رواية الدكتور عمر فضل الله (رؤيا عائشة)


رواية الدكتور عمر فضل الله (رؤيا عائشة)

قراءة اجتماعية وتاريخية جديدة في حياة الإمام المهدي والمهدية

الدكتور عز الدين ميرغني

لأن دور المؤرخ في السنوات الأخيرة، أصابه العديد من التساؤلات، فقد أصبح دور الرواية كبيراً، في قراءة التاريخ بإمكانيات الرواية العديدة والمفتوحة، والتي تستمد مرجعيتها من عدة مصادر أهمها العلوم الاجتماعية، وعلم الفلسفة، ثم ثقافة الروائي ومقدرته التخيلية داخل نصه الروائي. ولذا أصبح دوره يفوق دور المؤرخ التقليدي، الذي لا ينفتح على تلك التجارب والمرجعيات.فمع التفتح الحاصل في العلوم الانسانية والاجتماعية ظهرت كتابات جديدة متعددة وخصبة أهمها سير الحياة وسير الناس العاديين وسير فكرية استطاعت أن تفرض نفسها كحقل جديد يتصالح فيه التاريخ مع الرواية لإحياء الذاكرة التاريخية. ورواية “رؤيا عائشة” ما يحمد لها أنها قد كتبت التاريخ الفردي الرائع للإمام المهدي والذي أهمل كثيراً وضاع بين أقلام المؤرخ الأجنبي الذي لا يخلو من الغرض وتلاميذه الذين ساروا على منهجه دون عناء البحث والتقصي. وقد انتهج الروائي عمر فضل الله في هذه الرواية والتي يمكن أن نطلق عليها “رواية معرفة” انتهج ما يسمى علمياً (رهانات كتابة البيوغرافيا أو السيرة الغيرية التاريخية في الرواية الحديثة). وفي فرنسا في السنوات الماضية القريبة، وفي الكتابات التاريخية المعاصرة، هناك عودة للموضة، عودة للسرد، عودة للتاريخ السياسي، ثم كتابة السيرة سرداً. ولقد أفلح الروائي عمر فضل الله، في هذه الرواية أيضاً بدخوله في الحياة الخاصة للإمام المهدي، عن طريق زوجته “عائشة”، والتي هي الراوي الحقيقي لسيرة هذا الإمام الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه. لكى يثبت للتاريخ أيضاً بأنه شخصية كانت مؤهلة للدور الكبير الذي قامت به فكرياً وسياسياً. والرواية غاصت بذكاء وعمق حتى في الحياة اليومية للإمام المهدي. وبهذا يؤكد الجهد المعرفي والبحثي الكبير الذي قام به الروائي عمر فضل الله، بحيث يجمع كل ذلك ويضعه في قالب الرواية وشكلها المتعارف عليه.في هذه الرواية والتي بذل فيها كل هذا الجهد، لكي تحيا فيها الحياة الاجتماعية وحتى الفكرية المنسية لهذا الإمام والتي غطى فيها صوت المعارك وصليل السيوف عنها. فقد اكتشفنا ما يسمى حديثاً (بالصرخة البيوغرافية). وهي التي تؤكد فردانية الإمام المهدي، أو كما يقول الناقد الفرنسي الشهير “دولوز” فقد اكتشفنا في هذه الرواية العمق الفكري والديني والإنساني، بل حتى الجانب السياسي المخفي في هذه الشخصية المتفردة.ولعل العلاقة بين التاريخ والرواية ليست غريبة، فكلاهما يرضعان من ثدي الخبر. وأصدق الأقوال في ذلك، (أن التاريخ حبكات روائية)، وهو أيضاً (قص وسرد لأحداث حقيقية)، وكما قال الناقد الفرنسي الشهير “جيرالد جينيه”، (التاريخ هو رواية على لسان المؤرخ / المؤلف، لا على لسان الشخصيات نفسها أثناء الفعل). ورواية “رؤيا عائشة” تمثل البعد الزمني مع البعد الاجتماعي لشخصية الإمام المهدي. وإذا كان كما يقول البعض إن الكتابة التاريخية لا تتحدث عن الماضي إلا لكي تقوم بدفنه، ولكن الفن الروائي الأصيل والذي يوظف التاريخ، فإنه يقوم بإحيائه. ورواية “رؤيا عائشة” قامت ببناء حقبة مهمة من تاريخنا الحديث بطريقة فيها الحقيقة مغلفة بالخيال الذي تتطلبه الرواية. Fiction وحضور المادة التاريخية موجود في هذه الرواية ولكنه مغلف بطريقة إبداعية تخيلية، خاصة الحوار مع المهدي وملك الموت، والذي أورده الكاتب بمقدرة فائقة لكي يدافع المهدي عن كل اتهام وجه له. وأنه قد قبل هذا اللقب، لكي يجمع الناس حوله ليدحر الظلم والفساد الذي يراه حوله. قال وهو يدافع عن نفسه أمام عبد الله التعايشي (وما علامة هذا؟ وما هو دليلك؟ فقال له دليلي هو امتناعك عن قبول البيعة مثل ما فعلت الآن وهروبك منها، فالمهدي لا يعلم أنه المهدي…) وفي الحوارية الرائعة بينه وبين الخليفة عبد الله التعايشي أنه كان زاهداً في لقب المهدي، وهمه الأول كان محاربة الظلم والفساد والاضطهاد.لقد كان المهدي يتداعى في لحظات الاحتضار، وهو يخاطب ملك الموت ويخاطبه ملك الموت وهذه تقنية عالية استخدمها القليل من الكتاب في العالم، تقنية التداعي وقت الاحتضار وهي أشبه بالاعتراف الصادق والتداعي الحر، فقد دافع المهدي في هذه الفقرات القليلة عن كل تاريخه القليل الذي عاشه بعد حصار الخرطوم وسقوطها.ورواية “رؤيا عائشة” بهده الحوارية قد خرجت من ما يسمى بالتاريخ الجامد، لحكاية الأحداث. وقد أتاح الكاتب لشخصية غير المهدي أو غير المقربين إليه، لتصفه وصفاً دقيقاً ورائعاً، وهي شخصية “ميمونة المجنونة”، وهو وصف برؤية نسائية صادقة بعيداً عن أهواء المؤرخين، وهذه الميمونة عندما هامت وتعلقت به فقد كان شخصية عادية تراه يأكل الطعام وتتبعه وهو يمشي في الأسواق، وكان هيامها به هياماً روحياً، وليس عشقاً جسدياً. (محمد أحمد من مثله؟ فأنتم لا تشبهونه … فأي بنت كانت تراه، ثم لا تشهق محبة له وتولهاً به؟ كان رجلاً فحلاً، وكان اسماً على مسمى، وكان قوي البنية، وبشرته سمراء، داكنة ومصقولة وبراقة، يلبس الجبة المرقعة بشرائط قطنية متعددة الألوان، ويضع فوق رأسه طاقية بيضاء ويلف حولها عمامة، ويلبس سروالاً فضفاضاً وصندلاً في قدميه، وأصابع يديه طويلة ومستقيمة، وأظافره نظيفة ومقصوصة ومرتبة دائماً، ولكن مهما قلت فلن أستطيع وصفه فهو عصي على الوصف.) وعندما تقربت منه قال لها: (أنا رجل فقير وأخشى الفتنة). ولعل وصف ميمونة وتولهها به، والتي ليست مجنونة، يضيف إلى شخصية المهدي بعداً روحياً عميقاً تقربه من درجة الصلاح والولاية.ركزت هذه الرواية والتي تناولت سيرة الإمام المهدي، بعيداً عن البطولة والانتصارات، وإنما كشفت عن الجانب الإنساني العظيم والذي بداخله وتغافلت عنه كتب التاريخ الصامتة والجامدة، ذلك الذي رفض أن يقتل غردون، وقتل بدون علمه، وسبيت النساء وقتل العلماء أيضاً بدون علمه مما يدل على أن كل ما ارتكب من أخطاء في فترة حياته القصيرة ما كان مسئولاً عنها، وكل ما تم بعد مماته المشكوك فيه كان سيتبرأ منه.لقد تميزت هذه الرواية بعدة مزايا من ناحية الشكل الفني، فقد وظف الكاتب فيها ما يسمى (التناوب) فقد كانت حياة المهدي تسرد عن طريق زوجته عائشة، والتي أخذ عنها جد الراوي الذي رواها له والده فاكتسبت من هنا مصداقيتها وحقيقتها التاريخية. ولا يستبعد أبداً أن يكون الراوي الحقيقي هو مؤلف الرواية نفسه، والذي سمع من أبيه الذي سمع من جده. والراوي الحقيقي هو عائشة، والتي تجعل المصداقية في قمتها لأنها أقرب الناس إليه. وأقرب الناس إلى حياته الخاصة البعيدة عن التفخيم والتضخيم وعن التزوير أيضاً. فشهادتها ليست سماعية hear saying مشكوك في أمرها، وإنما رواية صادقة خالية من الغرض، وعندما كانت تروي ذلك كان المهدي في رحاب الله. ولذا أدخلت ما روته عن المهدي في مدرسة روايات الحياة التي تتناول الحياة الخاصة لمن تروي حياته وسيرته. ومن هذه التقنيات التي وظفها الدكتور عمر فضل الله في رواية “رؤيا عائشة”، تَخَلَّصَ بذكاء واحتراف الكتابة الروائية، تَخَلَّصَ من عبء التاريخ الصامت الثقيل والموجود في الكتب التي يعرفها حتى طلاب المدارس الثانوية في حصص تاريخ السودان الحديث، وتَخَلَّصَ من قيود السيرة الغيرية التي تجعل كاتبه ناقلاً يعتمد على مصداقية الآخرين أو كذبهم. ولقد استطاع بمعرفته للتاريخ الشخصي للمهدي، وأخذ الخطوط العريضة لمفتاح شخصيته وخاصة الجانب الروحي فيها فقد كان متصوفاً بدون شطح وخروج، وكان سنياً بدون تطرف وغلو، وبهذا تكون شخصيته متوازنة وهي المفتاح الرئيسي لشخصيته التي جمعت لها القيادة حباً وطواعية. وهو الجانب المهم والذي غفل عنه المؤرخون جهلاً أو قصداً وعمداً وتنبهت له بجرأة ومعرفة رواية “رؤيا عائشة”.تقول عنه عائشة: (إلا محمد احمد فقد كان دائم الجذب، رغم أنه كان حافظاً للقرآن، دارساً لفقه مالك وموطأ مالك، وفقه الشافعي، وأبي حنيفة إلا أنه رفضها جميعاً وقرأ مؤلفات محي الدين ابن عربي والإمام الغزالي، وكان مطلعاً وقارئاً فلا أظنه كان يجهل صفات الإمام المنتظر. وأظنه كان مدركاً أيضاً في أول الأمر، أنه ليس المهدي، ولكنه قبل دعوى المهدوية لكونها توصله لغاية جمع الناس حوله، لحرب الأتراك، ثم يبدو أنه أشربها في نهاية الأمر، وصدق أنه هو المهدي المنتظر).إن رواية “رؤيا عائشة” تدخل بجدارة في روايات ما بعد الحداثة، فبجانب تلك التقنيات في الشكل التي توظف جيداً، فأضاف لها المؤلف تقنية التناص Intertextuality ليجعل من نصه الروائي يتفاعل مع عدة نصوص أخرى. وفي هذه الرواية، يمكنكم تتبع التناص على شكل المحتوى والمضمون، فيستعين الروائي عمر فضل الله في صورة اقتباس (ميتا نصي) بالآيات القرآنية، وأقوال محي الدين بن عربي، وبعض الفلاسفة من المتصوفة الذين تناسب لغتهم اللغة السائدة في زمن الإمام المهدي. وفي هذه الرواية زالت الحواجز بين النصوص الأدبية Fiction والنصوص غير الأدبية Non Fiction وتلاشت الحدود بين الشعر والنثر، مولدة نسيجاً أدبياً يقبل التعددية والتنوع ليقدم وجبة دسمة يتمكن خلالها القاريء من إعادة النظر في المسلمات التي ملأوا بها أفكاره عن هذه الشخصية السودانية العظيمة والتي كانت مواكبة في أقوالها ما قامت به أفعالها.لعل هذه الرواية، قد كتبت الكثير من المسكوت عنه تاريخياً، بأسلوب هاديء وجاذب ومقنع للمنطق التاريخي للأحداث، وتعتبر رغم بعدها عن الكتابة التاريخية الفجة، بأنها وثيقة اجتماعية عن حياة المهدي الحقيقية، وزهده في السلطة والتسلط وسفك الدماء ورفضه منذ البداية فكرة المهدي المنتظر، فهو قد كان يعرف مبدئياً الحال والفساد الأخلاقي الذي وصلت إليه بلادنا في فترة التركية والكولونيالية البريطانية. ولعل عنوانها وعتبتها الأولى كانت أول عوامل الكشف والجذب لها بحيث أن الرؤيا تمثل الكشف الصادق والحقيقي وعندما يكون من امرأة فهو يؤكد مصداقيته أكثر من رؤيا رجل، قد يكون ضحية لأفكاره وأجندته المعلنة والخفية، وهذه المصداقية جعلت المرأة على مدار التاريخ تبتعد عن كتابة التاريخ، وتقترب أكثر وأكثر من عالم الحكاية والسرد.

شهادة الدكتورة عفاف عبد المعطي عن أعمال عمر فضل الله


فى المرة الوحيدة التى التقيت بها بالمفكر الكبير إدوارد سعيد فى منزل أستاذتي ومشرفتي في مرحلة الدكتوراة الدكتورة فريال جبوري غزول قبل رحيله فى 2003 وكنت أكتب عن كاتب مفضل لديه وكذلك تلميذه وهو الكاتب الأمريكى الأشهر بول أوستر. كنت طالبة صغيرة صامتة فى حضور الكبار، وكان سعيد دائماً ما يتحدث عن همّه الأكبر متمثلاً في العلاقة بين الشرق والغرب، بينما وجدتنى استأذن في سؤاله قائلة: لماذا لا تكتب نقداً ادبياً كثيراً على الرغم من تدريسك للآداب السردية المقارنة في جامعة كولومبيا. أجاب سعيد بهدوء وروية لأنني قلما أجد الكاتب حريف السرد. استفسر الحضور كيف يكون الكاتب حريف سرد! قال سعيد: حريف السرد هو الذى تعلو لغته فوق أحداث النص. هو الكاتب نادر كتابة الحوار في نصه الروائى. تذكرت تلك الواقعة وانا أقرأ للكاتب الكبير فخر السودان الحبيب: عمر فضل الله، الكبير قيمة وقامة ومن يقرأ له ويتعمق في عالمه الروائي في لغة شديدة البلاغة محسوبة الإمتاع كتبها كاتب بقلم مدرب وحفظ التاريخ وتماسه مع الواقع تضفيراً لنص يتجاوز العوالم التقليدية. من يقرأ له مدين بالكثير فأنا مدينة بمتعة القراءة لنص أنفاس صليحة (الجدة العظيمة التى يشهدها الحفيد على الواقع الذى صار أكثر إيلاماً) وكذلك نص رؤيا عائشة والتناص المبهر بالقرآن الكريم. نصان بطلهما بلا منافس اللغة الإبداعية العميقة لكاتب يتعب ليؤسس ثقافة جيل عبر نصه التاريخى الذي تجاوز المفهوم التأسيسي لجورج لوكاتش في كتابه الأشهر “الرواية التاريخية”. اقرأوا يا أصدقائى لعمر فضل الله تجدون متعة شائقة في نصوصه.الدكتورة عفاف عبد المعطي. دكتوراه الأدب المقارن – الجامعة الأمريكية بالقاهرة

رواية رؤيا عائشة

متعة القراءة وأفضل الروايات مع عمر فضل الله


كتاب الأستاذ صلاح عمر الشيخ:
طالت (الحبسة). الالتزام ضروري وصعب جداً. كان لابد من الاستفادة من الوقت والعودة للقراءة التي لم تعد كما كانت قبل انتشار الانترنت الذى سهل علينا كثيراً وتدفقت المعلومات بسهولة ويسر. العالم كله أصبح أمامنا عبر جهاز صغير، لو قيل لنا فى السبعينات إن ذلك سيحدث لاعتبرناه خيالاً علمياً غير ممكن.

متعة القراءة أصبحت ممكنة في أي وقت، إلا أن متعة البحث عن كتاب في معارض الكتب والمكتبات لم تعد جاذبة.والبقاء فى البيت أتاح لنا العودة للقراءة،

أفضل الروايات:
========
خلال هذه الفترة التي تجاوزت الشهرين قرأت العديد من الروايات لكتاب نعشقهم ولا نمل إعادة قراءتها: الطيب صالح، غابريل غاريسا ماركيز.

توقفت عند سلاطين باشا والسيف والنار واكتشفت كتاب جدد: عبد العزيز بركة ساكن فى امرأة من كمبو كديس، وحجي جابر الكاتب الارتري فى سمراويت.

أما صديقي الدكتور عمر فضل الله ذلك الروائى الرائع القادم بقوة والحاصل على جوائز قيمة جائزة الطيب صالح و كتارا عن راويته أنفاس صليحة وتشريقة المغربى، فقد قرأت كل ما أنتج وهى: ترجمان الملك، وتشريقة المغربي، وأنفاس صليحة، ونيلوفوبيا، ورؤيا عائشة، وفى انتظار القطار، وأطياف الكون الاخر.

دكتور عمر فضل الله كاتب بارع يمكن أن يكون امتدادا وخليفة الطيب صالح لأسلوبه السلس وعباراته الرشيقة. يتميز فى سرده الروائي الممتع باستدعائه للتاريخ، فهو كما نقول بالعامية (حكاي) يجذبك كما الحبوبات زمان لحكاياته والتى يحول فيها الأحداث التاريخية إلى رواية ممتعة وشخصيات حية تعيش معها الحكاية والأحداث لحظة بلحظة ولن تترك الكتاب إلا حينما تنتهى الحكاية.

أهم ما يلفت النظر لروايته هو تعريف القارئ العربي بالتاريخ السوداني خاصة الممالك السودانية الاسلامية سنار والعبدلاب وعلوة المسيحية ومعالجة الأحداث من وجهة نظر سودانية. وفى رؤيا عائشة أحداث المهدية. وكما أشرت المعالجة والسرد يعالج أخطاء فى الروايات المكتوبة من أجانب في التاريخ السوداني مثل السيف والنار وحرب النهر.

أما روايته أطياف الكون الآخر فهي محاولة جريئة لدخول عالم الجن وتقريب الصورة من الخيال والأساطير إلى قصص القرآن وحقيقة هذا العالم الآخر. وأما نيلوفوبيا فهي سرد لمأساة غرق الباخرة النيلية العاشر من رمضان في مصر بذات الاسلوب الشيق فى السرد والحكاية.

هذه انطباعات سريعة عن روايات الدكتور عمر فضل غزير الإنتاج الذي حبب لنا جزءاً من تاريخنا وأعاد كتابته بشكلٍ روائي ليصحح أخطاء تاريخية انتشرت خاصة عند القاريء العربي.

صلاح عمر الشيخ.

قصة نجاح الروائي والأديب السوداني الكبير الدكتور عمر فضل الله


قصة نجاح الروائي والأديب السوداني الكبير الدكتور عمر فضل الله

15 APR · USARABRADIO

  • 00:48:49

حلقة خاصة من برنامج “قصة نجاح” مع الأديب والروائي السوداني الكبير الدكتور عمر فضل الله
الأمريكي الإقامة، السوداني المنشأ، المصري الهوىة

تناول اللقاء قصة نجاح الدكتور فضل الله وتجربته الأدبية والحياتية ما بين النشأة في السودان والتنقل إلى مصر ثم الإقامة في أمريكا

في هذا الإطار تحدث أديبنا الكبير عن نشأته بقرية العيلفون بالسودان، وطفولته التي قضاها في حفظ القرآن الكريم، ثم شغفه منذ الصغر بعالم الشعر والأدب والروايات، وحفظه للمُعلّقات، وتعلقه بالقراءة في الأدب العربي والغربي

وعرض اللقاء مجموعة من أبرز مؤلفاته ورواياته، خاصة تلك التي فازت بجوائز عربية وعالمية

كما تناول اللقاء جانبًا مميزًا آخر في حياة الدكتور فضل الله، وكيفية جمعه بين الأدب وعمله كخبير في مجال تقنية ونظم المعلومات وأنظمة الحكومة الإلكترونية، وأهم مؤلفاته في هذا المجال

بثت الحلقة 14-4-2020
يمكنك الاستماع إلى راديو صوت العرب من أمريكا على wnzk 690 AM
للإستماع مباشرة من كل أنحاء العالم عبر الإنترنت لموقع راديو صوت العرب من أمريكا arabradio.us/live
قوموا بزيارة : http://www.facebook.com/USArabRadio
الاون لاين راديو : http://www.radio.net/s/usarabradio
الموقع الإلكترونى : arabradio.us
تويتر : twitter.com/USArabRadio
انستجرام : http://www.instagram.com/usarabradio
اليوتيوب : US Arab radio

قراءة في رواية أنفاس صليحة – محمود توفيق حسين


رواية أنفاس صليحة للأديب السوداني عمر فضل الله، صادرة عن دار البشير، اشتغال فني رائع على التاريخ والجغرافيا وحركة الأعراق في السودان وبالخصوص في مملكة علوة، اشتغال على ساعة صعود الجنس العربي في تلك المنطقة في القرن الخامس عشر الميلادي، واحتضار الهوية المسيحية، وملابسات هذا الاحتضار، واكتساب السودان لشخصية جديدة بها حضور واضح للدين الإسلامي وللدم العربي، وصياغة فنية للتماوج والتدافع، والتسامح، والأحقاد، والتخريب، والقدرة الإنسانية على التعامل مع الهزائم الحاصدة والموت الجماعي.
العمل ناضج لدرجة تجعله في مصاف أدب الرحلة الروحية التي تغيِّر الإنسان، مثل الخيميائي لباولو كويلو، والحج إلى الينابيع للا نزا ديل فاستو، وقد كان الأديب حذرًا في أن لا يقدم نفسه كصاحب فلسفة، أو أديب فيلسوف، بل اشتغل بحب على مادته، بما يليق ببساطة الشخصيات التي تتحرك في جنبات الرواية؛ وإن كانت التقنية التي استخدمها، لانتقال السرد من الجدة لغيرها، ومنهم الحفيد، وهي على وعي لامتلاكها هذه القدرة الروحية الغريبة التي تجعلها تنقل الآخرين إلى معاينة مسارات من حياتها المدهشة الشاقة، هي تقنية لم تكن مستساغة بالنسبة لي، وتفقد السرد براءته الضرورية.
أثني كثيرًا على امتلاء الأديب من ناحية الوصف، وخصوبته في التعبير عن الحياة البرية بما فيها من نباتات وحيوانات، وخصوبته في التعبير عن الأزياء والعادات، وعلمه بالأمم والأجناس والقبائل في السودان والغرب منها، بحيث أخذ القارئ معه إلى هذه العوالم القديمة وتلك البقع الحيوية المثيرة خلف الكثبان الرملية. كان مدهشًا هنا وممتلئًا ونابضًا بحرارة السرد، ومأخوذًا بما يحكي.
وأثني كذلك على صبره وذكائه في التعامل مع التاريخ، الذي سمح له بنسج نسيجه بغير اندفاع وشطط، وبقدر من البراءة الذكية التي يجب أن يتحلى بها رجل ينحاز إلى القصة عندما يشتغل على مادة تاريخية، وبخاصة إذا كانت المادة التاريخية سائلة نوعًا ما، وتخص حقبة ثرية مبهمة شكَّلت في الدين واللغة والعادات والملامح.
وأثني بالطبع على اللغة الجميلة، ولغة الحوار التي كان لا يعوزه فيها امتلاك مفردات حياتية كثيرة تخص هؤلاء الناس؛ وإن كنت أعيب عليه في بعض الحوارات وضع كلمات مثل: التحولات، يشكل خطرًا، السلطة، على لسان امرأة مهما كانت أميرة سابقة، فهي كلمات ليست بنت ذلك العصر.
أما الأميرة دوانة، والتي تحولت إلى كائن مخيف يعيش عند ساقية الشيطان، حيث لا يجرؤ أحد على الاقتراب، والتي حلقت شعرها وشوهت وجهها بالنصل، كي تذهب في رحلتها للانتقام ممن قتلوا زوجها الأمير، فكانت ضربته الفنية الرائعة، وأضافت ثقلًا كبيرًا للقصة كلها، وصبغتها بتلك الصبغة التي يوفرها في الملاحم الإنسانية وجود شخص صاحب إرادة مذهلة، وأحقاده أقوى من أن يتحملها جسده.

محمود توفيق

رؤيا عائشة أم شهادة على عصر؟


رؤيا عائشة أم شهادة على عصر
قراءة في رواية الدكتور عمر فضل الله
بقلم: وداد معروف
رواية “رؤيا عائشة ” للروائي الكبير د. عمر فضل الله, صدرت هذا العام عن دار البشير للطبع والنشر، تقع الرواية في 192 صفحة, مقسمة إلى 13 فصل.
أهداها إليّ د/عمر فضل الله، في حفل توقيعها في معرض الكتاب 2020م, لكني قرأتها في هذه الأيام، أيام عزلة كورونا, باعد الله بيننا وبينها.
تبدأ الرواية بإهداء من الكاتب فيقول ” إلى أجدادي وآبائي الذين مضوا إلى الله, بعد أن تركوا من خلفهم وطنا يسع الجميع, وأجيالا طموحة تسعي لإعماره ……” هذا جزء من الإهداء
الدكتور عمر فضل الله اهتم بالرواية التاريخية المعرفية, فقد قرأت له من قبل روايته (أنفاس صليحة)، الحائزة على جائزة كتارا, ورواية (ترجمان الملك) و( تشريقة المغربي ) الحاصلة على جائزة الطيب صالح, وكل هذه الروايات هي من نوع الرواية التاريخية المعرفية.
والرواية التاريخية التي بدأها في الغرب والتر سكون الاسكتلندي بروايته ويفرلي 1814, بعدها ألف 55 رواية تاريخية, كان أساسها الصدق والحبكات الفجائية, وقد أدخل العنصر الفني والمنهج الأدبي في عرض أحداث التاريخ وأبطاله.
في الأدب العربي يعتبر النقاد والباحثون جورجي زيدان هو الأب الفعلي للرواية التاريخية العربية, فقد ألف 23 رواية منذ روايته الأولى (المملوك الشارد ) وإن كان النقاد عدوا رواياته من الروايات التعليمية, تطورت الرواية التاريخية علي أيدي كثير من الأدباء, وفي مرحلتنا تلك أبدع فيها أيضا واسيني الأعرج في روايته ( مسالك أبواب الحديد ) عام 2005 التي اختار لها الشخصية الجزائرية الرمز “عبد القادر الجزائري”, الذي قاوم الاستعمار وآمن بالتفاوض.
وتعد الرواية التاريخية أسلوبا للبحث عن الذات القومية المنتصرة ومحاولة لإسقاط الماضي على الحاضر, هي محاولة لالتقاط ما هو جوهري وجدلي في علاقة الإنسان بالتاريخ, وروايتنا هذه من الروايات المعرفية التي يعد السرد فيها إبحارا مفتوحا للكشف والاكتشاف, والمعرفة في الرواية هي الرسالة الخفية, ويعد تضمين الأدب نصوصا فلسفية وصوفية ورؤى كونية ذات تطلعات سامية هو إنتاج للمعرفة, مما يسهل وصول المعرفة إلى القارئ, باستدعاء شخصيات تاريخية لها رمزيتها المعرفية.
كانت هذه المقدمة هامة للتوطئة للحديث عن رواية الأديب الدكتور/ عمر فضل الله ( رؤيا عائشة ) فبطلها هو أحمد محمد المهدي, قائد الثورة المهدية في السودان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس, وجمع منجزه الخطابي والعلمي في ستة مجلدات, بدأت الرواية بالحديث عن رؤيا المنتظر التي رأى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما يبشره بأنه المهدي المنتظر وأن من يخالفه كافر وأجلسه على مقعده.
استخدم كاتبنا تقنية الاستدعاء, فعن طريق الحفيد الذي سافر مع والده من خلال رحلة بالتروماي في ستينيات القرن الماضي, من منطقة الأشكلي قاصدين الخرطوم, وخلال تلك الرحلة لم يترك الوالد يد الابن, ظل قابضا عليها وهو يستعيد أحداث الثورة المهدية, ويحكي عن المهدي وحياته التي بدأها من لحظة احتضاره وبرفقته زوجته عائشة, تلك التي جعلها الكاتب راوية الأحداث شفاهة للجد الذي حكي بدوره للأب الذي يحكي الآن لنا فنسمعه مع ابنه, في الرحلة إلي الخرطوم.
لم تكن عائشة تحكي الأحداث فقط وإنما كانت تدافع عن التهم الموجهة للمهدي, أيضا كانت تخبرنا وهي تحكي للجد عن زوايا في حياة المهدي نجهلها, وتكشف لنا أسباب اتخاذه قرارات صادمة, فهي زوجته المحببة له التي تزوجها بعد وفاة أختها فاطمة, وكلتاهما ابنتا عمه, أحبها وقربها, وأسر لها بالكثير, حكت عن حواراتها معه, وكيف كانت تراجعه في المخالفات التي كانت ترتكب باسمه, رفضت أن يحرم على النساء الذهب والفضة, وأن يجلدهم على ذلك, وقالت غضبت من كلامه ورفعت رأسي عن صدره وقلت “وهل تظن أن هذا أمر حسن, النساء يجب ألا يعاقبن بالجلد، “ما أكرمهن إلا كريم”
وكانت رؤيتها, التي تسمت الرواية بها, ففي أثناء احتضاره رأت في المنام أنها هي أيضا تحتضر, وانتقلت إلي حالة مابين الموت والحياة, فتقول: “رأيت بالبصيرة أننا في برزخ بين السماء والأرض, وكأنه قد كشف عنا الغطاء, ثم رأيت أنا نستفتح بابا في السماء, وبعد قليل فتح ذلك الباب ….”
استغرقت هذه الرؤيا عشرين صفحة من الرواية, من ص72 حتى ص 92, كانت كلها مثولا للمهدي أمام الحساب, وسؤاله عن كل ما فعل وما قام به من ادعاء المهدية والحروب التي سعرها وقتل فيها العلماء والشيوخ والنساء وأراق الدم الحرام, والعقيدة التي فرضها, وتكفيره لمن لم يؤمن به, وتحريمه للمذاهب وحرقه كتبها, كل هذا وهو يدافع عن نفسه
كانت هذه هي محاكمة للمهدي استخدم فيها الكاتب هذه التقنية, كي يوقف لدينا المهدي أمام التاريخ بما له وما عليه.
في هذه الرواية عرفنا مدينة الخرطوم وما حفلت به من تحلل وانفلات بواسطة الاحتلال التركي والإرساليات, كانت مرتعا للرذيلة, حتى وصل الأمر أن يتزوج الرجل الرجل والمرأة المرأة.
الرواية حافلة بالأحداث التاريخية الهامة من حصار الخرطوم ومقتل جردون ذلك الحاكم العادل، الذي حظي بدفاع منصف من عائشة, كونه في الأصل قسيس لا يحب الظلم ولا يقبل الحرام في مطعمه أو مشربه, ويتصدق علي الفقراء, ويرق قلبه للضعفاء.
ونختم هنا بالقول الفصل في الحكم على المهدي الذي جاء علي لسان الشيخ مضوي العلامة الذي تعلم في الأزهر وهو من أعلام الفقه والفتوي, وممن عاصروا المهدي ولحق به في جبل قدير وحاوره كثيرا, حينما سئل عنه قال: أن محمد أحمد المهدي رجل غيور على الإسلام, لكنه ليس هو المهدي, ولما سئل عن ذلك قال, إن المهدي يخالف الإسلام في أساسيات, مثل أنه يكفر من لا يؤمن بالمهدية, التي هي ليست من أركان الإسلام, فالمهدية حركة سياسية أكثر من كونها حركة دينية, ومحمد أحمد عطل الحدود الشرعية, فمنع الحج, ولم تكن فيه علامة واحدة من علامات المهدي المنتظر.
لغة الرواية لغة جزلة راقية كما عودنا أديبنا الكبير د. عمر فضل الله, وبأسلوبه الجذاب السلس ظللت مسكونة بها حتي بعد أن انتهيت منها
كل الشكر لأديبنا الكبير الدكتور عمر فضل الله على هذه الوجبة الدسمة من المعرفة التاريخية التي قدمها لنا بأناقة أديب محترف, وفي انتظار المزيد من الإبداع الروائي المتميز.
وداد معروف

