعتني بالدقة في حقائق الأحداث المرتبطة بالإنسان والزمان والمكان، وكان حسبه أن الإخباريين والشعراء جاز لهم ما لا يجوز لغيرهم بأن يتصرفوا في مروياتهم دون تقيد بضوابط أهل الحديث ولا بشروط المؤرخين. قال إبراهيم بن الجنيد: “سألت يحيى بن معين عن محمد بن مناذر الشاعر فقال: “لم يكن بثقة ولا مأمون، رجل سوء نُفي من البصرة، وذكر منه مجوناً وغير ذلك، قلت: إنما يكتب عنه شعر وحكايات عن الخليل ابن أحمد الفراهيدي، فقال: هذا نعم”. فما كان شعراً وأدباً فليس به من بأس. إن مؤلفي الروايات التاريخية قد ذهبوا بعيداً في الخيال بحجة أنهم يباشرون عملاً فنياً يتخذ من التاريخ مادة له، ولكنّه لا ينقل التاريخ بحرفيته. ومع ما تقدم فإن الرواية تثير أسئلة تاريخية مهمة طالما كانت موضع مناقشة وجدل، منذ أن أطلق المرحوم عبد الله الطيب مقولته حول هجرة الصحابة وأنها كانت إلى أرض السودان الحالية وليست إلى أثيوبيا، وما تزال الفرضية بين متقبل لها ورافض. أذكر تلك الأمسية جيداً عام 1402 هـ – 1982م عندما ملأنا البروفيسور عبد الله الطيب شعوراً بالزهو والخيلاء، وذلك في مقر كلية الآداب بجامعة الرياض مقدّماً ورقته إلى الندوة العالمية الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية بعنوان: هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ. قدمت الورقة أسباباً مقنعة تجعل هجرة الصحابة إلى ضفاف النيل الأزرق مقبولة لا إلى أثيوبيا. ويحق لكاتب رواية ترجمان الملك بشروط الأدباء ألا يناقش الأمر بل يتعامل معه وكأنه حقيقة تاريخية لا مرية فيها. غير أن الكاتب اجتهد جداً في التحقق من هذه الواقعة، يكفيه أنه رجع إلى 148 مصدراً ومرجعاً، واطلع أيضاً على ما كتبه حسن علي الشايقي من دراسة تقويمية لرأي البروفيسور حسن الفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة الكرام للحبشة. ومن الوقائع التاريخية التي تحتاج إلى وقفة؛ اختيار الكاتب واقعة أن أصحمة بن الأبجر (الملك النجاشي) أعيد إلى علوة قبل أن يركب البحر عقب اختطافه وبيعه عبداً. وهنالك رواية غير مشهورة لكن اختيارها كان أقرب إلى “تكنيك” الرواية وتوظيف الحدث للحبكة القصصية. فقد أورد السهيلي في “الروض الأنف” أن النجاشي عاش في جزيرة العرب، ورعى الغنم في بدر لأحد رجال بني ضمرة من إحدى بطون كنانة. جاء في شرح سيرة ابن هشام كيف أن النجاشي ملك الحبشة لما علم بانتصار المسلمين في غزوة بدر أرسل إلى من عنده من المهاجرين ، فلما دخلوا عليه وجدوه قد لبس ملابس بالية جالساً على التراب والرماد، فعجبوا لذلك وسألوه فقال لهم: إنا نجد في الإنجيل أن الله إذا أحدث بعبده، وجب على العبد أن يحدث معه تواضعاً ، وأن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أن النبي محمد بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الأراك كنت أرعى فيه الغنم على سيدي وهو من بني ضمرة ، وأن الله قد هزم أعداءه فيه ونصر دينه. وهذا الخبر له ما يؤيده فالإمام علي رضي الله عنه وجد عند أحد تجار مكة ابناً للنجاشي يعرف بأبي نيزر فاشتراه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه بالمسلمين في الحبشة. كما لا يستبعد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار أن يبعث بكتابه إلى النجاشي الذي دعاه فيه إلى الإسلام مع رجل من بني ضمرة يسمى عمرو بن أمية الضمري لعلمه صلى الله عليه وسلم بصلة النجاشي ببني ضمرة. كل ذلك يدل على أن النجاشي عاش في بلاد العرب وتعلم اللغة العربية. وإذا ما رجعنا إلى أسلوب النص الروائي ولغته، فلا يخلو من بعض الملاحظات اليسيرة، ومنها بدء الكاتب بتشكيل النص في أوله، ثم عدوله عن ذلك، وخيراً ما فعل، فإن إلحاق علامات الشكل بالكامل يحيل النص وكأنه كتاب مطالعة، هذا زيادة على بعض الأغلاط الطباعية اليسيرة، نتمنى على الكاتب أن يستدركها في الطبعة الثانية. وكنت كتبت إلى الدكتور عمر: وددت لو أنك لم تصرف عثمان (ص 86) فعثمان ممنوع من الصرف، ولكنه ينصرف إذا كان نكرة! كما كان يردد شيخنا ود العبيد معرضاً بالعثامين من تلاميذه. وجاء جواب المؤلف قاطعاً حين رد بقوله: النص يذكره بالتنكير فعلاً لأن عثمان الثالث نكرة حيث لا يوجد عثمان ثالث !! فالعثمانان معرفة إلا الثالث النكرة!! بوركت يا دكتور. وبعد، فهذه وقفة عجلى مع رواية “ترجمان الملك” لمؤلفه الدكتور عمر أحمد فضل الله، إذ لا يسمح المقام بأكثر منها، وقد تسنح فرصة أخرى لدراسة معمقة، والله ولي التوفيق والإعانة. د. عثمان أبوزيد Associate Professor رئيس مجلس الصحافة سابقاً في جمهورية السودان

تعليقات القراء حول رواية “ترجمان الملك” (2)


منقول من منتديات العيلفون جنة عدن:

انقر على العناوين أدناه لمطالعة التفاصيل

[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’يحيى الشيخ ادريس الحبر’ close = ‘closeAll’]

كتب يحيى الشيخ ادريس الحبر:

بداية لا أود أن أكرر ما قاله المتداخلين حول مقدمة هذه الراوية والإشادات المختلفة التي توالت على مؤلف الرواية الدكتور عمر أحمد فضل الله (ود الفحل)فمهما أشدنا لم نوف الكاتب حقه على الجهد الذي بذله في الحصول على كل هذه المعلومات التي كانت غائبة على كثير منا إن لم تكن علينا جميعاً حيث كنا نعتقد أن هجرت الصحابة عليهم رضوان الله كانت إلى الحبشة التي نعرفها جميعاً ولم تكن إلى السودان وخاصة من منطقة سوبا التي تجاور مسقط رأس المؤلف فمن البداهة أن تكون تلك الهجرة إلى السودان لأنها إن كانت إلى الحبشة ستكون عن طريق باب المندب ولا سبيل غيره ولم يدر بخلدي ولا بخلد أحد منكم أن الصحابة كانوا قريبين من العيلفون صاحبة هذا المنتدى الرائع فمن يصدق أن سيدنا عثمان بن عفان ورفاقه رضوان الله عليهم قد سكنوا جوارنا. الرواية كتبت بلغة تقارب تماماً أسلوب الكاتب العالمي الطيب صالح من حيث السرد وتتابع الفصول ذلك الأسلوب الذي يشد القارئ ويجذبه جذباً حتى ينتهي من فصولها حيث كان الطيب صالح يختار أبطال روايته بعناية فائقة على الرغم من الفارق الكبير بين أبطال الروايتين حيث أننا لم نتأكد من حقيقة أن أبطال رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال هم أبطال حقيقين بعكس رواية ترجمان الملك فمثلاً يتحدث الطيب صالح عن بنت مجدوب وشرحها لعلاقاتها مع أزواجها وهم كثر بأدق التفاصيل وكذا علاقة بطل الرواية مصطفى سعيد وعلاقاته مع صاحباته في الغرب حيث أن علاقات بنت مجذوب مع أزواجها كانت على سنة الله ورسوله أما علاقات بطل رواية موسم الهجرة كانت في غالبها عكس ذلك. الرواية تتحدث على ملوك مملكة علوة على أنهم أقرب للإسلام منهم إلى المسيحية مما يدلل على أن الإسلام هو آخر الديانات وأن نبينا محمد على أفضل السلام هو آخر الرسل. لمست أن مملكة علوة هي التي أتت لنا بالعادات والتقاليد المتوارثة بيننا منذ ذلك الزمان إلى وقتنا الحاضر مثل اسلوب المأكل مثل الكسرة وطريقة عملها وأدواتها والملبس وعادات الزواج مثل الغناء ورقص النساء والرجال تماماً كما يحدث عند الجعليين وغيرهم وتحضير العطور مثل الدلكة والدخان بالنسبة للنساء فهل ياترى فعلاً تلك الأشياء تعلمناها من مملكة علوة. ما من شك أن تلك كانت ولا زالت تتميز بالأسلوب الزراعي العلمي فمنطقة العيلفون وشرق النيل عموماً هم أفضل من يزرع ويحصد فهل ياترى تعلم أجدادنا ذلك من مملكة علوة؟. لا يزال الغرب يعتقد أن السودان كان مسيحياً وما يحاك ضدة الآن هو محاولة جادة إلى إعادتة إلى مسيحيتة وما الحروب التي تفتعل الآن إلا دليل واضح على ذلك كما لمست أن الماسونية العالمية (البناءون) وطبعاً على رأسهم اليهود يحاولون بشتى الطرق على نشرها فهنالك قادة سياسيون يحسبهم البعض ذوي نزعة إسلامية وهم من قادة الماسونية بعلمهم أو بدون علمهم. ولي عودة.

عودة إلى رواية ترجمان الملك فاننا نجد من خلال الرواية لم يستطيع الكاتب في جميع حوراته أن يثبت بالديل القاطع من أن هجرات المسلمين قد وصلت إلى السودان وبالأخص أن مملكة علوة هي مملكة النجاشي ولم تكن مملكتهم في الحبشة المعروفة لدى الجميع على الرغم من أن الدكتور عبد الله الطيب قد ذكر أن هذه الهجرات قد تمت عن طريق ينبع إلى السودان وليس عن طريق باب المندب حيث ان المسافة إلى مملكة علوة تعتبر بعيدة مقارنة بالمسافة عن طريق باب المندب كما أكد أن بلال الحبشي كان سوداني الأصل (دنقلاوي) وليس حبشياً علماً بأنه كان ينسب إلى الحبشة في جميع الروايات فما رأي الكاتب في ذلك ؟ ولنا عودة.

 

تحدثت أستاذنا الجليل عن التابوت وأنه موجود بكنيسة ماريا بآثار ممكلة علوة أن تم نقله إلى مكان آخر وهل من مراجع يمكن الرجوع إليها حول تلك الرواية.

 

[/fusion_toggle]
[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’د. عمر فضل الله’ close = ‘closeAll’]
رد: د. عمر فضل الله:

أشكرك أخي الحبيب يحيى على الجهد المبذول لقراءة الرواية ولمحاولة إثارة الحوار البناء حولها وسوف أجتهد باختصار لتوضيح بعض النقاط التي أثرتها في مشاركاتك السابقة. 1. بدءاً لا بد أن أقرر أن ترجمان الملك هي أولاً وأخيراً (رواية) تعتمد الأسلوب القصصي وليست كتاباً تاريخياً ولا بحثاً علمياً، ولا تحاول اثبات أي نظرية من النظريات التاريخية أو تتبنى وجهة نظر معينة. ولكنها بالرغم مما ذكرت اشتملت على حقائق تاريخية كثيرة ومزجت الحقيقة بالخيال. 2. الرواية اعتمدت منطقة سوبا مسرحاً لها لأننا من نفس المنطقة فمنطقة سوبا والعيلفون كانتا في القديم شيئاً واحداً، وأظن أنه من المنطقي والمنصف أنني لو كتبت رواية تتخذ الأرض مسرحاً أن أبدأ بمنطقتي ومسقط رأسي وإلا أكون مجحفاً في حقها. 3. اخترت هذه الحقبة لأحداث الرواية لأنها لا تزال الأقل حظاً من حيث المعلومات العامة عنها فقد بخست حقها وظلمت ظلماً مبيناً فرأيت أن أوثق لها ولو برواية بدلاً من البحث التاريخي الذي لن يقرأه الشباب والنشء ويقيني بأنهم سوف يقرأون الرواية لأنها ستكون خفيفة الظل وجاذبة. ولهذا فقد مزجت بين الحقيقة والخيال. 4. التقاء تاريخ علوة المسيحية مع تاريخ هجرة المسلمين جعل تلك الحقبة التاريخية ثرية بالأحداث الضخمة وحفزني للكتابة لأنها ستكون موضع اهتمام المسلمين والمسيحيين على السواء. ورغم أنها كانت فترة تاريخية فقد حرصت أن أروي قصص وحكايات عنها وليس توثيقاً تاريخياً. 5. إدارة الحوار المسيحي المسيحي تجيب على كثير من التساؤلات عن معتقدات الكنيسة والملوك ولماذا أسلم النجاشي ولماذا كانت وجهة المهاجرين الأوائل هي إلى سوبا أصلاً ولم تكن إلى دولة المقرة أو نوباتيا أو أكسوم وهي جميعها ممالك مسيحية؟ 6. الرواية قصدت أن تثير بعض التساؤلات حول العنج العمالقة واختلاطهم بالنوبة والوجود العربي القديم في المنطقة ووجود اليهود في المنطقة وأثرهم والطقوس والممارسات القديمة في منطقة حوض النيل منذ أيام موسى عليه السلام مثل السحر والسحرة وآثارهم. 7. كنت حريصاً جداً ألا أكتب عن أي موضوع أو أثير معلومة إلا بعد الرجوع للمراجع التي توفرت عندي، رغم أنني أكتب رواية ولكنني في الوقت نفسه كنت حريصاً ألا أكتب شيئاً ليس له أصل أو لم يكتب عنه من قبل، إلا أنني رغم هذا لم أقم بتضمين هذه المراجع ضمن صفحات الرواية لأنني لو فعلت لذهب رونق الرواية ولتحولت إلى مسخ شائه منفر للنشء والشباب. ولهذا فمن أراد بحثاً توثيقيا أو تاريخياً فمحله في مؤلفات أخرى وليس في رواية ترجمان الملك. 8. وأخيراً أخي يحيى فقد اخترت لك بعض المراجع الملخصة والمختصرة من جملة المراجع التي حشدتها قبل أن أكتب رواية ترجمان الملك ولعل أهمها هو ما يلي من المراجع والبحوث والأوراق العلمية: —————————————————-

