قصيدة “سيرة” للشاعر محمد المهدي المجذوب


نحو أدب سوداني أصيل: نحن دائماً نحن إلى القديم الماضي من آداب أهل السودان بيد أنها نقية أصيلة. أين شعراء اليوم من شعراء الأمس؟قصيدة “السيرة” للشاعر المبدع محمد المهدي المجذوب تشهد لي بأن ماسطره بالأمس لا يقدر شعراء اليوم على مجاراته فهو قد نقل لنا صور الأعراس السودانية الشعبية الأصيلة القديمة بكل جمالها، نقلها إلى أذهاننا فرسخت فيها وبقيت أكثر من تمثال مريا. وإن غاب واقعها عن شباب اليوم فاكتفوا بأعراس قلدوا فيها الإفرنج أو الشرق والغرب. أين هؤلاء من العرس البلدي الجميل. تعالوا نعش ليلة من ليالي العرس الجميل في القرية:

البُنيَّاتُ في ضِرام الدَلاليكِ تَسَتَّرْنَ فتنةً وانبهارا
من عيون تلفَّتَ الكُحلُ فيهنّ وأصغى هُنيهةً ثمّ طارا
نحن جئنا إليك يا أمّها الليلة بالزين والعديل المنُقّى
نحن جئناك حاملين جريد النخل فألا على اخضرار ورزقا
العذارى ألوانهن الرقيقات نبات الظلال شفَّ وحارا
رأمته الخدور ينتظرُ الموسم حتى يشع نورا ونارا
ينبري الطبل ينفض الهزج الفينان طيرا تفرقا واشتجارا
موكب من مواكب الفرح المختال عصرا في شاطئ النيل سارا
الجمال الغرير يسفر غفلان فلم ننس في الزحام الجوارا
والعبير الحنون هلل في صدري طيفا موصلا واعتذارا
نحن جئنا إليك يا أمها الليلة بالزين والعديل المنقى
نحن جئناك حاملين جريد النخل فألا على اخضرار ورزقا
ومشى بالبخور من جعل الخدمة في الحي نخوة وابتدارا
حافيا مسرع الخطى باسم النجدة حيًّا حفاوةً وابتشارا
وعجوز تحمست حشدت شعرا تعالى حماسة وافتخارا
قلبت صوتها تأمل أمجادا قدامى فرق حينا وثارا
رفعت فوق منكب طبلها الصيدح تحت الأكف خفقا
يتغنى لأنفس إن تشهيّن طلبن الحلال قسما وحقّا
وتشيل البنات صفقا مع الطبل ورمقا من العيون ورشقا
وغزالٍ مُشاغبٍ أصلح الهدم أراني في غفلةِ النّاس طوقا
تتصدى حمامة كشفت رأسا وزافت بصدرها مستطارا
شلخوها حتى تضيء فأضمرت حنانا لأمها واعتذارا
وطني كم بكيتُ فيك وخانوك وصدقت دينهم والدمارا
نحن جئنا إليك يا أمها الليلة بالبحر والعريس والمنقى
حجبوها وليّنوا العيش ما كان حجاب الكنين قيدا ورقا
هي ستُّ البنات ستُّ أبيها كرما يحفظ الجوار وصدقا
وجلوها فريدة جفل الغواص عن بحرها خطارا وعمقا
وهوى عاشق وطار وأهوى السوط رعدا بمنكبيه وبرقا
يتحدى عقوبة الصبر فالحرمان أمسى من السياط أشقا
مُهرة “حرة” وتنتظر الفارس يحمى حريمها والذمارا
وأتاهُ العبير من خمل الشبال حياه جهرة لا سرارا
موعد لا لقاء فيه وتاجوج تولت عفافة وانتصارا
وبنان توضحت وطواها الثوب حيا ببسمة تتوارى
نفضت عن سوارها بصري يسعى إليها فما تحب الحوارا
لهف نفسي على صباي الذي كان وما فيه من لعاب العذارى
من عذيري من غربة أخذت روحي وألقت علىَّ وجها مُعارا
ما سقتني على الظمأ شفة خضراءُ أحلى من الزُلال وأنقى
كشفت وجهها وزينتها الحُسنى وكم أشتهي وكم تتوقّى
غسلت مهجتي بطهر سجاياها فلم ترض أن نهون ونشقى
سُنّة العشق في بلادي كتمان وبُقيا على المحارم وثُقى
وافترقنا على حنان نُواسيه وكان الفراقُ جدا ورفقا
أنا أهواك يا بلادي ما واليتُ غربا ولا تبدلت شرقا
ما طموح الموظفين إلى الجاه طموحي مع المساكين أبقى
آه من قريتي البريئة لا تعلم كم في مدينة الترك أشقى
فندق لا جوار فيه ولا أرحام تنهى ولا معارف تبقى
وطواني الدُّجى هناك ومصباحي عمى في صخرة الليل يرقى
أشتهي الدلكة العميقة والكركار والقرمصيص ماج ورقا
وبعيني قوافل النخل والنيل حداها تجيء وسقا فوسقا
بردت جرتي وذا القرع المنقوش يسقى حلاوة النيل طلقا
***