خيميائية عربية قراءة لرواية أنفاس صُليحة لعمر فضل الله


خيميائية عربية: قراءة لرواية أنفاس صُليحة لعمر فضل الله
عُمرسُليمان

رواية دسمة، تتلخص في (صُليحة) الجدة المُتجاوزة المائة من عُمرها، والتي يحكي لها زوجها وولدها وحفيدها قصة حياتها منذ بلغت العاشرة من عُمرها؛ لأنها تحب أن تسمعها منهم، بوسيلة غرائبية عَبر حُضن تلتقي فيه الخواطر والرؤى، يحكي لها حفيدها ـ ومنه إلى ولده أو ولد ولد ولده ـ قصة انتقالها من المغرب من بلاد شنقيط إلى وسط أفريقيا والسودان عبر السلطنات الإسلامية، حيث تُسافر عبر الصحراء خلف جدها الشيخ (عبدالحميد اللقاني) الذي ذهب للحج، وهو مَن رباها بعد موت والديها بالوباء، وكل منهما عائلة الآخر، وكل شغفه وشاغله، في مشاعر وَلهة متبادلة بين الطرفين برغم بُعد المسافات على مر الرواية، تتيه فيها (صُليحة) على الرمال بلا مُرشد سوى حدسها وشغفها حتى تقع مُنهَكة، فتنقذها قبيلة الحسَّانية، تتعرف فيها على صديقة قديمة كانت أنقذتها من قبل، (لُلَّاحَسِينة)، تُداويها وتُؤنسها وتُعلمها وتساعدها على اللحاق بقافلة جدها بأن تُلبسها ملابس شقيقها الهالك، وترفقها بقافلة الملح التي تتخذ سبيل القوافل والتجارة والحج، لكن عاصفة تفرقهم، فتضل، يعثر عليها قاطع طريق، فيعرف من بعيرها (مطيع) مكانتها في الحسَّانية رفعة المكانة وقوة البأس وشجاعة رجالها، فيُساعدها على بلوغ وِجهتها، ليضعها على مدينة (تيمبكتو) ويُحذرها من البقاء في المدينة المترعة بتجار الرقيق، تجد مخطوطة جدها عند بائع مخطوطات، فتعرف أنه مر من هنا وباعها من أجل الجوع الشديد، يُساومها البائع على إعطاءها المخطوطة بالبقاء مع أمه أسبوعين فتوافق، وتلتقي بها وتخدمها، يتحابان، فتُصارحها بأنها ليست إلا مجرد أسيرة قاطع طريق وتاجر رقيق مريضة مُقعدة، ومن ثم تساعدها على الهرب إلى قوافل الحج على بُعد وموعد مُعينين مانحةً إياها مخطوطة جدها وعن طِيب خاطر مهر زوجها قلادة ذهبية ثمنًا للرحلة، تذهب فيها لتلتقي بسيدة فقيهة عالمة ذات حسب ونسب وشرف، (ميمونة)، التي تُطلعها على أسرار مخطوطة جدها العظيمة. تتصاحبان وتتدارسان وتتسامران حتى وصولهما إلى مدينة (سُوبَا)، هناك تتركز الأحداث في الأبعاد السياسية والمؤامرات السلطوية في حقبة تاريخية سنة 1500ميلادية(القرن 15)، تظهر تفاصيل شخصيات نَوه عنها الكاتب في بداية الرواية، ويبدو كما لو صنع تشويقًا في البدء ليصله في الأحداث التاريخية الأخيرة. (عبد الله القِرِين) قائد قبيلة القواسمة العربية الكُبرى، ومُوحِد قبائل المسلمين، الذي حاصر (سُوبَا) عاصمة مملكة (عَلَوَة) المسيحية لإعادة كرامة العرب. الأميرة (دُوَانَة) وسكنها مع ابنتها (أُونَتِّي) في قفر الصحراء قًرب مسكن الجان عند ساقية الشيطان عشر سنوات بلا مأوى ولا طعام ولا شراب كافيين أو صالحين، تغُربًا وتواريًا عن قتلة زوجها الأمير (أُونْدِي) قائد الجيوش ومستشار الملك وولي العهد بعده، قتله وصلبه البطريرك المُتسلِط (دِيرِين) كاهن الكنيسة الفاسد وعدد من الأمراء الطغاة؛ ليستولوا على الحُكم، ويقوموا بتطهير عرقي غاشم من المسلمين في (سُوبا). استغل (عبدالله القِرِين) شغفها للانتقام من قتلة زوجها، وقام بإقناعها لتتعاون معه عبر خطة جهنمية على إضعاف الحُكام، ليسهل عليه اقتحام المدينة ويضمها للمجد العربي، وبالفعل دخلت (دُوَانَة) وابنتها (سُوبا) وتقربت من الأمراء بخدعة رهيبة أفشت الوقيعة بينهم. صاحبت (صُليحة) (أُونَتِّي)، وأمنتها أمها، فأسرت إليها بقصتها، فيما كانت تعمل على خطتها التي أوقعت قتلة زوجها في شر أعمالهم وحاق بكل واحد منهم مصيره المُهلِك، ثم خرجتا آمنات ظافرات، ليتمكن (عبدالله القِرين) من المدينة ويدخل بجيشه الذي كان يُحاصرها من سنتين فيدمرها تدميرا، وانقطعت أخبار (صُليحة). ينتقل الكاتب لخبر جدها الذي ذاق العناء والمشقة الشديدتين في الصحراء بين قطاع الطرق والجوع والتشرد من أجل حج بيت الله الحرام، ثم عاد بعد سنة، ليجد أن قريته قد هلكت عن آخرها بفعل الوباء، يحزن ويندم على تفريطه في حفيدته، ولم يكن منه إلا أن قرر أن يفني حياته في البحث عنها والسَير على خطاها من أجل إيجادها، حتى استيأس وبلغت به المشقة مبلغها، ليلقى مفاجأة كبيرة انتهت بها الرواية نهاية سعيدة.

ـ تتمتع الرواية بأسلوب شيق ورشيق مخدومة بأوصاف شاعرية للأفكار والمشاعر والأماكن والأشخاص وعناصر الطبيعة، تجعل النفس تبتهج بالتشبيهات والاستعارات الرقراقة والأنسنة، في كثير من مواضع الرواية مترامية الأحداث والمشاهد متزاحمة الشخوص. كأنما تنساب في الجوف كماءٍ زلال مستمد من أبيار الصحراء أو قنينة المؤن في هودجٍ ظليل تحت نيران الشمس.

ـ حِسها الديني مرتفع، على الصعيدين الإسلامي والنصراني، بحيادية روائية بارعة، وهو ما راقني للغاية، إذ أن الكاتب أثبت موهبته السردية، ولم يخجل من تخييم الأجواء الدينية ـ الإسلامية بالأخص ـ على الرواية، كما يفعل بعض الكُتاب، ثم يصنفون هذه الأجواء بدينية ووعظ مباشر! مع أن أعظم الكُتاب العالميين يُظهرون هويتهم الدينية ولا يجدون غضاضة في وسم شخصياتهم بالدين!

ـ الرواية مغامرة مُمتعة لا تقل عن روايات المغامرات العالمية المُشوقة، لكنها تحدث في مضارب رمال الصحراء العربية، من ناحية بلاد المغرب العربي، تنزل لأسفل إلى مجاهل أفريقيا ووسطها حتى دارفور والنوبة. تُؤرخ للقبائل والقُرى والحقبة التاريخية التي هيمنت عليها.

ـ الرواية وإن كانت تُذكرني برواية المملوك الشارد لـجورجي زيدان، ورواية الكونت مونت كريستو لـ أليكسندر ديماس في نصفها الثاني، إنما هي أقرب لرواية الخيميائي في بعض غرائبيتها وإسهاب وصفها وتأملاتها بين الصحراء والغاية القصوى لبطلها، لكنها أكثر واقعية وأكثر قبولًا وأبلغ روحًا وأشغف حبًا وعاطفة، تؤكد على مظاهر كثيرة في عالم الصحراء، وتُدون تفاصيل البداوة في أبسط وأجلى صورها. خيميائية خاضت الصحراء لغاية وجدانية خالصة ولَم شمل رحم قريب من الروح والنفس. إنها خيمياء تليق بطبيعة العرب المُرهفة المُترعة بالعاطفة، التواقة للتعارف والأُنس والدِفء العائلي.

ـ كنا نظن أن الصحراء صامتة وخاوية وجرداء، لكن بهذه الرواية نرى أن الصحراء أكثر صخبًا من المُدن، تحتشد بحكايات لا أول لها ولا آخر، هي مسرح مفتوح وواسع لكُتاب المغامرات والخيال الجامح الذي يحتمل الأساطير والشِعر والقصص والفروسية وقطع الطريق والسفر وهروب الضحايا واللائذين، وعُلو الدُول وزوال ريحها.

ـ يُمكن تصنيف الرواية كأدب رحلات في صورة رواية، فكثير من أسفار الحج وغيرها يكون مُتخماً بالقصص والروايات والأحداث طويلة الزمن، تروى في رواية طويلة يُمكن إدراجها تحت جنس أدب الرحلات.. فهي تجمع بين روايات المغامرات وبين أدب الرحلات، فهما جنسان خضعا للرواية واختلطا بها في صورة رومانسية جمة.

ـ المكان في الرواية هو البطل والمهيمن على الأحداث، لا يتحرك الزمن إلا لمكان، والزمن هو أداة المكان للحلول فيه ووصفه والاستمتاع به والتنقل بين أرجاءه والتمازج بناسه مهما اختلفت جنسياتهم وعشائرهم وألسنتهم. المكان هو الغاية الحقيقية لذاكرة الإنسان، شهادة، توثيق وتأريخ وحياة. ذاكرة الإنسان مرتبطة بالضرورة بالمكان، ومكانة الصحراء في ذاكرة الإنسان مكانة أصيلة وتوثق قيمته ووجوده وشهادته وخياله وفكره وأصالته وعُمقه وتسلسل أجياله. المكان هنا هو المطلوب والغاية.. بلاد المغرب وبلاد النوبة ووسط أفريقيا، الانتقال بينها جسر لا يمكن قطعه، ما دامت فلول البشر متناثرة بين طرفيه وبقاعه. إثبات للصلة والتواصل والارتباط. تكشف مدى العُسر لبناء الجسور بين الأمكنة، تحت لفح الحاجة والاحتياج، ليس فقط للمؤن الحيوي، بل للمؤن العاطفي والروحي. الصحراء ليست جرداء كما كنا نظن، بل هي موفورة بالحياة والحب والإنسانية والإيمان والطموح وأغذية البطون والأرواح. البشر يسري فيها فيُعمرها كسريان الماء في عروقها وشقوقها فيُحييها بالنبات والأحياء.

ـ رواية ذات حبكة جيدة، قالبها مُوفَق، بناءها مُتماسك، أسلوبها مُشوق، سياقها مسترسل وإن كان مكرراً في بعض الأحيان، مما يُربك المتلقي ويُشتته، لكنه لا يؤثر قط على متعته وإثارته فيها واجتياح كيانه بالحُب العظيم الذي غمر قلب (صُليحة) فخاضت أهوال الصحارِ، وتوغل من قلب (دُوَانَة) فخربت لأجله دولة.

. مما راقني للغاية هذا الحديث:
(الأمر متعلق بالمحبة يا ولدي؛ لأنك حين تُحب أحدًا حُبًا عظيمًا ويُبادلك ذلك الحب فإن روحيكما تلتقيان وتأتلفان وتتوحدان كواحدة، وتذهبان حيث يريد أحدكما أن يذهب، فيرى ما يراه الآخر. وأنا أحببتُ جدك حُبًا عظيمًا، وهو أحبني مثل ذلك، وتآلفت روحه وروحي فرجعنا للماضي معًا، وعشنا معًا، حتى تمكن من رؤية حياتي الماضية كلها. الأيام مطايا الأحداث يا ولدي والقلوب بوابات الزمن، فكل قلب له يومه، وكل يوم مدخله الخاص، فهو باب إلى الماضي يسوقك عبر درب غير درب اليوم الآخر، فترى من ناحية مختلفة لا ترى مثلها في اليوم الآخر).

لمَن أحب قراءة الرواية، مراسلتي،،،

#أميرالخيال
#عُمرسُليمان

نيلوفوبيا لعمر فضل الله – بقلم نهى عاصم


رواية نيلوفوبيا للدكتور عمر فضل الله

أسى أصاب عزو حينما كان سبباً -كما اعتقد دومًا – في غرق صديق الطفولة صلاح.. بكى عزو في نفسه وجلد روحه كثيرً وتحول إلى شخصية شريرة أرهقت الأطفال وأزعجت الأمهات فكان نصيبه يوميًا من العقاب في المدرسة .. ثم ترك عزو المدرسة عائدًا إلى خلوة القرإن التي هجرها قبلًا ثم التحق بالمدرسة المتوسطة وصادق أولاد من بلاد لا نيل بها وابتعد عن أبناء بلدته.. وفي الثانوية امتهن عزو لعبة السياسة والمظاهرات وتعرف على شاب به من روح صديقه القديم صلاح فتحول من مرحلة الشغب مع الطلاب إلى مرحلة الهتاف في وجه رئيس البلاد والخروج في المظاهرات ضد النظام .. موت صلاح قتل طفولة عزو الذي أخذ يحلم في مراهقته بعودته لبراءة الطفولة مثله مثل أطفال العيلفون ولكن أنى للأحلام أن تتحقق! يحكي لنا الكاتب على لسان عزو جمال قرية العيلفون : بيوتها ، تاريخها ، أسواقها ، ألقاب أفرادها التي التصقت بهم منذ الطفولة وظلت معهم ..وكذلك يحكي عن الحركات السياسية التي كانت في السودان في زمن الرئيس نميري.. وما أشبه السودان بمصر فهم يفخرون ويتباكون على العظام وليتهم يحاولوا أن يكونوا نصفهم.. يتحدث الكاتب عن مشكلات أزلية في مجتمعنا مثل عدم محاولة الزوج اشعر زوجته بحبه لها وهو الذي يحبها كثيرا ولكن هكذا هي مجتمعاتنا العربية .. ومثل تأخر سن زواج الفتيات .. وفي النهاية تنتهي مخاوف عزو من النيل ويهزم هواجس النيلوفوبيا بمأساة أبكتني كثيرًا وعشتها بقلبي وروحي وكأنها واقع وليست بخيال مؤلفها .. شكرًا دكتور عمر .. #نو_ها

قارورة العطر بقلم السيد الراعي


في رحاب كلية التربية جامعة عين شمس
مداخلة بعنوان “قارورة العطر”
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .
السيد الأستاذ الدكتور ماجد أبو العنين عميد كلية التربية جامعة عين شمس.
السيد الأستاذ الدكتور محمود الحنطور.
السيد الأستاذ الدكتور وائل على .
السادة الحضور جميعا .
بعد التحية
السادة العلماء الأجلاء , تحية إجلال وتقدير وعرفان, فكم أفنيتم من العمر والجهد والمال والطاقة حتى تبوأتم هذه المكانة الرفيعة, بارك الله جهدكم ونفع بكم.
أعزائي الطلاب اعلموا أن طريق العلم ليست سهلة مفروشة بالورود والرياحين, ولكنها تحتاج إلى الجد والعمل الدءوب .
ومثالنا في ذلك اليوم هو الأستاذ الدكتور عمر فضل الله الذي حاز أعلى الدرجات العلمية, وعمل أستاذا في جامعات أمريكا, وعمل رئيسا للحكومة الإلكترونية بالإمارات العربية المتحدة. ثم عمل على مشروعه الطموح “الرواية المعرفية التاريخية” .
وقد كان لي شرف قراءة خمس روايات منها, وكتبت عنها وهي:-
• ترجمان الملك: التي تعرضت للفترة التاريخية الخاصة بالهجرة الثانية إلى الحبشة فترة حكم ملكها النجاشي أصحمة بن الأبجر.
• أنفاس صليحة: التي تعرضت لمرحلة خراب مملكة عَلَوَة على يد عرب القواسمة
• تشريقة المغربي: التي روت تاريخ سلطنة سنار بعد خراب سوبا في أوائل القرن السادس عشر الميلادي.
• رؤيا عائشة: التي ذكرت تداعيات وتاريخ الثورة المهدية وما بعدها
• نيلوفوبيا: وهى مرحلة تاريخية حديثة إبان فترة حكم جعفر النميري, وحكى فيها مأساة غرق الباخرة “العاشر من رمضان” في بحيرة ناصر .
وما ميز الدكتور عمر فضل الله أنه درس تاريخ المنطقة, وننوه في هذا المقام أنه من مدينة العيلفون التي كانت عاصمة مملكة عَلَوة فترة حكم النجاشي أصحمة, ومأوى هجرة الطيبين في هذه الفترة .
تضلع الدكتور عمر جيدا بدراسة هذا التاريخ ثم قدمه للعالم وجبة سهلة مستساغة في صورة روائية, بتقنيات قص بديعة وأدب ولغة رائقة جزلة , وموسوعية معرفية وتاريخية .
وقد تميز أسلوبه في الرواية بالاعتدال؛ فلا هو بالطويل الممل؛ ولا بالقصير المخل , مما يأخذ بلب القارئ فلا يضيع حبل أفكاره أثناء القراءة .
وهو وصافة بارع , يصف الأشياء والأماكن ويذكر الأسماء وأصولها بأسلوب يعيدك لأيامه الحقيقية في التاريخ القديم , ويذكر الأحداث وتواريخها بدقة في ثوب روائي بديع متقن , فتارة تحس أنك تقرأ كتابا في التاريخ, وأخرى تجد نفسك تستمتع بتقنيات القص وحلاوة البيان وثالثة تتماهى مع إدهاش الأحداث ومآلاتها.
تتميز كتاباته بسهولة اللغة وجزالتها وفصاحتها مع شرح معاني ما قد يُحتاج إليه من أسماء قديمة ، فبعض الأسماء تندثر ويحل محلها أسماء أخرى , وتتحلى أيضا ببلاغة التعبير وجمال البيان , وسبك بين مجموعة من الدرر الثمينة التي مفرداتها (التاريخ، التراكم المعرفي، الخيال، اللغة، البيان، الإبداع)
ولا شك أن هذا كلَّه لا يتأتى إلا من معين ملئ بكل تلك النفائس.
” فقارورة العطر لا تمنح عطرا إلا إذا كانت مليئة به غنية بشذاه”
تحياتي لصديقي الحبيب
الدكتور عمر فضل الله
السيد الراعي

تفرد تقنية استجلاء الجواهر الدفينة في التاريخ وتقديمها في قالب روائي مغلف بالعجائبية.


د. إيهاب بديوي:
رواية ترجمان الملك للمبدع الكبير الدكتور عمر فضل الله نموذجا
مقدمة
لا تكاد تخلو جائزة أدبية كبرى في السنوات الأخيرة من رواية يمكن تصنيفها تحت المصطلحات المتقاربة في الدلالات المباشرة وغير المباشرة بالعجائبية او الواقعية السحرية والذي قدم من خلاله الكاتب ايضا رواية اخرى بعنوان اطياف الكون الآخر. ومن هذا المنطلق يمكننا القول أننا أمام تيار فكري روائي مستقل بدأ في العالم في منتصف القرن العشرين وتحديدا في أمريكا الجنوبية والذي يمكن أن نؤرخ له برواية بيدرو رامو الرواية الوحيدة للكاتب المكسيكي خوان رولفو. ومزج هذا التيار العجائبي بالتاريخ أيضا هو من علامات السرد الحديث. وفي اعتقادي أن أقصر طريق للجوائز العربية الكبرى حاليا هو اختيار مرحلة تاريخية غامضة في التاريخ العربي والاسلامي على وجه الخصوص ودراستها جيدا ثم تحدد براعة الكاتب مدى قدرته على عرض الأحداث في قالب روائي. والكاتب باحث تاريخي معروف. يظهر ذلك جليا في أسلوبه التوثيقي في روايتنا الذي حرص على سرد الحوادث الحقيقية بحيادية الباحث الأمين. لكن التفاصيل الروائية تؤكد مشروع الكاتب الذي توج بالحصول على جائزتين رفيعتين في عام 2018 جائزة الطيب صالح العالمية عن روايته تشريفة المغربي وجائزة كتارا عن روايته أنفاس صليحة التي هي في الحقيقة تطور لرواية ترجمان الملك حيث أنها تركز على مملكة علَوَة المسيحية في القرن السادس عشر الميلادي وخراب عاصمتها سوبأ. والكاتب دائما يذكر أنه يملك مشروع روائي معرفي يقدم فيه حقائق التاريخ في صورة روائية. ويعتبر فوز عملين في عام واحد بجائزتين هامتين نجاح لمشروعه وتتويج له.
مدخل إلى الرواية
العتبات
أولا / الغلاف
على الرغم من البساطة التي يبدو عليها، إلا أنه في الحقيقة يعبر بعمق عن محتوى الرواية بنقل التفاصيل الصغيرة التي تتجمع لتكون صورة كاملة عن البيئة التي تدور فيها الأحداث. مجموعة من الرجال الذيت يرتدون الملابس العربية يمتطون جمالا . أمام راعي غنم يحمل عصاه يصحبه كلب تقليدي. في عمق الصورة تظهر شخصية منحنية لشرب الماء من النهر الصغير. في الخلفية تبدو على البعد مجموعة اخرى من الجمال بجانبها مبنى حجري عملاق يبدو أنه قصر مشيد. صورة متكاملة مشوقة تعود بنا ذهنيا الى تصور أن الرواية لابد تحوي أحداثا تاريخية تناسب الملابس والدواب.
العنوان
يتكون العنوان من مقطعين. الأول تُرجُمان ويعني لغة من ينقل معنى الكلام من لغة إلى أخرى. والثانية هي الملك وتعني الحاكم المالك لمنطقة جغرافية محددة
الإهداء
قدم الكاتب في صورة غير تقليدية ثلاثة إهداءات. الإهداء الأول لشخصية الملك أصحمة بن الأبجر نجاشي ذلك الزمان. ونجاشي لقب يطلق على الحاكم في تلك المنطقة.
مقدمتان
المقدمة الأولى طغت فيها شخصية الباحث وشرح العوامل المحيطة بالرواية. المقدمة الثانية قادمة من قلب الرواية الذي اختاره الكاتب وهو الراوي سيسّي الذي تخيل الكاتب انه عاد للحياة ليروي اهم ما حدث نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الميلادي مع ظهور النبي الجديد في بلاد العرب
سوبأ عاصمة مملكة علَوَة
سيسّي بن أبيلّو بن دلمار الرواي الخيالي الذي استدعاه الكاتب من خرائب مقبرة الغنج.
شرح للرواية من خلال شخصية الكاتب
الحقيقة لا يمكن التعامل مع رواية تاريخية بعيدا عن شخصية وثقافة ورؤية الكاتب. والدكتور عمر ولد في السودان عام 1956 وحفظ القرآن مبكرا جدا. في السادسة من عمره. وهذا يعني بالضرورة تمكنا لغويا رفيعا وقدرة خاصة على استيعاب كل الثقافات ومعرفة وثائقية بالتاريخ والبلاد. كذلك قدرة بلاغية متفردة على عرض القضايا الفكرية بصورة سلسة وهادئة دون انفعال مذهبي أو تعصب لوجهة نظر محددة مسبقا. وقد كان متفوقا طوال عمره حتى انه من العشرة الاوائل في الثانوية. وذلك يحيلنا بالضرورة إلى ظهور النبوغ المبكر الذي اتضح بعد ذلك في كل خطوة من حياته. ثم حدثت في حياته ثلاث هجرات الأولى وهو في العشرين من عمره لاستكمال تعليمه في السعودية وتخصص في الحاسب الآلي وتفوق فيه تماما ثم حصل على الماجستير والدكتوراة في نفس التخصص من الولايات المتحدة. عاد إلى السودان وأسهم مباشرة في تطويع علمه لخدمة بلده. ثم جاءت الهجرة الثانية إلى الإمارات وهو في الأربعين من عمره عام 1996 وأسهم أيضا بصورة مباشرة في النهضة الحديثة لها. وأعتقد أن هذا الرحلة الطويلة العلمية والعملية هي التي أخرت ظهور عمله الأدبي الأول إلى عام 2007. ولا أتعجب كثيرا إذا كان ذلك العمل هو ديوان شعري. لكن الكاتب لأنه يمتلك مشروع أدبي معرفي واضح بالنسبة له. تحول إلى كتابة الرواية. ديوان العرب والعالم منذ نهايات القرن العشرين. ورغم تمكنه اللغوي أيضا. جاءت الرواية في عبارات سلسة واضحة مباشرة. وذكاء الكاتب جعله يمزج في روايته الأولى بين العجائبية والسرد التاريخي والوصف التفصيلي الذي برع فيه بوضوح في نقل أجواء الصراع. بداية من شخصية سيسّي الراوي الرئيسي ووصف انبهاره بقصر الملك ويحكي له جده الترجمان دلمار خصوصية العلاقة مع الملك الصغير الذي تعرض لمحنة العبودية ثم عاد ملكا حكيما. ويروي الكاتب خصوصية علاقة سيسي بحبيبته سنجاتا ثم يكبر ويصبح ترجمانا مكان جده. ويأتي وفد الشرق الهارب من اضطهاد الحكام في مكة فيحسن استقبالهم ويمنحهم الأمان على عكس رغبة الكنيسة. ثم يأتي وفد مكة بقيادة عمرو بن العاص ويطلب رد من جاءوا فيرفض النجاشي ويظل محافظا على عهده وشخصيته السوية الحكيمة العادلة .
لا يخفى على القارئ تركيز الكاتب على شخصيات في السرد وخاصة الزبير ابن عمة الرسول ووصفه بالحكمة ودخوله في حوار فلسفي مع سيسي. ودخوله في حوارات يشرح كل منهما دينه للآخر. ويتفقان على أن الهدف الأسمى من التدين هو عبادة رب واحد.
مشاهد مثيرة كثيرة حفلت بها الرواية. منها
مشهد الساحرات الصغيرات مع الامير أصحمة في جزيرة التمساح
انقاذ دلمار جد سيسي للأمير أصحمة من العبودية بعد حدوث خيانة من الوزراء وهذا يفسر سر تعلقه به.
مشهدى حب بين (سيسي وسنجاتا) و (أبيلو والده وتانيشا) بعد عودته في نهاية الرواية واكتشافنا انه لا يزال على قيد الحياة
المشاهد الحوارية بين سيسي والزبير
المشاهد الحوارية بين امية بن الصلت وعبدالله بن ابي ربيعة الاحناف قبل البعثة مما يدل على وجود حوار بين العرب والاحباش منذ فترة طويلة
استطاع الكاتب ملئ الفراغ الحادث في الروايات التاريخية التي تصلنا بأحداث وشخصيات وحوارات أجاد الربط بينها وخلق حوار فني منطقي بالغ الخصوصية ينتمي للبيئة التي قضى فيها الكاتب أيامه الأولى واستطاع عبر رحلة عمره استيعاب الثقافات المسيحية والمسلمة واستطاع عرضها بحياد الروائي وقدرته على تكوين حبكة درامية قوية مستندا على وقائع تاريخية حقيقة وهو ما يزيد من صعوبة التناول وحذر القارئ الذي سيصبح بالضرورة ناقدا مباشرة إذا لم يقتنع بمنطقية الأحداث الخفية.
مزيدا من الإبداع ونجاحا للمشروع المعرفي الذي ينتهجه ويتبناه الكاتب الكبير والذي سيمنحنا رؤية خاصة على منطقة هامة جدا لحاضرنا ومستقبلنا.
د. إيهاب بديوي