بروفيسور حسن الفاتح ، السودان دار الهجرتين الأولى والثانية للحبشة 2. حسن علي الشايقي: دراسة تقويمية لرأي البروفيسير حسن الفاتح قريب الله حول هجرة الصحابة الكرام للحبشة. 3. عرب فقيهخ ، تحفة الزمان أو فتوح الحبشة ص 320 – 321 ، المكتبة الإسلامية جيبوتي 4. الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب: الندوة العالمية الثالثة لدراسات تاريخ الجزيرة العربية ، في مصر عصر الرسول والخلفاء الراشدين ، قسم التاريخ وقسم الآثار – كلية الآداب –جامعة الرياض 1402 هـ – 1982م – هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ. 5. نص ابن سليم الأسواني عن بلاد النوبة والبجة نقلاً عن كتاب الخطط للمقريزى ” المسماه بالمواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار يختص ذلك بأخبار أقليم مصر والنيل وذكر القاهرة وما يتعلق بها (تأليف ) سيدنا الشيخ الإمام علامة الأنام تقى الدين أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزى رحمه الله ونفع بعلومه آمين – مكتبة الآداب 42 ميدان الأوبرا القاهرة – رقم الإيداع 8204 / 1996م 6. د. أحمد محمدعلي حاكم : الأبحاث الأثرية وما تلقيه من أضواء علي علاقة الجزيرة العربية بالسودان في زمن الخلفاء الراشدين : نشرت بمجلة دراسات افريقية ـ جامعة إفريقيا ـ مركز الدراسات الإفريقية 7. القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد 8. عبد الرحمن الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار. 9. المقريزي ، تقي الدين حمد بن علي ، المواعظ والأعتبار بذكر الخطط والآثار ، بولاق1922م.. 10. عبدالله بن أحمد بن سليم الأسواني: أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل. 11. مصطفي محمد سعيد ، الإسلام والنوبة في العصور الوسطي – القاهرة 1960 صفحة 112 – 115. 12. منشورات مجلة البيان العدد الثاني عشر 1401 هـ :المجلس الأعلي للشئون الدينية والأوقاف:( المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية ) مابين 22- 26 جماعي الأول 1401هجرية ( مارس 1981 ) للأحتفال بمقدم القرن الخامس عشر الهجري). 13. مجلة الخرطوم: منشورات حول دولة علوة: تقارير الفرق من مندوبين من المجلس الاعلي للشئون الدينية والأوقاف والمجلس القومي للآداب والفنون ومصلحة الآثار السودانية واشترك فيه الأساتذة التجاني عمر بشير وعوض الله الداروتي وخضر آدم عيسي وعبدالله الشيخ البشير ، مجلة الخرطوم . 14. الطبري ، محمد بن جرير تاريخ الأمم والملوك باريس 1871 الجزء الخامس 15. ابن جبير ، ابوالحسن محمد بن حمد الكناني تذكرة بالاخبار عن اتفاقات الأسفار ، بيروت 1967م – صفحة 47. 16. ابن الأثير علي بن حمد ابن ابي الكرم : الكامل في التاريخ مطبعة الطباعة المنيرية بمصر 1348هجرية الجزء الثاني 17. ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبوعبدالله. معجم البلدان ، القاهرة 1906 الجزء الخامس 18. أحمد الحفني القنائي: الجواهر الحسان في تاريخ الحبشان. 19. د. المعتصم أحمد علي الأمين : الديانة النصرانية في إثيوبيا.- مركز البحوث والدراسات الإفريقية ، جامعة إفريقيا العالمية. 20. طه حسين ، علي هامش السيرة ، ط 24 ، الجزء الأول ، دار المعارف ، مصر 1974م 21. ريتشارد هول ، امبراطوريات الرياح الموسمية ، ترجمة كامل يوسف حسين ، ط أولي ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ، أبوظبي 1999م 22. رجب محمد عبدالحليم ، العلاقات بين مسلمي الزيلع ونصاري الحبشة في العصور الوسطي، دار النهضة العربية ، القاهرة 1985م 23. د. عمرو عبدالسميع ، الاقباط والرقم الصعب ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2001م 24. رجب محمد عبدالحليم ، العلاقات بين مسملي الزيلع ونصاري الحبشة في العصور الوسطي 25. زاهر رياض ، تاريخ اثيوبيا ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة 1966، 26. د. جعفر محمد علي بخيت ، الإدارة البريطانية ، والحركة الوطنية في السودان 1919- 1939م. ترجمة هنري رياض ، المطبوعات العربية للتأليف والترجمة ، الخرطوم 1987م ، ص 5. 27. قائد محمد العنسي ، الصراعات السياسية والعسكرية في القرن الإفريقي وأثرها علي اليمن ، مكتبة الشريف الأكاديمية ، ط أولي 2000م ، الخرطوم ، 28. د. ربيع محــمد القمر الحاج: الباحث في الدراسات الإفريقية بالرياض: ندوة التداخل والتواصل بجامعة إفريقيا العالمية: الهجرات البشرية وأثرها في تشكيل السلوك الاجتماعي في إفريقيا: منطقة النوبة وحوض النيل نموذجا. 29. ابن سيد الناس : السيرة النبوية ، ج 1 ، بيروت ،مؤسسة عزالدين للطباعة والنشر ، 1406هـ : 1986 30. مصطفي مسعد : الإسلام والنوبة ، القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية 1966 م 31. محمد عوض : السودان الشمالي سكانه وقبائله ، القاهرة ، 1951 32. أحمد فخري : دراسات في تاريخ الشرق القديم ، ط 2 القاهرة ، مكتبة الأنجلو المصرية 1963 33. ياقوت الحموي : ج 2 ، معجم البلدان ، ج 2(طهران : مكتبة الأسدي 1965، 34. خليفات عوض محمد : مملكة ربيعة العربية ، عمان ، 1983 م 35. الشاطر بصيلي : معالم تاريخ سودان وادي النيل ، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1069م ، 36. المقريزي : المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، ج 1 القاهرة المطبعة الأميرية 1970 هـ ، ص 195 37. عبدالملك بن هشام : السيرة النبوية ، ج 1 ص 205 ، تحقيق مصطفى عبدالستار( وآخرون ) مطبعة الحلبي ، مصر 1355 هـ – 1936م 38. علي بن الحسين المسعودي التنبيه والإشراف ، ليدن 1976م 39. عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري : المعارف ، تحقيق د. ثروت عكاشة ، دار المعارف ، القاهرة 1388هـ دار العلم للطباعة والنشر جدة 1403هـ ، 40. الصادق المهدي : مستقبل الإسلام في السودان ، 41. يوسف فضل حسن : الهجرات البشرية وأثرها في نشر الإسلام ، بحث منشور ضمن إصدار بعنوان( الإسلام في السودان عن جماعة الفكر والثقافة الإسلامية ، دار الأصالة ، الخرطوم ، 42. د. ربيع محمد القمر : قراءة جديدة في نصوص معاهدة البقط ، الدارة العدد ( الثاني ) الرياض ، السنة الحادية والعشرون- محرم / صفر / ربيع الأخر 1416هـ ، 43. عبدالمجيد عابدين : القبائل العربية في وادي النيل، بحث في ذيل كتاب البيان والإعراب للمقريزي القاهرة 1961م ، 44. جعفر أحمد صديق : انتشار الإسلام في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة ، قسم الدراسات العليا الحضارية ، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية ، جامعة أم القري 1408هـ 45. عباس عمار : وحدة وادي النيل ، أسسها الجغرافية ومظاهرها في التاريخ 46. المقريزي: السلوك ج1 ، تحقيق محمد مصطفي ، مطبعة لجنة التأليف والنشر – القاهرة 1941 م 47. محمد بن عمر التونسي : تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان ، تحقيق خليل عساكر ومصطفي مسعد القاهرة ، الدار المصرية للتاليف ، والترجمة 1965 م 48. أبوعبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي : سنن النسائي ج 6 ، مكتبة مصطفي الحلبي ، 1984 ، 49. ابن ماجة : سنن ابن ماجة ، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ، مطبعة مصطفي الحلبي ، مصر ( 50. الكندي : الولاة والقضاة ، دار صادر ، بيروت 1379هـ / 1959م 51. المسعودي1976 : التنبيه والإشراف ، 52. الذهبي: تاريخ الذهبي 53. ابن إياس : بدائع الزهور محمد بن أحمد ) ت 1930 هـ القاهرة 1896 م 54. عوض خليفات : العرب والنوبة في صدر الإسلام ، بحث بمجلة دراسات تاريخية ، جامعة دمشق ، رجب 1402 هـ / 1982 م ، 55. المقريزي : البيان والإعراب عمن بأرض مصر من الأعراب، تحقيق عبدالمجيد عابدين ، القاهرة ، 1961 م 56. المقريزي : المواعظ والاعتبار ، 57. ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة في تاريخ ملوك مصر والقاهرة ، د. 2 ، القاهرة ، دار الكتب المصرية 1963 م 58. الكندي : الولاة والقضاة ، مطبعة الآباء اليوسوعيين بيروت 1908م 59. أبوصالح الأرمني : تاريخ الشيخ أبوصالح الأرمني ، أكسفورد 1894م 60. رولاند أوليفر : مؤجز تاريخ إفريقيا ، ترجمة دولت أحمد صادق ، القاهرة ، الدار المصرية للتاليف والترجمة ، 61. الإدريسي : نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، ج 1 ( أبوعبدالله محمد بن محمد بن ادريس ) ت 560هـ روما 1970م، 62. عبدالله خورشيد : القبائل العربية في مصر ، القاهرة ، دار الكتاب العربي 1967م ، 63. اليعقوبي : كتاب البلدان ، المطبعة الحيدرية ، النجف – 1377هـ – 1957 م، 64. محمد إبراهيم الصحبي : التجارة والاقتصاد عند العرب ، القاهرة ، مكتبة الوعي العربي ، 1969 ، 65. أحمد نجم الدين فليجة : إفريقية ، بغداد ، جامعة بغداد 1978 م ، 66. ابن سليم الأسواني : أخبار النوبة ( المواعظ والاعتبار للمقريزي ) ج 1 ، المطبعة الأميرية القاهرة 1270 هـ 67. اليعقوبي : كتاب البلدان ، 68. مصطفي مسعد : البجة والعرب في العصور الوسطي ، مجلة كلية الآداب ، جامعة القاهرة ، مجلد 21 ، عدد 2 القاهرة ، 69. اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، ج 1 ، دار صادر ، بيروت ، 1960 ، 70. شوقي الجمل : تاريخ وحضارات السودان ج1 القاهرة مكتبة الانجلو المصرية 1969 م 71. ابن خلدون ، العبر وديوان المبتدأ والخبر ،دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1968 م ج 5 ، 72. حسن محمد جوهر وحسين مخلوف : السودان (أرضه ، تاريخه ، حياة شعبه)، دار الكتب ، مصر ، 1970 م / 73. يوسف فضل حسن : الهجرات البشرية ، 74. مصطفي مسعد : امتداد الإسلام والعروبة إلي وادي النيل الأوسط ، المجلة التاريخية المصرية 1959 م ( العدد الخامس ) القاهرة 75. أحمد بن الحاج : مخطوطة كاتب الشونة ، تحقيق الشاطر بصيلي ، دار إحياء الكتب العربية مصر ، القاهرة ،بدون تاريخ ) 76. محمد المرتضي الزبيدي ، تاج العروس من جواهر القاموس ، ج 8 بيروت مكتبة دار الحياة 77. ابن حجر / الإصابة في تمييز الصحابة : ج 1 مطبعة السعادة ، مصر 1228هـ ، 78. نعوم شقير : جغرافية وتاريخ السودان ، دار الثقافة ، بيروت 1967 م 79. اليعقوبي تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ابن حوقل صورة الأرض ، رسالة ماجستير جامعة أم القري 1410 هـ 80. اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي : ج 2 ، 81. المقريزي : البيان والاعراب 82. ابن حوقل : صورة الأرض ، 83. أحمد كاتب الشونة وآخرون : تاريخ ملوك السودان ، تحقيق مكي شبيكة ، مطبوعات كلية غردون التذكارية ، مطبعة ماكوركودليل الخرطوم 1937 – ص 1 84. ابن بطوطة : رحلة ابن بطوطة ( ابو عبدالله محمد بن عبدالله ) 779 هـ ، دار صادر بيروت 1284 هـ ، 85. بوركهارت: رحلات بوركهات في النوبة، مطبعة المعرفة بدون تاريخ 86. ابن الوردي : خريدة العجائب ، ورقة 21 87. الإدريسي : نزهة المشتاق ، ج 1 ، روما 1970 م 88. ابن الوردي : خريدة العجائب ، مخطوطة بقسم المخطوطات ، المكتبة المركزية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (6239) 89. ابن ميسر: أحبار مصر، مطبعة المعهد العلمي الفرنسي القاهرة 1919م 90. عطية القوصي : تاريخ دولة الكنوز الإسلامية ، 91. القلقشندي : صبح الأعشي ، ج 5 ، المطبعة الأميرية ، القاهرة 1333هـ / 1915 م 92. المسعودي ، مروج الذهب ، ج 1 دار الأندلس للطباعة والنشر – بيروت ، 1393 هـ، 1973 93. توماس ارنولد : الدعوة إلى الإسلام ترجمة حسن إبراهيم – مكتبة النهضة المصرية 1970 ، 94. ادولف ارمان : ديانة مصر القديمة ، ترجمة عبدالمنعم أبوبكر ومحمد أنور مكتبة مصطفي الحلبي ، مصر ، 95. أحمد الحاج وآخرون ،من معالم تاريخ الإسلام في السودان جماعة الفكر والثقافة الإسلامية الخرطوم 96. علي زين العابدين ، فن صياغة الحلي الشعبية النوبية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1981م ، 97. جونتاني فانتيني تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة ، الخرطوم 1970 98. عبدالله عبدالرحمن الأمين الضرير : العربية في السودان ج 1 دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1967 99. ابن منظور لسان العرب ، دار لسان العرب ، بيروت ( بدون تاريخ ) 100. يوسف فضل حسن : الشلوخ ( أصلها ووظيفتها في سودان وادي النيل ) دارجامعة الخرطوم للنشر الخروم ، 1976 101. عون الشريف قاسم : قاموس اللهجة السودانية العامية في السودان المكتب المصري الحديث القاهرة 1405، ، 1982 102. عباس محمد مالك العرب العباسيون في بلاد السودان ، دار الطابع العربي بحري 1987 1 103. صحيح البخاري (3/247 ) 104. صحيح مسلم (1/375 رقم 528). 105. ابن تيمية: منهاج السنة (5/133). 106. ابن كثير: البداية والنهاية 107. م. الفاسي بالإشتراك مع إ. هربك: تاريخ افريقيا العام – المجلد الثالث – افريقيا من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر. مطبعة اليونيسكو. 108. ب.ل. شيني (P.L.Shinnie) 1978 109. ب. ج. تريجر (B.G. Trigger) 1970 110. ج. فانتيني (G. Vantini) 1975 111. أ. ج. أركيل 1961 112. دورية أزانيا Azania عن الحفريات التي بدأتها البعثة البريطانية عام 1981. 113. يو مونيريه دو فيلار (U. Monneret de Villard) 1938 114. و. ي. آدامس (W.Y. Adams) 1977 115. يوسف فضل حسن (Y.F.Hasan) 1973 116. تقرير البعثة البولندية لنتائج تنقيبها على أثر النداء الذى وجهته هيئة اليونسكو إلى العالم لإنقاذ آثار النوبة سنة 1960 م وحتى فبراير 1963م 117. د. راغب السرجاني: ملخص الهجرتين. 118. Mohi El-Din Abdalla Zarroug The Kingdom of Alwa University of Calgary Press, 1991. 119. P.L. Shinnie, Ancient Nubia (London: Kegan Paul International, 1996) 120. The Encyclopaedia Africana Dictionary of African Biography (in 20 Volumes). Volume One Ethiopia-Ghana, ©1997 by L. H. Ofosu-Appiah, editor-in-chief, Reference Publications Inc., New York, NY. All rights reserved. 121. E.A.W. Budge, The Queen of Sheba and Her Son, Menylek, (an English translation of Kebra Negast, meaning “The Glory of Kings”), London, 1922; 122. Guébre Sellassié, Chronique du régne de Ménélik II (“Chronicle of the Reign of Menilek II”), 2 vols, Paris, 1930-1931; 123. The Holy Bible, Revised Standard Version, Toronto, New York, Edinburgh, 1952; 124. D. N. Levine, “Menilek and Oedipus: Further Observations on the Ethiopian National Epic,” Proceedings of the First United States Conference on Ethiopian Studies, 1973, East Lansing, 1975; 125. E Littmann, The Legend of the Queen of Sheba in the Tradition of Axum, Leyden, 1904; 126. S. Pankhurst and R. Pankhurst, editors Ethiopia Observer, Vol. 1, No. 6, Special Issue on the Queen of Sheba, Addis Ababa, July, 1957; 127. J. B. Pritchard (editor), Solomon and Sheba, London, 1974; 128. E. Ullendorf, “Sheba,” The Dictionary of Ethiopian Biography, Vol. 1, Addis Ababa, 1975. 129. E.A Wallis Budge, A History of Ethiopia: Nubia and Abyssinia, 1928 (Oosterhout, the Netherlands: Anthropological Publications, 1970) 130. William Y. Adams, Nubia: Corridor to Africa. Princeton: Princeton University Press, 1977. 131. Mac Michael , H.C,. History of the Arabs in the Sudan, Vol. I. 132. Yusuf FadL Hassan : The Arabs and the Sudan University of Khartoum Press 1973 133. J.M.Plumeley “An Highth Century Arabic letter to the King of Nubia” Journal optian Archaeology Vol. 61 ,1875 134. Wlodzimiers Godlewski : The Mosque Building in Dongola ” in Ed ,. Paul Van Moorsel : New Discoveries in Nubia , Proceedings of the Collecquium on Nubian Studies held in la Hague 1978 . Leiden 1982 135. Report of the Polish Mission (Dongola Excavations). Kush vol. 15 1968 136. S.Jacobowski : “A brief account on the Churches of Old Dongola : In ed. P.Van Moorsel : New Discoveries in Nubia. Leiden 1982 137. Uusuf F. Hassan : The Arabs and the Sudan Khartoum University Press 1973 138. Criwfiit B.A. Some Red Sea Ports in the Anglo – Egyptaian Sudan Geographical Journal Vol 28 , 1911 139. Hivvert , H. E. Relics at Agig Sudan Notes and Records Vol. 19 1936 140. Anderson , L.G. Gistern at Ibn Abas 141. Sudan Notes and Records Vol. 19 , 1936 142. Combe N.T. Four Arabic Inscriptions from the Red Sea Sudan Notes and Records Vol. 13. 1930 143. Maciche, H,A ” The coming Of Arabs in Sudan Anews London 1935 pp 46-47 144. Trimingham J . Specer Islam in the Sudan , London 949 .