شاهيناز الفقي تكتب: سوسيولوجيا الأدب الإفريقي بين السرد التاريخي وشخصية المكان في “ترجمان الملك” لعمر فضل الله


رواية ترجمان الملك للكاتب السوداني عمر فضل الله، تجري أحداثها خلال حقبة مهمة في القرون الوسطى في بقعة من العالم ربما تكون غائبة عن ذهن القارئ العربي، وهي منطقة الحبشة في شمال شرق أفريقيا، يهتم فيها فضل الله بالتاريخ وبحكم قربه من المنطقة التي جرت فيها الأحداث فقد استطاع بمهارة أن يروي لنا تاريخ يغفل عنه الكثيرون، وقد استند في روايته للمصادر الموثوق منهامثل كتب السيرة والحكايات الشعبية والأساطير.
المفتاح الأول أو العتبة الأولى للنص هو العنوان ومن المعلوم أن سيمائية العنوان هي النسق الأول للدلالة على بنية النص وجوانبه الفنية، وهو بمثابة الشعاع الذي يضيء للقارئ ما استشكل عليه في النص، وقد جاء عنوان ترجمان الملك للدلالة على شخصية البطل والشخصية الرئيسية في الرواية وهو الملك النجاشي.
الإهداء أماط اللثام عن محبة تصل حد القداسة والتبجيل الشديد من الكاتب للنجاشي، ومن منا لم يعرف أو يسمع عن نجاشي الحبشة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ملك لا يُظلم عنده أحد وعادل في حكمة كريم في خلقه” والذي آوى المسلمين إليه عندما اشتد بهم التعذيب فآواهم، ورفض تسليمهم لقريش وأحسن ضيافتهم وعند وفاته في السنة التاسعة صلى عليه سيدنا محمد صلاة الغائب قائلًا لأصحابه: “قوموا فصلوا على أخٍ لكم مات بغيْر أرضكم”.
ولكن للحكاية بعدا آخر استمتعت به في رواية الكاتب عمر فضل الله، وقد استخدم في السرد أسلوب التأطير أو الحكاية داخل الحكاية ومن هنا اختلفت زوايا الرؤية، فالراوي يستدعي لنا سيسي بن ابيلو ليحكي لنا قصته ليقرر ذلك المُستدعى من الماضي أن يزيح الراوي ويروي هو حكايته قائلًا: “سوف أتولى رواية قصتي بنفسي في الصفحات التالية لن أسمح أن يرويها أحد غيري”.
يبدأ الحكي عن جده دلمار ترجمان النجاشي وكاتبه لملوك العرب، لندخل في حكاية أخرى هي حكايات الجد عن علاقته بهاشم جد أبي طالب من الجزيرة العربية وكيف كان يحبه، وهو صغير في السن فيطعمه الثريد ويتعجب من سرعة إتقانه للغة العربية، ويتجلى هنا شدة إعجاب بن ابيلو بجده فهو يصفه بأنه كان حكيمًا وله معرفة مدهشة بالرجال ونظرته ثاقبة وحكمه صائبًا لا يخطئ.
ومن خلال الحكي عن الجد يحلق بنا لمتعة أخرى في حكايات أخرى على لسان الجد وهو يحكي للحفيد عن علوة وأكسيوم وسوبأ الجديدة ومملكة سبأ القديمة، عاداتهم ومظاهر الحياة في تلك المناطق وعن رحلاته لإخميم وإيكبوليس (أسيوط) وغيرها، ويحكي له قبل موته عن النجاشي أصحمة بن الأبجر وقصة مقتل أبيه، وحادثة خطفه لبيعه في سوق العبيد وكيف تم تخليصه من بين أيادي التجار وتنصيبه ملكًا.
يدخلنا الراوي (سيسي بن ابيلو) بعد ذلك في تفاصيل عالمه. البيت الذي نشا فيه وأمه تانيشا، علاقته بجده واختفاء والده المريب حتى إن الجد يعنفه عندما رآه يرتدي قميص أبيه، زياراته للكنيسة وأسئلته الدائمة للأب يؤانس وللجد مما ينم عن شغفه للمعرفة، سنجاتا الحب الأول والقبلة الأولى تحت شجرة الأراك.
ننتقل معه لجزية التمساح حيث الساحرة سيمونة وبنات اليهود من بني قريظة وبنو قنيقاع اللاتي يرسلهن الأهل لتعلم السحر الأسود، ودور هذه الساحرة في حراسة التابوت المقدس الذي نقله اليهود لكنيسة مارية في شمال أفريقيا.
من اليهود والكنيسة وتعاليم الكتاب المقدس لرحلة العرب للحبشة فارين من بطش وتعذيب قريش لهم وكيف استقبلهم النجاشي وأحسن ضيافتهم، وصداقة نمت بين سيسي بن ابيلو والزبير.
يتطرق الكاتب لقضايا مهمة مثل تجارة الرقيق من تعرضه لقصة خطف النجاشي أصحمة بن الأبجر لبيعه في سوق العبيد بعد مقتل أبيه الملك حتى يبعده الوزراء عن الحكم ويستفيض في الحديث عن هذه التجارة الغير إنسانية، وكيف كان التجار يغيرون على القبائل فيخطفون النساء والغلمان لبيعهم ونفوذهم وسيطرتهم على الوضع في تلك المناطق.
وجانب من حياة العرب من خلال الأحاديث بين نسوة سوبأ وبين المهاجرات إلى الحبشة فيتحدثن عن الختان ورفض العرب الختان الكامل للفتاة الذي يضر بها في الزواج والولادة بخلاف اليهود الذين يعيرون المرأة التي لم تختن ختانًا كاملًا.
استخدم الكاتب أسلوبا سلسا للحكي لغة راقية، بناء الشخصيات موفق جدًا، استفاض الكاتب في وصف المكان بما يتناسب مع طابع الرواية المعرفي السيسيولوجي إن جاز التعبير.
الكاتب عمر فضل الله الحائز جائزة الطيب صالح عن رواية تشريقه المغربي وجائزة “كتارا” عن رواية أنفاس صُليحة وله العديد من الروايات الناجحة، استطاع أن يفرض الأدب الإفريقي العربي بقوة على الساحة المتعطشة لأدب جديد مختلف عما ألفناه في عالمنا العربي.

رابط المقال:
http://jedariiat.net/news/2057?fbclid=IwAR2avwsjETD2Tt7aOQDT8V4dNAp0b8UksYb4FCNoJ2T1nvW8wn9rPgIlU9w

صلف الوثيقة وسماحة التخييل في تاريخيات عمر فضل الله


بقلم أسامة سليمان

السؤال الذي يتعثر فيه من يلج عوالم رواية تاريخية أو لنقل رواية تتحرك في فضاءات التاريخ هو: ما الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال؟ يشخص هذا السؤال عند كل تطور في الأحداث ويكمن في تفاصيل كل قفزة جمالية ، لكن الدكتور عمر فضل الله في رائعتيه ” ترجمان الملك ” – دار نهضة مصر ٢٠١٣ و” أنفاس صليحة” مدارات ٢٠١٧ ( الحائزة على كتارا ٢٠١٨؛ لايعمل فقط على تجريد قارئه من هذا السؤال وإنما يذهب أبعد من ذلك فما أن تدخل سوبا العامرة ( في ترجمان الملك) والمتهاوية في ( أنفاس صليحة ) حتى تندمج في حيوات أبطال الروايتين غير آبه بمدى الصحة التاريخية للعلاقة بين الترجمان الراوي وبين الزبير بن العوام في (ترجمان الملك)والحقيقة التاريخية ل( صليحة ) نفسها في ( أنفاس صليحة) حيث تمكن الكاتب وبمهارة من تجريد الحقائق التاريخية من سطوتها ، والوثيقة من صلفها منتصراً للتخييل في سبيل بناء روايته .
وإن كانت سوبا هي مسرح الأحداث لكامل أحداث ( الترجمان) وأغلب ( الأنفاس) فإن الزمن هو الفارق إذ يفصل بين الروايتين ما لايقل عن الخمسمائة عام ، بين سوبا القوية المزدهرة في عهد النجاشي وسوبا التي تتهاوى في (الأنفاس).
وبينما تعتمد الترجمان أسلوباً سردياً أقرب إلى التقليدي تتابع فيه الأحداث طبقاً لتسلسلها الزماني الواقعي ، فقد توسلت أنفاس صليحة طرائق مختلفة في السرد ؛ بل هي جديدة يسافر فيها الراوي من خلال ( أنفاس جدته صليحة / البطلة) إلى أزمان متعددة، والبطلة هي التي تسمع حكايتها من حفيدها الذي لم يشهدها وقد وقعت قبل مولده، وفي رأيي أن هذه مغامرة سردية متجاوزة.
ونحن إزاء هجرتين – على مستوى الأحداث- في زمنين مختلفين إلى سوبا حاضرة علوة المسيحية ؛ الأولى : هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة؛ وهنا نعود لنؤكد أن الكاتب لم يدع مجالاً للتساؤل حول محط الهجرة وما إذا كان لسوبا أو غيرها فقد نجح في سوقنا إلى مغامرته الجمالية التي يتضاءل أمامها السؤال ، والثانية: هجرة صليحة من المغرب ، واللافت أن الكاتب في هذه الأخيرة أوغل في التفاصيل والحياة في المغرب قبل الهجرة ، مستخدماً لهجة مغاربية في حواراته وإن لم يكثر منها فإنها أدت مقاصدها ، كما أورد تفاصيل رحلات الصحراء بدقة.
وظنّي – وليس كل الظن إثماً- أن الكاتب عمد إلى مستوى من اللغة أسميه اللغة الفارهة ذات البناء المعماري الشاهق الذي لايعمد إلى الجنوح وكثرة التجاوزات ليتناسب مع فخامة التاريخ والأحداث التي يرويها.
وبالنظر إلى الشخصيات نجد أن شخصيات ( أنفاس صليحة) على كثرتها فإنها تؤدي أدوراً مساندة ثم لاتلبث أن تختفي حتى الجد الذي تدور الأحداث بحثاً عنه يختفي منذ الصفحات الأولى ليظهر في النهاية ، وهذا يكاد ينطبق على شخصية رئيسية أخرى وهي دوانة ( عجوبة) فعلى الرغم من خطورة دورها في الرواية وفي خراب سوبا فإنها لم تشغل مساحة واسعة واستعاض الكاتب عن ذلك بتحريك الأحداث بسرعة منذ ظهورها حتى مغادرتها سوبا المحطمة ، في مقابل ذلك تعج ( ترجمان الملك ) بعدد كبير من الشخصيات الرئيسية ، وهنا أحب التوقف قليلاً عند شخصية الزبير بن العوام التي كانت أكثر شخصيات الصحابة المهاجرين بروزاً ما أعتقده دليلاً على أن الكاتب تخلص من سطوة الحدث لصالح خلق شخصياته بما يخدم عمله .
وعلى الرغم من أن العملين تفصل بينهما فترة معتبرة تاريخياً، والأغلب أن فضل الله أنتجهما في أزمان متباعدة إلا أن هناك سمات مشتركة وخيوطاً غير مرئية تربط بينهما غير المكان سوبا والحدث الرئيسي الهجرة في كليهما ؛ وأعني الشخصيات أو سماتها فهناك الكنيسة التي يمكننا تصنيفها من ضمن شخصيات العمل بما تحويه من مؤثرين في صنع القرار والدور التخريبي الذي قامت به في العملين ، كذلك دوانة/عجوبة في الأنفاس والساحرة سيمونة في الترجمان، ولا أظن أننا سنتعسف إذا قارنا بين هاتين الطفلتين صليحة في الأنفاس وسنجاتا في الترجمان : “وانطلقت تجري نحو بيتها، وكانت قد ربطت شعرها ضفيرتين، وكانتا تتقلبان بالتبادل بين كتفيها الأيمن والأيسر، وهي تجري تهز رأسها يميناً وشمالاً ، وترفع عقبيها بتكلف فيضربان على ردفيها برفق وهي تجري” ( ترجمان الملك ٤٣-٤٤) و “تركضين في جنون صوب ذراعيه المشرعتين لاحتضانك، فردة السباط تطير منفلتة من قدمك اليمنى وتتقلب في الهواء قبل أن تسقط على رمل الساحة، بينما تبقى اليسرى متشبثة برجلك تأبى أن تفارقها، لتجعلك تتعثرين فتسقطين ويمتليء فمك بالرمل لكنك لاتأبهين” ( أنفاس صليحة ٤٣).

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية :نقد

رابط المقال:
https://elaph.com/Web/Culture/2019/11/1271683.html#

رؤية عن رواية “تشريقة المغربي” للكاتب عمر فضل الله.. بقلم : هبة السيهت


1- الرواية ممتعة ، والسرد سلس ، والتشويق كان تلقائي دون افتعال او استدعاء من الكاتب . والانتقال بين الشخصيات سار بشكل متسق لم نشعر فيه بانقطاع .

2- يتحكم الكاتب بمهاره كبيرة في ضبط الوضع الخاص للعدسات التي نراقب عالم القصة من خلالها .فيوجهنا الي مجلس الملك ، ويصف لنا عظمة هذا المجلس ، ثم يعرفنا بنفسه بطريقه لطيفه – جالسا يمين الملك ككاتب حججه.

فيبني علاقة حميميه سريعة ، ويزيد التعاطف الوجداني بين القارئ والشخصية الرئيسية .

3- يرفع مستوي التشويق في بداية الرواية بحكاية اعتقاله واصفا حالة خوفه ورعبه ثم يحكي قصة رحلته الي السلطان وتفاصيلها مع القائد (شاور)

الخطوط البنائية في الرواية

———————–

4- الخط الرئيسي في القصة هو حياة (عبدالسميع المغربي ) وهي شخصية من اختراع الكاتب ، ومن خلال قصة حياته يستعرض الكاتب مادته التاريخية .

– ومن هذا الخط تتفرع خطوط اخري كبيرة وصغيرة :

فيتولي عبد السميع وهو الشخصية المحورية تعريفنا بمجلس السلطان ونظم التعامل فيه ودرجات الناس قربا وبعدا من السلطان ، ويسأل شاور ليجيبه ، ويسأل ادريس ود محمد ليجيبه ، ويسأل الشيخ السمرقندي ليجيبه ، فتتجمع من هذه الاجابات المادة التاريخية التفصيلية .

– شخصية ( زوجته صليحه) : احتفظ لها بالعاطفة والحنان ، والموئل ، والملاذ ، والاحلام ، وليس لها كبير دور اللهم الا في مجلس النساء التي استمعت فيه لاخبار النساء وعادتهن في الولادة والتوليد . فدورها كقناة توصيل للمادة التاريخية كان محدودا .

– هناك خط ثانوي : هو خط ( شاور) وقدم بعض المادة التاريخية في اول القصة

– خ

شاور مع الطريفي مع زوجة السلطان ، ومحنة كتابة الحجج . وهو خط درامي ولم يكن قناة للتوصيل

– خط ثانوي: هو خط (الاميره بياكي وابنها ) ومحنة قتله . ومبدأ قتل السلطان الجديد لاخوته ذكر سابقا ، فلم يكن هدف هذه الحادثة الا معايشتنا لمعاناة عبدالسميع لموت امه وابيه وتصوير بشاعة هذا الحدث ومدي تأثره نفسيا به . ليجهزنا لاستقبال حياة الام والاب في نهاية القصة .

– خط ثانوي اخر: هو الحوار بين عبد السميع وداود روبيني اليهودي من اسئلة لداود يجيب عنها عبد السميع، (وروبين هذا بالفعل رحاله وله كتاب يعد احد مراجع هذه الفتره) .

5- اول ما يلفت انتباهنا اختيار الكاتب لرواي القصة والشخصية المحورية فيها ، وهو (عبدالسميع المغربي ) ، وهذا الاختيار يشير الي :

-ان الراوي غريب عن المجتمع الذي يقوم باستعراض موضوعه التاريخي لنا ، بل هو يصرح بذلك ولا يخفيه فهو ينظر اليه من الخارج (كسائح) ، وينقل ما سمعه او اطلع عليه، او حُكي له ، فاقتربت الرواية من ادب الرحلات ، كابن بطوطه مثلا حيث يحكي ما يشاهده كسائح .

6- الشخصيات الثانوية في القصة كلها سُخرت كقنوات لنقل التاريخ .حتي مجالس النساء حملت من المعلومات التي يريد الكاتب ان يعرفنا عليها ويبثها لنا .

ومن هنا فان الجرعة التاريخية المباشرة كانت احيانا اكثر من اللازم ، وتضاءل اشتراكهم في البنية القصصية.

7- علي الصعيد اللغوي :

” قالوا ان ان اطفال كثيرين ماتوا جراء ذلك بعد ما لمسوا جثث رصفائهم الموتي ” ص9

– كلمة (رصفائهم )، كانت فاقدة للدلالة ،وان لوحظ انها مستخدمه في الفضاء الادبي السوداني .

– لن تمل من النظر حولك عند الصباحات ..) ص 79

– كلمة (الصباحات ) ، قلقه معجميا ، فالجمع المعجمي (اصباح)

علي صعيد المادة التاريخية :

8- قصة المباهلة بين تلميذ الشيخ (ادريس ود محمد) ، والشيخ (علي الاجهوري) ، مضطربه للغاية ، ولا تتسق مع ما ورد في (طبقات ود ضيف الله) وهو اقدم المراجع في الموضوع ، والمذكور اقرب للروايات المتداولة شفهيا ، وبالتالي فهي لا تثبت تاريخيا بالشكل الذي ذكر في الرواية . فكانت تستحق المزيد من التدقيق ، وهي علي كل حال مقحمه علي النص فلم تضف لبنيته شيئا .

– ول(علي الاجهوري) ترجمه حافلة في (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) (لابن محب الحموي) ، لم يذكر فيها هذه القصة ، فلتراجع

9 – يبدو ان الفترة التي حكم فيها الفونج كانت فترة انتشار الاسلام وتمكنه وهو ما يكاد يكون مغايرا لما نلمحه في وصف الكاتب للمجتمع في تلك الفتره (انظر كلامه في فصل (سناريات ) عن انتشار الزندقه ، وعن الفقرا وانهم في اكثرهم يعملون بالسحر ، ثم قلة الكتب والمخطوطات لدرجة الندرة ).

– حيث يقول الباحث (تاج السر عثمان ) ” تفاعلت تعاليم الإسلام مع الموروث المحلى ، وكانت الحصيلة الإسلام السوداني المتميز الذي اتسم بالتسامح وتنوع الطرق الصوفية والدينية ، ووحدة الفقه والتصوف ، وتعدد الذاهب ( المذهب المالكي والشافعي ) ، وظهور التنظيم الصوفي الاجتماعي كشكل أرقى واوسع من التنظيم القبلي ، واصبحت الطريقة الصوفية تضم أشخاصا من قبائل مختلفة مما اسهم في خلق رابطة أوسع من رابطة القبيلة وبالتالي شكل ذلك البذور الأولى للشعور القومي “.

– ويذكر الباحثون انتشار مؤلفات السيوطي والشعراني ايام الفونج انتشارا كبيرا .

10- ونأتي الي نهاية الرواية :

نهاية الرواية والتي احيا فيها الكاتب الابوين بعد موتهما المؤكد ، كان يمكن ان تكون نهاية مسطحه ومبتذله ، لكن الكاتب استطاع بمهاره فائقه ، ان يجهز لها من اول الرواية ، بالاسر المتجمعة في بيت واحد ، ثم رفع اسانا وتعاطفنا للذروة مع هذا اليتيم في فصل (الاميرة بياكي ) وهو الفصل قبل الاخير ، ثم الهانا قليلا بقصة الامير الذي رفض الهرب للعوده لامه ، واوهمنا ان قصة الامير هي اساس الموضوع وان قصة طفولته ويتمه قصة ثانوية ، والامر كان علي العكس من ذلك تماما .

، بحيث انه لما زف الينا خبر حياة الوالدين قَبِلها القارئ بل ارادها في اعماق نفسه ، اذ كان قد تم تجهيزه لها تماما ، فقد وجه الكاتب قارئه ، وتلاعب بمشاعره ، ووضعه حيث اراده تماما ، لقبول احياء الوالدين ، وهي براعة كبيرة من الكاتب .

رؤية عن رواية “تشريقة المغربي” للكاتب عمر فضل الله.. بقلم : هبة السيهت

ملتقى السرد و”غادة صلاح” يحتفيان بـ”تشريقة المغربي” لعمر فضل الله


أقيمت ضمن مبادرة سلسلة الجوائز بملتقى السرد العربي، برئاسة الدكتور حسام عقل بالتعاون مع صالون غادة صلاح الدين، ندوة لمناقشة رواية “تشريقة المغربي” للروائي السوداني الدكتور عمر فضل الله، والتي حصلت على جائزة الطيب صالح العالمية.

استهلت المناقشة الكاتبة غادة صلاح الدين بحوار أجرته مع الكاتب عمر فضل الله ، وضح فيه سيرته الذاتية والأدبية بوطنه الأم السودان والمؤهلات التي حصل عليها ما بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، كما حصل على دكتوراه في تقنية المعلومات من لوس أنجلوس في العام 1987، مؤكدا أن ما يكتبه يتماشى مع الواقع من خلال تدعيمه للرواية المعرفية عبر كتابته للشعر التي دعمت كتابته للرواية، مضيفًا أن من ينجح في كتابة الشعر يستطيع أن يكتب الرواية بملكة قوية.

استهل الدكتور عبد الرحيم درويش وكيل كلية الإعلام ببني سويف مداخلته النقدية مؤكدا عملقة عمر فضل الله في الرواية، فكل رواية عبارة عن جزيرة لو تم جمعها سنُكَوِن مجموعة من الجزر الثرية وهي عبارة عن أدب فضل الله الغزير والعميق في رؤياه.

وأضاف “درويش” أن “فضل الله” كاتب عروبي وإسلامي بنزعة الصوفية وهي منبت تأسيسه كإنسان ومبدع ، تشعر في كلماته فيوضات نورانية وسبوحية تعطي لنا العمق في التفكير تجاه مختلف القضايا الإنسانية.

فيما أكد الدكتور حسام عقل أن “فضل الله” قدم صورة جديدة للقص والحكي السوداني بشكل مميز في “تشريقة المغربي” وهي نزعة جذرية تتمثل بالتلاعب الصوتي للكلمات من خلال رحلة البطل من المغرب إلى السودان وهي رواية تندرج تحت أدب الرحلة.

وأضاف “عقل” أن أسلوب “فضل الله” ساخر يجعلك تضحك وتفكر ثم تبكي مع ترسيخ الفضاء الشمولي وتأكيد النزعة الصوفية التي تشعرك بالمكابدات، وهو هنا قريب من أسلوب الكاتبة التركية ألف شفق صاحبة التحفة الإبداعية “قواعد العشق الأربعون”.

رابط الخبر:
http://jedariiat.net/news/1986?fbclid=IwAR33u2Qg-cw2G6sxQJpVfCAg4IPjjzTAUdTTbkxEXHzn2OWacC5s31E0l-0

د.عمر فضل الله: نعتني النّقاد براوي الأسطورة. – حوار عائشة محمد عسيري


حوار/ عائشة محمد عسيري

من بلاد الطيّب صالح، ومن على  ضفاف النيل الأزرق، نبتت موهبة غنية بالإبداع، والتميز، كما تنبت الزنابق، وتتفتح. حفظ القرآن، وأنشد الشعر، وأولع بالتاريخ، والحكايات، والأساطير. كل ذلك، أثمر لنا مبدعاً بشكلٍ استثنائيٍ مدهش.
ضيف حوارنا لهذا العدد هو الروائي، والشاعر، والمؤرخ السوداني،  الدكتور/ عمر فضل الله.

في مستهل هذا اللقاء يسعدني أن أرحب به، وأن أشكره أن أتاح لنا فرصة محاورته ، ونبدأ معه حوارنا لهذا العدد.

  • نبذة تعريفية عن الضيف.

– دكتور عمر، هلا أعطيتنا نبذةً تعريفيةً بك؟

_ ولدت عام 1956 بقرية العيلفون على ضفاف النيل الأزرق ونشأت فيها. حفظت القرآن، والشعر، وقرأت الأدب منذ الصغر.
كنت متفوقاً في جميع المراحل الدراسية، ومن الأوائل في المراحل الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، ومن المتفوقين في الجامعة.
اجتزت امتحانات الشهادة الثانوية بتفوق، وكنت من العشرة الأوائل.
التحقت بجامعة الخرطوم عام 1976، فأمضيت فيها سنة واحدة، ثم غادرتها بسبب الاضطرابات آنذاك، وعدم استقرار الدراسة، فسافرت إلى المملكة العربية السعودية لأكمل تعليمي الجامعي.
حصلت على منحة دراسية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، وفيها نلت درجة البكالوريوس بدرجة امتياز عام 1980 – 1981
التحقت بجامعة كاليفورنيا لوس انجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1981، حيث نلت درجتي الماجستير، والدكتوراة عام 1987.
عملت بالمملكة العربية السعودية حتى عام 1991.
عملت محاضراً بالجامعات السودانية، ومؤسساً لعدد من مؤسسات، ومراكز البحوث، والدراسات.
أسست مركز الدراسات الاستراتيجية، والمركز القومي للمعلومات بالسودان، وأسهمت في إنشاء المكتبة الوطنية السودانية.
هاجرت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1996، حيث عملت مديراً لمشاريع تقنية المعلومات، وأنظمة الحكومة الإلكترونية بأبوظبي.

المؤهلات الأكاديمية:

دكتوراة علوم الحاسب الآلي تخصص نظم المعلومات جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس 1983 – 1987

ماجستير علوم الحاسب الآلي (نظم المعلومات) جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس 1981 – 1983

بكالوريوس الإعلام والاتصال جامعة الملك عبد العزيز جدة  1976 – 1980

المؤلفات

مؤلفات باللغة العربية:

موسوعة، ومعجم مصطلحات الحاسوب – الهيئة العليا للتعريب – الخرطوم 1994

مجموعة بحوث وأوراق عن التعريف بالشبكة الدولية (الانترنت) 1992 – 1998

دليل أنظمة المعلومات والشبكات في افريقيا. 1995

مجموعة أوراق عن أنظمة المعلومات ضمن أعمال مؤتمر الشبكة القومية للمعلومات بالسودان. 1994

مناهج وكتيبات ومحاضرات لطلبة علوم الحاسوب في جامعة السودان وجامعة الخرطوم وغيرها. 1994

حرب المياه على ضفاف النيل – حلم اسرائيل يتحقق – دراسة عن سد النهضة الإثيوبي وآثاره – دار نهضة مصر 2013

ترجمان الملك – رواية – دار نهضة مصر 2013 (تجري ترجمتها إلى 7 لغات عالمية)

أطياف الكون الآخر – رواية – دار الياسمين – إمارة الشارقة 2014 (تجري ترجمتها إلى 7 لغات عالمية).

زمان الندى والنوار – ديوان شعر – جدة 1990

زمان النوى والنواح – ديوان شعر – ابوظبي 2009

تحقيق كتاب تاريخ وأصول العرب بالسودان للفحل الفكي الطاهر – دار المصورات للنشر – الخرطوم 2015

نيلوفوبيا: رواية – دار مدارات للنشر – 2016

أنفاس صليحة: رواية – دار مدارات للنشر 2017 (الرواية الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الرابعة 2018)

تشريقة المغربي : (الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في دورتها الثامنة – 2018)

ذاكرة الأرض: مخطوطة رواية

رؤيا عائشة: مخطوطة رواية

الحيتان لا تطير إلا في سماء برمودا: مخطوطة رواية

نافذة في سماء الكهرمان: مخطوطة رواية

مؤلفات باللغة الإنجليزية:

Automated Libraries 1983

RDBMS on Small Scale Computers. 1987

Fundamentals of Strategic Planning. 1991

The Future of Information Network Systems in the Sudan. 1992

  • بَدَأْتُ نظم الشعر مبكراً، لكن تَأخرتُ في كتابة الرواية.

– متى بدأ د/ عمر فضل الله  مشواره الأدبي؟

_ بدأت مشواري الأدبي مبكراً في الابتدائية، حين ألفت القصائد، بعدما حفظت الشعر الجاهلي، واشتهرت بكوني شاعر الفصل، ثم شاعر المدرسة، ثم عرفني زملائي الطلاب في جميع المراحل، بكوني شاعراً.
لكن كتابة الرواية، جاءت متأخرة بعد الأربعين! ولبداية كتابتها قصة، فقد نظرت فيما كتبه كثير من الروائيين، فوجدت أن أعمالهم بعضها إسقاطات لسيرة حياتهم، أو سردٌ لواقع مجتمعاتهم، ونظرت أيضاً، فرأيت أن البعض كتب الرواية من أجل إمتاع القارىء، أو زيادة حصيلته في اللغة. وكثيرون كتبوا في الأسطورة، أو الروايات التاريخية، لكنّي لم أجد من كتب رواية معرفية؛ تقدم للقارئ معرفة حقيقية عن التاريخ، والجغرافيا، والأدب، وعلم النفس، وغيرها من المعارف، فعزمت أن أقدّم للقارئ الرواية المعرفية.

  • حفظ القرآن، أثر على أعمالي الأدبية لاحقاً.

–من خلال البحث في سيرتك الموفقة، عرفت أنك حفظت القرآن في سن مبكرة. مامدى تأثير ذلك على مسيرتك الأدبية، والعلمية؟

– القرآن نعمة من الله لمن يحفظه، فهو يغير حياته، ويرقّي فهمه، ويصقل معارفه. فقد كان حفظ القرآن في هذه السن حافزاً لي، أثرى مفردات اللغة عندي، ووجدت أن في القرآن الكثير من القصص، والحكمة، والعلوم والمعارف، وأبواب العلوم، فلما شرعت في كتابة الأدب، كان القرآن قد زودني بحصيلة لغوية، ومفردات أدبية، وفهم للحياة، وانعكس ذلك على أعمالي، ومؤلفاتي سواء في الأدب، والرواية، والشعر، أو في غير ذلك من الأعمال العلمية.

  • روايتي (ترجمان الملك)، تستحق جائزة نوبل.

– بلاد الطيب صالح عبقري(الهجرة إلى الشمال)، هل نراها تُخرج لنا روايةً خالدةً، في القرن الحادي والعشرين، مماثلةً لرواية الطيب صالح، والتي صُنفت من ضمن أعظم مئة رواية في القرن العشرين؟

_ كنت قد كتبت رواية (ترجمان الملك)، ونشرت عام 2013م؛ لكنها لم تنتشر بالقدر المطلوب، وحينما انتبه الناس إليها مؤخراً، أنصفها النقاد أيّما إنصاف، فقد قدمت حولها أوراق المؤتمرات العلمية، وقال أحد النقاد، وهو الدكتور صبري زمزم: (ترجمان الملك حالة فريدة في الرواية العربية، لا يجرؤ أي أديب مصري أن يكتب بالطريقة؛ التي كتب بها عمر فضل الله في ترجمان الملك، فقد سار فوق الخطوط الحمراء، وعبر دون أن يمسها. عمر فضل الله تفوق على السوداني الطيب صالح، والمصري نجيب محفوظ. ترجمان الملك تستحق نوبل.) وكتب عنها كثير من النقاد، وهي رواية تحكي أحداث الهجرة الأولى للصحابة الكرام إلى الحبشة.

*استحقت أعمالي الفوز بجوائز عالمية.

– الشعر بالنسبة لك موهبةٌ فطريةٌ، وقد نظمته منذ المرحلة المتوسطة، لكن الرواية فنٌ يحتاج إلى الكثير من الجهد، والإبداع لدى الكاتب؛ لينجح فيه، فكيف استطعت أن تنجح في كتابة الرواية، وأن تبدع فيها إلى حد الفوز بجوائز عالمية؟

– قدمت في أعمالي الروائية شيئاً جديداً، من حيث النظرية؛ فقد قدمت نظرية (الرواية المعرفية)، وكتبت في مناطق مجهولة في أعماق افريقيا، وجمعت بين الحقيقة، والخيال، والأسطورة، وكتبت بلغة قال عنها النقاد، إنها لغة سامية متميزة. كنت أكتب الرواية بوجداني؛ فأعيش شخوصها، وأحداثها، لأروي بلسان كل واحد منهم ما أحس به، وأنا أتقمص شخصيته، فجاءت أعمالاً صادقة، استحقت الفوز بالجوائز العالمية.

  • أتنقل بين الشعر والرواية والحاسب.

–من يغلب على الدكتور عمر فضل الله، الشعر، أم الرواية، أم التاريخ، أم علم الحاسب الآلي؟

– بدأت بالشعر، وقرأت التاريخ، فساعداني حين كتبت الرواية. واستعنت بما تعلمته في مجال الحاسب الآلي، على أن أقدم أعمالي للناشر مجموعة، ومدققة، وجاهزة للطباعة. حين تتقمصني روح الشاعر،  أقول الشعر، وحين أنشط لكتابة الرواية، أتحول سارداً، وبين هذا، وذاك، أعمل في مجال الحاسب الآلي، وتقنياته.

  • القصة تزاحم الرواية

–هذا العصر، هو عصر الرواية بامتياز، هذه هي المقولة السائدة في الأوساط الأدبية الآن، فهل تتفق، معهم على صحة ذلك؟ ولماذا حظيت الرواية بكل هذه الحفاوة أكثر من الشعر، والقصة، سواءً لدى الكُتَّاب،أو القراء؟

– ربما قيل إن هذا عصر الرواية، لكثرة كتاب الرواية، وانتشارها، وتقلص مساحة الشعر، لدى أهل العربية، إلا أن القصة تزاحم الرواية أيضاً، فكثير هم كتاب القصص في هذا الزمان، والبعض منهم، ينشر القصص في مواقع التواصل الاجتماعي. أما الشعر فلا يحسنه إلا من أوتي ملكة كتابة الشعر، وعرف الروي، والوزن، والقوافي والعروض، وهم قلة في هذا الزمان. وقل متذوقو الشعر الفصيح.

  • إذا لم تقدم الجديد، فلا تكتب الرواية.

–متى يستطيع الكاتب الاتجاه إلى كتابة الرواية؟ وماهي شروط كتابة رواية ناجحة؟

_ كثيرون اتجهوا في هذا الزمان لكتابة الرواية، لكني دائماً أذكر نصيحة أحد النقاد حين قال: إذا لم تستطع أن تقدم للناس الجديد، المفيد، بلغة راقية، ورسالة واعية، ومعالجة عالية؛ تحقق المتعة للقاريء، فينشغل بروايتك عما حوله، ومن حوله، حتى يفرغ من قراءة عملك، ثم يرغب في إعادة الكرة، بعد المرة، ويخرج في كل مرة بفائدة جديدة، وفهم مختلف، ثم يأسف أنه وصل نهاية الرواية بهذه السرعة، فدع كتابة الرواية، فإنك لست من أهلها.

  • (تشريقة المغربي) تاريخ حقيقي.

– كيف نجحتَ في توظيف التاريخ في بلادك، في كتابة رواياتك مثل(تشريقة المغربي)، بالرغم من أن الخيال عنصر هام في كتابة الرواية؟

_ مزجت بين الخيال، والحقائق التاريخية، لأطرح أسئلة في فجوات التاريخ؛ توقظ عند القاريء توق العودة لقراءة المجهول من تاريخنا، أو المنسي، والمسكوت عنه. وهكذا تكون الرواية، قد أدت أحد أغراضها، فالرواية لا تحكي تاريخاً، وإنما تحبّب القاريء في قراءة التاريخ. (تشريقة المغربي) -على سبيل المثال- تناولت الهجرة المغاربية نحو المشرق إلى بلاد السودان، فكتبت عن تاريخ حقيقي، من خلال شخوص، وأحداث متخيلة.

  • الحقيقة والخيال في شخصيات رواياتي.

–الشخصيات عنصر أساس في الرواية، فمن أين تستمد كل تلك الشخصيات الموجودة في رواياتك؟

_ بعض شخصياتي حقيقية؛ عاشت حياة حقيقية، وتناقل قصصها الناس، جيلاً بعد جيل، وبعضها متخيل من واقع الأحداث، والتاريخ، والمجتمع القديم؛ الذي كتبت عنه. الأشخاص في رواياتي يؤدون أدواراً معينة، لأقدّم عبرهم رؤيتي في الحياة، والتاريخ، وأتحدث -عبرهم- مع القارىء، فهم مجرد وسيلة، وليسوا غاية.

  • ( راوي الأسطورة).

-ما نسبة الأسطورة في رواياتك؟وهل تأثرت في ذلك بالثقافات الأجنبية، أم أنها مستمدة من الأساطير في السودان فقط؟

_ لا تكاد رواية من رواياتي، تخلو من الأسطورة، وهي الحكي الشعبي، المتداول، والمتناقل في المنطقة، لكن الأسطورة عندي؛ هي أداة من أدوات التشويق قراءة الرواية. ثم إنّي اَستخدمها لأحدّث القارىء بالمسكوت عنه، أو الممنوع في المجتمعات القديمة؛ التي أكتب حكاياتها، وأسرد واقعها. لم أتأثر في كتاباتي بأي ثقافة أجنبية، رغم أني قرأت الكثير من الأدب العالمي، شرقيه وغربيه. فما عندنا من أساطير محلية، يكفي ويزيد. بل إن كل ما سردته من أساطير، منحصر في منطقة واحدة، في وسط السودان، لدرجة أن بعض النقاد أطلق عليَّ مسمى: (عمر فضل الله راوي الأسطورة).

  • هذا ماتناولته روايتي ترجمان الملك.

– روايتك (ترجمان الملك)، حدثنا عنها قليلاً لو سمحت؟

_ هي أول أعمالي الروائية، وقد نشرت عام 2013 م، فهي تجمع بين الخيال، والحقائق التاريخية في قالب إبداعي، وتروي قصة حياة الشاب سيسي بن أبيلو، ذي الستة عشر ربيعاً؛ الذي نشأ في العام 600 للميلاد في منطقة الحبشة القديمة، بوسط أفريقيا، وعاصر الأحداث العاصفة؛ التي شهدتها السنوات الأولى من القرن السابع الميلادي، وعاصر وفود العرب القادمين من مكة للاحتماء بالدولة المسيحية، والنجاشي، ثم الصداقة التي نشأت بينه وبين أحد الشباب العرب القادمين من مكة (الزبير). كما يروي حكاية جده (دلمار بن أرياط)؛ الذي كان يعمل ترجماناً للملك النجاشي، ويسرد صوراً لممارسات تجارة الرق، وبيع العبيد في ذلك الوقت، من خلال مذكرات الملك النجاشي الصغير. وتعكس الرواية الصراع الفكري؛ الذي كان يدور في ذلك الوقت بين الكنيسة، والقصر من خلال حوارات (دلمار) ترجمان الملك مع الكاهن أنطونيوس أسقف الكنيسة في سوبا، والحوارات بين الكاهن أنطونيوس، والشاب سيسي،  وبينه وبين الملك النجاشي.
كما تضمنت حوارات الملك مع وفود العرب القادمين من مكة، ووصفت قصر الملك، والكنيسة، والبيوت، والمباني والأسواق في سوبا، وأنماط الحياة، وسبل العيش، والتجارة في مجتمع (سوبا)، ومكونات البيت الأفريقي القديم في مملكة علوة، وواقع المجتمع المسيحي في سوبا، وهيمنة السحرة على بعض جوانب الحياة.
تميزت الرواية، بأنها تناولت بقعة مجهولة من أفريقيا، لم تنل حظها من الاهتمام، كما سلطت الأضواء على إحدى الممالك المسيحية الأفريقية القديمة، وسبل العيش، وأنماط الحياة، والشخصية الأفريقية بجاذبيتها وسحرها.

  • أنا مستعد للمغامرة.

–هل الفانتازيا أسهل توظيفاً، أم التاريخ بالنسبة لك في كتابة رواياتك؟

_ كلاهما صعب، عسير؛ فالفانتازيا التي أكتبها مستمدة من حقائق علمية، وليست خيالاً محضاً، ولذا فكأني أمشي فوق الشوك، أو حقل من حقول الألغام؛ لكوني أقدم للقاريء حقائق، ومعلومات علمية، جديدة عليه، ولكن في ثوب روائي، وكذا توظيف التاريخ في الرواية. فأنا لا أكتب تاريخا، وإنما أدخل في فجوات التاريخ غير المدون؛ لأثير أسئلة تحفز القاريء للعودة لقراءة التاريخ، وهذا أمر محاذيره أكبر من فوائده؛ فهو إن لم يجلب السخط على الكاتب، فلن يسلم من القدح في أعماله. لكني مستعد عند كل عمل من أعمالي، لخوض المغامرة ومواجهة عواقبها.

–كيف أفدت من شغفك، وتمكنك من علوم الحاسب الآلي، في مشروعاتك الأدبية؟

– مجال الحاسب الآلي، هو أحد المجالات الممتعة؛ التي تقدح الخيال، وتبقي العقل نشطاً، وتفتح آفاق المشتغل بهذا العلم، فبقائي أمام الحاسب، حفزني لقراءة المكتبة الإلكترونية، كما أنه أتاح لي جمع أعمالي، وتدقيقها ثم نشرها.

  • البيئة في السودان لاتساعد على كتابة العمل الروائي.

–بحكم عملك في الإمارات، هل ترى أن البيئة فيها كانت مساعدةً لك، ومحفزة للكتابة الإبداعية أكثر، أم أن البيئة في السودان كانت أكثر تأثيراً، وتحفيزاً لك؟

_ لم أكتب أياً  من أعمالي الروائية داخل السودان؛ بل كتبت الشعر حين كنت طالباً، وذلك انفعالاً بما حولي من أحداث في حينها، ثم كتبت الرواية حين كنت في المهجر، سواء كان ذلك في الدول العربية أو الغربية، فالبيئة في السودان لا تساعد في كتابة العمل الروائي، غير أن وجودي في الإمارات، وفر لي بعض الوقت للكتابة؛ بحكم طبيعة عملي هناك.

  • أكتب الرواية…وكتابتها تحتاج طقساً معيناً.

–هل لديك طقوس معينة في كتابة الرواية، أو الشعر؟

_ كثيراً ما أجلس على الأرض للكتابة. الكتابة عندي هي عمل، أنغمس فيه بكل مشاعري، فأغيب عن دنيا الناس، وعما حولي، ومن حولي. حين أكتب الرواية؛ فكأنما يملي علي طيف، فأكتب دون توقف. الرواية تكتمل في عقلي، وخاطري قبل أن أكتب حرفاً واحداً. اَحتشد لكتابة الرواية بالقراءة في المجال الذي أريد أن أكتب فيه، وربما أقرأ أشهراً طويلة، قبل أن أكتب حرفاً واحداً. مشروعي الروائي المعرفي، كأنه رواية واحدة طويلة، ممتدة عبر الزمان، فقد كتبت عن تاريخ قديم منذ ما قبل مجيء الإنسان إلى الأرض، وكتبت عن تاريخ الحياة على الأرض، وكتبت عن المستقبل. فهذا النوع من الكتابة؛ يتطلب طقساً معيناً، هو الخروج عن دنيا الناس، والدخول في عوالم الكتابة.

  • الروائيون السودانيون مظلومون دولياً بشدة.

– ما الذي يميز الرواية السودانية عن نظيراتها في الدول العربية الأخرى؟ وهل نالت ما تستحقه من الحضور، والبروز في المحافل الخارجية؟

_ الرواية السودانية في معظمها، تكتب عن أماكن، وعادات، ومجهولة لدى القاريء العربي، وهذا النوع من الغموض يمنحها بعض التميز؛ الذي يوجد الرغبة لدى القاريء في متابعة القراءة، إضافة لندرة الروائيين السودانيين، وبذلك تأتي أعمالهم متفردة. الرواية السودانية ظلمت ظلماً مبيناً، وكذا الروائيون السودانيون لم يجدوا حظهم في المحافل الدولية، إلا أقل من القليل.

  • مقومات الرواية المستحقة نيل الجوائز .

– برأيك متى تكون الرواية روايةً ناجحةً، ومميزة، ومستحقةً للمنافسة على الجوائز؟

الرواية الناجحة؛ هي التي تعالج موضوعاً هاماً في حياة القاريء، وتشد اهتمامه، وتجذب انتباهه، وتحفزه لمواصلة القراءة، وتحتوي على حكايات ممتعة عبر أبطال، ينجح الكاتب في تمييز هوياتهم، وشخوصهم، وتعريفهم، وتجسيدهم؛ وكأنهم حقيقيون، يعيشون مع القاريء في بيته، أو شارعه، أو مجتمعه المحلي، حتى لو كانوا شخصيات وهمية من صنع خيال الكاتب، وذلك من خلال الحوار، الحبكة، التشويق، الاستحواذ على الانتباه، الصراع، والعقدة ثم الحل. وكل ذلك بأسلوب جميل، سلس في السرد، ولغة رصينة. الرواية التي تستحق المنافسة على الجوائز؛ هي الرواية المكتوبة بأسلوب أدبي جميل، ولغة سامية عالية، وعبارات جذابة، ومعالجة فريدة، وموضوع جديد؛ ذي فائدة للقاريء.

  • تلاقح الثقافات…بفضل الإنترنت.

– نرى في الآونة الأخيرة أن الرواية العربية، بات لها حضور قوي في معظم الجوائز الدولية الكبرى. إلامَ تعزو ذلك؟.

– انفتاح العالم العربي على العالم، وتلاقح الثقافات، وعصر التواصل، والاتصال من خلال الشبكة الدولية، والمعلومات الرقمية، قرّب المسافات بين الثقافات، والشعوب، فصار من الممكن للرواية العربية أن تنافس على الجوائز، وقبل ذلك أصبح الروائي العربي جزءاً من المجتمع الدولي، في حين لم يكن الأمر كذلك، ما قبل عصر الانترنت.

  • القصة القصيرة تنافس الرواية.

–هل تعتقد أن الرواية ستظل محافظةً على صدارتها أمام الألوان الأدبية الأخرى، كالقصة، والشعر؟

_لكلٍّ ذائقته، فهناك رواد للقصة، وآخرون للشعر، لكني أعتقد أن القصة القصيرة، بدأت تنافس الرواية في الصّدارة، وذلك لأن شباب هذا اليوم، وقراء هذا العصر، لا يصبرون على قراءة  الروايات الطويلة؛ فتشدهم القصة القصيرة، يقرأونها في محطات المواصلات، أو في الطريق إلى العمل، أو الدراسة. ثم إن القصة القصيرة تعالج موضوعات متعددة، ومتنوعة، وذلك يثير فضول القاريء في كل مرة؛ لاكتشاف أبطال جدد، وحكاية مختلفة، وذلك على العكس من الرواية؛ التي يمتد شخوصها عبر عشرات، أو مئات الصفحات.

*كتابة القصص القصيرة أصعب من كتابة الرواية، عكس مايعتقد الكثيرون.

–الانتقال من كتابة القصص إلى كتابة الرواية. أَقد يؤثر ذلك على جودة الرواية، وتميزها؟ وهل من السهل فعل ذلك؟

– في تقديري، إن كتابة القصص القصيرة أصعب من كتابة الرواية؛ فالرواية تتيح مجالاً أرحب، لانطلاق فكر، وقلم الكاتب، ليتمدد بخياله حيث يشاء، وكيفما يريد، بينما العدد المحدود من الكلمات؛ لكتابة القصة، وكذلك الشخوص، والمساحة الضيقة؛ تجعل كتابة القصص القصيرة مغامرة صعبة، لمن يجرب هذا النوع من الكتابة، ولذا ينجح فيه القليل، وذلك على العكس من الاتجاه الشائع لدى الناس، أن الأدباء ينبغي أن يبدأوا بكتابة القصة، أو القصة القصيرة، قبل أن يكتبوا الرواية.

  • العبرة بالعمل الروائي، وليس بشخص الروائي.

– لو كنت سترشح روائياً عربياً، أو روائيةً، لنيل جائزةٍ عالميةٍ في كتابة الرواية، من كنت ستختار لترشحه؟

– العبرة هي في العمل الروائي، وليس في شخص الراوي! وبذلك، فلو كنت سأرشح، فسوف أرشح أعمالاً روائية عديدة، لعدد من الكتاب، وليس روائياً واحداً بعينه.

  • كتابة الأنثى تختلف عن كتابة الذكر.

–هل ترى أن جنس الكاتب( ذكر، أو أنثى) ، قد يؤثر في قوة، وجمال، وأسلوب، وتميز الرواية؟ أم أنه لا فرق في ذلك؟

_ كتابة الإناث، تختلف عن كتابة الذكور، فالأنثى تهتم بالشخوص، بينما الذكور يهتمون بالتفاصيل، والأنثى تكتب كثيراً في المشاعر، بينما الرجل جوّاب، آفّاق، يكتب في كل شيء، والأنثى تلميحية، والرجل تصريحي مباشر…وهكذا. وذلك نابع من فطرة كل منهما، بينما تصقله المعرفة، ومستوى التعليم، والمجتمع المحيط، والمعرفة باللغة، وغير ذلك.

  • انتظروا ( رؤيا عائشة، و نافذة في سماء الكهرمان) .

– ماهو مشروعك الأدبي القادم، هل يمكن أن تطلعنا عليه؟

_ أكتب روايتين إحداهما (رؤيا عائشة)؛ وهي عن الحياة الشخصية لمحمد احمد المهدي، برواية (عائشة) إحدى زوجاته، والرواية الأخرى هي (نافذة في سماء الكهرمان)، وهي فانتازيا علمية؛ تقوم على ما يطلق عليه فيزياء الكم، وتكتب عن الانتقال للعوالم الأخرى، الموازية، والسفر في الزمن إلى الماضي، أو المستقبل، وعن العالم بعد ألف عام من زماننا هذا.

  • هذا الشخص أنصحه بعدم كتابة الرواية.

–هل لديك نصيحة تقدمها للروائيين الشباب، أو لمن يود اقتحام عالم الكتابة الروائية؟

– اللغة السليمة، هي أول ما ينبغي أن يبدأ به من يود الدخول في عالم الرواية؛ فهي الأداة؛ التي سوف يستخدمها، لنقل أفكاره للناس، وهي بمثابة الأداة الأساسية لأصحاب الحرف، فمن يخطيء في الإملاء، ويتعثر في اللغة، ولم يقرأ الأدب العربي، فلا أنصحه بالكتابة. إن كثرة القراءة في اللغة، والأدب؛ تفتح آفاقهم، وتمنحهم ملكة الكتابة، وأدواتها. فمن لا يملك ناصية الأداة؛ التي يعمل بها، كيف يمكنه أن يتقن عمله؟ هذا ما لا يستقيم.

*كلمة الختام.

– د.عمر لديك مساحة مفتوحة، لقول كلمة أخيرة توجهها لمن تشاء، فماذا ستقول؟

ختاماً أقول:  إن كل إنسان يمتلك موهبة في مجال من المجالات، فالبعض منا يعرف ذلك، ويوظفه، وكثيرون لا يعرفون أين هو مكمن الإبداع عندهم، فليبدأ كل منا بمحاولة اكتشاف موهبته، ولا يستحي أن يجرب، فإن عالجت أمراً، ولم تستطعه، فاعلم أنه ليس مجالك وجاوزه إلى ما تستطيع، فسوف تكتشف موهبتك يوماً ما، وتبدع للناس فيها.

وفي نهاية حوارنا هذا، أتقدم بالشكر الجزيل لضيفنا الكريم، راجيةً له دوام التوفيق والإبداع.

رابط الحوار:

د.عمر فضل الله: نعتني النّقاد براوي الأسطورة.