[/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’يحيى الشيخ ادريس الحبر’ close = ‘closeAll’]

عودة أخرى إلى رواية ترجمان الملك للكاتب الدكتور العلامة / عمر أحمد فضل الله وسؤالي هذه المرة موجه من زميلكم الأخ الأستاذ / الريح عبد الباقي و يتركز حول تابوت العهد حيث توجد عدة روايات تتحدث عن مكان وجوده وإحدى هذه الروايات أنه موجود في مملكة أكسوم وهذا ما يهمنا من هذه الروايات فقد ذكرت في روايتك أنه يشاع أن التابوت موجود في مملكة أكسوم لكن الحقيقة موجود في مملكة علوه للتمويه . فهل هذه الجزئية في الرواية حقيقة أم خيال فإن كان خيالاً يصبح الموضوع جد خطير حيث لا يمكن حقيقة يجرى البحث عنها وتوضع كخيال مهما كانت الرواية وإن كانت حقيقة فنرجو من الدكتور إرجاعنا إلى مصادره الحقيقية وهل هنالك من مصادر غير المصادر العلمية أعتمدت عليها مثال لذلك المصادر الروحية.

[/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’د. عمر فضل الله’ close = ‘closeAll’]

أسعدني ما يثيره الأخ يحيى من موضوعات وتساؤلات أثارتها رواية ترجمان الملك، فكم هو جميل أن تنجح الرواية في إثارة نقاش فكري تاريخي جميل. وما ورد في الرواية من كلام عن تابوت العهد يبقى كما هو رواية وليس حقائق تاريخية. ومن أراد أن يبحث عن تاريخ تابوت العهد فعليه بالمراجع التاريخية. وإن سألتني عن رأيي الشخصي حول تابوت العهد فأقول لك إن هذا التابوت قد ضيعه بنو إسرائيل بعد فترة وجيزة من موت سيدنا موسى عليه السلام تماماً كما تنبأ موسى، وقد أوردت هذا الأمر في الرواية. ومعلوم عندنا أيضاً نحن المسلمين أن تابوت العهد قد رفعته الملائكة للسماء ولم يعد له وجود على الأرض ولكن بني اسرائيل بعدما ضيعوا التابوت صنعوا تابوتاً مزيفاً حاكوا حوله الهالات ونسجوا القصص الخيالية والروايات. ولعل رواية ترجمان الملك تريد أن تقول هنا أن اليهود هم أصحاب قصص وروايات وتزييف للحقائق في جميع العصور وأنهم يغلفون عقائدهم بهالات من الأسرار المخيفة والسحر والوهم. وأما ما يحكيه اليهود من حكايات ونظريات حول تابوت العهد فهي كثيرة فقد حاكوا حوله كثيراً من القصص والأساطير حيث تقول بعض الأساطير أن تابوت العهد هذا قد دُمر أو استولت عليه القوات المصرية الغازية في حوالي عام 925 ق.م ، والبعض الآخر يقول بأن البابليين سرقوه في عام 586 ق.م. وتقول أسطورة أخرى إن إحدى الجماعات اليهودية التي كتبت مخطوطات البحر الميت قامت بدفن تابوت العهد في الصحراء الأردنية قبل أن يهربوا منها. وبالمثل قيل بأن مجموعة مسيحية مبكرة تسمى كاثرس ربما أخفت تابوت العهد في كنيسة قديمة في رين لو شاتو بفرنسا قبل أن يتم القضاء عليهم من قبل الكنيسة الكاثوليكية ، وحتى الملك آرثر نال قسطاً في قصة تابوت العهد ، وفي حين يدعي كثير من الباحثين بأن فرسان الهيكل أخذوا تابوت العهد من الأراضي المقدسة وقيل بأنهم ربما أخفوه في منجم بجزيرة أوك آيلاند أو حتى في الكنيسة الاسكتلندية في روسلين تشير بعض نظريات المؤامرة إلى أن الماسونيين (أحفاد فرسان الهيكل) يمتلكون تابوت العهد وهو تحت سيطرتهم الآن ويخفونه في مكان ما. اليهود ركزوا في رواياتهم على منطقتين كلاهما بهما تاريخ قديم لليهودية وهما : 1. القدس القديمة: حيث أن (لين ريتماير) وهو عالم آثار “يهودي” قام بإجراء اختبارات على جبل الهيكل في القدس وأوهم الناس بأنه قد عثر على الموقع الحقيقي للمعبد الأول وأنه اكتشف قطعة من صخور الأساس التي تطابق أبعاد تابوت العهد تماماً ومن هذه النقطة يعتقد أنه ربما كان تابوت العهد مدفوناً على عمق كبير داخل جبل الهيكل، ولكن يبدو من المستحيل القيام بأعمال الحفر في المنطقة خاصة أنها لا تزال موقع لخلاف كبير بين المسلمين واليهود. ولا يخفى علينا هنا محاولات الإسرائيليين المستمرة في التنقيب في أساسات المسجد الأقصى بهدف إيجاد تابوت العهد أو نقول بـ “حجة” إيجاده لهدم المسجد الأقصى نفسه وإعادة بناء هيكل سليمان مكانه الذي يزعم اليهود أنه كان في نفس مكان المسجد الأقصى. ويعتقد عدد آخر من اليهود أن تابوت العهد لا يزال موجوداً في الأرض المقدسة ، حتى أن هناك رجلاً أمريكياً يُدعى (رون واي) زعم أنه عثر على الصندوق المقدس في مقبرة في حديقة جاردن تومبت في شمال مدينة القدس القديمة.
2. النظرية الثانية هي مملكة أكسوم القديمة: ولعل أكثر النظريات شهرة والتي تزعم أن تابوت العهد موجود على الحقيقة هي تلك النظرية التي تزعم بأن ملكة سبأ قد حملت من الملك سليمان ثم ولدت الطفل المعروف باسم مينيليك والذي يعني (ابن الحكيم) ، وعندما أصبح في اﻠ(20) من عمره سافر إلى القدس للدراسة في محكمة والده. وفي غضون عام أصبح كهنة سليمان غيورين من ابن الملك وقالوا بأنه يجب عليه أن يعود إلى سبأ ، وقد قبل الملك سليمان بهذا الأمر إلا أنه قال بأنه ينبغي على جميع الأبناء البكر للشيوخ الآخرين أن يصطحبوا مينيليك ، وكان أحدهم يدعى آزاريوس وهو ابن رئيس الكهنة المدعو زادوق. وكان آزاريوس هو من قام بسرقة تابوت العهد وذهب به إلى أفريقيا. وقد قرر مينيليك أن نجاحهما يجب أن يكون بالإرادة الإلهية ثم أسس (القدس الثانية) في (مملكة أكسوم). ويزعمون بأن كنيسة سانت ماري الصهيونية القديمة تأوي تابوت العهد فنشأ تقليد للإحتفال في شهر يناير من كل عام بمهرجان يعرف باسم (تيمكات). وحين يئس اليهود من ظهور نبيهم المنتظر في جزيرة العرب وبعد الهزائم التي لحقت بالقبائل اليهودية في يثرب على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أخفي تابوت العهد بعيداً عن الأنظار تحت رعاية حارس نذور وهو الرجل الوحيد الذي سُمح له بمعرفة الطبيعة الحقيقية للصندوق الموجود في كنيسة تابوت العهد في مملكة أكسوم القديمة والتي تقع في أسكون بأثيوبيا الحالية.
ما هو معتقد المسلمين حول تابوت العهد؟ اليهود اضطروا للزيادة والتغيير في كتابهم المقدس ليخفوا خيبتهم في ضياع تابوت العهد فقد أوردوا في سفر صموئيل الأول أن الرب “ضرب أهل بيتمش، لأنهم نظروا إلى تابوت الرب: “وضَرب من الشعب خمسين ألف رجل وسبعين رجلاً، فناح الشعب، لأن الرب ضرب الشعب ضربة عظيمة ” (صموئيل (1) 6/19). ثم خجلوا من إيراد هذا العدد الكبير الذي يكشف كذبهم فعدلوا النصوص من خمسين ألف إلى سبعين فقط فقالوا “وضرب الرب أهل بيت شمس، لأنهم نظروا إلى تابوت الرب، وقَتل من الشعب سبعين رجلاً، وكانوا خمسين ألف رجل، فناح الشعب، لأن الرب ضرب هذا الشعب هذه الضربة العظيمة … ” (الملوك (1) 6/19)، ومثله في الترجمة العربية المشتركة التي جعلت القتلى سبعين، حذفت من النص أي ذكر للخمسين ألف، فقالت: “وضرب الرب أهل بيت شمس، لأنهم نظروا إلى تابوت العهد، فمات منهم سبعون رجلاً، فناحوا لهذه الضربة”.
وأما حقيقة التابوت فألخصها لك فيما يلي: – تلقى موسى من الله وهو على جبل الطور لوحين من الحجارة كتبهما الله لبني إسرائيل تذكاراً كما ورد في التوراة: ” وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل، وكن هناك، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم” ( الخروج 24/12)، وقد كتب في اللوحين الوصايا العشر ( انظر الخروج 20/1 – 17 ) و ( التثنية 5/5 – 23 ). – أمر موسى بوضع اللوحين في تابوت العهد، “وفي التابوت تضع الشهادة التي أعطيك” (الخروج 25/21). – أوصى موسى بني إسرائيل بأن تقرأ التوراة على جميع بني إسرائيل كل سبع سنوات “وفي نهاية السبع سنين في ميعاد سنة الإبراء في المكان الذي تختاره تقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم ” ( التثنية 31/9 – 11). وقال للّاويين: ” خذوا كتاب التوراة هذا، وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم، ليكون هناك شاهداً عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة، هوذا وأنا بعد حتى معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب، فكيف بالحري بعد موتي .. لأني عارف بعد موتي تفسدون وتزيغون ” ( التثنية 31/24 – 30 ).
ومعلوم أن التابوت قد ضاع مع ضياع التوراة فقد بدأ ضياع التوراة كما تحدث سفر ( صموئيل (1) 4/11 ) عند فقدهم للتابوت في معركة مع الفلسطينيين، ثم عاد إليهم بعد سبعة شهور، ولما فتحوا التابوت ” لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى ” ( الملوك (1) 8/9 ). كما تعرض بيت المقدس لغزو عام 945 ق. م من قبل شيشق ملك مصر، وكان هذا الغزو كفيلاً بفقد كل ما في الهيكل من نسخ التوراة ” وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء ” ( الملوك (1) 14/25 – 26 ). ثم فقدت التوراة سنين طويلة، ولم توجد لها باقية، إذ عاد بنو إسرائيل إلى الوثنية، ولم يعد للتوراة ذكر. كما اختفى التابوت إلى الأبد. ونحن نعتقد أنه رفعته الملائكة إلى السماء. ويحكي اليهود كثيراً من الأكاذيب لستر فضيحتهم في فقد التابوت فقد كتبوا في كتابهم المقدس في سفر صموئيل عن رقص النبي داود وتكشف عورته، وهو فرح باسترجاع التابوت من يد الفلسطينيين، وقد استاءت زوجه ميكال من هذا المنظر، واحتقرته لأجله ” كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب … أشرفت ميكال بنت شاول من الكوة ، ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب ، فاحتقرته في قلبها .. وقالت : ما كان أكرم ملك إسرائيل اليوم حتى تكشف اليوم في أعين إماء عبيده، كما يتكشف أحد السفهاء ” ( صموئيل (2) 6/14 – 20 ). واليهود عليهم لعنة الله لا يتورعون من الكذب على الأنبياء المكرمين فقد افتروا على نبي الله داود كما افتروا على غيره من الأنبياء.
وأما إيراد أن التابوت موجود في كنيسة سوبأ فهي مجرد حكاية في الرواية تسخر من حال اليهود وواقعهم وكذبهم، ومعلوم أن سوبأ لم يبق منها شيء فقد تم تدميرها تماماً بكنائسها ومعالمها وسويت بالأرض واختفى كل ما فيها من معالم وآثار إلى يومنا هذا ولا يوجد فيها تابوت ولا غيره.

[/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’يحيى الشيخ ادريس الحبر’ close = ‘closeAll’] الدكتور عامر: نشكركم على هذا الإسهاب والسرد والذي كان مقنعاً وكافياً لنا بالنسبة لتابوت العهد وكذا الأخ الريح عبد الباقي يشكركم على هذه المعلومات . هل الهجرة الأولى والثانية لمملكة علوة كانت مجرد رواية وخيال ونود أن نعرف رأيك الشخصي مع أن المرحوم الدكتور عبد الله الطيب يعتقد أن الهجرة كانت إلى مملكة دنقلا المسيحية. ونأسف لخروجنا عن الوضوع ولكن رواية ترجمان الملك أثارت فينا أشواقاً ومكامن للفكر محبوسة فهل لك من العلم شئ بأن إلتقاء سيدنا موسى بسيدنا الخضر كان عند مقرن النيلين الحالي؟ [/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][fusion_toggle title=’د. عمر فضل الله’ close = ‘closeAll’] رد د. عمر فضل الله يتلو لاحقاً [/fusion_toggle]

[/fusion_builder_column][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][hr top][/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

ترجمان الملك – مقدمة الرواي


مُقَدِّمَةُ الرَّاوِيِ

لَمْ أَعْجَبْ حِينَمَا استَدْعَاني مِنْ بينِ أطلالِ الماضي الغَابِرِ، لتقديمِ رِوَايَتِهِ للناسِ، في زَمَانكِمُ هَذَا، فَقَدْ كُنتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْتَاجُنِي. أنا الشابُّ “سِيْسِّي بن أَبِيْلُّو بن دَلْمَار”، الذي عاشَ حياةً حافلةً في زمانِهِ، ثم ماتَ وماتتْ مَعَهُ قِصَّتُهُ. لم يسمعْ بهِ ِأَحَدٌ في عصرِكُمْ هذا. وَحِينَ حَدَّثَنِي أنَّ أَحَدَاً في زَمَانهِ لا يقْدِرُ أَنْ يُقَدِّمَ رِوَايَتَي أَفْضَلَ مِنِّي صَدَّقْتُهُ، مِثْلَمَا صَدَّقْتُ حِينَ عَادَ إِلى الماضي بَاحِثَاَ عَنِّي يَنْبِشُ القُبُورَ في خَرَائِبِ مَدَافِنِ “العَنَج” العَمَالِيق جَنُوبَ سوبأ، وَيَقْرَأُ الشَّوَاهِدَ لِيَجِدَنِي، آخِرَ الأمرِ ثُمَّ يُخْبِرَني أَنَّ العَالَمَ بقي بَعْدَنَا ألفاً وَخَمْسَمِائةَ عَام! وأنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِلمَ ْتَحِنْ بَعْدُ. صَدَّقْتُهُ في كُلِّ هَذَا، وَلَكِنَّنِي لَمْ أُصّدِّقْ أَنَّ أَحَدَاً مِنَ النَّاسِ لا يَعْرِفُ سوبأ العَاصِمَةَ، وَ”مَمْلَكَةَ عَلَوَة العَظِيمة”، بَعْدَ مُضِيِّ خمَسْةَ َعَشَرَ قَرْنَاً فَقَطْ. كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَبْقَى في ذَاكِرَةِ العَالمَ مِائَةَ قَرْنٍ أُخْرَى.!! لوَلا ِهَذَا ما وَافَقْتُ عَلى العَوْدَةِ لِأَرْوِيَ لَكُمْ. أَقِفُ الآنَ جَنُوبَ سوبأ العَاصِمَةَ فِي زَمَانِنَا القَدِيمِ مُتَأَهِّبَاً للإطْلالَةِ عَلَى زَمَانِكُمْ والشُّرُوقُ، يُزَيِّنُ بِفُرْشَاتِهِ أَسْوَارَها، وَأَسْوَاقَهَا، والبُيُوتَ، وَالأحْيَاءَ، أَمَلاً في مَجِيءِ نَسِيمِ (البُطَانَة)(1) الشَّرْقَيَّة ليِتَأَمَّلَ هَذِهِ اللَّوْحَةَ، قَبْلَ أَنْ يَنْفُثَ سِحْرَهُ فِيهَا يَرْجُو لهَا الخُلُودَ، والنيلُ يَرْبِضُ غَرْبَهَا مِثْلَ طِفْلٍ بَرِيءٍ يَخْتَبِيءُ مِنْ أَقْرَانِهِ في لُعْبَةِ “دَسُّوسِيَّةٍ”(2 ) بَدَأُوهَا عِنْدَ العَشِيَّاتِ ثُمَّ غَلَبَهٌمْ النَّوْمُ، والنِّيلُ مَا يَزَالُ مُسْتَمِرَّاً فِي اللَّعِبِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ الأَقْرَانِ. لَوْ ذَهَبْتُمْ لِلنِّيلِ لَحَدَّثَكُمْ عَنِّي وَعَنَّا، وَعَنْ سوبأ َوَعَلَوَة، وَالمُلُوكِ العُظَمَاء وَالنَّاسِ. النِّيلُ رَاوِيَةٌ قَدِيمٌ، لا يَمَلُّ مِنَ التِّكْرَارِ. “أَسَاطِيلُ عَلَوَة” وَهِيَ تَزْحَمُ النِّيلَ بِأَشْرِعَتِهَا البَيْضَاءَ المُنَشَّرّةِ. وَأَنَاشِيدُ الجُيوشِ العَظِيمَةِ، وَ”العَنَجُ” العَمَالِقَةُ الذينَ تَهْتَزُّ الأرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ الضَّخَمَةَ حِينَ يَعْرِضُونَ القُوَّةَ وَالبَأْسَ الشَّدِيدَ فِي مَسِيرَاتِهِمْ عَبْرَ طُرُقَاتِ سوبأ وَخَارِجَ أَسْوَارِهَا. الطُّبُولُ “النُّحَاسِيَّةُ” المَرْصُوصَةُ جَنْبَاً إلى جَنْبٍ في سَاحَةِ المدِينَةِ والتي تَخْلَعُ أَصْوَاتُهَا القُلُوبَ حِينَ يَتَقَافَزُ الضَّارِبُونَ حَوْلَهَا وَيَدُورُونَ وَهُمْ يَنْقُرُونَهَا بِالعِصِيِّ الخَشَبِيَّةِ القَصِيرَةِ المُدَبَّبَةِ المَكْسُوَّةِ بِجُلُودِ أَذْنَابِ البَقَرِ. والرَّاقِصُونَ عَلَى وَقْعِ الطُّبُولِ نَهَارَاً أَوْ لَيْلاً وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِالحِرَابِ وَالعِصِيِّ والنُّشَّابِ وَالدَرَقِ. عَبَقُ الطُّيُوبِ الشَّرْقَيَّة التي تَضَعُهَا نِسَاءُ عَلَوَة! مَا زَالَ فِي أَنْفِي بَعْدَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ عَامٍ! أَيْنَ ذَهَبَ كُلُّ هَذَا؟ حِينَ دَعَانِي للعَوْدَةِ إِلى سوبأ لأَتَأَكَّدَ بنفسي لم أُصَدِّقْ مَا رَأَيْتُهُ. بَقَايا كَنِيسَةِ “مَارِيَّةَ” العَظِيمَةِ أَطْلالٌ مِنَ الطُّوبِ المُسَوَّى بِالأرضِ. قَصْرُ الملكِ المُنِيفِ إلى الشِّمَالِ صَارَ مَزَارِعَ ِللْدّوَاجِنِ. وَمَاذَا فَعَلْتُمْ بِالنِّيلِ؟ نِيلُ سوبأ العَظِيمُ انحَسَرَ مَجْرَاهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَحَدَ الجَدَاوِلِ التيِ تَسِيلُ مِنْ الشَّرْقِ أَيَّامَ الخَرِيفِ فِي زَمَانِنَا. وَاختفتْ مِنْ فَوْقِهِ الأسَاطِيلُ المَهِيبَةُ ذَاتُ الأَشْرِعَةِ البَيْضَاءَ. “جَزِيرَةُ التِّمْسَاحِ” تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهَا وَصَارَتْ عِدَّةَ جُزُرٍ صَغِيرَةٍ تَحْتَمِي بِكَبِدِ النِّيلِ الحَرَّى وَتَسْتَغِيثُ مِنَ الغَرَقِ. وَاخْتَفَتِ الأسواقُ والسُّورُ وَمَرَابِطُ الخَيْلِ وَثُكْنَاتُ الجُيُوشِ وَبُيُوتُ الكَهَنَةِ وَأَدْيِرَةُ الرُّهْبَانِ وَأَحْيَاءُ سوبأ الجَميلَةِ وَمَبَاني الجَصِّ وَالطُّوبِ والحَجَرِ. أَيْنَ أَشجارُ النَّخِيلِ البَاسِقَةِ والدَّوْمُ ِوَالمَانْجُو واللَّيْمُون؟ أَيْنَ السَّاحَاتُ الخَضْرَاءُ؟ أَنْتُمْ بَارِعُونَ جِدَّاً فيِ القَضَاءِ عَلى كُلِّ مَا هُوَ جَمِيلٌ. لا أَرَى حَوْليِ في زَمَانِكُمْ إِلا صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ قَاحِلَةً مَدَّ البَصَرِ، يَشُقُّهَا طَرِيقٌ أَسْوَدٌ قَمِيءٌ، وَعَرَبَاتٌ كَئِيبَةٌ تَجْرِي فَوْقَهُ بِلا أَحْصِنَةٍ وَلا خُيُول، وكَأَنَّمَا تُطَارِدُهَا أَشْبَاحُ سِيْمُونَةَ(3) المَسْعُورَةُ. بَدَأْتُ أُصَدِّقُ أَنَّ نِهَايَةَ العَالمَ ِقَدْ اقْتَرَبَتْ. وَلَكِنَّيِ نَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَ المُؤَلِّفَ: لِمَنْ تُرِيدُنِي أَنْ أُقَدِّمَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ هَلْ بَقِيَ فِي العَالمَ قُرَّاءُ مِثْلَمَا كُنَّا فِي زَمَانِنَا؟
تذييلٌ: سَوْفَ أَتَوَلَّى رِوَايَةَ قِصَّتِي بِنَفْسِي فَي الصَّفَحَاتِ التَّالِيَةِ. لَنْ أَسْمَحَ أَنْ يَرْوِيَهَا أَحَدٌ غَيْرِي!

***

“لَيْسَ كُلُّ مَا يَلْمَعُ ذَهَبًا وَلَيْسَ كُلُّ شَقْرَاءَ مَلِيحَةً” مثل حديث
في سوبأ: “كلُّ مُا يَلْمَعُ ذَهَبٌ وَكُلُّ سَمْرَاءَ مَلِيحَةٌ ” مثل قديم

_____________________
(1) البُطَانة: هي السهل الممتد شرق النيل الأزرق وهي أرض خصبة المرعى نقية الهواء.
(2) الدَّسُّوسِيَّةُ: هي لعبة الغميضة أو الاستغماية يلعبها الصغار فيختبيء أحدهم ويقوم الآخرون بالبحث عنه.
(3) ساحرة مشهورة أيام مملكة علوة