رواية تشريقة المغربي للدكتور عمر فضل الله – بقلم أبي سهل طه الطيب


رواية “تشريقة المغربي” للدكتور عمر فضل الله:
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=
في حقيقة الأمر: لم أكن من عشاق الراويات، ولا من محبي قراءتها. وإن كنتُ قد قرأت طرفاً منها في طفولتي الحالمة، وعشت مع قصصها، وتنقلت بين حكاياتها.
ودائماً أجد نفسي ميالاً للطرح العلمي والأدبي المباشر، دون الحاجة لتعرجات الروايات، ولا فزلكات الأقاصيص. ولكلٍّ وجهةٌ هو مُوَلِّيها.
📚 وحينما انتابتني فكرة قراءة الأعمال الأدبية الروائية فكرت في الاطلاع على روايات الروائي الباحث الموسوعي (الدكتور عمر فضل الله).
وعندما زرتُ #معرضالخرطومالدولي_الكتاب_2019 وفقني الله- تعالى-لاقتناء أربع روايات من تصنيف ذلك الباحث الهمام؛ ألا وهي:
❶- “أنفاس صُلَيْحة”.
➋- “أطياف الكون الآخر”.
➌- “ترجمان الملك”.
➍- “تشريقة المغربي”.
وقد كنت متشوقاً للنظر في هذه الروايات، ومتعطشاً لقراءتها. وفي واقع الأمر توجد بعض الأعمال العلمية التي تشغلني عن القراءة الحرة هذه الأيام.
🕑 ولكن حينما كنت في الخرطوم أيام معرض الكتاب، وأنا أحمل هذه الدرر الثمينة والغنائم المتينة؛ وجدتً وقتاً بعيداً عن مكتبتي المتواضعة وحاسوبي البسيط. فاقتنصت تلك السانحة، واستغللت هاتيك الفرصة؛ فهرعت إلى تلك الروايات. فكرستُ وقت فراغي للقراءة في رواية من روايات الدكتور عمر فضل الله.
📙 بعض الإخوان نصحني أن أبدأ برواية “أنفاس صُلَيْحَة” الحائزة على (جائزة كتارا للرواية العربية)، ولكن وجدت نفسي منقادة، وهمتي متجهة نحو رواية “تشريقة المغربي” الفائزة بـ(جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي).
📘 فأمسكت بـ”التشريقة”، وأنا في شوقٍ كبير لقراءتها. وحينما بدأت قراءة تلك الرواية شَرِقْتُ بها، فجذبني سحر كلماتها، واجتالتني روعة قصتها، واستولى على حماطة قلبي جمال سردها. ففنيتُ وذُبتُ في لججها العميقة، وتُهْتُ في دهاليزها، واختفيت في سراديبها؛ حتى نسيت نفسي، وأنا اقرأ في تلك الرواية.
🔰 إذا كان أهل التاريخ في الزمان السالف يتحدثون عن (تغريبة المشارقة)، وأشهرها تغريبة بني هلال، وبني سليم، وبني المعقل، ونحوهم من قبائل قيس عيلان وقُضَاعَة؛ فإن هذه الرواية تغوص في الأغوار، وتسبح عكس التيار؛ لتتحدث عن (تشريقة المغربي)!.
وفي الوقت الذي ظهرت فيه تلك الرواية “مُشَرِّقَةً”؛ فإذا بها تبحر بي أنا في الاتجاه المعاكس “مغربةً”!.
🌓 نحن في بلاد السودان محسوبون على المشارقة، ولكننا في حقيقة الأمر بَيْنَ بَيْن؛ فلسنا بمشرقيين خُلَّص، ولا مغربيين خُلَّص!.
📌 فموقعنا الجغرافي وسط بين المشرق والمغرب، وثقافتنا خليط بين المشرق والمغرب. وقد أخذنا من ثقافة المغاربة ما لم يأخذه مشرقي قط. هذا مع احتفاظنا بقدر كبير من الثقافة المشرقية، وتحفظنا على بعض ثقافاتها.
✸ فمن الروايات القرآنية الحاضرة في بلادنا: روايتي (ورش عن نافع)، و(قالون عن نافع). وهي من الروايات المشهورة في المغرب العربي. ولا تكاد تجد لها أثراً في بلاد المشرق إلا في إطارٍ ضيقٍ محدود.
✸ ومدرستنا في الفقه المالكي هي خليط بين فقه المشارقة والمغاربة. فكما أخذنا من “الصِّفْتِي” و”العشماوي” المشرقيين؛ أخذنا كذلك من “الأخضري” المغربي، وغيره.
✸ وأوزان أهلنا البقارة العروضية في أشعارهم، ومقاماتهم النغمية في أهازيجهم هي في الحقيقة أوزان أندلسية حافظوا عليها منذ أن قدموا من الأندلس. حتى أن البنات الصغار في الليالي المقمرة يسمرن، وينشدن أشعاراً على الأوزان والألحان الأندلسية!.
✸ وما زالت المرأة عندنا تلبس الثياب البيضاء علامة على الحداد، كما هو الحال في بلاد المغرب والأندلس. وهذا بخلاف جميع نساء المشارقة اللائي يلبسن الثياب السوداء علامة الحزن والحداد عندهن!.
✸ وعلى المستوى الإثني والعرقي توجد قبائل عديدة من البربر في السودان كالهوارة وغيرها. وفي النوبة الشمالية نجد الثقافة البربرية= الأمازيغية حاضرة بقوة؛ حتى أن أهل مصر كانوا ومازالوا يطلقون عليهم لفظ (البرابرة)، بل يطلقونها على كل سوداني!. هذا غير القبائل العربية المغربية كـ(قبيلة المغاربة)، و(المشايخة الشرفديناب)، وغيرها من القبائل الأخرى.
 كانت الفرصة مواتية في الزمان السالف لتشريقة المغاربة؛ فطريق أهل المغرب إلى بيت الله الحرام كان من جهة بلاد السودان؛ حيث يقطعون تلك الصحراء عبر الْجِمال وبقية الدواب إلى مدينة سواكن الساحلية، ثم يعبرون البحر إلى الحجاز. هذا بالطبع كان قبل ظهور ثورة الطيران ووسائل النقل الحديثة.
🗒 أعود فأقول: إن الرواية تتحدث عن قصة رجل مغربي من أصول أندلسية يسمى (عبد السميع بن عبد الحميد المغربي) جاء إلى السودان قافلاً من طريق الحج. وعمل في وظيفة (كاتب حجج السلطان). وهذا السلطان هو سلطان مملكة الفونج.
فبَيْنَا أنا أمخر عباب تلك الرواية المتلاطم؛ فإذا بأمواجها العاتية تقذف بي في جزيرة غناء ساحرة؛ جميلة المنظر، تغني عصافيرها على دوحها وارفة الظلال، باسقة الأفنان، وتسيل المياه من وديانها الصاخبة، وتنبع من عيونها الدافئة.
هذه الجزيرة هي (مملكة الفونج)؛ حيث أصبحتُ أهيم في رياضها، فأتنقل بين قصص عبد السميع، وحكايات صُلَيْحة، وأنساب السمرقندي، وإصلاحات أدريس ود الأرباب، ووو… الخ.
🔗 فالكاتب في هذه الرواية استخدم (أسلوب المزج والمزواجة):
 فمزج بين الخيال والواقع، وزاوج بين أسلوب الرواية والسرد التاريخي؛ فأنتج خليطاً متجانساً، جميل الطعم، سهل الهضم.
 ويستخدم الكاتب المزاوجة أيضاً في اللغة التي يكتب بها الرواية؛ فيأخذك العجب حينما تجده يستخدم نفس مصطلحات الفونج والعبدلاب القديمة التي كانوا يستعملونها في زمانهم، ويزاوج بينها وبين العامية المعاصرة، مع وجود اللغة الفصيحة، فيصيغ الكلام في لغة ثلاثية سلسلة، جميلة معبرة.
🗞 حينما تقرأ تلك الرواية تخرج بمعلومات تاريخية دقيقة لا تجدها في كتابٍ واحد. فهي معلومات اجتمعت في مكانٍ واحد، ولا تدرك إلا بالغوص في أعماق الكتب والبحث في لجج المجلدات المطولة.
🖍 إن هذا القلم عجيب، كيف لا وهو قلم رجل تضلع من أحداث التاريخ الذي يكتب فيه؛ حتى امتزجت بلحمه وعظمه؛ فصار يكتب التاريخ في شكل قصص، ويصيغ الأخبار في هيئة حكايات، وينثر أحداث الماضي في صورة حوارات.
 الدكتور عمر فضل الله روائي عظيم، صاحب قلمٍ فذ ويراعٍ سيال؛ يجبرك على قراءة رواياته، وهي روايات جميلة هادفة؛ تأخذ بلب القاريء، حتى يسبح في حياضها، ويمرح في رياضها.
فتجد في تضاعيف كلامه وثنايا حديثه: القصة، والتاريخ، والفلكلور، والأدب الشعبي، والمفردات العامية القديمة، ومصطلحات السلطنات السالفة.
📖 لقد عقدت العزم على أن أقرأ كل روايات الدكتور عمر فضل الله؛ رغبةً في الاستفادة التاريخية منها، ولكي أستمتع بقصصها الجذابة، وحكاياتها المشوقة.
❍ والآن أحط رحالي عند هذه المحطة، وأترجل لأمسك بالقلم؛ فإن الكلام عن هذه الرواية لا ينقضي، والحديث عنها لا ينتهي؛ فهي معين لا ينضب، وعينٌ لا تنقطع، وبحر لا يجف

إطلاق النسخة الإنجليزية لرواية أنفاس صليحة الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية 2018


أطلقت جائزة كتارا للرواية العربية صباح اليوم الأحد 13أكتوبر 2019 النسخة الإنجليزية لرواية أنفاس صليحة الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الرابعة 2018 ضمن فئة الروايات المنشورة وذلك ضمن فاعليات الدورة الخامسة 2019 .

رواية عمر فضل الله: نيلوفوبيا موسوعة اجتماعية نفسية تاريخية – بقلم السيد الراعي


الدكتور/ عمر فضل الله
رواية ” نيلوفوبيا ”
الصادرة عن دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع / الخرطوم
الروائي العربي السوداني
الحائز على جائز الطيب صالح العالمية في الرواية
الرواية موسوعة اجتماعية نفسية تاريخية، أبدع فيها الكاتب الدكتور عمر فضل الله في رسم الشخصيات بتسلسل منطقي بديع تحس فيه بالتلقائية والعذوبة، ظهرت فيه كل شخصية في موعدها تماما موظفة توظيفا دراميا محكما.
بطل الرواية عبد العزيز من مدينة العيلفون السودانية علي ضفاف النيل، يغرق فيه صديقه صلاح جراء تصرف طائش من تصرفات الطفولة، وتصيب عبد العزيز بطلَ الرواية عقدةُ الخوف من النيل، ويؤدي ذلك إلي التأثير السلبي على شخصيته، ويعيش طوال حياته تطارده هذه العقدة، وتحوّل من طفل مسالم هادئ إلي طفل عدواني وسط قرنائه، وكأنه كان يريد أن ينتقم من كل شيء حزنا على صديقه بهذا السلوك، وتيأس أمه من إصلاحه، ثم يُوجَّه لحفظ القرآن الكريم فيختمه ويتقنه؛ وينضبط سلوكه ربما بسبب ما سكن في جوفه من كتاب الله، فأضفى عليه السكينة والهدوء.
تفوق جدا في الرياضيات حتى أصبح يجد ذاتَه في التفاف زملائه حوله ليحل لهم ما صعب من المسائل الرياضية حتى إن أصعب المسائل التي لا يحلها يصعب على مدرس المادة نفسه حلها .
وصف الكاتب الحالة الاجتماعية والسياسية في عهد النميري وصفا دقيقا ببساطة غير مخلة بالتاريخ، تفاعل عبد العزيز مع كل الحركات السياسية على اختلاف مشاربها واتجاهاتها .
يصف الكاتب “العيلفون” بالمجتمع المليء بالتناقضات ولكنه مجتمع مترابط حين يفرح تعمه كله مظاهر الفرح ووقت الحزن تجزم أن هؤلاء هم ورثة الحياة الآخرة، فيقول: “غير أن العيلفون كما هي قرية صغيرة منزوية في ركن قصي من النيل تندب حظها وتبكي على ماضيها وتتحسر على غضب النميري عليها، فهي لم تشهد تطورا ولا عمرانا ولا نماء بل ازداد الفقراء فقرا، وانحسر الغنى عن الأغنياء والحال تبدلت والبلد أُفقرت والناس هاجروا إلى دول الخليج يطلبون لقمة العيش، تركوا أسرهم وأبناءهم واغتربوا،….. الهجرة فصلتهم عن مجتمعهم وتركت وراءهم أسرا مفككة بلا راعٍ ولا مربٍ ولا وازع، حين تنشأ الأسرة بعيدا عن الأب والزوج والأخ الكبير تنحل القيم وتتعقد المشكلات وتنفصم العرى وتنشأ أجيال من الشباب غير معتمدة على أنفسها، أجيال تنتظر آخر الشهر حيث يرسل الأب التحويلات والمصاريف والثياب والشنط “.
تراكم معرفي كبير بدا من خلال سرده في الرواية يقول: “وأصبحنا نجتمع لنقرأ أشعار السياب ونزار قباني وإيليا أبو ماضي والفيتوري وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المهدي المجذوب”.
ويقول: “وغالبا ما أكون أقرأ قصة بداية الربيع أو النبع المر أو كلاب القرية أو القفز فوق الحائط القصير لأبي بكر خالد أو لا تطفئ الشمس لإحسان عبد القدوس وغيرها من القصص التي كنت أنهمك في قراءتها وأنا في انتظار الغداء” .
لمس كاتبنا بطريقة حانية شعور البنت التي تأخرت في الزواج يقول بالعامية السودانية على لسانها: “وفي كل مناسبة زواج أو حفلة عرس أمشي ليها، النسوان يعملن نفسهن حكيمات وناصحات فوق راسي. لييه ما اتزوجتِ؟ ولي شنو ما قبلتِ فلان؟ وما في شيء اسمه عريس تفصيلة على مزاجك، وكلام كتير يجرح ، لدرجة أني في مرة وفي حفل خطوبة كنت قاعدة مع بنات عماتي وكلهن يا إما معرسات أو مخطوبات وهن طبعا أصغر مني وأنا كنت خلاص قفلت التلاتين، قعدن يقولن لي شوفي فلانة أصغر منك بعشرة سنوات وتزوجت وأنت لسة ما مخطوبة وما معرسة مستنية شنو؟ – قررت في اللحظة ديك أكون قوية وقلت ليهن والله من كل قلبي زي ما ربنا رزقكم ورزقها بزواج وفرحة أكيد ربنا بيفرحني في يوم من الأيام ”
تخرج عبد العزيز من الجامعة وبدأ رحلة البحث عن عمل ، يقول: “فمن يبحث عن الوظيفة في الخرطوم كمن يبحث عن التعليم في الجامعة لا يجدهما أبدا” ، يتسلم وظيفته كمدرس للرياضيات في “ثانوية الجريف للبنات” ، ويتزوج إحدى مدرساتها، ويسوقه القدر لأن يكون منظما لرحلة لعدد من بنات المدرسة إلى مصر.
يستعرض الكاتب بسلاسة وعذوبة خلال مصاحبته للرحلة بالقطار المعالم والمسافات والمدن والمحطات وحتى ما يقابلونه في هذه الرحلة من البائعات فيقول: ” وأنهم في هذه المحطات النائية يستاهلون أن تعطيهم كل ما عندك عن رضى نفس وطيب خاطر وأنت تعلم أن وراء هذه البائعة النحيفة المرهقة التي أضناها الركض وهي تجري حافية الأقدام بجوار عربات القطار أطفالا صغارا ينتظرون عودة أمهم ببعض قروش لمصاريف البيت أو أبا شيخا كبيرا أقعدته السن عن طلب الكدح في طلب الرزق”
ومن وادي حلفا بالباخرة إلى أسوان عبر بحيرة النوبة يستعرض باستفاضة كل المعالم الأثرية والسياحية، ثم إلى القاهرة والأهرامات وأبو الهول والمتحف المصري والقلعة والسيدة والأزهر وخان الخليلي ومعالم القاهرة وزحمتها وليلها الذي لا ينام وناسها وعاداتهم وقهوة الفيشاوي التي سعدت بنجيب محفوظ كرائد من روادها فخلدها في تاريخ مصر والعرب .
وفي رحلة العودة عبر بحيرة النوبة في الباخرة عشرة رمضان يتجمع العائدون إلى السودان من مسافرين من أضاء الرحلة من منظمين وطالبات ليبلغ عددهم حولي سبعمائة وخمسين شخصا، ومعهم كميات كبيرة من المحروقات بمختلف أنواعها تتعرض الباخر إلى حريق هائل قيل إنه قد يكون بسبب مجموعة إرهابية أرسلها القذافي لإفساد العلاقة بين السودان ومصر فأطلقوا عليها قذائف “الآر بي جيه” فتحولت إلى كتلة من النيران كأنها ساحة حرب، وتحول الركاب الذين كانوا بجوار براميل المحروقات إلى أشلاء متناثرة من اللحم والعظم، وساد الهرج والمرج في السفينة واحترقت أيضا معظم قوارب النجاة، ومن قفز إلى النهر تلقته تماسيح البحرية الجائعة، ومن تمكن منهم من الوصل إلى البر تلقفته العقارب التي كانت منتشرة بالملايين، ثم بعد ذلك افترستهم الذئاب، فلم ينج من هذا الحدث الجلل سوى أقل القليل، ويلقى عبد العزيز حتفه في النيل أيضا بعد قصة مقاومة عنيدة مع النار والموت والنيل .
ويدهشك الكاتب بأن عبد العزيز بطل هذه الرواية ما زال يروي أحداث تلك المأساة مع أنه قد لقي حتفه بأسلوب شيق لم يكتشفه المتلقي إلا في سطور النهاية، فتعود مرة أخرى وتعيد التدقيق لتري متي فقد هذا البطل حياته ، ويتضح أنه واصل رواية المأساة بروحه بعد أن فقد جسده هذه الروح، وهي تهيم حول الأماكن والشوارع والزوجة والأهل وصيوانات العزاء.
وفي عتابه مع النيل لماذا غرق فيه كل هؤلاء على مدار التاريخ يقول النيل: قيل لي: كن ، فكنت ، وأمرت بالجريان فجريت ، أهب الحياة بإذن الله لهذه الرقعة، حول شواطئي تقوم الحضارات وتسقط، والناس يحيون ويموتون، والقرى تنمو وتندثر، أسير بقدر وأفيض بقدر وأغيض بقدر. سريت حين لم تكن ممالك أو دول أو شعوب ، وسريت بعد أن قامت الحضارات وازدهرت. كنت محضنا لضحية النيل عند الوثنيين على مدار القرون ولم تؤد تلك الضحايا إلى أن أفيض أو أغيض. كنت مهدا لنبي الله موسى نبي التوحيد أحنو عليه وأدفعه تجاه قصر الفرعون , وامرأة فرعون وجدته طافيا فوقي فأطلقت عليه اسم ابن الماء ، يعني أن موسى هو ابني فأي شرف تريد أكثر من هذا , وكم من عاشق هام في حب النيل وكم من شاعر تغني للنيل ؟ وكم من القصائد صيغت في مدحه ؟
فإن كنت أنت تهابني فالملايين غيرك يهيمون في شواطئي ومياهي …..
تحاياي الكبيرة للدكتور عمر فضل الله ، التي مهما كبرت فلن تبلغ قدره العظيم الذي أعاشنا على ضفاف النيل واهب الحياة بإذن الله

عندما تكون القراءة متعة – رواية نيلوفوبيا للكاتب الروائي المبدع الدكتور عمر فضل الله


الدكتور عبد الرحيم درويش

عندما تكون القراءة متعة
رواية نيلوفوبيا (١)
للكاتب الروائي المبدع
الدكتور عمر فضل الله
فطرتنا الإنسانية السوية تستمتع بالحكي وتشبع رغباتها بمعرفة ما حدث وما يحدث وماذا سيحدث. غريزة بشرية لتقفي الأثر ومعرفة كيف يعيش الآخرون.
حب الاستطلاع ومتابعة الشخصيات في رحلة حياتها المليئة بالدموع والأفراح والأتراح والغوص معهم في بحار الحياة وسبر أغوار النفس البشرية ومعايشة الشخصيات عن طريق خلقها فتراها وكأنها من لحم ودم، تتحرك أمامك، تتأمل وتتأمل، تحب وتكره، تقبل وترفض، تتكلم وتصمت، تناور وتحاور.
شخصية بطل الرواية تراجيدية بامتياز، تراها في كل بلد عربي ترفض الواقع وتأمل لمستقبل أفضل. تحب وتأمل، تتألم ولا تقنع. تري واقعا سيئا، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تغيره.
لما كان طفلا كان شقيا، لا لخلل فيه، وإنما لنمو نوازع الرفض للفقر والخنوع والضياع السياسي ومحاولة تغيير الواقع، ولكنه مع كل هذا شقي ببراءة، وسرعان ما ينصلح حاله.
ريشة فنان عبقري تري فيها كل عناصر الصورة بلا ضبابية ولا رتوش تجملها، حيث تشم رائحة الفقر والرفض والعناد لصبي عربي رافض لكل ما حوله.
رافض للضعف السياسي والفقر المدقع أملا في يوتوبيا أفضل.
ومع أنه سباح ماهر يموت رفيقه فيخاف النيل.
النيل رمز الحياة والأمل. يكرهه ويصير مأساته.
كل عناصر الصورة تتناغم مع حبكة درامية ببناء سردي سلس يتخلله حوار في غاية الجمال، ينفخ فيها فنان يجيد جعل القارئ يحبس أنفاسه لكل لحظة ويترقب ويتفرج مستمتعا.
أديب بارع بأسلوب متميز فرضه لنفسه، حيث لا يقبل التشابه ويتمرد علي البناء الأرسطي ويشيد بناء يبدأ فيه كلما اتخذ مكانه في بداية كتابته للرواية خلف مكتبه قائلا:
اللهم إني كاتب سأشدك معي أيها القارئ رغما عنك لتعيش متعة القراءة وسأستمتع معك لأننا في قارب واحد وبيئة واحدة قوامها الصدق وترابها الواقعية وعطرها المحلية وطعمها الإبداع.
ومن هنا تأتي عبقرية مدرسة عمر فضل الله، حيث ينجح لا في أن يريك شخصياته، وإنما ينجح في كشفك أمام ذاتك وتعرية روحك البشرية لتعيش في عالم من الطوباية وترحل معه في رحلة لا يجيد حكايتها غيره، لأنك تعيش عالمية الإبداع بروح مغرقة في المحلية، حتي في حوار الشخصيات ولباسها وسلوكها.
يأخذك الكاتب رويدا رويدا لتحلق بعيدا بعيدا في عالم الخيال والرومانسية والحب، إلي عالم الخير والحق والجمال بعد أن يغمسك في مستنقعات الواقع..

نيلوفوبيا (٢)

المتأمل في معظم أعماله تصيبه دهشة عظيمة عندما ينتهي من القراءة ويود أن يصفق إعجابا ويتساءل بانبهار:
كيف أمكنه أن يكتب هذا العمل العبقري؟!
سمة تميز أعمال عمر فضل الله:
يبدأ روايته من قلب المحلية فتشعر بالسودان وأهلها وتحس بأنك تري تاريخ هذا البلد العظيم، وبالرغم من إغراقه في المحلية، إلا أنه ينهي الرواية بشكل أقرب إلي العالمية، فيجذبك إلي الناحية الإنسانية التي تري الضعف البشري فيها مطلا برأسه حيث الألم والدموع والقهر…

uرواية نيلوفوبيا نموذجا…
قلم رائع وأديب مبدع ورواية عبقرية، والملفت للنظر أن الكاتب في هذه الرواية كشف قليلا وأخفي كثيرا تحت غطاء كلماته الموحية المؤلمة فتجد حقيقة أمورا كثيرة مسكوت عنها في النص.
عبقرية نيلوفوبيا تتجلي في أن الكاتب قال كثيرا برغم من أن كلمات الرواية وصفحاتها قليلة، إلا أنه ألهمك كثيرا بما أضفاه علي الرواية وخصوصا في الجزء الأخير من أهوال ورعب وفزع يجعلك تبكي كل شخصيات القصة وتتساءل في هلع:
هل ما أقرأ حقيقة أم خيال؟!
رواية يتجلي فيه الضعف البشري أمام عظمة الطبيعة وإرادة الخالق!!
باختصار إنها رواية عالمية بأسلوب مغرق في المحلية مع بطل تجد له أكثر من نظير في ظل أنظمة عربية مقهورة مقموعة…
تحياتي لنيلوفوبيا ألف مرة وخالص شكري وتقديري عشرات الآلاف من المرات لمبدعها الكاتب الملتزم المهموم بقضايا وطنه وأمته والمدافع عن آمالها والسارد لآلامها والمبشر بأنوار الأمل لأجيال من البسطاء الضعفاء المهمشين في عالم عربي عظيم يتم إهمالهم والتنكيل بأحلامهم علي الرغم من قدراتهم اللانهائية وحقهم في العيش بحياة أفضل بكثير من واقعهم الأليم بالرغم من امتلاكهم لمقومات هذه الحياة التي يستحقونها…

عندما تكون القراءة متعة – رواية نيلوفوبيا


عندما تكون القراءة متعة
رواية نيلوفوبيا (١)
للكاتب الروائي المبدع
الدكتور عمر فضل الله
عمر فضل الله

فطرتنا الإنسانية السوية تستمتع بالحكي وتشبع رغباتها بمعرفة ما حدث وما يحدث وماذا سيحدث. غريزة بشرية لتقفي الأثر ومعرفة كيف يعيش الآخرون.
حب الاستطلاع ومتابعة الشخصيات في رحلة حياتها المليئة بالدموع والأفراح والأتراح والغوص معهم في بحار الحياة وسبر أغوار النفس البشرية ومعايشة الشخصيات عن طريق خلقها فتراها وكأنها من لحم ودم، تتحرك أمامك، تتأمل وتتأمل، تحب وتكره، تقبل وترفض، تتكلم وتصمت، تناور وتحاور.
شخصية بطل الرواية تراجيدية بامتياز، تراها في كل بلد عربي ترفض الواقع وتأمل لمستقبل أفضل. تحب وتأمل، تتألم ولا تقنع. تري واقعا سيئا، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تغيره.
لما كان طفلا كان شقيا، لا لخلل فيه، وإنما لنمو نوازع الرفض للفقر والخنوع والضياع السياسي ومحاولة تغيير الواقع، ولكنه مع كل هذا شقي ببراءة، وسرعان ما ينصلح حاله.
ريشة فنان عبقري تري فيها كل عناصر الصورة بلا ضبابية ولا رتوش تجملها، حيث تشم رائحة الفقر والرفض والعناد لصبي عربي رافض لكل ما حوله.
رافض للضعف السياسي والفقر المدقع أملا في يوتوبيا أفضل.
ومع أنه سباح ماهر يموت رفيقه فيخاف النيل.
النيل رمز الحياة والأمل. يكرهه ويصير مأساته.
كل عناصر الصورة تتناغم مع حبكة درامية ببناء سردي سلس يتخلله حوار في غاية الجمال، ينفخ فيها فنان يجيد جعل القارئ يحبس أنفاسه لكل لحظة ويترقب ويتفرج مستمتعا.
أديب بارع بأسلوب متميز فرضه لنفسه، حيث لا يقبل التشابه ويتمرد علي البناء الأرسطي ويشيد بناء يبدأ فيه كلما اتخذ مكانه في بداية كتابته للرواية خلف مكتبه قائلا: 
اللهم إني كاتب سأشدك معي أيها القارئ رغما عنك لتعيش متعة القراءة وسأستمتع معك لأننا في قارب واحد وبيئة واحدة قوامها الصدق وترابها الواقعية وعطرها المحلية وطعمها الإبداع.
ومن هنا تأتي عبقرية مدرسة عمر فضل الله، حيث ينجح لا في أن يريك شخصياته، وإنما ينجح في كشفك أمام ذاتك وتعرية روحك البشرية لتعيش في عالم من الطوباية وترحل معه في رحلة لا يجيد حكايتها غيره، لأنك تعيش عالمية الإبداع بروح مغرقة في المحلية، حتي في حوار الشخصيات ولباسها وسلوكها.
يأخذك الكاتب رويدا رويدا لتحلق بعيدا بعيدا في عالم الخيال والرومانسية والحب، إلي عالم الخير والحق والجمال بعد أن يغمسك في مستنقعات الواقع..
الأستاذ الدكتور عبد الرحيم درويش.

قناة النيل الثقافية برنامج كلمات رواية الغيبوبة مع الدكتور عبد الرحيم درويش والمذيعة فاطمة السردي


القاصة وداد معروف تكتب عن رواية ترجمان الملك لعمر فضل الله


الروائي والمفكر و الباحث و المؤرخ الدكتور عمر فضل الله ، رئيس الحكومة الإليكترونية بالإمارات، صاحب المؤلفات العديدة ، و الجوائز و التكريمات و الشهادات الكثيرة.
مؤلفاته
زمان الندى و النوار ،
زمان النوى و النواح ،
ترجمان الملك ،
حرب المياه علي ضفاف النيل ،
أطياف الكون الآخر،
نيلوفوبيا،
تاريخ و أصول العرب بالسودان ،
أنفاس صليحة(فازت بجائزة كتارا العام الماضي ٢٠١٨ )
تشريقة المغربي (فازت بجائزة الطيب صالح العام الماضي )
قرأت له من قبل أنفاس صليحة فكانت بالنسبة لي فضاء مختلفا للرواية التاريخية و الخيالية في آن، أسلوب برع فيه فضل الله
ثم قرأت له ترجمان الملك، و عشت فيها مع أبطالها في مملكة علوة التي لم يعطها التاريخ المساحة التي تليق بحضارتها و بعدل ملكها النجاشى و ابنه أيضا الملك أصحمة، كانت مملكة علوة أيضا هي نهاية رحلة الجدة صليحة بعد هجرة طويلة من بلاد الأمازيغ بالمغرب و حتي مملكة علوة في رواية أنفاس صليحة ، لكنها في ترجمان الملك كانت المكان و الزمان و الشخوص و الأحداث،
أعجبني الاهداء؛ فقد أهداها للملك النجاشي بن الأبجر. اعجابا بسيرته و عدله
درس عمر فضل الله هذه الفترة التاريخية جيدا و تشربها فأدخلنا إلي مملكة علوة و هو خبير بكل دقائقها، أدخلنا بيوتها و سوقها و مر بنا في حواريها، عرفنا بساحرتها سيمونة و فصل لنا دقائق السحر الأسود الإفريقي، عرفنا المرأة في مملكة علوة ملكة كزوجة الملك أصحمة، و سيدة حرة كأم بطلها تانيشا، سنجاتا الجارية. آحببنا الجد المترجم دلمار، اقتربنا جدا من المهاجرين المسلمين إلي الحبشة، الزبير بن العوام تحدث كثيرا فعرفنا كيف كانت حياة المسلمين في جوار الملك النجاشى ، أطلعنا علي حفاوة أهل علوة بالمهاجرين، تجرعنا مرارة الظلم مع استرقاق الأمير أصحمة بن النجاشي، الرق بشع ، لكن عمر فضل الله جعلك تعيشه بكل تفاصيله مع هؤلاء النساء المخطوفات المتكومات في عربة بائسة و من خلال حوارهم اليائس و البائس عن ظروف خطفهن ترثي للانسان مسلوب الحرية. تتحول لكتلة غضب من تملك البشر للبشر ، شممنا رائحة العربة التي نز ت فيها إفرازات أجساد الرقيق
أوضح لنا عمر فضل الله قول الرسول عليه الصلاة و السلام ( إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد ) دون أن يعظ أو يقولها بمباشرة، و إنما أوصلنا لتلك الحقيقة بسلاسة و جمال، ذاق الأمير أصحمة الرق في أقسي صوره فقرر أن لا يظلم أبدا، ظلم من رجال الكنيسة و من وزرائه و من عمه الضعيف المنقاد فقرر أن تكون مملكته واحة للعدل ، حرم الرق و منعه، أجار المسلمين و آواهم، أسلم معهم،
رواية ترجمان الملك كتبها عمر فضل الله بلغة سهلة سلسة غير متقعرة، و هو المتمكن من لغته العربية، فقد حفظ القرآن و هو مازال طفلا، و كما أخبرني أنه حفظ المعلقات السبع و هو مازال في المرحلة الابتدائية، له ديوان من الشعر الفصيح،
استطاع عمر فضل الله في هذه الرواية و في رواية أنفاس صليحة أن يقدم لنا دور الأديب المنتمي كما يجب أن يكون و يقربنا من حضارة طمرت و نسيها الزمان، بعد أن أماط عنها التراب فبدت براقة مدهشة، و لم استغرب لكتابته عنها، فهو ابن هذه الحضارة فقد أخبرني أنه ينتمي إلى تلك القرية التي منها النجاشي و التي نزل فيها المهاجرون الأول،
الحوار في الرواية بلغ قمة الرقي و دقة العلم في حوار رجال الكنيسة مع أصحمة الملك ، و أيضا مع عمرو بن العاص و الملك ، وكان حوارا لطيفا بين الزبير و بين بطل الرواية سيسى بن أبيلو بن دلمار، و جنح إلي الحزن بين سيسى وحبيبته سينجاتا، و كاشفا و ناقلا للخبرات بين سيسي و جده دلمار ” ترجمان الملك و المحيط بكل أسرار المملكة و تاريخها “
و فاجأنا د.عمر فضل الله في آخر ست صفحات بحقيقة والد سيسي دلمار المختفي من أول الرواية
الحقيقة أن القراءة للدكتور عمر فضل الله متعة عقلية ووجدانية و ثراء معرفي مؤكد ، تعود من الرواية بنظرة غير التي دخلت بها، و هذا هو الابداع الحق
تحية لصاحب القلم الرشيق و لمداده الكثيف الذي يسطر لا نقول حكايات و إنما ملاحم