ترجمان الملك – مقدمة المؤلف


Torgoman-smallهَذِهِ الروايةُ تَعْكِسُ بَعْضَ جَوَانِبِ شَغَفِي بِحِقْبَةٍ هَامَّةٍ في تَأرِيخِ شِمَال شَرْقِ أفريقيا، فَهِيَ تَرْوِي أَحْدَاثَاً وَوَقَائِعَ على ضِفَافِ النيلِ الأزرَقِ في القُرُونِ الوُسْطَى، نَسِيَهَا الناسُ، إلا بَقَايَا أَطْلالٍ قَديمةٍ هَامدةٍ، أو عِبَارَاتٍ نُقِشَتْ عَلى صَفْحَاتِ الكُتُبِ القَدِيمةِ المَنْسِيَّةِ التي لَمْ يَعُدْ يَقْرَأهَا أَحَدٌ. قَرَّرْتُ أَنْ أَتَخَلَّى عنْ حَاضِرِي قَليلاً وَأَسْتَنْطِقََ ذَلكَ الماضي بِعَقْلِي وَكِيَانِي. وَحِينَ انتقلْتُ إليه حَدَّثني أَنَّ تِلْكََ الأَمَاكنَ والوقائعَ كانت نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ في تأريخِ المِنْطَقَة ِعَلى الأقلِ إنْ لَمْ يَكُنْ في تأريخِ الإنسانيةِ كُلِّهَا. لَقَدْ كَانَ البَرُّ الغَرْبِيُّ لِلْبَحْرِ الأَحْمَرِ وَضِفَافُ النِّيلِ الأَزْرَقِ في تِلْكَ الحِقْبَةِ مِنَ الزَّمَانِ مَلاذَاً لِلْعَرَبِ المسلمينَ المهاجرينَ مِنْ مَكَّةَ في جزيرةِ العربِ بِدِينِهِم الجديد إلى مَمْلَكَةِ عَلَوَة المَسِيحِيَّةِ في أَفْرِيقِيا، التي آوَتْهُمْ وَمَكَّنَتْهُمْ مِنْ بِنَاءِ عَلاقَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ رَاسِخَةٍ مَعَ أَهْلِهَا. وَكَانَتْ هَجْرَتُهُمْ هِيَ أَوَّلَ سِفَارَةٍ إِسْلامِيَّةٍ سِلْمِيَّةٍ وَبَقِيَتْ هُنَاكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَامَاً وَفَتَحَتْ أَمَامَ المسلمينَ سُبُلَ الدَّعْوَةِ للدينِ الجَدِيدِ.
وَبِقِرَاءَةٍ ثَانِيَةٍ وَجَدْتُ أَنَّهَا كَانَتْ نَظْرَةً اسْترَاتيِجِيَّةً عَسْكَرِيَّةً نَاجِحَةً مِنْ قِبَلِ المسلمين تِجَاهَ مُسْتَقْبَلِ الإسلامِ في أَفْرِيقِيَا، لأَنَّكَ إِنْ كُنْتَ سَتُقَاتِلُ فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَهْرُكَ مَحْمِيَّاً. وَإذَا قَضَتْ المؤسَّسَاتُ العَسْكَرِيَّةُ، وَمِنْ وَرَائِهَا الكِيَانُ السِّيَاسِيُّ الذي يَحْرُسُ الدَّعْوَةَ أَنَّهَا سَوْفَ تَتَّجِهُ إِلى آسِيَا (الفُرْس) وَإِلى أُوُربَّا (الرُّوم) فَكَانَ لا بُدَّ مِنْ تَحْيِيدِ ظَهْرِهَا الذِي هُوَ الجَبْهَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَفْرِيقِيَا (الحَبَش) حَتَّى لا تَطْعَنَهُمْ جَبْهَةُ الحَبَشِ مِنَ الخَلْفِ، وَقَدْكَانَ فِي مَقْدُورِهَا أَنْ تَفْعَلَ، لأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ مُحَاوَلاتِ الرُّومَانِ المُتَكَرِّرَةِ للسَّيْطَرَةِ عَلى الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَمحُاَوَلاتِ الفُرْسِ قَبْلَ الإِسْلامِ أَنَّ أَوْجَعَ الضَّرْبَاتِ للجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ كانَتْ مِنْ قِبَلِ الحَبَش. وَلِذَا فَالخَطَرُ الحَقِيقِيُّ كانَ هُوَ مِنْ جِهَةِ أَفْرِيقِيَا. وَإِذَنْ فَقَدْ كانَ تَحْيِيدُ الحَبَشِ هُوَ الهَمُّ الأَكْبَرُ وَالخُطَّةُ الإِسْتراتيجيةُ الناجِحَةُ. وَلذلكَ فَإِنَّ الرَّسُولَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَرْسَلَ وَفْدَهُ إِلَى أَقْوَى المَمَالِكِ فِي بِلادِ الحَبَشَةِ، وَأَكْثَرِهَا اسْتِقْرَارَاً (مَمْلَكَةِ عَلَوَة المَسِيحِيَّةِ) وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الكِيَانَ السِّيَاسِيَّ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَنْجَحَ سِفَارَةٍ فِي تَأرِيخِ الإسْلامِ كُلِّهِ، لأَنَّهَا أَدَّتْ أَهْدَافَهَا وَحَيَّدَتِ الحَبَشَ حِيَادَاً تَامَّاً إِزَاءَ النِّزَاعِ العَالمَِيِِ الذي نَشَأَ بَعْدَ ذلَكَ بَيْنَ المسلمينَ وبينَ كُلٍّ مِنَ الفُرْسِ والرُّومِ. وَيُلاحَظُ أَنَّ الحَبََشَ تَدَخَّلُوا قَبْلَ الإسلامِ في أيامِ ذِي نُوَاسٍ بِإِيعَازٍ مِنَ الرُّومِ فَوَصَلُوا حَتَّى مَشَارِفِ مَكَّةَ. وَلَكنْ بَعْدَ مَجِيءِ الإِسلامِ وَشُرُوعِهِ في مُوَاجَهَةِ الرُّومِ، عَجِزَ الرُّومُ أَنْ يُوعِزُوا إلى الحبَشِ بالتدَخُّلِ. وَقَدْ آثرَ الأحباشُ ألا يَتَدَخَّلُوا بَعْدَما عَلِمُوا حَقِيقَةَ الدِّينِ الجديدِ القادمِ الذي هُوَ خَيْرٌ لهُمْ مِن مُوَالاةِ الرُّومِ. وَكَانوا قَدْ رَأَوْا سَيْطَرَةَ الرُومِ وَسَيْطَرَةَ الكَنِيسَةِ مِنْ وَرَائِهِ عَلى مِنْطَقَة ِالحبَشِ، الذين رَأوا أَنَّ الخَيْرَ لَهُمْ يَكْمُنُ في انتصارِ هذهِ الدعوةِ الجديدةِ فَمِنْطَقَةُ الحَبَشِ تَعْتَبِرُ جَزِيرَةَ العَرَبِ أَقْرَبَ إَلى أَفْرِيِقيَّتِهَا، لأنَّ الحَبَشَ كَكِيَانٍ أفريقيٍ كانَ مُنْحَازَاً نَحوَ أفريقيتهِ أَكْثَرَ مِنْ انحيازِهِ لمسيحيتهِ، وَبِذَا فَلَمْ يَكُنْ مُتَحَمِّسَاً لاتباعِ سِيَادَةِ دَوْلةٍَ قَائمةٍ في أُورُبا (الرُّوم) حَتَّى لَوْ كانتْ مَسِيحِيَّةً فَلَمْ يَكُنْ يَكْفِي كَوْنَهَا مسيحيةً. وَرُبَّمَا لَوْ كانتْ أفريقيةً لكانتْ تَبَعِيَّتُهُ وَطَاعَتُهُ لَهَا أَكْبَرَ. وَيُمْكِنُنَا القَوْلُ إِنَّ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ أَجَّلُوا غَزْوَ هَذِهِ المِنْطَقَةِ عَسْكَرِياً حَتَّى فُتِحَتِ الفُرْس (الجَبَهْةَ ُالشَّرْقَيَّة) قَبْلَ أَنْ يُدِيرُوا ظَهْرَهُمْ مُتَّجِهِينَ للجبهةِ الغربيةِ (الحبش) وإلا، فَقَدْ كَانُوا سَيَهْدِمُونَ استراتيجيةَ السِّفَارَةِ السِّلْمِيَّةِ التي أَسَّسَها الرسولُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وَيُحَرِّكُونَ الجَبْهَةَ السَّاكِنَةَ التي أَرَادَ لهَا الرَّسُولُ أَنْ تَكُونَ مُحَايِدَةً. وَكَانَ مَنْ بَدَأَ غَزْوَ هذِهِ المِنْطَقَةَ عَسْكَرِيَّاً هُوَ الخليفةُ الثَّاني عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُهَاجِرِينَ إِلى الحَبَشَةِ، وَلِذا فَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلى الحَبَشِ مِنْ قَريبٍ كَمَا تَعَرَّفَ عَلَيْهِمْ الخليفةُ الثالثُ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانٍ، وَلَمْ يَفْهَمْ طبيعةَ إِنسانِ النُّوبَةِ القَديمِ، الذي وَصَفَتْهُ التوراةُ بِأَنَّهُ : « أُمَّةٌ طَوِيلَةٌ وَجَرْدَاءُ… شَعْبٌ مَخُوفٌ مُنْذُ كَانَ فَصَاعِدَاً أُمَّةَ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَدَوْسٍ قَدْ خَرَقَتِ الأَنْهَارُ أَرْضَهَا»( ). وَرُبَّمَا لَوْ بَقِيَ الحَالُ كَمَا هُوَ فِي عَهْدِ عُمَرَ لاسْتَمَرَّ القتالُ مَعَهُمْ بِلا نِهَايَةٍ. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ الخليفةُ عُثْمَانُ بنُ عفانٍ إلى الخلافةِ أَوْقَفَ الحرْبَ وَعَقَدَ مُعَاهَدَةَ الصُّلْحِ مَعَ إِحْدَى مَمَالِكِهِم الشِّمَالِيَّةِ، وَأَعَادَ الأُمُورَ إلى نِصَابِهَا لأنهُ كاَنَ قَدْ هَاجَرَ الهِجْرَتَينِ الأُولى والثانيةَ للحَبَشَةِ وَعَرَفَ أَهْلَهَا وَكَانَ قَدْ أَسَّسَ جُذُورَاً للإسْلامِ فِي تِلكَ البِلادِ.
وَكَانَ أَهلُ الحَبَشَةِ قَدْ تَأَثَّرُوا جِدَّاً بالعربِ المُهَاجِرِينَ، فَقَدْ أَحَبُّوهُم لٍدَرَجَةِ أَنَّهُمْ بَقَوْا فيِ ذَاكِرَةِ الِمِنْطَقَةِ إلى يَوْمِنَا هَذا فَمَا تَزالُ الأسماءُ الغَالِبَةُ على أَهْلِ تِلْكَ المِنْطَقَةِ هِيَ أَسْمَاءُ الصَّحَابَةِ المُهَاجِرينَ الأوائلِ منَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ: “جَعْفَرُ”، وَ”الزُّبَيْر”، وَ”عُثْمَانُ”، وَ”ابنُ عَوْفٍ”، وَ”رُقَيَّة”، وَ”أَسْمَاءُ”. وَاخْتَفَتِ الأسماءُ القَدِيمَةُ “دُوجُّو” و”سِمْبَا” و”دُومَاكَا” وَ”عِبْدِي” و”سِيْسِّيا” وَ”مُونيِتَا” وَ”سُونِيتَا” وَ”سُنْجَاتَا”.
المُؤَلِّفُ

حكومة أبوظبي الإلكترونية


تحت إدارة د. عمر فضل الله وإشراف خلفان المحيربي

تحويل دائرة البلديات والزراعة إلى حكومة إلكترونية خلال عامين

أوضح الدكتور عمر فضل الله مستشار تقنية المعلومات نائب مدير مشروع الميكنة في دائرة البلديات والزراعة أن المشروع هو الأكبر من نوعه في منطقة الشرق الأوسط ويتضمن مشاريع فرعية لاحصر لها حاليا حيث يتم زيادة عدد المشاريع بصورة مستمرة نظرا لضخامة المشروع الرئيسي فضلا عن أنه يتضمن أنظمة متعددة تعمل كمجال واحد وتضم خدمات هندسية وفنية ومالية وإدارية وعامة إلكترونية تخدم متخذو القرارات في الدائرة والموظفين والمخططين والمراجعين والجهات المتعاملة مع الدائرة كما أن المشروع يضمن تداول المعلومات إلكتروني فضلا عن أن غالبية الأنظمة الإلكترونية تتضمن برامج لتصنيف المعلومات وبعضها مثل نظام المباني يشتمل على كاميرات توضح آخر مراحل المشروع وماهو حجم العمالة الموجودة فيه بل يمكن لمسؤولى الدائرة أن يعرفوا من هم العمال والمهندسين المتواجدين في المواقع كما تتيح تلك النظم للاستشاري والمقاول الدخول إليها بسهولة علما بأن تلك النظم مؤمنة ومحمية ومشفرة· وأشار إلى أن مشروع الميكنة سيمكن الدائرة من إرسال رسائل فورية عن طريق الموبايل أو البريد الإلكتروني للمراجعين أو للجهات التي تتعامل معهم الدائرة موضحا أنه سيكون بإمكان المواطن طلب قطعة أرض مثلا عن طريق الإنترنيت حيث يقوم بملأ الطلب الخاص بذلك وسيقوم النظام بإرسال رسائل له توضح له أين ذهب طلبه وماهى آراء وموقف الجهات المعنية تجاهه وماهي الخطوات التالية التي يجب عليه إنجازها؟ وذلك ينطبق على كل المعاملات·

أنظر المرفقات: صفحة الخبر في جريدة الإتحاد عدد 11011 السبت 22 رجب 1426 هـ – 27 أغسطس 2005 م

متابعة قراءة حكومة أبوظبي الإلكترونية

بين شارع القبة وسوق ودريا


ولدت لأبوين فقيرين، وكنت الابن  رقم ثمانية في الترتيب ورقم سبعة في واقع الحال حيث توفيت أختي الكبرى (ريا) وهى صغيرة. وكان أبي يعمل بالجزارة، وكان مكافحاً. ربانا فأحسن تربيتنا ووقف عمره كله على تنشئتنا التنشة الصالحة، ولم يدخر وسعه في تعليمنا والإنفاق علينا من الحلال.  العيلفون شارع القبة   “يقع شارع القبة خلف مسيد الشيخ ادريس بن الأرباب وغرب خلوات الحيران”: فوق تراب هذا الشارع تعفرت وأنا صغير-وعدوت خلف العربات وتعلقت بها ولعبت بالطين وخضت في وحل الأمطار. وقطعت الطريق على الصبية الصغار المارة أمام بيتنا، وركبت على ظهر الغنم. سمعت أهلي ينادونني (عامر) ودرجت على أن هذا هو اسمي واستمر هذا الفهم حتى أدخلوني المدرسة الأولية.. وأوقفونا في طوابير.. وجعل الناظر ينادي على التلاميذ بأسمائهم واحداً واحداً. ورأيته يتجه نحوي ويقرص أذني ثم يقول: انت ما سامعني؟ أنا بانده اسمك؟ ثم قال لي: اسمك منو ؟ فقلت في براءة: عامر. فقال: عامر في عينك. انت اسمك عمر.. وهكذا بدأ عهد.. المدرسة الأولية كانت المدرسة الأولية تقع في الجزء الشرقي من العيلفون، وكانوا يطلقون عليه الحى الأمامي.. وكانت جوار المحكمة وسوق العمدة الذي أطلقوا عليه فيما بعد”سوق ودريا” الذي هو أبي رغم أن أبي لم يكن يمتلك السوق ولا ذرة منه لكنه كان أسطورة تغير كل ما حولها وتربطها به.

ذكريات الطفولة


أذكر جيداً أنني فتحت عيني على بيت مليء بالحياة والحركة. أم سلمة وإسماعيل وعلي وإسحاق وختم وصفية ومعنى .. سبعة إخوة وأنا ثامنهم، كان معنى أخي الذي يصغرني مباشرة، ولم يكن أنور أخي الأصغر قد ولد بعد.. قد أذكر أيام الطفولة المبكرة، المبهرة، أذكرها جيداً، “نَبَّاه مانديد” – حين يصعد على الدرجة الأولى أو الثانية من المئذنة وهو ينشد لتنبيه الناس لصلاة الفجر قبل الأذان، (وهى بدعة كانت منتشرة في كثير من قرى السودان)، ومانديد هو أحمد التوم مانديد رحمه الله- ، ومناداته لصلاة الفجر،: (يا غافلاً عن ذكر مولاه، العمر مضى والشيب والاه) وأذان الفجر، وصلاة أبي على سجادة الفروة، المصنوعة من جلد الخروف المدبوغ، ولا تصنع إلا من جلد خروف ذي فراء جميل، وتمتماته صباحاً بقراءة سورة ياسين. وكنت أتبين منها الآية والآيتين أحياناً.. وكنت أسمعه يقرأ: (وجعلنا من بين أيديهم سُدَّاً ومن خلفهم سُدَّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) وكان يقرأ برواية الدوري .
كان بيتنا هو الذي يقع خلف مسيد الشيخ إدريس بن محمد الأرباب مباشرة، بيننا وبينه زقاق ضيق، ولكن العربات كانت ومازالت تمر فيه، ولا زلت أعجب كيف تفعل ذلك. وكنت أظن أن هذا البيت هو لنا نملكه جميعه، وكان هو مرتع صباى ومكان لعبي، إلا أنه كانت به غرف كثيرة خالية، وكانت أحياناً تؤجر داخليات لطلاب المدرسة الوسطى، وبالحوش الداخلي بعض أشجار النيم الظليل. ومزيرة لماء الشرب على يمين الداخل كان تلاميذ المدرسة الوسطى يتسابقون في القفز من على سقفها ويقدمون الجوائز للفائزين. والبئر على يسار الداخل من الباب الأمامي عند الحوش الخارجي، وفرندة أو “برندة” كما كان أهل السودان يسمونها، وغرف أخرى كبيرة الحجم عالية السقوف.
وقد علمت من بعد أن هذا البيت كان ورثة لجدي الأكبر وكان منه نصيب لجدتي عائشة بنت الفكي “الفقيه” علي، هو الذي بقيت فيه جدتي عائشة وبنتها أمي السارة بنت محمد علي النصري يرحمها الله، وكان لأبي بيت كبير ورثه من أمه “ريا بت ود أحمد” (بنت ولد أحمد) وتنازل عنه لأخته وأبناء أخته.. وكانت له أراض بقرية أم دوم، قيل لنا إنه تنازل عنها بعد وفاة أخيه عثمان لأقاربه بأم دوم براً بهم وصلة للرحم. وجاء ليبقى مع أمي في بيتها الذي ورثته عن أمها..