رواية ترجمان الملك – بروفيسور عبد الرحيم درويش


ترجمان الملك (١)

عندما تنتهي من قراءة الرواية تشعر للوهلة الأولى أنك في نزهة فكرية حقيقية تتحرر فيها من واقع أليم وحاضر أكثر إيلاما بعد أن عشت في حقبة بيضاء ناصعة البياض إبان فترة تاريخية ملهمة شهدت أحداثا تاريخية جساما.
عمر فضل الله كاتب من العيار الثقيل يمتلك جيدا زمام لغته فيجعلك تغوص في أحراش إفريقيا فتتنسم هواءها تارة وتلهب سياط شمسها ظهرك تارة أخري.
يصدمك بواقع مرير بأدغال الغابات فتري الأفيال وقطعان الزراف. يبهرك ويسعدك ببهاء ظلال الأشجار الكثيفة فتري صفحة النيل العظيم تنظر إليك مع زقزقة الطيور التي تسكن هذه الأشجار فتصعد إليها لتنظر في هلع إلي التماسيح التي تحيط بك.
يبني الكاتب في روايته هذه بناء فريدا يختلف تماما عن بناء نجيب محفوظ المغرق في الواقعية، كما يختلف عن بناء يوسف السباعي المغرق في الرومانسية، ويختلف أيضا عن بنيان الطيب صالح في موسم هجرته إلي الشمال وعالمه الحداثي ومفرداته التي تختلف كما وكيفا عن عمر فضل الله.
أزعم بيقين عن قراءة متعمقة ودراسة واعية متفهمة بعيدا عن كل مدارس النقد التقليدية والحديثة وبعيدا عن مناهج النقد المستوردة أن هذه الرواية حالة خاصة في تاريخ الرواية العربية كما أنها فتح جديد في عالم الرواية بشكل عام وعالم الرواية العربية بشكل خاص، وسأحاول أن أثبت زعمي اليقيني هذا بأدلة علمية وبراهين واضحة.
الرواية مكتوبة بلغة عربية سليمة واضحة، وليست هذه اللغة التي تتدفق من بين أصابع الكاتب لغة الفصحي التراثية المقعرة الصعبة المعقدة التي رأيناها في سارة رواية العقاد اليتيمة، أو لغة طه حسين الصلبة الجافة التي رأيناها في الأيام تخلو من حيوية سرد الرواية التي نسعد بها في روايات توفيق الحكيم، ولكنها لغة خاصة بعمر فضل الله.
إنها لغة يتفرد بها لأنها إحدى مبتكراته السردية، فهي أولا لغة يسيرة وسهلة إلي حد البساطة تقترب من لغة نجيب محفوظ في رواياته الواقعية التي تغوص بك في عالم سعيد مهران لصه البطل في اللص والكلاب ولغة حميدة في زقاق المدق ولغة عامر وجدي في المرايا. فاللغة عند عمر فضل الله واقعية سلسة يفهمها الجميع دوت تقغر أو تشدق أو تفيقه.
ولغة الكاتب ثانيا موحية لأبعد مدي. تجعلك لغة الكاتب تترقب وأن تقبل علي مدينته التي بناها بحرفية عالية وهندسة معمارية راقية. تشعر وأنت تقرأ بأن قلبك يدق تأهبا لكل ما سيقع من أحداث. اللغة لدي الكاتب ذات جرس متميز…

ترجمان الملك(٢)

لغة عمر فضل الله ثانيا موحية تدفعك إلي توقع الأحداث منتظرا الخير والشر والحب والخلاص والأمل.
لغة الكاتب ثالثا وظيفية حيث أراد الكاتب أن تكون لغته معبرة أولا عن موقفه وقضاياه التي يطرحها ويريد لها تبريرا، كما يستخدمها لإقناع القارئ بوجهة نظره والوجهة التي يريد أن يأخذه فيها، ولذلك لا يجد المؤلف حرجا أن يقتبس من آيات القرآن والإنجيل كيفما شاء، هذا من ناحية ومن ناحية أخري لغة الكاتب وظيفية لأن المؤلف أراد لها أن تعبر سردا وحوارا عن شخصياته الروائية بكل عمق.
ذكاء الكاتب وموهبته الفذة تدفعك إلي أن تتقبل لغته في سبيل شخصياته للحب أو للتحرر أو للخوف أو للأمل أو للوصف.
لغة الكاتب رابعا درامية. أعني بدرامية اللغة حرصها علي أن تدفعك حثيثا لتجري لا خلف الأحداث وحدها وإنما خلف مكنون كل شخصية بعد أن نجح كاتبها في إبراز كل جانب من جوانبها الجوانية والبرانية والاجتماعية.
السمة الخامسة من سمات لغة عمر فضل الله أنها كائن حي يمكنك أن تراه ناميا وكأنه يتمثل بشرا سويا، وهذا يعني حيوية اللغة وتلقائيتها سردا كانت أو حوارا. فلغة الطفل ليست كلغة الجد، ولغة المحب ليست كلغة التاجر، ولغة الملك ليست كلغة النساء اللاتي أحطن بالملك الذي تم أسره.
اللغة الحية تتضح جليا وتتناثر مفرداتها بين الشخصيات الطيبة فنراها سعيدة فرحة بانتصار الحرية ورجوع الحق لأصحابه، وتتجلي حيويتها أكثر في ربوع سوق العبيد ولدي الساحرة وفي طلاسم الأساطير، كما نجدها حية في أرقي درجاتها مع آيات القرآن الكريم وتشعر وكأنها ذات أرجل تمشي في المناظرة التاريخية بين المهاجرين المسلمين الأوائل إلي الحبشة ضد من أرسلتهم قريش من الكفار لمطاردة مهاجري المسلمين طالبين من الملك تسليمهم.
لغة الكاتب كرؤيته متميزة وتستحق أن يفرد لها العديد من الدراسات السيميائية كجانب مهم في رواية الأديب عمر فضل الله الأثيرة بالنسبة لي كأول عمل روائي له أتعرض بدراسته ونقده وتحليله.
أود أن أوجه نظر الباحثين إلي ضرورة تناول الدال والمدلول في هذه الرواية وصولا إلي القوة الفاعلة وأهمية دراسة مدي قوة التناص في هذه الرواية، وهذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة من سلسلتي عن هذه الرواية الثمينة.

ترجمان الملك (٣)

هل النص هو اللغة أم أن اللغة هي النص؟! لا نريد أن نستفيض كثيرا في هذا السؤال متابعة لأنصار العلامة دي سوسير ورفاقه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا تعد هذه الرواية عملا استثنائيا وإبداعا منقطع النظير يستحق أن نطلق عليه فتحا جديدا في مجال الرواية؟!
ليسمح لي القارئ في محاولتي توضيح نظريتي هذه بأن أقول إن الرواية لا تعد مجرد حكاية لقصة يعلمها الجميع ولا يعرفها المسلمون وحدهم، بل يعرفها كل باحث في التاريخ.
في مقابلة هاتفية بعد لقاء حقيقي مع عمر فضل عمر فضل الله اعترف لي قائلا وهو يبتسم:
” لقد ولدت في القرية التي تدور فيها أحداث الرواية، وكل أهل القرية يعرفونها “
والرواية مليئة بنصوص من القرآن الكريم وآيات من الإنجيل.
لو كان الأمر مشكلة تناص وأن الكاتب لم يضف شيئا من عنده في صفحات الرواية التي تقارب الثلاثمائة صفحة وبالتحديد تقع في مائتين وست وثمانين صفحة، لما اعتبرنا الرواية عبقرية حقيقية علي اعتبار أن الكاتب لم يأت بجديد، لأن ما جاء به لم يكن نتيجة شيطان أدبه ونتاج فكره، لأنه يسرد أحداثا يعرفها الجميع وتتعلق بهجرة المسلمين الأوائل إلي الحبشة واستقبال النجاشي لهم وإكرامهم ورفض تسليمهم إلي الكفار الذين أرسلتهم قريش لردهم مرة ثانية ليسوموهم سوء العذاب.
كما لا تعد الرواية مجرد سرد لآيات القرآن وحجج هؤلا، المسلمين الأوائل المهاجرين إلي الحبشة فرارا بدينهم وهربا بإسلامهم من جبروت و ظلم كفار قريش.
تري لماذا تنجح الرواية في شد انتباه القراء وجذبهم لإتمام الرواية وقراءتها مرة ثانية وثالثة؟!
لعل هذا هو السؤال الأكثر أهمية، وذلك لأني لا أعد الرواية تاريخية ولا دينية، ولكن أعدها رواية إنسانية تتجلي فيها أسمي معاني الإنسانية من كراهية الظلم وكراهية العبودية والرق وإعلاء قيم الحب والعدل والخير والجمال، ناهيك عن اهتمام الكاتب بالمؤثرات الدرامية التي أود أن أفرد لها عدة مقالات جديدة تتعلق أولا بالسخرية والمقالب الدرامية والحب والمفاجآت وتغيير الإيقاع والسمو بالنفس البشرية .
إنها باختصار رواية إنسانية لكاتب أشد إنسانية برواية تنتصر للإنسانية، ولعل هذا أهم سمات نجاح هذه الرواية.

ترجمان الملك (٤)

بين التناص وموت المؤلف…

بعد أن قرأت رواية عمر فضل الله ترجمان الملك عدة مرات وجدتني أقابل رولان بارت وأطلب منه أن أتحاور معه. رحب بي مبتسما وأشار لي أن أجلس قبالته. بادرني في هدوء:
– ماذا تريد يا ابن درويش؟!
– في الحقيقة يا عمنا رولان بارت ..
– هات من الآخر
– أصل
– بلا أصل بلا فصل يا درويش. هات ما عندك
– أصل نظرية موت المؤلف التي فلقت بها رؤوسنا لا تنطبق علي ترجمان الملك
– يا سلام!! نظرية اعترف بها معظم النقاد في زماني وبعد موتي وتقول إنها لا تنطبق علي ترجمان الملك؟!
– أصل عمر فضل الله كتب الرواية بعد موتك بكثير
رأيته يمسك عصاه الغليظة ويجري خلفي منفعلا، وما أن مست عصاه ظهري إلا وأفقت مبتسما!!
والحقيقة أن فحوي نظرية موت المؤلف تنطلق من افتراض مؤداه أن المؤلف لا يأتي بجديد، لأن كل شئ في الدراما عامة والرواية بشكل خاص قد تم تناوله من قبل في أعمال السابقين، كما أن أرسطو وغيره من السابقين تحدثوا في كل شئ وحصروا لنا الأفكار الدرامية كاملة، فماذا بقي للكتاب المتأخرين؟!
ولقد حاول كثيرون التأكيد علي إيمانهم بهذه النظرية، وليس ببعيد أن يصدر جورج بولتي كتابه الشهير عن المواقف الدرامية المكرورة والتي يحفظها كتاب السيناريو والدراما في ستة وثلاثين موقفا دراميا!!
وأزعم أن عمر فضل الله لم يمت، ولعله يحق لي أن أصرخ قائلا:
– عمر فضل الله لم يمت. المؤلف لم يمت.
وهناك العديد من وجهات النظر النقدية التي فجرت في نفس اتجاه رولان بارت، بل وتعدته إلي موت النص وموت الناقد وموت القارئ!!
ماذا بقي للفن إذا؟!
أراني بعد سحب كتبي من المكتبة وانهماكي الشديد في القراءة لنقد نظرية موت المؤلف، تدخل علي جوليا كريستيفا وتمسك بيدي وهي تصيح:
– ابن درويش، أغضبت رولان بارت فهل ستغضبني وترفض نظريتي الخاصة بالتناص؟! المؤلف لا يقول شىئا. كل ما تقوله أو تقول شخصياته قيل من قبل وستجد له أثرا في الأدب من قبل.
ما أن انتهت من كلماتها إلا ودخل علينا باختين. أخذ بيدها وهددني بغضب شديد ولم يلق السلام علي.
خرجا وتركاني أتناعس علي أوراق كتبي حتي أفقت لأتحدث معكم عن السبب الذي يجعلني أرفض نظريتي موت المؤلف والتناص في رواية ترجمان الملك.
والحقيقة أنني أري المؤلف لم يمت في هذه الرواية لعدة أسباب: الأول أن المؤلف فرض شخصيته علي النص وأدخل فيها من روحه الشخصية التي عرفتها منذ أول وهلة قابلته فيها،
يتبع .

ترجمان الملك (٥)

بين التناص وموت المؤلف…

السبب الأول لرفضي نظرية موت المؤلف في هذه الرواية أن الكاتب أدخل علي الرواية من شخصيته وبني بنيانه الروائي بروح منه، فهو هادئ هدوء ترجمان الملك الجد ومحب للحياة حب حفيده لها، ومفعم بالحيوية كالملك الشاب وسنجاتا، كما أنه بليغ الحجة ورافض للعبودية والسحر، ناهيك عن أنه أدخل هويته المسلمة بالرواية للدفاع عن دينه وإظهار الخطأ في الأديان الأخري.
السبب الثاني لعدم موت المؤلف أنه يحب ويكره، وهذا يعني أن المؤلف شخصية حية مفعمة بالحياة إذ ينتصر للإنسانية ولروح التحرر ويكره الرق واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. يحب الخير ويكره الشر ويتضح هذا طيلة الرواية فكيف نقول بموت المؤلف.
ثالثا أن المؤلف نراه مفكرا وحكيما طول الوقت، وليس هذا علي لسان شخصياته وأفعالهم فحسب، بل الحجج المنطقية والتفكير الذي يقودنا إليه باقتدار وخصوصا عند الحوار مع القساوسة وكهنة الكنيسة وعند التفكير بشكل عام بعد نهاية الرواية والثقة بأن هذا الكون لم يخلق سدي.
ورابعا المؤلف ينتقي ويختار مما يؤكد علي حياة عمر فضل الله وخصوصا في هذه الرواية حيث أنه انتقي شخصيات بعينها وركز عليها، في حين أغفل شخصيات أخري أو تجاهلها، ليس هذا فحسب، بل انتقائه البارع للأحداث بلقاء الملك بالساحرة، ثم آلام وقوعه بالأسر، ناهيك عن الحميمية الشديدة بين ترجمان الملك وحفيده والملك.
هذه الانتقائية المبدعة للشخصيات والأحداث تؤكد مع الأسباب السابق ذكرها علي عدم موت المؤلف.
فلنعد إذا إلي التناص مع نظرة لجوليا حيث نؤكد علي عدم صحة فكرتها، والسبب الرئيسي في هذه الرواية أن المؤلف كتبها بلغة عربية سليمة، وفي كثير من الأحيان بالتشكيل ضما وكسرا وفتحا وسكونا وتنوينا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري أن الكاتب عمد إلي اختيار الألفاظ ووضعها في مكانها، حسب شخصياتها فأسلوب كل شخصية يختلف عن الأخري.
دقة الكاتب في اختيار الألفاظ أبعدته عن الوقوع في مصيدة التناص، كما أن اختياره للآيات في القرآن والإنجيل ونسجها في إطار فكري معين يؤكد أن للكاتب رؤية وهدفا يسعي للوصول إليها، كما أن الأصوات العديدة في الرواية والنصوص المقتبس عنها كلها خيوط في يد الكاتب.
الشئ الوحيد الذي يمكن أن تصدق فيه جوليا كريستيفا والذي يحسب علي المؤلف ولعه الشديد والذي يكاد أن يصل إلي درجة العشق بشخصية الزبير التي لم يعشقها حفيد الترجمان ….يتبع

ترجمان الملك (٦)

بين التناص وموت المؤلف

بقية المقال…

أقول أن حفيد ترجمان الملك والذي صار فيما بعد ترجمان الملك ليس وحده هو الذي وقع في غرام شخصية الزبير، ولكن عمر فضل الله أيضا وقع في غرامه وأعجب به أيما إعجاب .
لعل هذا يدفعنا إلي نص ٱخر، ولكنه يتعلق بالسينما، ففي فيلم الرسالة كان مصطفي العقاد مخرج هذا الفيلم العالمي مغرما حقا وواقعا في حب شخصيته الرئيسية، والتي يمثلها البطل عبدالله غيث في النسخة العربية وأنطوني كوين في النسخة الأمريكية، شخصية حمزة بن عبدالمطلب أسد الله.
قد يكون مصطلح التناص هنا صحيحا إلي حد ما، ولكن هذا يدفعنا إلي سؤال أكبر:
ومن من الروائيين لم يحب شخصيات أبطاله؟!
أعترف أنني أيضا كروائي وناقد بأنني أحب أسد الله حمزة والزبير، لأنها نماذج تحب وتعشق.
أعترف أيضا بأنني أحببت كل شخصياتي الروائية وتعاطفت معها. أحببت.سلطان عبدالغني في روايتي الغيبوبة، وأحببت عبدالله المصري في روايتي سارة العسكر وأصداء الخيال، كنموذجين.
أعترف في نهاية مقالتي هذه عن رواية ترجمان الملك للمبدع عمر فضل الله أنني أحببت سنجاتا والزبير وترجمان الملك كما أحببت النجاشي الملك الشاب، ومن قبل كل هذا أحببت الروائي المبدع عمر فضل الله ولعل سلسلة مقالاتي هذه والقادمة منها تلقي الضوء علي رواية أظنها ستخلد في وجدان أدبنا العربي الحديث والمعاصر، ولعل الله قد سخر قلمي لها ليأتي النقاد من بعدي ليوضحوا لي ما خفي عني وليحتفلوا برواية أعدها فتحا جديدا في مجال الرواية العربية ..

ترجمان الملك فن حقيقي (٧)تساءلت كثيرا عن سبب انجذابي الشديد وإعجابي المتزايد برواية ترجمان الملك للروائي عمر فضل عمر فضل الله ووجدتني أحاول أن أجد تفسيرا علميا مقنعا لحبي للرواية الذي أظنه قد وصل إلي درجة الوله، مستعينا في محاولتي بقراءاتي وترجماتي ودراساتي في عالم النقد.
الفن محاولة للتعبير عن الحياة وتفسير الواقع ونظرة ذاتية يحاول المؤلف أن يصبغها بالموضوعية، وكثير من الباحثين حاولوا أن يضعوا شروطا للعمل الفني الناجح، مع علم الجميع ويقينهم بأن أول قاعدة في الفن أنه لا توجد قواعد أو شروط في الفن!!
ومع ذلك فإيمان النقاد بأنه مع الفن لا قواعد، لم يمنع كثيرون من محاولة وضع أطر عامة أو تنظيم حدود تنصف العمل الإبداعي الجيد كالحيدة والموضوعية والإبهار وجذب القارئ و…. إلخ من الأطر النظرية والمحاولات العلمية.
وبعيدا عن هذه الاختلافات العلمية والقواعد المزعومة أعتقد أن هناك شروطا ثلاثة قد يتفق عليها النقاد تجعل العمل فنا يستحق الإشادة به مهما اختلف النقاد: الأول أن يثير العمل الذهن بالتفكير وأن يتسم نتيجة لهذا بالعمق، والثاني أن يثير الأحاسيس والمشاعر النبيلة، والثالث أن يصل بك إلي قناعة تامة بأن كل شئ بالعالم يسير وفقا لتخطيط رفيع وحكمة بالغة وأنه لا شئ يحدث بالعالم سدي بل لابد من حكيم خبير يسير شؤون الكون وينظمه ويديره.
الشرط الأول يتوافر في ترجمان الملك بداية من الصفحات الأولي، فأسلوب الكاتب يتوافق تماما مع مفهوم كتاب الدراما والذي يعنون به الخطاف والكلمة ترجمة للفظة Hook وتعني بالإنجليزية الصنارة أو الآلة التي يستخدمها الصيادون لصيد السمك.
خطاف الرواية يتمثل في قدرة الكاتب علي استثارتك وجذبك إلي روايته متذرعا باللغة القوية تارة وباستثارة عاطفة الحب تارة أخري.
يمتلك الكاتب أدواته الروائية جدا فمن لا يستميله الحب تستميله أساليب أخري ككراهية الظلم، وبشاعة القسوة والحاجة إلي الإحساس بضرورة انتصار الحق وقهر الباطل.
سعي الكاتب أيضا لإعمال العقل في كثير من الحجج الفكرية والمناوشات العقلية في أماكن مختلفة من الرواية.
وبالنسبة للشرط الثاني إثارة المشاعر النبيلة لا الغرائز فنجده متوفرا في مواطن كثيرة من الرواية كحب الابن والحفيد ووفاء الابن والأم والزوجة، بل إنني أزعم أن الرواية مترفة بمشاعر نبيلة راقية سامية لن يعرفها إلا من يغوص في الرواية.
أما الشرط الثالث فيتجلي

ترجمان الملك فن حقيقي (٨)

هناك إذا ثلاثة شروط يتفق معظم النقاد علي ضرورة توفرها في العمل الأدبي ليصبح فنا، وأزعم يقينا بأن هذه الشروط تنطبق حقا علي رواية ترجمان الملك للروائي عمر فضل الله وتحدثت عن الشرطين الأول والثاني بضرورة أن تثير الرواية التفكير وأن تستثير المشاعر والأحاسيس، والآن أتناول الشرط الثالث والذي يعني بأن تصل بك الرواية إلي الإيمان بأن هذا الكون له صانع مدبر وحكيم مقدر وإله مبدع مسيطر.
لا أقصد بهذا أن تكون الرواية داعية لأيديولوجية بعينها أو أن تبشر بدين بعينه، وإنما أن تصل بك الرواية إلي القوة الخارقة التي تهيمن علي هذا الكون لتحتمي فيها بضعفك وتفسر فيها عجزك وتشعر في عظمتها بنقصك.
كثير من قرائي قد يتعجبون فهناك أدباء ملحدون وقراء لا يؤمنون بدين أو يعترفون بإله، ولكن هذا لا يعني أنهم ينكرون الموت، ويعترفون ولو خفية بأنه لابد من قوة حقيقية تسير هذا الكون بنظامه الدقيق المحكم.
ولست هنا بصدد بيان فساد فكرهم أو محاورتهم، ولكن يكفيني قوله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ويكفيني إشعار العمل من يقرؤه بالضمير وإشعاره بلذة انتصار الحق وعودة الحق الضائع، يكفيني إحساس المتلقي وشعوره بالفرح لنصرة الحق وإن كان ضعيفا، واندحار الباطل مهما كان قويا جبارا عالي الصوت. فرحة المظلوم باسترداد الحق من سطوة أهل الشر والظلم والباطل.
إحساسك بسعادة البسطاء وترديدهم وأنت معهم وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
يكفيني أن يفرح القارئ مع شخوصه في الرواية والذين تعلق بهم وأحبهم.
يكفيني أن تسيل دموع القارئ علي الضعفاء الفقراء الذين غدر بهم الظالمون ونقضوا معهم العهود كما تكفيني فرحة نبعت من قلوب المساكين الذين لا رب لهم سوي الله فيدعونه ولا إله لهم سوي الجبار فيرجونه ويتضرعون إليه.
لم أتمالك دمعاتي في كثير من المواضع بالرواية، ولكن ثقتي بأنه موجود إله عظيم رب خالق معبود مطلع علي كل شئ عالم بكل نفس يري ويمهل ولا يهمل يعطي ويهب ويمنح البسطاء الضعفاء وينتقم من الظالمين الأقوياء.
الشرط الثالث هذا يتفق تماما مع مفهوم الدراما وتعريفها حسب أرسطو بأنها محاكاة لفعل نبيل تام لها طول معلوم تؤدي ولا تقال و تثير في النفس الشفقة والخوف لدي المتلقين، وهذا بالفعل ما يطلق عليه أرسطو في كتابه فن الشعر التطهير Catharisis.
وتلمح بالرواية في معظم شخصياتها رئيسية كانت أم ثانوية…

 

ترجمان الملك (٩)

المؤثرات الفنية في رواية ترجمان الملك للروائي السوداني المبدع عمر فضل عمر فضل الله كثيرة ومتنوعة، لدرجة تدفعني ليس فقط إلي إبداء الدهشة، ولكن أيضا إلي مزيد من التعجب والتساؤل عن قدرات الكاتب علي حشد كل هذا الكم من المؤثرات في رواية واحدة!!
كنت في عام ٢٠٠٦ أعد كتابا بعنوان الدراما في الراديو والتليفزيون ثم أعادت دار عالم الكتب المصريه نشره في عام ٢٠١١ بنفس العنوان، وكنت قد كتبت فيه جزء كبيرا عن المؤثرات الدرامية في الرواية، فإذا بي وأنا أقرأ ترجمان الملك في ٢٠١٩ أكتشف أن عمر فضل الله قد جمع كافة هذه المؤثرات بعبقرية فذة وقدرة هائلة تجعلني أضع هذه الرواية في مصاف الروايات العربية الكبري.
يذكر تيم كروك Tim Crook أن من أهم المؤثرات الدرامية التي تجذب الجمهور إلي أي عمل درامي المفاجأة، وإثارة روح المرح والدعابة والتوتر.
نبدأ أولا بالمفاجأة، فالرواية حافلة بكم كبير من المفاجآت والحوادث غير المتوقعة والتي برع الكاتب في أن يصدمنا بها، فعلي سبيل المثال لا الحصر نعرف أن والد الصبي راوي القصة غير موجود ويظن الجميع أنه قد مات، ولكننا نفاجأ في نهاية الرواية بأنه علي قيد الحياة، وعندما تتم مطاردة تاجر العبيد ويتم القبض عليه نفاجأ بأنه والده.
المفاجآت عديدة وكثيرة بالرواية، وقد تنشأ هذه المفاجآت بالصدمة عندما تكون علي غير توقعنا، فمن يتخيل أن يتم أسر ابن الملك وأن يباع في سوق العبيد وأن يضرب أو يهان؟! من يتوقع أن يحمي الملك النصراني مهاجري الإسلام الأوائل إلي الحبشة وأن يدخل في صراع مع الكهنة؟!
المؤثر الدرامي الثاني يتمثل في إثارة التوتر الذي يطل علينا برأسه من أول الرواية وحتي نهايتها، وهو ما يطلق عليه أساتذة الدراما خلق روح التشويق واستخدام حججه المختلفة لجذب القارئ وربطه بالرواية.
روح التشويق بترجمان الملك ترتبط ارتباطا عضويا بالبناء الدرامي المحكم الذي بناه المؤلف بداية بفكرة قوية تلتحم بشخصيات رسمها بقدر بالغ من المهارة مرورا بحبكة قوية وصراع أكسبها زيا براقا يشد القارئ من بداية العمل فيظل متابعا له حتي آخر جملة من جمل الرواية.
التوتر يسيطر علي القارئ لا من أجل معرفة ما سيحدث فقط، وإنما لأنه يرتبط بالشخصيات التي يحبها ويخاف منها وعليها.
الخوف من الشخصيات ينبع من أن تسلك سلوكا خطأ فتحاسب عليه والخوف عليها من تدبير الشخصيات العدائية ومن ثم نظل في حالة حيرة وقلق