العيلفون تعيد ذكرى الأديب أبوبكر خالد


بسم الله الرحمن الرحيم
أمسيات العيلفون
في لمسة وفاء للأديب ابو بكر خالد مضوي
في يوم الجمعة الموافق الجمعة 25-11-2011م
بحضور انيق من قبيلة الأدباء والأعلاميين :

العيلفون تعيد ذكرى الأديب ابوبكر خالد

الدكتور تاج السر الحسن …يستعيد ذكرياته ويروى المشاهد فى قصيدة
د احمد الصادق ..ابوبكر خالد متفرد وله نكهته الخاصة فى كتابة القصة
د/ عمر احمد فضل الله ..ابوبكر خالد غيّر عالمي وفتح لى أبواباً للمعرفة
الأستاذ قمر الدولة المقابلى سنواصل العمل من اجل الاستمرار فى هذا المستوى
الأستاذ عبد القادر محمد عبد القادر …ابوبكر كان معلما متميزا واديبا متميزا

…………….

أمسيات بطعم البهار وجمال النيل :
عدد من الادباء والنقاد والأعلاميين ومواطنى مدينة العيلون عطروا ليالى وامسيات العيلفون فى ذكرى ليلة الوفاء للاديب ابوبكر خالد مضوى رائد الرواية والقصة القصيرة السودانية واحد الرعيل الأول للاعلام الوطنى فى الستينات والسبعينات وصحفى ومعلم وقد احتفت امسيات العيلفون ليلة الجمعة 25-11-2011 بالذكرى الخامسة والثلاثين وبدا الحديث فى الاحتفال نيابة عن امسيات العيلفون الاستاذ / قمر الدولة عبد العزيز المقابلى وشكر الحضور الكريم والسادة النقاد والادباء والاعلاميين على الاهتمام الكبير الذى اولوه بالحضور الى العيلفون وشكر الحضور من اصدقائه الادباء وزملائه المعليمن وطلابه ووعد الاستاذ قمر الدولة الحضور بمواصلة العمل فى امسيات العيلفون لألقاء الضوء على آخرين من ابناء العيلفون لمعوا فى مجال الأدب والفن والتعليم والعمل العام من اعلام المدينة امثال الشاعر الكبير ود الرضى والجاغريو والآستاذ احمد المصطفى وسيد خليفة وخلف الله حمد ومبارك حسن بركات وغيرهم .
زكريات وقصائد
الأستاذ والشاعر الكبير تاج السر الحسن صديق الأديب ابوبكر خالد ورفيق دربه منذ الخمسينات وزميل دراسته فى مصر وكونوا عددا من الجمعيات الأدبية وعاصروا زملاء ىخرين اصبحوا اسماء لامعه فى عالم الشعر والرواية والأدب امثال الشاعر محى الدين فارس عبد الله حامد الأمين والطيب زروق ومحمد الفيتورى وطاف الشاعر تاج السر الحسن بالحضور الى ذلك الزمن الجميل وعالم الذكريات الباقية وتحدث عن ابوبكر الصديق والانسان والديب وعن فترة دراستهم فى مصر وما صاحبها من حراك ادبى كبير قاما بها وصداقاتهما مع بقية الادباء والكتاب من العالم العربى وعرج الدكتور تاج السر الحسن على الدور الذى قام به الاديب الكبير فى طبع ديوان الشاعر إدريس جماع لحظات باقية إبان حضور الشاعر الكبير للعلاج فى مصر والدور الذى قام به ابناء الجالية السودانية فى مصر وتحث عن اسلوبه فى الكتابة واطلاعه الكبير على الأدب العربى والعالمى والأدب المترجم والقى الشاعر تاج السر الحسن مرثية فى الاديب ابوبكر خالد لاقت تجاوبا كبيرا من الحضور.
ابوبكر الرائد
الناقد الدكتور احمد الصادق تحدث اناة عن النقاد والكتاب واشار الى تفرد ابوبكر خالد فى اعماله والتى تعتبر باكورة الإنتاجات الأدبية فى حقبة الخمسينات والستينات وتطرق الى رواية ابوبكر خالد (بداية الربيع) و(رواية إنهم بشر) للأديب خليل عبد الله الحاج باعتبار ان الروايتان تطرقتا لبداية النصوص التى تتناول الحياة الإجتماعية والساسية والقضايا التى تهم جيل ذلك الزمان واشار الناقد الدكتور احمد الصاوى الى ان رواية بداية الربيع كانت توثق للحياة السياسية والإجتماعية بشكل ينم عن وعى الكاتتب بمجريات الامور وقتها والمقدرة الكبيرة على التصوير والتناول فية كثير من المقدرة الإبداعية واكد على ضرورة الأهتمام الرسمى بأعمال الكاتب أبوبكر خالد وإعادة طباعتها والسعى بجدية لطباعة الأعمال التى لم تطبع وشكر د/ الصادق اهالى العيلفون على هذه الخطوة الكبيرة التى تنم عن التقدير الكبير لعمالقة الأدب والقصة من امثال الأديب ابوبكر خالد
كان متميزا
الأستاذ عبد القادر محمد عبد القادر الخبير التربوى وزميل الأديب ابوبكر خالد فى مجال التعليم تحدث فى الحفل متناولا سيرة الأديب كزميل وكمعلم متميز وذكر ان رواية بداية الربيع صدرت فى نفس اليوم الذذى تم فيه تعينه معلما بوزارة المعارف فى العام 1958 وتحدث عن انحياز ابوبكر خالد الى فئة المعلمين وذكر العديد من المواقف التى تعضد هذا الجانب مشاركته فى تأسيس نقابة المعلمين وتناول سيرة ابوبكر خالد فى مجال التعليم والتدريس فى الارياف وإهتمامه بالجمعيات الأدبية فى المدراس وتأسيسة لمدرسة موسى الضوحجوج وعمله كاول مدير لهذه المدرسة فى العام 1975 وعمله بمدرسة لمؤتمر الثانوية والعيلفون الوسطى وعدد من المدارس الأخرى بالعاصمة والارياف
بكائية فى موسم الحداد
اسامة شيخ إدريس الصحفى والقاص القى قصيدة مرثية الشاعر الكبير الدكتور الزين عباس عمارة بعنوان (بكائية فى موسم الحداد فى زكرى رحيل الأديبين ابوبكر خالد عبد الله حامد الأمين
سارق المسافات والكتب
الدكتور عمر احمد فضل الله تحدث فى تداعيات وخواطر عن علاقته الشخصية بالأديب ابوبكر خالد وعلاقة الاديب بالكتابة والقراءة والتعامل الإنسانى الراقى الذى كان ديدن الأديب مع كل الناس وسرد الدكتور عمر احمد فضل رحلته مع الكتب التى يرسلها معه الأديب الى اصدقاءه فى احياء العيلفون المختلفه ويقول : كنت صغيرا وكان الاديب يرسلنى حاملا الكتب لتوصيلها الى اصدقائه وكنت استغل المسافة الطويلة فى قراءة هذه ان هذه (المراسيل ) قد غيرت مجرى حياته وجعلته شغوفا بالقراءة حيث استطاع ان يقرا العديد من هذه الكتب فى مختلف المجالات وشكر الدكتور عمر القائمين على امر ليلة الوفاء للاديب ابوبكر خالد ودعا الى مواصلة هذا العمل
المعرض المصاحب
أمسيات العيلفون اقامت معرضا توثيقيا مصاحبا لليلة شمل العديد من اعمل الأديب ومقالاته المنشورة على الصحف والمجلات السودانية والعربية والمقالات النقدية التى تناولت اعماله بالنقد والتحليل وبعض الصور التذكارية مع اصدقاءه الأدباء والكتاب السودانين والعرب وبعض الصور التذكارية لليالى الأدبية التى كان يقيمونها
فلما وثائقيا
كما عرضت أمسيات العيلفون فلما توثيقيا عن حياة الاديب ومشواره وتناول صلاته الاجتماعية ككاتب واديب ومعلم وانسان وأب وصلاته الإجتماعية فى العيلفون وحى المسالمة بامدرمان عملة كصحفى واعلامى والتمثيليات التى كتبها لأذاعة ركن السودان بالقاهرة
تكريم
وفى ختام الليلة كرمت امسيات العيلفون الأديب والشاعر تاج السر الحسن واسرة الأديب الراحل وكرمت البرفسير محمد المهدى بشرى ممثلا للسيد وزير الثقافة الذى شرف الحفل حضورا وعدد من الشعراء والكتاب والنقاد والإعلاميين.

 

ياخسارة


ليتني الآن ابنَ خمسِ

ليت يومي صار أمسِ

قَدَمِي ما ذاقت النَّعْلَينِ بعدُ

وقميصيَ الدَّمُّورُ مَلآنٌ غُبَارَا

ونواةُ “الكُدَّةِ” الرَّبدَاءِ في جيب قميصي

و “كُدُنْدَارٌ” تَمَشَّىَ في قميصي

وهنا “قَلابَةُ” القُمْرِيِّ في جَيبِ قَميصِي

وبقايا التمرِ والفُولِ الذي وضعتهُ أمِّي

كُلُّ هَذَا وخَليطُ النَّبَقِ الأصفرِ في جيبِ قَميصِي.

تحت ظل الشجر الوارف في نصف النهارْ

أُنزِلُ العُلَّيْفَ للغنمِ الهائمةِ السوداءِ عندي في الجوارْ

هارباً من فَلْقَةِ الشيخ ومن سَوْطِ “الحُوَارْ”

لَوْحِيَ الخشبيُ مَشْقُوقٌ ومسنودٌ على رمل الجِدارْ

وجهي الأغبرُ من طينٍ ومن حِبْرِ “العَمَارْ”

وبقايا الزيت من طعميةٍ نِصْفَ النَّهَارْ

ليتني عدتُ ابنَ سبعٍ

راكضاً كالجدي أو فوق حمارة

بين بيتي والجزارة

وقميصي بين فَرْثٍ ودمٍ

هو عنوان القَذَارة

والزِّفارة

غير أني طاهر فالقلب عنوان الطهارة.

ليتني كنت ابن تسعٍ

بين بيتي والجزارة

وأخى “معنى” ورائي ورديفي في الحمارة

ونواة البلح المُطْفَأِ في أذرعنا رمزُ الشَّطَارة

وأبي ينفث من ضيقٍ سيجارة

يرمق اللحمةَ والشَّحمَ المُثَنَّى والمَرَارَة

“يا خَسَارة” “يا خَسَارة”

ليتني عُدتُ صبياً

وغبياً

وفتياً

كل همي

لعبة الشُّرَّابِ صُبحاً وعشياً

حيث شَدَّتْ

أو بِشَلَّقْ

أو شِلَيْل

كل لَيْل

ونداء الصبية الآتي وراء الليل يدعوني “ابنَ رَيَّا”

وأنا كالسهم منطلقاً ومجتاحاً حمياً

يالذياك الشباب

فرَّ من تحت الثياب،

ومضى مثل السراب

ياخسارة

ياخسارة

الصُّعُودُ إِلى القَمَر


Moon8
أَمْسِكْ بِيَدَيْكَ شُعَاعَ القَمَرِ السَّاطِعِ وَاصْعَدْ

لا تَنْظُرْ حَوْلَكَ أَبَدَاً .. فالكونُ هَبَاءْ

وانظُرْ للقمرِ الضاحكِ من فوقِ  الأشياءْ

واصْعَدْ..

وَتَطَلَّعْ للآتي مِنْ آفاقِ الغَيْبِ ومِنْ فَيْضِ الأسماءْ.

واصْعَدْ..

وارْسِمْ من ضوءِ القمرِ الصادقِ في أعماقِكَ كَوْناً حَيَّاً

قمراً حَيَّاً … حُبَّاً حَيَّاً

فالباطنُ يَا صَاحِ هُوَ الحَيُّ الباقي فَوْقَ الأحياءْ

واجعلْ من ظاهرِ هذا الكونِ الجُبَّ القَابِعَ في جَوْفِ الظَّلْمَاءْ.

فالقمُر السَّاطعُ مَخْرَجُكَ هُنَاكَ بِأَعْلَى الجُبّْ.

اصعَدْ للسطحِ تَسَلَّقْ..

فَشُعَاعُ القَمَرِ هُنَا يحمِلُكَ إِلَيْهِ بِغَيرِ عَنَاءْ

لكنْ.. إِحْذَرْ أن تَنْظُرَ حَوْلَكَ

لا تلمسْ شَيْئَاً .. لا تَتَحَسَّسْ جَنْبَاتِ البئرْ

ولا تَتَرَدَّدْ أَبَدَاً.

حتى لا ترجِعَ للقَاعِ وَتَحْتَ الماءْ

فالجُبُّ عَميقْ.. وَأَنْتَ غَرِيقْ

وجِدَارُ البِئْرِ يَدُورُ يَدُورُ وَتَخْتَلِطُ الأشياءْ

Moon4

لكن لا تنظرْ وَاصْعَدْ

اِصْعَدْ اِصْعَدْ.. رَغْمَ اللأوَاءْ

فالقمرُ هُنَالِكَ مُنْتَظِرٌ

يرجو أن تَلْمَسَهُ يَدُكَ المرتعشةُ خَوْفَاً ..

يرجو أن تَبْلُغَهُ ذَاتَ مَسَاءْ

اِصْعَدْ فالليلُ الوَاجِمُ تَمْلَؤُهُ الأنْوَاءْ.

اِصْعَدْ قَبْلَ رَحِيلِ الأضْوَاءْ.

 

المقرن يونيو 1996

 

حيرة


تشطير قصيدة للشاعر سيد قطب

قال الشاعر سيد قطب يحكي حيرته واضطراب نفسه:

اطمأن الليل إلا من فؤاد   خافق يرجف كالطير الجريح
مستطار هائم في كل واد      أفمــا آن له أن يستريـح

إنه يهفو كما يهفو الطريد    باحثا في الأرض عن مأوى أمين
حيرة لجت على هذا الشريد       ليته يلقى شعاعا من يقين

أنا لاأبكي على ماض ذهب    لا ولا مستقبل ضاع هباء
إنما في النفس معنى مضطرب   لم أجد رمزا له غير البكاء

وقلت مشطراً لها:

اطمأن الليل إلا من فؤاد      شفه الوجد وأضناه السهاد
فهو من إشفاقه يوم التناد    خافق يرجف كالطير الجريح

مستطار هائم في كل واد    وبلاد أسلمته لبلاد
تعب من حمل أثقال شداد   أفما آن له أن يستريح

إنه يهفو كما يهفو الطريد   كلما لاح خيال من بعيد
مثقل الخطوات محزون وحيد   باحثا في الأرض عن مأوى أمين

حيرة لجت على هذا الشريد   فهو في الدنيا لوعد ووعيد
وظلام حالك طام مريد     ليته يلقى شعاعا من يقين

أنا لا أبكي على ماض ذهب   كتبت آثامه فيما انكتب
حاضر قد ضاع من غير سبب   لا ولا مستقبل ضاع هباء

إنما في النفس معنى مضطرب   وحديث دار في قلب خرب
أعجبتم مال دمعي منسكب   لم أجد رمزا له غير البكاء

الفتى الشهيد عمار عمر بركات


 يَالابتهالاتِ الأمانيِّ الموشاةِ النبيلة
في عَتْمَةِ الدَّجْنِ الرهيب
حينما أشرَفْتَ يا عَمَّارُ جناتٍ ظليلة
والأنفسُ الغراءُ صبحٌ
أَشْرَقَتْ فيهِ المعَانِي والنفوس
إذ تُرْفَعُ الأَيدِي النَّحيلةُ في السماء
والألسنُ الفصحى دعاء
والأعينُ الحرَّى دموعٌ مستطيلة
تبكيك يا عمارُ يا ضوءَ القبيلة
كان عمارُ فتىً يمتدُ طولاً في السماء
وكأنه يشتاقُ للأملاكِ فوقَ الناس والأشياء
كان ملءَ السمعِ حينَ السمعُ شوق
كان فَوْقَ الناس فَوْق
كان في الأرض ولكن كان للأملاكِ توق
كان ملءَ الكونِ دِفئاً وحياءً ورجولة
ومضى عمارُ ركضاً نحو غايات السماء
مسرعاً في حُلَّةٍ مُلِئَتْ دماء
والناسُ ما زالت صحائِفُهُمْ بعمارٍ تُضاء
فهو يلقاكَ إذا ما رُمتَ طُهراً ونَقَاء
وهو يلقاكَ إذا عَزَّ اللقاء
وهو في الناس ضميرٌ وحياء
وهو أنوارٌ وماء
وهو في الجناتِ يمشي بَاسِمَاً حيثُ يشاء
ناظراً ربَّ السماء

تسنيم وسكر


tasneem

حينما أقبلْتِ ياتسنيمَ جنات وريقة
زادَ مدُّ الكون في تلك المسافات الطليقة..
وتنادت كلُ أرواح الصبايا منذ أزمان سحيقة.
جئن كى يبصرن أنوار الحقيقة..
ويحيين الشقيقة.
زغردت أفراح نفسي في حناياها الشفيقة.

عردت تلك الأماني الخفرات
وتسابقن إلى كل الجهات
فأفاقت أنفس كانت موات
ثم سبحن لمن يحيي الرفاة.

أنت بسمات الشمال    أنت أنسام الجنوب
أنت ضحكات الصبا      أنت نفحات الغروب
أنت أنفاس ملايين الطيوب
عبقت من عالم الخلد ومن دنيا الغيوب

فمك الضاحك يفتر ضياء وسناءا
وتناديه عيناك دعاء ونداءا
نغم ينساب من شعرك الضافي على الجيد غناءا
فإذا ما جاوز الأكتاف ينزم حياءاً

أنت نور من خبايا الغيب مكتوب مسطرْ
يا شراب الجنة الموعود من عين تحدَّرْ
أنت دنٌ يخلبُ العقلَ ولكن ليس يُسكِرْ
أنت كأس مُزجت شهداً تَقَطَّرْ
أنت كوثر.. أنت تسنيمٌ وسكر.

جدة 1981

وقالت هيت


طرابلس الغرب 1977

وحين أضاء وجهك خافقي بالنور

واجتاحت رياح الشوق كل جوانحي الغبراء

حلمت بأنني يوسف وأنك تلكم التياهة الغراء

تدعوني بكل لسان

وقالت هيت، قالت هيت يا إنسان

بل هيهات

أأهرب منك؟ أين الباب؟ أين بربك المفتاح؟

فبابك مغلق موصد بغير رتاج

وروحك قدت القمصان من قبل ومن دبر

ومن علو ومن سفل

وظلك ذاب في ظلي

ولا مهرب

ونادت إن هذا المرء كذابُ

فكل البيت أبوابُ

فقلت منادياً في الناس

معترفاً.. أنا مذنب..

وإن الله توابُ

ولي في الذنب أسبابُ

فقد أحببت إن الحب جذابُ.

فقولوا لي أبعد شهادتي في الناس مرتاب؟

أقول لكم

بكل صراحة الأحباب لا إكراه في الحب

وحين اخترت ذاك السجن من قلبي

وخلت بأنه طبي

وكنت رميت في الجب

حسبت السجن أفسح من بلاء المرء بالحب

وحين ظننت أن السجن كان نهاية الدرب

وجدتك في غياهب ذلك الجب..

الى جنبي..

فما ذنبي..

عمر أحمد فضل الله – طرابلس 1977

قال لي اكذب تجمل


تشطير قصيدة الأستاذ أنور خالد

قال لي: إكذب تجمَّـلْ
قلتُ: بالصدقِ أفــوز !
قال لي: داهِن تُبجَّـلْ
قلتُ: هذا لا يجــــوز !
قال لي: نافِـقْ لِـتحيا
قلتُ: مَنْ رزقي يحوز؟
قال إنَّ الـفـقــرَ مُـــرٌّ
قلتُ: في النفسِ كـنوز !

***

حِينَ يفشو الوَهْـنُ فينا
يصبحُ التطـفيفُ عادة !
ثم يمسي الـزَّيــغُ دينا
والقــناعـاتُ عـــــبادة !
للهوى ترنو الأماني
للـمُنَى وَهْـــمُ السعادة !
يُستطابُُ الظُلمُ ، تُضحي
طِــــيبةُ القـــلبِ بلادة !

***

لـظلامِ اللـيلِ معـنىً
لا يـُؤَديـهِ النهـــــــارُ
قد يحوزُ المَجدَ يومٌ
وتضــــمُّ الخـلــدَ دارُ
عِشْ كما شئتَ صديقي
إنما العــيشُُ اخــتيارُ
وأنا اخترتُ طـــريقي
لــــذَّةُ العـُـمرِ قــرارُ

***

حِينَ يعلو الـزيفُ صوتاً
صَمتُنا يغدو جريمة
قـد يغيب الحــــقُّ حِيناً
ريثما تســمو العزيمة
فيسود السّـوءُ تعلـــو
ضعفَـنا روحُ الهزيمة
ويعـــود الحـــقُّ دوماً
تلكَ في الأيــام شيمة

وقلت مشطراً لها:

قال لي: إكذب تجمَّـلْ
قلتُ: إن الصدقِ أجمل
قال لي: داهِن تُبجَّـلْ
قلتُ: دهن الصدق أنبل

قال لي: نافِـقْ لِـتحيا
قلتُ: من بالذل يقبل؟

قال إنَّ الـفـقــرَ مُـــرٌّ
قلتُ: طعم الكذب حنظل

حِينَ يفشو الوَهْـنُ فينا
نلبس الدنيا قلادة

ثم يمسي الـزَّيــغُ دينا
والخنا بدل الشهادة

للهوى ترنو الأماني
تبتغيه بلا هوادة !

يُستطابُُ الظُلمُ حتى
من قيادات القيادة !

لـظلامِ اللـيلِ معـنىً
وكذا ضوء النهـــــــار
قد يحوزُ المَجدَ يومٌ
لكن الخلد الفخار
عِشْ كما شئتَ صديقي
فغداً تخلو الديار
وأنا اخترتُ طـــريقي
ثم حددت المسار

حِينَ يعلو الـزيفُ صوتاً
فالمآلات وخيمة

قـد يغيب الحــــقُّ حِيناً
بالضلالات القديمة
ويسود السّـوءُ تعلـــو
أفقنا سحب سخيمة
ويعـــود الحـــقُّ دوماً
إن للإيمان قيمة

سلامة والقس


بيني وبين المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب ودٌ قديم، منذ أن كنت طالباً بالسنة الأولى بكلية الاقتصاد جامعة الخرطوم، وكان هو مدير الجامعة،، ثم انقطع زمناً حين انقطعت عن الدراسة بالجامعة وهجرتها إلى جامعات الخليج ثم حين عدت للسودان كان رحمه الله كثيراً ما يزورني بمكتبي بمركز الدراسات الاستراتيجية لنتفاكر في أمر إنشاء المكتبة الوطنية وكنا نتذاكر عهوداً قديمة،، وكنت قد اقترحت على أولي الأمر تكريمه وقد حدث بالفعل حيث جرى تكريمه وتبني طباعة مؤلفاته عليه رحمة الله. سوف أذكر هنا بعضاً من عهود سلفت بيني وبينه رحمه الله حين كنت طالباً بالسنة الأولى بالجامعة.

تذاكرنا يوماً قصة سلامة والقس وأنشدته قوله في ذلك، وكان رحمه الله قد صاغ قصة سلامة مع القس شعرا جميلاً عفيفاً، وأصل القصة أن سلامة فتاة ذات جمال فائق كانت بمكة وكان هناك فتى زاهد عابد بمكة لا يراه الناس إلا وهو بين بيته والبيت الحرام، حتى أطلق الناس عليه اسم “القس” لكثرة نسكه، وكان طريقه إلى الحرم يمر ببيت سلامة فكانت تراه كل يوم غادياً إلى الحرم ورائحاً منه إلى بيته.. فافتتنت به ووقعت في حبه وكان جميلاً وسيماً زاده الزهد بهاء ونضارة، وكانت سلامة تتبعه حتى يدخل الحرم ولا تجرؤ على الكلام معه، لكنها ذات يوم تجرأت فقالت له يا هذا اعلم إني أحبك، وزادت دهشتها حين رد عليها بقوله وأنا أيضاً أحبك،! فتجاسرت وقالت له وأحب أن يكون بيني وبينك ما يكون بين المحبين، فقال لها وأنا أيضاً أحب هذا، فقالت ما الذي يمنعك إذن؟ فقال لها يمنعني قول الله عز وجل (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)، وأنا أخشى أن تحول هذه الخلة التي بيني وبينك في الدنيا عداوة يوم القيامة. ثم مضى في سبيله..

صاغ الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله هذه القصة الجميلة شعراً فقال يصف الحوار:

دنت منه برفق ثم قالت أحبك هل ترى في الحب ذاما
فقال لها معاذ الله قالت وأهوى منك ضماً والتزاما
فقال لها يمينا إن قلبي إليك اشد هيجاً واحتداما
فقالت ما الذي تخشاه قال الله أخشى ثم راما

ثم وصف حالتها بعد أن سمعت رد القس فقال:

لها لعس تخلج وهي ترخي على الخدين تستره ابتساما
تحبس فهو في الآماق جمر وفي الآفاق يلمحه غماما

وكنت حينها صبياً يافعاً فتطاولت على أستاذنا رحمه الله بقولي: يا دكتور ألا ترى أنك جعلت القس غليظاً مع سلامة في القول؟ ففطن رحمه الله إلى أن لكلامي ما بعده فقال لي وأنت لو كنت مكاني ما تقول؟ فقلت له سوف أضع نفسي موضع القس وارمز لسلامة بالفراشة فاقول:

من للفراشة في الهزيع الغافي رفت كما رف الأسى بشفافي
بيني وبين عيونها أسطورة بحر بلا قاع ودون ضفاف
بيني وبين شفاهها أنشودة سمقت على الكلمات والأوصاف
ويشع من خصلاتهاسحر وموسيقى وذوب قوافي
قالت أحبك كن جحيماً حارقاً وأنا الفراشة بالجحيم طوافي
وتململت شفة وشفة ريثما ينساب حرف راعش الأطراف
وانساب قول كالجمان كأنه ثمر تدلى مثقلاً لقطاف
أنا يا فتاة خلقت من طهر الضحى ومن النسيم كسيت ثوب عفاف

فابتسم ابتسامته المعهودة وقال لي: “يا بنى،، مثل هذه المواقف لا يصلح فيها إلا نحو قوله: قال الله أخشى ثم راما!!
رحمة الله على الأستاذ الدكتور كان جم الأدب شديد التواضع،،

عشق مالك بن الصمصامة


أحببت أن أشارك الإخوة والأخوات بعض ذكرياتي في الأدب، وخاصة ما جرى بيني وبين الأستاذ الشاعر سيد محمد الحسن الخطيب، منذ أن كنا طلاباً، فقد وجدت بخط يده يوماً على سبورة إحدى قاعات كلية الهندسة بجامعة الخرطوم في السبعينات أبياتاً لمالك بن الصمصامة خطها سيد الخطيب بالطباشير الأبيض على السبورة السوداء :

أحب هبوط الواديين وإنني لمستهتر بالواديين غريب
أحقاً عبد الله أن لست رائحاً ولا غادياً إلا علىَّ رقيب
ولا سائراً وحدي ولا في جماعة من الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة في أن تحن نجيبة إلى إلفها أو أن يحن نجيب

فكتبت تحتها معارضاً:

بربك هذا عاشق؟ أي عاشق من الناس يبدى إلفه ويعيب
فشاه سره حتى تهتك ستره وشهر من يهواه وهو حبيب
وبين ما يخفي وأوضح فانجلى وأخلق ستراً كان قبل قشيب
فليت حبيبي ما يعاب بريبة وشك وأما سهمه فيصيب

هذه كانت بعض مداعبات الشعراء في عهد الصبا،، والتحية للأستاذ سيد

محتار ومنتحب


flyفَرَدْتُ إليكِ أجنحةَ الأساطير ِ
وطرتُ إليكِ
جُبتُ حَنَادِسَ الظُلماتِ آفاقَ الديايجيرِ
خرقتُ إليكَ أسجافاً
أعَدْتُ حكاية المسحور
أرضَ الصندلِ الغافي
وعرسَ الجن والحورِ

أعدتُ. أعدتُ..
لو تسمعْ
ستدركُ لوعتي يوما
وتلمحُ دمعتي يوما.
فتجمعُ من نِثَارِ البرقِ تجمعُني
شَجَى هَذِي المزاميرِ..

فيا أملاً تبدَّدَ في زوايا الخوف
أُدركهُ فيُبكيني
وأَترُكُهُ فيُبكيني.
bye my love وأرسِمُهُ.. فأذهَلُ عن بحار الخوف

تَرفَعُني وتَخْفِضُني..
وتُبعدني وتُدنيني..

 

وطيفك كان يغزوني ويأسرني ويطلقني

ويدفعني ويبقيني
ولحظك كان يرميني بسهم هواك يرديني
وأعجب هل سيقتلني ويعبث بي فيحييني
ويهجرني فيقبرني ويلثمني فينسيني
يُنادِينِي لَكِ الأمَلُ
فأرتحِلُ
وأنظم من أغاني العشق أشعار المجانين
وبين الحِين والحِين
أَخَالُكِ مثلما كُنَّا
فكُوني لي .. ألا كُوني

فيا عَبَقَ البساتينِ..
ويا حُلُم المساكين..
ويا رَوْح الرياحين..
ويا حَاني
ويا حِيني
أسيُر مُغَاضباً واليَمُّ مَوَّارٌ يُغَالِبُنِي
فيقذفني بشَطِّ لِقاكِ منبوذاً
يُظَلِّلُني بيَقْطِينِ..
تَيَقَّظَ عِطْرُكِ الفَاغِمْ..
وذَابَتْ في حُشَاشِ النفس أطيافٌ من العالم
وجدْتُكِ في حَكَايا الزَّنْجِ حين الطَّبْلُ يَلْتَهِبُ
وحين تَوَتَّرُ العَصَبُ

وحين الناسُ فيكِ اثنان :
محتارٌ .. ومنتحبُ..