ترجمان الملك (١٠)
المؤثرات الدرامية في الرواية
لم يكتف الروائي عمر فضل الله في روايته بالمفاجأة وإثارة روح التوتر والترقب فقط كمؤثرات درامية، ولكنه لجأ إلي استخدام مؤثرات أخري سنتحدث عنها بالتفصيل هنا، وذلك بالإضافة إلي مؤثراته الخاصة بالأسلوبية والدلالية ناهيك عن الشكلانية المفرطة التي تميز الرواية من بدايتها، والتي سنفرد لها دراسة مستقلة فيما بعد وأرجو من النقاد أن يتناولوا هذه الجوانب في دراسات تالية.
أجمل المؤثرات الدرامية الخمسة التي برع عمر فضل الله فيها كما يلي:
أولا الحوار المؤثر والحي والذي يصل في بعض الأحوال إلي أن يكون نابضا بالحياة، والكاتب في هذا يتميز بتطبيق نظرية بيتر مايوكس
Peter Mayeux
حيث يحافظ الكاتب علي الحوار فيبدو وكأنه طبيعي مناسب للشخصية، وتحس بأن الشخصية تتحدث بتلقائيتها وكأن شلالا من الكلمات يخرج منها، والحوار في الرواية لا يعبر عن طبيعة الشخصيات فحسب، ولكنه يعبر أيضا عن تكوينها السيكولوجي والسيسيولوجي، فناهيك عن حيويته تجده دافعا للأحداث وموحيا بالجو النفسي في إطار بناء فريد يجيده الروائي فتشعر لا بنبضات قلب الشخصيات ، وإنما بنبضات قلبك تترقب ما سيحدث. الحوار أيضا دافع للتشويق والاختلاف في البناء الدرامي، فحوار الطفل ولغته يختلفان عن لغة الملك وألفاظ العبيد تختلف عن ألفاظ تجار الرقيق والساحرات، ولغة المسلمين المهاجرين الأوائل تختلف عن لغة الكهنة والقساوسة ناهيك عن مظهرهم وسلوكياتهم.
الحوار طبيعي وتلقائي مناسب لطبيعة المواقف ذو رتم مختلف وتراكيب لغوية فريدة.
ثانيا التشويق المتوازي وهناك أكثر من معني له حيث لا يعني فقط توقع سير الأحداث لكل شخصية علي حدة، بل يقصد به خلق تشويق نابع من التباين لا في طبيعة الشخصيات فحسب، أو التنويع في الإيقاع الدرامي للأحداث فحسب، ولكن الرتم العام للأحداث والشخصيات في آن واحد، ويقصد بعض نقاد الدراما بالتشويق المتوازي الذي طرفاه القارئ كقارئ ومتوقع، فإن صدقت توقعاته مع ما سيره المؤلف من أحداث فرح واستبشر وواصل القراءة، وإن حدث العكس واصل قراءته متشوقا ليعرف الأسباب والمبررات. يذكر بعض النقاد في هذا الصدد أن التشويق المتوازي يحدث لتعارض الشخصيات ما بين طيبة وشريرة، متفائلة ومتشائمة، سعيدة وحزينة، رئيسية وثانوية، والكاتب يصهر كل هذا ببوتقة واحدة ينتج عنها تشويق متواز، والرواية ممتلئة بأمثلة لا مجال لشرحها 

ابن الشيطان يتحدث من خلال أطياف الكون الآخر


مقالي في جريدة الموجز العربي ( بقلم إيناس رضا هلال)
ابن الشيطان يتحدث
من خلال أطياف الكون الآخر.
هل صادفك أن يحادثك كائن عمره آلاف السنين يقص عليك سيرتة وسيرة أهل الأرض بل تاريخ الأرض منذ نشأتها؟
مثلما حدثنا هذا الكائن من بني النار التي شاءت الظروف أن ينهل في طفولته من حنان إنسية ويرضع من ثديها ؟
هنا في رواية (أطياف الكون الآخر) للروائي السوداني عمر فضل الله الحائز على جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي ٢٠١٨ ،وجائزة كتارا للرواية العربية ٢٠١٨ ،كاتب الرواية يصطحبنا عبر رحلة زمانية طويلة يسردها لنا البطل ابن عزازيل أو (طيف) كما ورد اسمه في الرواية ،مرورا بتاريخ الأرض القديم ونشأتها ،وفساد بني النار في الأرض وسيرتهم الغير طيبة عند أهل السماء ،ثم هلاكهم على أيدي النورانيين، وحياة عزازيل (إبليس) في السماء ،ثم هبوطه مرة أخرى عدوا لبني صلصال.
وضعنا الكاتب أمام تحدٍ نفسي منذ أول فصل في الرواية ليقيس مدى تجلدنا وإيماننا بوجود بني النار معنا في كل وقت و مكان؛ بسؤاله لنا على لسان( طيف بن عزازيل):أين أنا الآن ؟ نعم بالطبع ،لا تصدقني؟ انظر إلى الأعلى فوقك ،لماذا لم تنظر أراك مترددا أو خائفا…
عالج الكاتب في تلك الرواية أمراضا اجتماعية مثل السحر والشعوذة ،و أن بعض الأطياف ومنهم البطل يشمئزون ويستنكرون سلوك هؤلاء السحرة .
يذهب بنا الكاتب إلى مرتفعات بابل ببلاد النهرين ،حيث يتحلى البطل حينها بصفات آدمية لفعل الخير ونبذ الشر وإفساد المكائد التي يحميها أبوه عزازيل ،ثم يقودنا في رحلة البحث عن إبرام وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام ،وقد هبط بمصر وذكر صفات أهلها وخير أرضها ، واقتطف لنا زهرة من بستان تاريخها العتيق حينما ذكّرنا بتاريخ عروس النيل التي كان يقدمها المصريون قربانا لنهر النيل أو ( حابي ) إله الخير والنماء كما كانوا يطلقون عليه .
وقد كشفت رحلة الهروب ل(طيف التجلي) بين الكواكب هربا من أعوان أبيه عزازيل (إبليس) عن ثقافة الكاتب الرائعة الفلكية والفيزيائية ومعرفته بالنجوم والكواكب .إلى أن وصل إلى عهد سليمان ولم نشعر نحن أبدا بفجوة زمنية أثناء السرد،بل انتقل بين العصور في سلاسة ،وقد نال البطل عقاب من سيدنا سليمان وحبس في قمقم فتجول بنا الكاتب في أعماق البحار إلى أن تحطم القمم فخرج بنا إلى عصر التطور والتكنولوچيا والتقدم الحضاري والتقني ،مقارنا قدرات بني النار بقدرات بني الصلصال والنتيجة قد حُسمت لبني الصلصال بعد أن حيرت عالم الأطياف.
نجح الكاتب بأدواته وثقافته في خلق حالة من السلام بين البشر وبني النار ، بل وتمني بنو النار عيشة بني الصلصال بتناوله الجوانب النفسية والعاطفية التي يتميزون بها عن غيرهم ،ناهيك عن أسلوبه المتميز في المقارنات بين العصر الحديث والتقدم الحضاري وبين بقية الأزمان التي مررنا بها ،ومزج الخيال بالواقع في صورة فانتازيا رائعة.
المدهش أن الرواية لم يسمع بها كثيرون، لكنها جديرة بالاطلاع، فهي تشدك من أول فصولها وتستحوذ على جميع مشاعرك إلى أن تفرغ من متعة قراءتها.

مشوار حياة المؤرخ والأديب السوداني دكتور عمر فضل الله


مشوار حياة د. عمر فضل الله
إعداد: منى حسن

  1. ذكريات النشأة والطفولة في قرية العيلفون الغافية على ضفاف النيل الأزرق، حاضنة خلاوي القرآن؟
    لم أنتقل بمشاعري حتى اليوم عن كوني طفلاً فتح عينيه في بيت يفتح بابه على باب المسجد الكبير بالعيلفون فيرى المصلين وخلوة حفظ القرآن وطلبة العلم وحلقات الذكر والمادحين والنوبة والنحاس في الأعياد. العيلفون هي جنتي في الدنيا رغم أني طفت العالم ورأيت أجمل مدنه وأريافه. لا نيل في السودان إلا الذي يجري غرب العيلفون ولا رمل إلا رمله ولا حدائق إلا التي اختارت جواره. لم أسمع الأطيار تغني إلا هناك ولم أعرف معنى الجمال الحقيقي إلا في تلك الأرض ووجوه الناس. في العيلفون عرفت المعنى الحقيقي للتكافل وصلة الأرحام والتعاطف والتواد والتراحم والعلاقات الجميلة. في العيلفون عرفت متعة اللعب مع الأقران والسباحة في النيل. أجمل الذكريات التي بقيت معي حتى اليوم هي من ذكريات العيلفون وأظنها ستدخل معي القبر وسأستعيدها في جنة الخلد هناك حيث الحياة الحقيقية. أسأل الله أن تكون هناك عيلفون في الجنة بكل أهلها ومبانيها وشوارعها وأحداثها.
  2. ذكريات مقاعد الدراسة وما تبقى من عطر أرواح الصداقات فيها؟
    منذ السنة الأولى الابتدائية كنا نحفظ أسماء زملائنا وترتيب مقاعدهم في الفصل. وما زلنا نذكر الطرائف والتلائد بتفاصيلها. زملاء الأمس في جميع المراحل بقوا هم أصدقاء اليوم. وذكريات مقاعد الدراسة بقيت هي أجمل الذكريات. ورغم أنه فرقتنا الأيام والأحداث لكن ما يحمله بعضنا لزملائه منذ ذلك الوقت من ود جميل وشعور نبيل لا نكنه لغيرهم. ثم لما دارت الأيام واستحدث العالم التقانات عدت أبحث عما انقطع من حبل تلك الصداقات لأجدده وأتاحت لي وسائل التواصل الاجتماعي تجديد زمان الوصل فأنشأت المجموعات لزملاء الإبتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعة أحيي فيها تلك الذكريات وأنشد معهم أناشيد الطفولة والبراءة وحتى نشيد الوداع الذي كنا نردده في نهاية كل مرحلة من المراحل ونحن نعلم أنه ليس وداعاً لكنه انتقال من مرحلة لأخرى لكنا كنا ننشده من أجل دمعة الوداع المؤقت وهو نشيد قديم طالما تغنى به التلاميذ وقد كتبه الشاعر الأسكتلندي روبرت بيرنز (1759 – 1796م) وترجمه إلى العربية الأستاذ أحمد محمد سعد ببخت الرضا عام 1951م
    هل ننسى أياماً مضت هل ننسى ذكراها
    هل ننسى أياما مضت مرحاً قضيناها

من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها

كم قد رتعنا في الربى فرحاً بمثواها
كم قد قطفنا من زهور من ثناياها
كم قد مشيناها خطى كم قد مشيناها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها


كم قد سبحنا في الغدير معا صباح مساء
واليوم يفصل بيننا بحر أمواجه هوجاء
من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها


هذي يدي يا صاحبي قدم إلي يدا
ولنخلصن نياتنا ولنصدق الوعدا
من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها


كم قد مرحنا كم طربنا إذ طويناها
أيام أنس زاهيات كيف ننساها
من أجل أيام مضت من أجل ذكراها
فلنرفعن علم الوفا من أجل ذكراها
والنص الإنجليزي يقول:
Should old acquaintance be forgot, and never brought to mind?
Should old acquaintance be forgot, and old lang syne?
For auld lang syne, my dear, for auld lang syne
We’ll take a cup of kindness yet, for auld lang syne.
And surely you’ll buy your pint cup ! and surely I’ll buy mine !
And we’ll take a cup o’ kindness yet, for auld lang syne.
We two have run about the slopes and picked the daisies fine;
But we’ve wandered many a weary foot, since auld lang syne.
We two have paddled in the stream, from morning sun till dine;
But seas between us broad have roared since auld lang syne.
And there’s a hand my trusty friend! And give us a hand o’ thine!
And we’ll take a right good-will draught, for auld lang syne.

  1. مرحلة الدراسة الجامعية بدءا من السودان، انتقالا إلى السعودية، وما صاحبها من أصدقاء وأحداث؟
    شهدت جامعة الخرطوم سنوات من العصف والتوتر وعدم الاستقرار في سبعينيات القرن الماضي. كان هناك ما يشبه الحرب بين النظام القائم آنذاك والطلاب تمثل فيما شهدناه من الوجود المستمر لقوات الجيش والأمن والشرطة في باحات الجامعة وداخليات الطلاب وامتلأت السجون والمعتقلات بطلاب الجامعات والمدارس الثانوية. جامعة الخرطوم كانت تعج بالنشاط السياسي والثقافي بالرغم من هذا كله فمقهى النشاط والصحف الحائطية لم تتوقف ولكن الدراسة لم تكن مستقرة وفقد الجامعة ألقها القديم في تلك السنوات. صديقي في تلك الأيام كان هو المرحوم محمد بن المرحوم الزعيم إسماعيل الأزهري فقد كان زميلي في كلية الإقتصاد، وقد تركت تلك السنة اليتيمة بصمات في خاطري وذاكرتي لا تزول. المحاضرون كانوا متميزين. درسنا الرياضيات على البريطانية مسز بابكر واللغة الإنجليزية على مسز هاشم زوجة محمد هاشم عوض وكنت أحضر دروس اللغة الفرنسية بعد العصر مع مسيو باتريس ماريه وحلقات الثقافة والأدب مع الأستاذ الشاعر محمد الواثق وغيرهم من العمالقة. وفي تلك الأيام التقيت بالأستاذ الدكتور عبد الله الطيب لأول مرة.
    وحين غادرت السودان إلى السعودية أمضيت فترة برفقة زميلي عصام احمد البشير فتتلمذنا على الشيخ الألباني في المدينة المنورة وكنا نشهد حلقات الشيخ أبي بكر جابر الجزائري في المسجد النبوي وحلقات الشيخ الكتاني المغربي وغيرهم من العلماء وكان ذلك كله قبل الحصول على المنحة الدراسية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.
  2. كيف تصف البيئة الجامعية في المملكة العربية السعودية آنذاك؟
    مليئة بالأحداث الجميلة والذكريات الحلوة. كانت هناك مجموعة من المحاضرين السودانيين أذكر منهم على سبيل المثال: الأستاذ الدكتور محمد طالب الله والأستاذ الدكتور عبد الرحمن محمد سعيد والدكتور يوسف نور عوض والدكتور زكريا بشير إمام وغيرهم بالإضافة إلى عدد كبير من الطلاب السودانيين وخاصة من أبناء العيلفون. وأتاحت لنا الدراسة في جامعة الملك عبد العزيز عقد الصداقات مع طلاب من مختلف الدول العربية وبقية دول العالم.
    كنا ونحن طلبة نتلقى المنح والمكافآت الشهرية التي تكفينا للأكل والشرب والترحيل ومصاريف الدراسة وكانت الجامعة توفر السكن مجاناً. وكنا نسكن معاً في مجتمع جميل أو نخالط الجنسيات الأخرى من السعودية والشام واليمن أو من الأقليات القادمة من البعيد جداً من جمايكا أو البرازيل وغيرهم من الطلاب المسلمين.
    مجتمع الداخليات كان مجتمعاً جميلاً وكان الطلاب يتشاركون ما يعرف بالميز لصنع الطعام وحين انتقلنا إلى الداخليات التي تقع على شارع الجامعة المشهور بمحلات بيع الفول والطعمية وغيرها نشأ الأدب المصاحب لهذه المحلات حيث كنا نشتري الرغيف والفول من الباعة وذلك مرتين صباحاً ومساء فاكتسبنا الخبرات في هذا المجال ومما أذكره من الأراجيز التي كتبتها حول هذا الأمر عن الخبز وأنواعه:
    إن (التَّمِيسَ) سيد الرغيف ** اللين المنعنش الظريف
    لا ترض صاح للتميس من بدل *** فهو طعام سائغ لمن أكل
    و(عيش لبنان) به مشاكل *** مضمونة غازاته للآكل
    فهي إذا جاءتك عند النوم *** فرعدها يصم سمع القوم
    إياك أن تشتري (الصامولي) *** لأنه يضيع طعم الفول
    وإن غلطت واشتريت (الشامي) *** فقد أضعت لذة الطعام

الجامعة كانت تعج بالنشاط الثقافي والأكاديمي والاجتماعي والرحلات الجامعية وكانت تضم مكتبات غنية وثرة أضافت الكثير لحصيلتي المعرفية. كنا نذهب في نهاية الأسبوع لأداء العمرة أو نصلي الجمعة في الحرم المكي ونلتقي بطلبة جامعة أم القرى من السودانيين الذين جاء معظمهم من جامعة أم درمان الإسلامية لدراسة الماجستير في العلوم الإسلامية وفي موسم الحج كنا ننظم المجموعات من الطلاب المتطوعين لخدمة الحجاج السودانيين وتقديم العون والإرشاد لهم وكان ذلك العمل يتم عبر تنظيم طلابي اسمه (الجوالة).
وكان الأستاذ محمد حجاز مدثر يرحمه الله هو الملحق الثقافي والأكاديمي بسفارة السودان بجدة وكان بيته مقابلاً لداخليات وسكن الطلاب بحي النزلة إلا أنه لم يكن يزور الطلاب ليتعرف على مشكلاتهم واحتياجاتهم فكنا نراه في مركبته الفارهة يخرج من منزله فيتجه صوب السفارة صباحاً أو يعود إلى بيته مساء. لكن علاقته بالطلاب كانت ضعيفة فطلب مني زملائي أن أكتب إليه رسالة عتاب فلم أجد أرق ولا ألطف من الشعر فكتبت أبياتاً على سبيل المداعبة أذكر منها:
يا بن حجاز إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمع
ملحق قد جاء في موكبه فشربنا الشاي في مكتبه
راح منقولاً ولم نسمع به
غير أنا لم ننل من مركبه
غير هبات الغبار الألمعي
شكت الأقدام من طول الحفا
لم نجد في وصفه من عرفا
فهو قد سار بعيداً وكفى
هل ترى في هجره قد أنصفا
أم هو إهمال وبعض الوجع

وبالرغم من أنها كانت أبياتاً في المداعبة إلا أنها وجدت أذنا صاغية من المرحوم محمد حجاز عليه الرحمة. أوحت لنا تلك الأيام بالكثير وقد سطرت بعضها قصائد أو أهازيج ضاعت مع الأيام لكني أذكر منها في البكاء عليها:
كيف كنا في أمسنا كيف كنا؟ كيف كانت أرواحنا في تسامي
كيف عشنا رغم الحياة خلوداً هو في واقع الأمر في بعض عام
لست أدري في وقتها كان شيئاً فاق دنيا الحساب والأرقام
(مسجد الزيني) في النزلة يشهد أنا قد عمرناه في صلاة القيام
والتقينا في ساحة الحرم المكي جموعاً تتلو لخير الكلام
تلك ذكرى والذكريات شفاء حين عز اللقاء فالقلب دام
هل ترى تذكر النزلة لما عمر (الميز) وقتها بالكرام
نحتسي الشاي مرة ثم أخرى ريثما يتم طهي الطعام
والحديث العذب يسري رويداً في جميع العلوم كالإلهام
في السياسة في الدين في الآداب في القانون والأحكام
في العلوم في الفقه والفكر في التاريخ في (الإعلام)
ياترى هل تعود تلك الليالي؟ رب رمية للقاء من غير رام
قد حوى ذلك الزمان إخاء عز فوق الأنساب والأرحام
5. مرحلة الدراسات العليا في أمريكا، ومحصلتها من المعارف والأصدقاء؟
أعتبر هذه المرحلة نقطة تحول في حياتي العلمية والعملية ففي الولايات المتحدة إما أن تجتهد فتنجح أو تفرط فتفشل ولا توجد منطقة وسطى. كنت أقضي ما بين ثمانية عشر ساعة وعشرين في الدروس أو المعامل ولا أعود إلا لأنام لأستيقظ صباح اليوم التالي وهكذا. وبالرغم من أنني كنت على منحة إلا أنني كنت أعمل في العطلات لتوفير المزيد من النقود. تجنبت مصاحبة السودانيين لأني تعلمت من حياتي في المملكة العربية السعودية أن حياتهم الاجتماعية مفرطة وأنها تضيع وقتي. لكني بالرغم من ذلك تمكنت من مصاحبة الكل حتى المشردين في الشوارع وفرق العصابات لأتعلم منهم ثقافة تلك الطبقة من الشعب الأمريكي وتعلمت منهم اللهجة الأمريكية American Slang فكنت أجلس مع من يطلق عليهم Street Corner Community الذين يجلسون في ركن الشارع ثم كتبت عنهم بعد ذلك رواية باللغة الإنجليزية لم تنشر بعد واسمها The Devil in me الشيطان الذي بداخلي. اكتسبت كثيراً من الأصدقاء من البيض ومن الملونين وخاصة من جمايكا والمكسيك. وتمكنا من تأسيس مصلى في الجامعة تحول بعدها إلى مسجد كبير يؤمه الطلاب. كنت أشهد جمعيات برمجيات الحاسب الآلي وخاصة جمعيات تبادل البرمجيات Software المجانية مثل مجموعات الاهتمامات الخاصة بنظام أبل Apple SIG ومؤتمرات تقنية المعلومات والمناشط العلمية وقد شهد ذلك الزمان انفجار تقانات المعلومات وبرمجياتها وتتوج بظهور الانترنت في آخر أيامنا بالولايات المتحدة.
6. أهم الروافد التي أسهمت في التشكل المعرفي لديك كشاعر وروائي؟
فيما يتعلق بالشعر فقد أسهم إخواني الكبار وأساتذتي في حفز ملكة الشعر عندي ثم قراءاتي الكثيرة وسهولة الحصول على دواوين الأدب والشعر فقد قرأت أعمدة الأدب الأربعة البيان والتبيين للجاحظ والأمالي لأبي علي القالي وأدب الكاتب لابن قتيبة والكامل في اللغة والأدب للمبرد ثم العقد الفريد لابن عبد ربه وغيرها من كتب الأدب إضافة إلى المعلقات ودواوين الشعر الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي والحديث. وتحدي الشعر منذ المتوسطة مما أوجد عندي ملكة للشعر.
وأما الرواية فقد جاءت متأخرة رغم أنها كانت عندي في محاضن حكايات الجدات قبل النوم والأحاجي والقصص الشعبية ثم غذتها القراءة والإطلاع وموسوعية المعرفة فأنا أقرأ في كل شيء تقريباً ولا أتهيب القراءة وقد قرأت الكثير في الأدب العربي والعالمي.
7. حققت نجاحات كبيرة في مجال عملك في الحاسوب والاتصالات، إلى جانب نجاحك الأدبي المتوج بالإنجازات المشرفة والجوائز والتكريمات، فكيف تصالح الأديب مع المهندس بداخلك؟
تعدد المواهب والمجالات أمر غريب في زماننا هذا وهو ليس كذلك عند من سبقونا فكثير من الفقهاء والعلماء تجدينهم قد برعوا في أفرع العلم المختلفة فبالإضافة إلى اللغة والفقه وعلوم القرآن والحديث تجدينهم قد برعوا في الطب والرياضيات والفيزياء وعلوم الفلك وغيرها والأمثلة كثيرة حتى إنك لتعجبين من أين لهم كل هذا الوقت للاطلاع على هذه العلوم والمعارف. وإذا كان ذلك في الزمان القديم فمن باب أولى زماننا هذا الذي أصبحت فيه العلوم والمعارف في متناول الأيدي لكن فترت الهمم ولو تعلقت همة أحدكم بالثريا لنالها. وأما فيما يخصني فقد وجدت عندي الملكة لأنهل من مختلف العلوم وأظن أن السر وراء هذا هو حفظ القرآن الذي يفتح آفاق الطفل وينمي عنده القدرة على الفهم والاستيعاب ويزيد ذخيرته اللغوية فاللغة هي أداة المعارف والعلوم ومفتاح التحصيل. وأما عني فقد وجدت نفسي في جميع هذه المجالات إضافة إلى مجالات أخرى لم يسعني الوقت لأفصح عنها وربما أفعل في مقبل الأيام.
8. حدثنا عن تجربتك في تأسيس مركز الدراسات الاستراتيجية والمركز القومي للمعلومات بالسودان، كيف كانت تجربتك، وإلى أين وصلت، وما الذي واجهك من معوقات؟
كنا ثلاثة أشخاص أسسنا المركز لما لمسناه من حاجة البلاد للتخطيط الاستراتيجي والرؤية الواضحة والغاية، فبادر الفريق متقاعد السر محمد احمد والدكتور سيف الدين محمد احمد وشخصي عمر احمد بتأسيس المركز الذي نجح خلال سنوات عمره القصيرة في عمل استطلاعات الرأي (حول تطبيق الشريعة الإسلامية – وحرب الخليج وغيرها من الاستطلاعات) كما أقام الدراسات الكثيرة للمشاريع القومية في البلاد وأجرى بالتنسيق مع مركز الإحصاء تعداد السكان الثاني عام 1992 ثم الاستراتيجية القومية الشاملة والتي ضمت في عضويتها ستة آلاف خبير سوداني كما أن المركز قام بإنشاء المركز القومي للمعلومات للتخطيط للبنية التحتية للمعلومات في السودان وإنشاء شبكات المعلومات وميكنة الدولة وغير ذلك الكثير من المنجزات غير أن مؤتمر الشبكة القومية للمعلومات تمت مصادرته وإيقافه صبيحة انعقاده وذلك دون إبداء الأسباب حتى اليوم، غير أن ذلك الزمان شهد صراعات مراكز القوى في البلاد والتي قام بعضها بمصادرة المركز القومي للمعلومات مثلما صادر من بعد ذلك مركز الدراسات ووأد الكثير من المشروعات القومية مثل مشروع الرقم الوطني الموحد ومشروع القمر الصناعي السوداني ومشاريع لو تركت لتبدلت حال البلاد. ومن مشكلاتنا الكبيرة في البلاد أنهم لا يدعمون النجاح والناجحين ما لم تكن منتمياً لحزب سياسي أو توجه آيديولوجي أو مركز من مراكز القوى في البلاد.
9. ساهمت في إنشاء المكتبة الوطنية السودانية، حدثنا عن المشروع ومدى أهميته، وأين وصل الآن؟
صاحبت مشروع المكتبة الوطنية السودانية منذ أن كان فكرة ثم دراسة في يد المرحوم البروفيسور أحمد عبد الرحمن العاقب ثم بعد وفاته في يد المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب والوزير صديق المجتبى الكتيابي أطال الله عمره. وأذكر أنني في تلك الأيام ذهبت للمرحوم الزبير محمد صالح للتصديق لنا بقطعة أرض في وسط الخرطوم لإنشاء مباني وقاعات المكتبة لكن الدكتور عبد الله الطيب نصحني ألا أطلب قطعة أرض في الخرطوم فذلك أمر بعيد المنال وقال لي قل للواء الزبير نريد أن ننشيء المكتبة تحت الأرض في ميدان الأمم المتحدة آنذاك ولا نريد قطعة فوق الأرض وبالفعل وجه اللواء الزبير مدير مكتبه بذلك لكن المفاجأة كانت أنني حين ذهبت بعد بضعة أيام إلى ذلك المكان وجدته قد تم تسويره وانتشرت القوات المسلحة حوله ووضعوا لافتة اسمها (مكتبة القبة الخضراء) فعلمت أنها مكتبة (ضرار) وبالفعل أنشأوا مكتبة من طابقين لبضعة أشهر ثم هدموها وكان القصد منها أن يحال بيني وبين إنشاء المكتبة الوطنية السودانية وكان المسئول عن مشروع القبة الخضراء هو العميد يوسف عبد الفتاح. ولو طال بي عمر فسأكتب عن كيف قاموا بتحوير أهداف المكتبة الوطنية لتصبح مسخاً شائهاً بعد أن كانت مشروعاً قومياً يضطلع بمهام الثقافة والنشاط الفكري والتراثي وغيره في البلاد عن طريق المراكز الكبيرة التي تنشئها المكتبة الوطنية مثل مركز الفهارس والضبط الببليوجرافي ومكتبات الولايات ودور الوثائق الوطنية ومركز المصنفات الأدبية ومراكز النشاط الفني وقاعات المحاضرات والسينما والمسرح وغيرها.
10. عملت مستشارا بالحكومة الإلكترونية بأبوظبي، كيف كانت التجربة، وما أهم مقومات نجاح مشاريع الحكومات الإلكترونية؟
كانت تجربة ثرة وغنية لأنه تسنى لي مواكبة إنشاء مشاريع معلوماتية ضخمة لم يسبق إنشاؤها في الوطن العربي من قبل وباستخدام تقانات متقدمة حيث بدأنا بميكنة أعمال مؤسسات الدولة ودوائرها الحكومية مثل دائرة الأشغال ودائرة البلديات والزراعة ودائرة المالية وغيرها ويشمل ذلك مراكز البيانات وشبكات المعلومات والاتصالات ثم أنشأنا بوابات الحكومة الإلكترونية في جميع الدوائر وامتد ذلك لخدمات الموانيء والمطارات والمرافق الحكومية الأخرى وانتهاء بالربط الكامل للخدمات مع المواطنين وربط كل ذلك بالهوية الموحدة ثم ارتقى الحال إلى الحكومة الذكية عبر الهواتف الجوالة حيث أصبحت جميع الخدمات سهلة وميسرة.
لكى تقيم مشاريع حكومة الكترونية ناجحة لا بد من هيكلة الأعمال والوظائف يدوياً وإنجاز إجراءات سير العمل فالنظام اليدوي المثالي يمكنك من إنجاز ميكنة مثالية وبعد ذلك يتم الانتقال لميكنة الأعمال عن طريق بناء البنية التحتية للاتصالات والشبكات ومراكز البيانات والأجهزة والأنظمة والتطبيقات ويتم التعاقد مع الشركات المتخصصة لتنفيذ هذه المشاريع وفق خطوات واثقة وثابتة مع آلية لنقل المعرفة وتوطينها وحماية وحراسة كل ذلك بالقوانين والأنظمة التي تضمن نجاح واستمرارية وحماية هذا العمل بالإضافة إلى تدريب الكفاءات من أجل إدارة وإنجاح وتطوير هذه الأنظمة علماً أن الحكومات الإلكترونية الناجحة هي التي تهتم بالمواطن وتكون في خدمته وتيسر له سبل العيش الكريم.
وقد تمكنت خلال هذه الفترة من إقامة عشرات المشاريع الكبيرة الناجحة وهو ما لم أتمكن من إقامته في بلدي!
11. كيف يساهم “الاستعمال الابداعي للإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في القبول بالتنوّع الثقافي والإقرار به في خلق الحوار بين الحضارات والثقافات” وتعزيز مفهوم الاستثمار الثقافي؟
أفلحت التقانات الحديثة في ربط شعوب العالم فترجمت الآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) إلى واقع الهدف من التنوع العرقي واللوني والديني ليتسنى تلاقح الثقافات المتنوعة في العالم كماً وكيفاً وتقريب الشقة الناتجة عن رفض الآخر نتيجة الجهل فالناس أعداء لما جهلوا لكن تقنية الشبكة الدولية الانترنت والقنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإبداع الإعلامي إضافة إلى تقانات الاتصالات قد أفلحت في توفير بيئة للتواصل الثقافي والحضاري وفي ظني أن العالم لم يبلغ في تاريخه ما بلغه في هذا الزمان من تيسير السفر والانتقال والتواصل فالشبكة الدولية على سبيل المثال قد وفرت بيئة التواصل بجميع لغات العالم عبر النصوص والصوت والصورة والمؤثرات وغيرها وبذلك تسنى تيسير المعرفة التي كانت في القديم محصورة في دور العلم أو عند القليل من العلماء المجتهدين الذين يشد إليهم الرحال فقد انفتحت أمام العالم اليوم المجالات المختلفة مثل الجامعات الافتراضية والمكتبات والمواقع المعرفية بالإضافة إلى مجالات الإبداع الثقافي والإعلامي الآخر مثل الأفلام السينمائية والمسلسلات والبرامج الحوارية والأنشطة الفكرية والثقافية والتي فتحت الباب أمام تيسير الاستثمار الثقافي بأنواعه المادية والتنموية والمعنوية فنشأت الأجيال الحديثة لتواجه آفاق التنوع المعرفي وعلى الدول والحكومات استغلال هذا في تطوير التعليم وتربية الأجيال وغيرها من المجالات.
12. برأيك ما مدى أهمية دمج الثقافة في برامج وسياسات التنمية المستدامة؟
الثقافة هي وجه الحضارة المشرق وأسلوبه المعبر عنه فالتنمية العمرانية على سبيل المثال تكون مسخاً لا يعبر عن هوية المكان دون أن تطبع ببصمات ثقافته، وذلك مشاهد منذ قديم الزمان في فن المعمار على مدار العصور وحين نتحدث عن تنمية مستدامة في أي مكان فإن الثقافة هي أحد أركان هذه التنمية كعجلة تدفعها وتحميها وتقوم مسارها وتحدو ركبها وبدونها تفقد التنمية هويتها ومعناها، ولهذا فالثقافة كانت وما زالت هي محط الاهتمام عند صناع الحضارات مهما تنوعت واختلفت أشكالها على مدار العصور والأزمان فلكل عصر ثقافته لكن المبدأ واحد.
13. كيف تقيم أهمية الأدب بكل فروعه كقوة ناعمة، وهل حققت المرجو منها في عالمنا العربي؟
في القديم كان الشاعر هو سفير القبيلة والمتحدث باسمها يمدح هذه فيرفعها ويهجو تلك فيضعها وكانت للشاعر سطوة ولكلماته حظوة ثم بدأ نجمه يخبو كسفير وانزوى في ركن من أركان الأدب في حين ظهرت مجالات أخرى لتتصدر المشهد الأدبي والثقافي وتسود في التأثير على غيرها لكن تبقى مجالات الأدب مؤثرة في السياسة والحكم وفي الحرب والسلم وغير ذلك، ويختلف تأثيرها باختلاف المكان والشعوب غير أن أشكال الأدب المؤثر في هذا الزمان في عالمنا العربي أصبحت تأخذ منحى المقالة الإعلامية والرواية الأدبية وفي ظني أن الأدب كقوة ناعمة لم تعد له مثل تلك المكانة القديمة فنحن نعيش أزمة الفكر والأدب في هذا الزمان في ظل سيادة السياسة الهوجاء والقوة الرعناء وربما نشهد عند الأجيال القادمة تغيراً في الأدوار ليتسنم الأدب مكانته الطبيعية كقوة مؤثرة.
14. ماذا بعد وداعك أبوظبي؟ هل تفكر في العودة للسودان، أم أن لك محطة أخرى؟
لم أغب عن السودان في أي وقت من الأوقات رغم أني أمضيت في الغربة من عمري بأكثر مما أمضيته في السودان. ولهذا فالتفكير في العودة إلى بلاد لم أغادرها بوجداني وفكري وأحياناً بجسدي أمر غير منطقي عندي علماً بأني الآن أقيم في الولايات المتحدة لأبني للسودان مجداً حيث أعمل على تنفيذ مشروع ضخم يتمثل في ولوج مجالات السينما وإدخال الشباب السوداني مجال السينما العالمية بقوة ولو نجح هذا المشروع فهو يضمن لي أن يعلن عن السودان للعالم عبر الوسيلة التي يشاهدها العالم أجمعه وهي السينما والصور المتحركة.
15. أهم مشاريعك الأدبية والعلمية القادمة؟
الأديب لا يتوقف عن الإنتاج الفكري طول عمره فكلما ظن أن هذه خاتمة المطاف تنفتح أمامه آفاق جديدة وتظهر تحديات والعمر قصير لكني أعمل الآن على كتابة تاريخ السودان لتسليط الأضواء على فترات غفل عنها الناس وظلمها المؤرخون فأكتب الرواية المعرفية التي تطرح أسئلة في التاريخ تحفز الأجيال الحالية على القراءة والعودة للاعتبار من تاريخهم وفي الوقت نفسه أكتب للمستقبل عن طريق تأليف الروايات الخيالية عن السفر في المستقبل لكنه ليس سفراً من أجل العبث وإنما لاستكشاف مآلات بلادنا في المستقبل بهدف تصحيح مسار الأجيال والتنبؤ بالمستقبل والاستعداد له كما أكتب بالإضافة إلى هذا في مجالات أخرى مثل كتابة السيناريو للسينما والتلفاز فمن الكتابات التي أقوم بها : رؤيا عائشة ونافذة في سماء الكهرمان والحيتان لا تطير إلا في سماء برمودا وغير ذلك من مؤلفات.
http://sites.alriyadh.com/alyamamah/article/1164852?fbclid=IwAR0KK8QUGbQT5P3L5U9NMfxzx8KJHoZv5ujfMPio5mKtFvgN0u0wryT-OV0