عمر أحمد فضل الله

قيوم حي


bird in a cage

حي قيوم .. قيوم حى

قلبي طير في قفص الأضلاع..

يخفق مذ قلت له كن..

سبحانك

دَقَّ فَدَقَّ .. وعَظُمَ فَرَقَّ

وعَرَفَ فأبصَر..

أن الكون الحىْ

وغير الحيْ

وغير الكون

بدون رضائك ليس بشيْ

أحب فخفق بنبض الحب

وحب الرحمة

فيء الفيْ

وانسكب جمال ونور جلال بهائك

فوق ظلام ودجن الغىْ

فانفرد الطىْ

نفسي مهجٌ

رويت وامتلأت رىْ

قلبي بهِجٌ ٌ

بلباس التقوى نعم الزىْ

ولساني لهجٌ

بالتهليل يسبح للقيوم الحيْ

حي قيوم، قيوم حى

عمر أحمد فضل الله – أبوظبي – ظهيرة الثلاثاء 4/9/2001

أحلام النائم واليقظان


فانتازيا الأحلام

dream

أحلام النائم واليقظان تبلغني عنك النجوى
فأسافر .. أضرب في الآفاق
أفتش عنك بلا جدوى
وأطير على صهوات الأشواق
مشتاق مشتاق مشتاق
وأسافر في تلك الأحداق
وأحط على كل الآماق
وأغوص لأعماق الأعماق
ما أجمل عينك من مثوى

وأشيد عرش الحلم على الشرفات
توقان أفتش في الطرقات
وأتيه فألتمس السلوى
وأظل أطوف بلا مأوى
ببحار التيه أطوف فتنداح الشطآن
ويلوح خيالك لي في الحلم العابر
يحكي لي عن دنيا الشط وعن سحر الخلجان
وبلاد ما دنسها انسان
والحور تميس بكل مكان
وعرائس جن تمرح فوق رمال ذهبية
تتدثر بالشعر المائج
تتمايل نشوى
فأراك هناك أمد يديَّ ولا أقوى
وأفتش عنك بلا جدوى
يا حور الحور ومن أهوى
سأظل أطوف بلا جدوى

 

عمر أحمد فضل الله – 1978

السائل عن كنه حبيبي


1311_md_13132155111هذه بعض قصائد قديمة كتبتها منذ ثلاثين أو أكثر من السنين،، نسيتها ونسيها الناس. واليوم وجدتها ، وسوف أنشر بعضها للناس، لا ليقولوا أحسنت ولكن أردت أن أشارك الآخرين ببعض نبض مشاعري في القديم. والشعر لا يبلى إذا كان له في النفس مكان.

السَّائِلُ عَن كُنْهِ حَبِيبِي
مَن مِنكم يَا سادَةُ..
ذاكَ السائلُ عن كُنهِ حبيبي؟
أنتَ إذاً؟ حسناً يا هذا
هل تقرأُ كتبَ التاريخ؟
هلمَّ نشاهدُ سرَّ الحبِ الآتي من أغوارِ الدهر..
أغمض عينيك..
واركبْ خلفي صهوةَ هذا المُهر.. (بُرَاق الإيمان)
وَتعالَ نُسافرُ عبرَ الأزمان..
حيثُ نَشاء..
حَدِّقْ في أَصلِ الأَشياء
وانظر.. ذاك حبيبي في مَرْكِبِ نُوح
طاووساً يختالُ على وجهِ الطُّوفانِ ويمشي فوقَ الماء..
وتلك رموزُ حبيبي قد نُقشت
بالهيروغليفِ على أقبيةِ الهرم الأكبر
قطرةُ طَلٍّ في ورق البُردي
تعويذةُ سِحْرٍ في سُنبُلَةِ القَمْحِ المَكْنُونَةِ
فِي تابوتِ الفِرعون..
تاجٌ من تِبرٍ في هَامَةِ رَمسيس..
قِنِّينَةُ عِطرٍ فِي مَخْدَعِ بَلقيس..
تَرنيمةُ شِعرٍ من سِفرِ التقديس..
مِفتاحُ البابِ المَجهُولِ بسورِ الصين.
ياسائلُ عن كُنهِ حبيبي.
غصنٌ قُدسيٌ من شَجَرَةِ طُورِ سِنين.
لؤلؤةٌ في تاجِ الاسكندر ..
رُقعةُ جِلدٍ في جِلبابِ عمر
أو نُقطةُ حِبرٍ..
في كُرَّاسَةِ مجدِ الدينِ أبي البَرَكَات
سيفٌ مصقولٌ فَوقَ جَوادِ صَلاحِ الدِّين..
وَدَمٌ مَسفوحٌ فِي حِطِّين
يا هذا السائل..
ستقولُ تَعِبتُ من الأَسفار..
ما زلنا في بَدءِ المِشوار..
ستقولُ تعبتُ فَيالَلهول..
أنعودُ ولم نحصُل بعدُ على سِرِّ الأسرار؟
هل تعرفُ يا سائلُ سِرَّ جَمالِ الزهر؟
ولماذا يَرقُصُ موجُ البحر؟
ها أنتَ بَدَأتَ الآنَ تُشارِفُ معنَى السِّر
ما كانَ جمالُ حبيبي حُلُماً..
يأتي في النوم ليذهبَ عندَ الفجر
أو طيفاً يأسِرُنَا لِلُحيظَاتٍ ..
ثُمَّ يَغِيبُ بُعيدَ الأسر..
أَو جَسَداً تَأكُلُهُ سَنَواتُ العُمر..
فَجَمالُ حَبِيبِي بَاقٍ بَاقٍ أَبَدَ الدَّهر..
يَا سَائِلُ عن اسمِ حبيبي..
لَو غَاصُوا تَحتَ عُبَابِ الماء
فالاسمُ هُنَاكَ يُعَطِّرُ قَاعَ الدَّأمَاء..
وشَذاهُ يفوحُ بكلِ سماء
لو راموا سِرَّ الأشياء..
فاسمُ حبيبي سِرٌ منقوشٌ في ذاكرةِ التاريخ
لو طاروا يرتادون الأَنواء..
لاكتشفوا اسمَ حبيبي مكتوباً في سطح المريخ.

عمر أحمد فضل الله – صحيفة الشرق الأوسط 1980

طفولتي الباكرة


نشأت في بيت عتيق وسط أسرة مكونة من أبي وأمي وجدتي لأمي وستة من الإخوة الذكور واثنتين من الإناث.
كان بيتنا العتيق يقع خلف مسيد الشيخ ادريس بن الأرباب مباشرة، وكان يضم في حوشه خلوة الفكي أحمد “أب كتحة” جدي لأمي وكان الباب الأمامي يفتح على الطريق المؤدي إلى قبة الشيخ ادريس مباشرة. وكان بيتنا يقع على الطريق الرئيسي “شارع النص” المتعرج الضيق الذي تمر منه بصات الحلة في طريقها إلى الخرطوم.

قالت لي أمي: (حينما كنت صغيراً كنت شديد النشاط و كنت أضطر لربطك في “كراع العنقريب” حتى لا تخرج من “جراية تصريف الأمطار” لتلعب على رمل الطريق. كانت جارتنا “آمنة بت الأمين” تطلق عليك لقب “راجل الدرب” لكثرة تواجدك في الشارع). وكان سائقو بصات العيلفون يعرفون هذه الحقيقة فحينما يقتربون من بيتنا ينتبهون جداً ليتأكدوا من أنه لا يوجد “شافع” نصفه مدفون في التراب في وسط الطريق.

فتحت عيني وأنا في الثانية أو الثالثة على غرفة كبيرة  بنيت من الطين المسقوف بالقش المنثور على أعواد متعارضة وعمود فلكابة كبير يستند على شعبة من الخشب في وسطه وأربعة “طيق” صغيرة لدخول الهواء والإنارة، وباب من الخشب له “طبال” ومفتاح من الخشب. والغرفة متصلة بقطيع هو عبارة عن مخزن وضع فيه كل شيء: جوالات العيش “الفتريتة ” أو “الحميسي” والبروش، والقفاف، والأواني وصندوق كبير “سحارة ” وكل ما يمكن أن يخطر ببالك من أشياء!!

وكان  مطبخنا هو “التكل ” الذي وضعت به محراكة من الحجر لطحن الدقيق إذ لم تكن الطواحين الحالية  قد دخلت العيلفون في ذلك الزمان، وكانت بجانبه الدوكة المصنوعة من الطين المحروق تستخدم للعواسة!!

كنا نتحلق جميعنا من بعد صلاة الفجر حول نار الكانون التي توقدها أمي من الفحم لصنع الشاي بالحليب الطازج من غنيمات في زريبة خلف قطيع البيت الذي كان نصفه زريبة والنصف الآخر “مستراح”، وكنت أستدفيء شتاءً قبل أن توقد أمي الكانون بلمبة “الجاز” التي تضاء لحلب الغنم قبل صلاة الفجر وتجهيز حاجيات أبي ليذهب للجزارة. وكنت أضع يدي الصغيرتين في أعلى اللمبة أو أحلق ذراعى حولها لأحتويها وأحس بالدفء في صدري وكثيراً ما كنت أغفو فألصق صدري دون قصد بحافة اللمبة المتوهجة لأقفز مذعوراً من لسعة الألم حينما أشم رائحة صدري المشوي وتبقى آثار اللسعة المنتفخة في صدري أياماً أو أسابيع مثل الوسمة !! ولكنني كنت أخفيها من أمي لأنها لو رأتني لأخبرت أبي وياويل من يقع في قبضة أبي!

النسب


  • بسم الله  الرحمن الرحيم

    نسب عمر أحمد فضل الله من جهة الآباء:

  •  عمر بن أحمد بن فضل الله بن الفحل بن الفقيه الطاهر بن الفقيه عمر بن جاه الله بن محمد قارح بن عبد الله بن أحمد بن عبد العزيز بن أحمد بن حمد القاتم بن عبد الباقي بن أحمد بن نافع بن عدلان بن عرمان بن ضواب بن غانم بن حميدان بن صبح بن  مسمار بن سرار بن السلطان حسن كردم الفوار بن أبي الديس بن قضاعة بن عبد الله حرقان بن مسروق بن أحمد بن ابراهيم جعل، بن إدريس بن قيس، بن عدي، بن  قصاص، بن كرب، بن محمد هاطل، بن أحمد ياطل[fusion_builder_container hundred_percent=”yes” overflow=”visible”][fusion_builder_row][fusion_builder_column type=”1_1″ background_position=”left top” background_color=”” border_size=”” border_color=”” border_style=”solid” spacing=”yes” background_image=”” background_repeat=”no-repeat” padding=”” margin_top=”0px” margin_bottom=”0px” class=”” id=”” animation_type=”” animation_speed=”0.3″ animation_direction=”left” hide_on_mobile=”no” center_content=”no” min_height=”none”][1]، بن ذي الكلاع، بن سعد، بن الفضل، بن العباس، بن الإمام محمد، بن الإمام علي السجاد، بن عبد الله بن العباس، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الذي ينتهي نسبه إلى نبي الله إسماعيل، وإلى نبي الله إبراهيم، صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين.

     وقد ذكر جدنا الفحل رحمه الله أن نسبنا هذا  متصل منقول عن الآباء والأجداد. ومدون في كتب الأنساب والتاريخ. وقد ألف آباؤنا  وأجدادنا في تاريخ وأنساب جميع القبائل العربية في السودان. وتعد كتاباتهم ومؤلفاتهم مراجعاً يأخذ منها من أراد معرفة أنساب القبائل العربية في السودان. وقد كتب جدنا الفحل بن الفقيه الطاهر كتابه المشهور: تاريخ وأصول العرب بالسودان ذكر فيه أنسابنا مفصلة والحمد لله.

    نسب عمر أحمد فضل الله من جهة الأمهات:

    عمر أحمد فضل الله الفحل.

    والدتي: سارة بنت محمد علي بن النصري، ووالدتها عائشة بنت الفقيه أحمد بن الفقيه علي صاحب الخلوة المشهورة لتعليم القرآن الكريم خلف مسجد الشيخ ادريس بن محمد الأرباب.

    ووالدة أحمد فضل الله: ريا بنت ولد أحمد الفقيه.

    ووالدة فضل الله ولد الفحل: العازة بنت الفقيه محمد.

    ووالدة الفحل بن الفقيه الطاهر: ريا بنت الفقيه الفحل . وأمها ريا بنت آمنة بنت فضل الله ولد عطا المنان النفيعابي الجعلي. ووالدتها هجيتي بنت اسماعيل.

    ووالدة الفقيه الفحل والد ريا: النخيل بنت الفكي شيخ الولي الصالح ولد الفكي عبد الصادق صاحب المسجد في أم دوم ومدفون جوار ذلك المسجد. ووالدة النخيل صلحة بنت عبد الحميد المشيخية.

    ووالدة صلحة: هجوة بنت الخليفة بركات خليفة الشيخ ادريس ولد الأرباب شقيقة الخليفة محمد. ووالدة هجوة: الرقاقة بنت الشيخ خوجلي وأخواتها الجاز وهدى.

    ووالدة الفقيه الطاهر بن الفقيه عمر: فاطمة بنت الخبير. ووالدتها: أم انعام بنت الفكي حامد ولد محمداني. ووالدة أم انعام: زينب بنت الفكي حمد ولد مكي الحريزابي.

    ووالدة الفقيه عمر: فاطمة بنت عدلان ولد أحمد ولد محمد ولد الشيخ حميدة صاحب القبة في السيال ولد الفكي حمد ولد خصيم ولد سخي ولد نفيع جد النفيعاب.

    ووالدة جاه الله: رابحة بنت الهجا محمدابية.

    ووالدة محمد قارح:  منيو بنت الشيخ عبد الرازق.

    قال جدي الفحل رحمة الله عليه: وما سمعنا من أسلافنا اختلاطاً بالأعاجم قط والحمد لله على ذلك.


    [1]
    . هكذا أثبتها جدي رحمه الله: (ياطل) بالياء  المثناة التحتية ثم حاول تعليل الاسم عند ذكر سيرة العباس بن الامام محمد فقال : (باطل، لا أدري لعل نقطة الباء الموحدة مالت فقريء ياطل وأظن الحقيقة سمى باطل من البطل الذي تبطل عنده الدماء وذلك لأنه كان فارسا). وأيا كان الاسم فهو علم لا يعلل والله أعلم.

[/fusion_builder_column][/fusion_builder_row][/fusion_builder_container]

المؤتمر العام الأول ، تحت شعار ، المكتبات السودانية و تحديات القرن الحادى و العشرين، قاعة الشهيد ،الخرطوم 17 – 18 أكتوبر 1998


المؤتمر العام الأول ، تحت شعار ، المكتبات السودانية و تحديات القرن الحادى و العشرين، قاعة الشهيد ،الخرطوم 17 – 18 أكتوبر 1998 متابعة قراءة المؤتمر العام الأول ، تحت شعار ، المكتبات السودانية و تحديات القرن الحادى و العشرين، قاعة الشهيد ،الخرطوم 17 – 18 أكتوبر 1998