روعة الأسطورة قراءة في رواية أنفاس صليحة للدكتور عمر فضل الله


Widadروعة الأسطورة

بقلم وداد معروف

قراءة في رواية ” أنفاس صليحة ” للدكتور عمر فضل الله
الرواية الفائزة بجائزة كتارا هذا العام عن الرواية المنشورة

” قال لي أبي : يا ولدى إن كنت ضعيف القلب أو كثير الشك أو لست مستعدا أن تتخلى عن واقعك المعتاد فلن أحكي لك حكاية صليحة لأنها أبعد ما تكون عن الواقع، ولهذا فإن أجدادنا لا يقصونها للناس، وإنما يتداولونها بينهم في مجالسهم الخاصة، ولا أخفي شيئا إن قلت إن كلام أبي كان هو الحافز لي لسماع الحكاية التي حدثت منذ زمان قديم،”

تقع الرواية في 245 صفحة ونشرت عام 2017. وظف الدكتور عمر التاريخ؛ استلهمه وعمل فيه بخيال رحب. فالشخصيات في الرواية من صنع الكاتب. فهو لا يكتب توثيقا وإنما يسرد لنا أحداثاً لها بعد تاريخي لكن الكاتب جعلها قاعدة انطلق منها في خيال بعيد. هذا العمل الروائي أجزِمُ إن الكاتب عكف على دراسة هذه الحقبة التاريخية مدة لا يستهان بها، و التي تقع في القرن الخامس عشر حيث سقطت مملكة علوة وعاصمتها سوبا. تاريخ لا نعرفه كثيراً لكن الكاتب أخذنا من يدنا وأعادنا من خلال أنفاس صليحة وعينيها كنافذتين على الماضي. لنشهد علاقتها الوثيقة بجدها عبد الحميد اللقاني والذى بقي لها من أهلها الذين أكلهم الطاعون، حيث كانوا يقيمون في بلاد شنقيط. نقل لنا البيئة العربية الصحراوية بدقة وبتفاصيل مذهلة.

أيضا الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك الفترة عبر مغامرة مرعبة للفتاة صليحة وهروبها من بلاد المغرب الأقصى إلى سوبا في السودان، مرت بأهوال وتعلمت تجارب وشاهدت عجائب. عاملت أمناء وخائنين؛ ونجت من الرق بأعجوبة، وهنا أدخلنا الكاتب في حياة تجار الرقيق تلك التجارة الظالمة التي كان البشر هم عمادها وسلعتها.

مضت صليحة للبحث عن جدها الذي ذهب للحج وتركها أمانة عند سيدي محمد فهربت. وكان ما أدهشنا من وصف الصحراء والهجرات العربية إلى السودان والمكائد السياسية التي حيكت في القصور. رأينا كيف سقطت علوة الدولة المسيحية وكيف هاجمها العرب بقيادة عبد الله جماع وكيف حرقها، قتل الكثير وهرب الباقون. رأينا المرأة حينما تتحول لكتلة من حقد فتشتعل وتلقى بحممها لتحرق دولة بأكملها. بانتقام دوانة تلك الأميرة المسيحية التي قتلوا زوجها و الذى كان آخر ملوك العنج في سوبا، وصلبوه وقطعوا رأسه، كل ذلك أمامها ثم علقوا جثته على سور المدينة، حتى أنها هربت من الملك و الكهنة و عاشت مع ابنتها أونتي حياة كالكلاب تنتقل بين الظلال وتقيل تحت الأشجار و تنام على التراب لعشر سنوات ثم عادت لتنتقم .
الرواية فيها الكثير الذى أراد قوله د. عمر فضل الله . فيها فلسفته و فيها نظرته ورمزيته التي أراد أن يجعل صليحة تلك الفتاة التي لم تكن موجودة في التاريخ لكنه أبدعها من بنات خياله و جعلها معادلا للخير القادم و المستقبل الأمن.

استعمل د. عمر عبارات حوارية من اللهجة المغربية ونوه لذلك وهذا أيضا جديد علينا. وفي المجمل فإن لغة الرواية لغة عذبة راقية. جعل في الرواية لكل منطقة انتقل إليها السرد لغتها ومصطلحاتها ومدلولاتها التي تعلم القارئ مالم يكن يعلم. استفاد في تعريف القبائل العربية من النسابة التقليدية في السودان فقد ذكر أسماء القبائل بغزارة وعدد النسب ربما للجد السادس وهذا وحده جهد لا يستهان به.

في الرواية عرفنا كيف أصبح مجتمع سوبا مجتمعا هجينا من النوبة والعرب وأجناس أخرى وكلهم تعايش وكلهم يقبلون بعضهم وذلك لأن السودان الطيب يتسع للجميع.

كان أجمل ما أمتعنى في الرواية وكلها ممتع هو ذلك الوصف الدقيق لبيئة لا أعرفها ولم تطأها قدماي. بيئة الصحراء وطريق الحج ومجتمع الخيام في قبائل الطوارق والنوبة وقوافل الحجيج وقطاع الطرق وتجار الرقيق ورحلاتهم وتجارتهم الظالمة، وصف لبس الكهنة النبراس والنويتات والبلينات.
الحقيقة أن هذه الرواية جعلتنا نشتم رائحة الأماكن ونحس بسخونة أقدام صليحة حينما طار منها سباطُها فلسعتها رمال الصحراء في مغامرتها الخطيرة
أنفاس صليحة هي رواية المعرفة ومداعبة التاريخ وتجسيد جميل لشخصيات التخييل السردي.

هذا العمل الروائي الكبير أتمنى أن أراه على شاشة السينما أو التليفزيون فهو إضافة لا شك لوعى المشاهد. كل الشكر للكاتب الروائي د. عمر فضل الله هذه الساعات المحتشدة بالجمال والمعرفة والفن السردي النادر.
وداد معروف.

 

 

شرق النيل تتألق وتتآنق بجائزة كتارا للرواية العربية 


شرق النيل تتألق وتتآنق بجائزة كتارا للرواية العربية
.
د/ عمر فضل الله يفوز بجائزتين قيمتين لهذا العام 2018

جائزة الطيب صالح بروايته (تشريقة المغربي)في فبراير
واخيرا جائزة كتارا للرواية العربية في اكتوبر الجاري بروايته (أنفاس صليحة)

بقلم : سلمي أحمد محمد الطيب

هو كاتب وأديب وشاعر فذ ، إبن شرق النيل و التي إتسمت بإكسير الإبداع المتجدد و رفدت الدنيا بالمبدعين والعلماء في شتي ضروب المعرفة.ولد بالعيلفون
من أسرة دينية متصوفة مشهود لها بالورع والنبوغ ..( الشقيق الأصغر للهرم الإعلامي الصحفي أسحق أحمد فضل الله ).
منذ صغره عرف بالذكاء والحذق وأستحق بجدارة أن يدخل قائمة شرف أوائل الشهادة السودانية في نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي .
درس بكلية الإقتصاد جامعة الخرطوم
ثم السعودية وحط رحاله بالولايات المتحدة الامريكية لينال فيها درجتي الماجستير والدكتوراه في نظم المعلومات من جامعة كاليفورنيا في منتصف الثمانينات.
وهو خبير تقني وباحث مرموق ويعمل الآن مديرآ لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الالكترونية والذكية بدولة الإمارات العربية المتحدة .
أسهم في تأسيس عدد كبير من
المراكز البحثية في مجال تقنية ونظم المعلومات والحوسبة.
وهو فطحل من فطاحلة اللغة العربية ومؤرخ متبحر في مجاهيل التدوين وعلم التاريخ والأنساب .
كما أنه صاحب مشروع روائي ثقافي علمي ومعرفي يريد تقديمه للعالم ، إذ أنه يعمل علي إعادة كتابة التاريخ السوداني بالتمثيل السردي للتاريخ ، وهو روائي مميز صاحب عقل جرئ يملك الخيال وناصية اللغة في سرد مترابط وبلغة سردية محسوسة بتقنية عالية فهو راوي عليم متمكن من لغته بانسياب وسلاسة .كما
يعتبر أحد أركان الحوار الإسلامي المسيحي في العالم العربي والإسلامي
وله إسهامات متنوعة في عدد من مجالات المعرفة والأدب والفكر. .

كما انه رفد المكتبة العربية والسودانية بعددٍ كبير من الكتب تمت طباعتها
منها:
حرب المياه علي ضفاف النيل-حلم إسرائيلي يتحقق وتاريخ وأصول العرب بالسودان للفحل الفكي الطاهر-تحقيق ودراسة ،والكثير من الروايات المعرفية المطبوعة منها: ترجمان الملك ،أطياف الكون الآخر، نيلوفوبيا،وانفاس صُليحة وتشريفة المغربي، وله ديواني شعر مطبوعين:زمن الندي والنوار، وزمن النوي والنواح .
وله مقالات وبحوث منشورة في عدد من المجلات والدوريات
العلمية. و
شهدت
قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم إطلاق روايته ( انفاس صُليحة)
وقد ضجت قاعة الشارقة بزخم الإبداع لكاتبنا عمر و بالحضور النوعي المتميز لعدد كبير من القامات الثقافية .،وتمت
مناقشة وقراءات للرواية من
الدكتور محمد مهدي بشري
والاستاذ مصطفي الصاوي .

يذكر أن روايته الأخري ( أطياف الكون الآخر ) قد لاقت قبولآ لافتآ و نجاح منقطع النظير عند صدورها وتوزيعآ كبيرآ في الدول العربية التي إحتفت بها ،كما تم مؤخرآ ترجمتها لسبع لغات حية.
وقد فازت روايته ( تشريقة المغربي) بجائزة (الطيب صالح) للإبداع الكتابي في نسختها الأخيرة ،وقد إحتفت الاوساط الأدبية بهذا الفوز ايما احتفاء .
تشريقة المغربي اذهلت الكتاب والنقاد معآ.
قال عنها الروائي الجزائري الأشهر (واسيني الأعرج): (رواية (تشريفة المغربي )لابد أن يكون كاتبها مولوداً في المغرب وليس سودانياً لما تضمنته من فهم الثقافة المغاربية ومصطلحاتها)،
وقال عنها مؤلفها (انها أكدت علي نجاح مشروعي المعرفي الروائي المقدم للعالم واضحت لي جليآ أنني أسير علي الطريق الصحيح ).

اما (انفاس صُليحة ) التي كتبت التميز والصدارة للرواية السودانية في المحفل العربي الكبير ( كتارا) ،فهي
رواية تاريخية تعكس تفاصيل الايام الاخيرة لسقوط دولة علوة وخرابها،
وأسطورة سقوط سوبا ودسائس عجوبة هي محاولة لتأكيد هوية الوسط وانها اي (الهوية )ليست حكرآ علي قبيلة معينة بل خليط متجانس من حضارات قديمة وأن الجميع كان يعيش في ظل تسامح ديني متميز،كُتبت الرواية ببناء أدبي سردي متماسك غني بالمعلومات ،بلغة موغلة في التكثيف ،والوصفية التي إحتلت مساحة كبيرة نسبة لغناء الفكرة بالمعلومة.

د/عمر أحمد فضل الله مفخرة العيلفون وشرق النيل والسودان قاطبة ،عبقري الرواية المعرفية والشاعر المجيد،بحر العلوم والحجة الثقافية والعلمية ،
الروائي العالمي الذي يعتبر
إمتدادآ لعظماء الرواية في بلادي… متعه الله بالصحة والعافية

عمر فضل الله يفوز بجائزة كتارا للرواية العربية 2018 برواية أنفاس صليحة عن فئة الروايات المنشورة



تقديم لرواية “تشريقة المغربي” للكاتب عمر فضل الله – الفائزة في الدورة الثامنة


الروائي عمر فضل الله ظل في مسيرته الروائية وفياً لقراءته للتاريخ، وإذا كانت مكتبة السرد العربية حافلة بقصص التغريبة (تغريبة بني هلال) فإن عمر اهتم بتشريقة المغربي، ورحلات وهجرات المغاربة إلى المشرق كثيرة، وبالذات إلى السودان.
وفي نهجه في كتابة الرواية يحاول الكاتب الجمع بين الحقائق التاريخية، والخيال، ويحاول أن يقدم قراءة مختلفة للتاريخ، وقد تجلّى ذلك في أكثر من عمل روائي سابق لهذه الرواية (تشريقة المغربي).
وقد رأينا شيئاً من ذلك في ترجمان الملك، والتي قدمت رؤية إبداعية لأحداث هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة في القرن السابع الميلادي على عهد الرسول الكريم محمد بن عبدالله ، وفي رواية أنفاس صليحة التي قدمت قراءته لأحداث سوبا عاصمة مملكة علوة المسيحية في السودان في حوالي 1504م.
ولعمر فضل الله طريقته الخاصة في استهلال عمله الروائي ، وإدخال القارئ مباشرة في أجواء الرواية { لو زرت سنار يوماً حين تقل مقر الملك إليها وذلك بعد بضعة وعشرين عاماًمن خراب سوبا } هو يعرّفك بالمكان وبالزمان، عبر ذكر الأحداث والوقائع التاريخية المهمة .. وهو يمزج حقائق التاريخ بنمو علاقات إنسانية تجمع بين شخوص الرواية .. وهو يربط بين الأندلس وسنار في أكثر من موضع . فهو حين يتحدث عن المخطوطات وإنشاء مكتبة السلطان، وحكاية جد صليحة عن مكتبات الأندلس (اكتشفت أن الناس هنا شحيحون بالكتب والمخطوطات).
وهذه الرواية تدفع القارئ للاهتمام بالتاريخ السوداني الذي يشكّل مادة خصبة نهل منه الشعراء وأهل المسرح في استلهامهم للفترة السنارية (1505 – 1821) .. وهذه الفترة لازالت تلقي بظلالهاعلى الإنسان السوداني رغم مرور السنوات.
وقد قامت لجنة التحكيم بمنح الجائزة لهذه الرواية وهي مكونة من البروفسور واسيني الأعرج والبروفسور عبدالرحمن الخانجي ، والروائي عيسى الحلو لما رواه فيها من ميزات جعلتها تتفوق على غيرها من الروايات الكبيرة التي شاركت في مسابقة جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي – الدورة الثامنة .
وإذا نظرنا إلى القول السائد بأن هذا الزمن هو زمن الرواية، فإننا نجد أن الرواية قد حققت هنا قراءة جديدة لعصر قديم، ولجزء من تاريخ السودان لم يتم التنقيب عنه، والاستفادة من وقائعه وأحداثه إبداعياً .. وباختصار يمكن القول أن هذه الرواية تمثل إضافة جديدة إلى المكتبة السردية العربية .

مجذوب عيدروس

سيرتي: عمر أحمد فضل الله


حياته

  • ولد عام 1956 بقرية العيلفون على ضفاف النيل الأزرق ونشأ فيها.
  • (خبير أنظمة ومشاريع الحكومة الإلكترونية) مدير مشاريع تقنية المعلومات أبوظبي أكتوبر 2007 –  يوليو 2018
  • مدير مشاريع تقنية المعلومات:  شركة الإمارات المتقدمة للاستثمار  أغسطس 2006 – أكتوبر 2007
  • مدير مشروع ميكنة دائرة البلديات والزراعة: دائرة البلديات والزراعة حكومة أبوظبي نوفمبر 2004 – مايو 2006
  • مدير مشروع ميكنة أعمال دائرة الأشغال: دائرة الأشغال حكومة أبوظبي مارس 1999 – مايو 2004

في مجال الآداب الإنسانية العربية والعالمية:

  • درس الأدب العربي وقرأ العديد من المؤلفات في الآداب العربية والعالمية باللغات العربية والإنجليزية وقرأ في الفكر الغربي والمذاهب الغربية في الفكر والآداب.
  • كتب الشعر الفصيح وله اهتمامات بالأدب الشعبي والقوميات السودانية ودراسات المجتمع.

في مجال تقنية المعلومات:

  • أكثر من 35 سنة من الخبرة الاحترافية في الأعمال الاستشارية وإدارة مشاريع المعلومات وتقنية المعلومات وحلول المشاريع متضمنة أنظمة ومشاريع الحكومة الإلكترونية بدولة الإمارات العربية المتحدة، مديراً لمشاريع تقنية المعلومات بدائرة الأشغال أبوظبي، ودائرة البلديات والزراعة، والإمارات المتقدمة للاستثمار وسي فور أدفانسد سوليوشنز. خبير التخطيط الاستراتيجي لأنظمة ومشاريع تقنية المعلومات وحلول إدارة العملاء وتخطيط وإدارة مراكز البيانات.

أهم الخبرات والمهارات:

  • تخطيط المشاريع، إدارة المشاريع، إدارة خدمات تقنية المعلومات، تخطيط وإدارة مراكز البيانات، إدارة الخدمات بمستوى ITIL تخطيط وإدارة قواعد البيانات، شهادة مدير المشاريع المحترف PMP تخطيط وتطوير أنظمة شير بوينت، مهارات قائد الفريق المحترف، تخطيط البنى التحتية لمشاريع تقنية المعلومات، تحليل البيانات، إدارة المخاطر، إدارة التغيير، أمن المعلومات، الأنظمة الذكية، ذكاء الأعمال، إدارة البرامج، مهارات بناء الفريق، إدارة الجودة، الحوكمة، هندسة العمليات والإجراءات، أمن الشبكات، تطوير الأنظمة والبرمجيات باستخدام عدد من اللغات والأنظمة والمنصات. التوثيق والوثائق.

استشاري تقنية المعلومات / مدير المشاريع

سي فور أدفانسد سوليوشنز C4 Advanced Solutions    أكتوبر 2007  – 2018
  • تخطيط وإدارة تطوير مشاريع الأنظمة في مجال أنظمة الحكومة الإلكترونية والذكية وتخطيط وإنشاء وإدارة مراكز البيانات ومراكز العمليات.

استشاري تقنية المعلومات / مدير المشاريع

الإمارات المتقدمة للاستثمار Emirates Advanced Investment  أغسطس 2006 – أكتوبر 2007

  • تخطيط وتطوير أنظمة مشاريع الحكومة الإلكترونية شاملة البنى التحتية ومراكز البيانات وتدريب وإعداد المحترفين في مجال إدارة مراكز نظم المعلومات.

مدير مشاريع ميكنة أعمال دائرة البلديات والزراعة 

دائرة البلديات والزراعة أبوظبي نوفمبر 2004 – مايو 2006

  • مدير مشاريع تقنية المعلومات بدائرة البلديات والزراعة والتي تهدف إلى إنشاء البنية التحتية لشبكات المعلومات وتتضمن هذه المشاريع على سبيل المثال: مشروع شبكات معلومات دائرة البلديات والزراعة، بوابة الحكومة الإلكترونية لدائرة البلديات والزراعة، نظام تسجيل وسجلات الأراضي والمباني،نظام رخص الإنشاءات والمباني، نظام تسويق المنتجات الزراعية، نظام الرخص التجارية، نظام الرخص الصحية، نظام المنتجات الزراعية والحيوانية، نظام إدارة المباني والمنشئات، نظام إدارة الثروة الحيوانية، نظام مخالفات المرور (تم نقله فيما بعد لإدارة المرور بشرطة أبوظبي) نظام إدارة وصيانة المنشئات، نظام إدارة البنى التحتية، نظام إدارة المباني الحكومية، أنظمة وتطبيقات العمل الجماعي والمشترك، أنظمة التصاميم الهندسية بواسطة الحاسب الآلي،  أنظمة المعلومات الإدارية، نظم إدارة المنشئات الصناعية ن الأنظمة والتطبيقات الذكية ونظم إدارة المعرفة، أنظمة قواعد بيانات المباني، أنظمة حلول المشاريع المتكاملة، أنظمة الشئون المالية والإدارة وأنظمة الربط مع دائرة المالية ، أنظمة تقديم العروض، أنظمة التوزيع والمراقبة، أنظمة شئون الموظفين والرواتب، مراكز بيانات ومعلومات دائرة البلديات والزراعة بأبوظبي والعين والمنطقة الغربية
  • كما اشتملت مهام العمل بدائرة البلديات والزراعة مشروعات أخرى مثل إنشاء مكتب المساعدة ومشروع تحويل البيانات بالإضافة إلى مشاريع إنشاء مركز البيانات وتخطيط مشاريع أنظمة الحكومة الإلكترونية لدوائر إمارة أبوظبي.

مدير مشروع ميكنة الأعمال

دائرة الأشغال – أبوظبي مارس 1999 – مايو 2004

  • اشملت مهامه على اختيار وتعيين الاستشاري والمقاول الرئيسي والفرعي لمشاريع ميكنة أعمال دائرة الأشغال أبوظبي والإشراف على إنشاء الشبكات والبنية التحتية لمشاريع تقنية معلومات دائرة الأشغال بأبوظبي والعين والمنطقة الغربية إنشاء حلول الأنظمة والتطبيقات لإدارات دائرة الأشغال أبوظبي – العين – المنطقة الغربية والإشراف على تنفيذ أنظمة وتطبيقات تقنيات المعلومات شاملة: أنظمة وقواعد بيانات ومعلومات المباني الهندسية: تطبيقات التصميم الهندسي باستخدام الحاسب الآلي (أنظمة كاد وأتوكاد)  أنظمة معلومات هندسة الإنشاءات، أنظمة التراخيص التجارية ، أنظمة إدارة وصيانة أصول المنشئات • أنظمة قواعد البيانات المعرفية للبنى التحتية. نظام إدارة وصيانة البنى التحتية  نظام إدارة الأراضي الحكومية. نظام ماليات أوراكل. أنظمة وتطبيقات العمل الجماعي والمشترك نظام الإدارة الصحية والطب الوقائي • أنظمة تقديم العروض والمواجز والتقارير الحكومية . مواقع الويب المخصصة لإدارة المشاريع. نظام الأرشيف والسجلات. أنظمة هندسة القيمة  ز أنظمة دعم القرار . أنظمة معلومات الرقابة والصيانة الدورية.
  • الإشراف على مشاريع أنظمة البنى التحتية لشبكات المعلومات للدوائر وشبكات المنشئات الحكومية بإمارة أبوظبي.
  • مثال: • مشروع مسجد الشيخ زايد الكبير بمدينة أبوظبي
    • مشروع مركز الشيخ زايد للبحوث والتوثيق والوثائق.
    • مشروع استاد الجزيرة. فندق قصر الإمارات • نادي تراث الإمارات
  • إعادة هيكلة إدارة نظم المعلومات بدائرة الأشغال وتعيين القوى العاملة بالتنسيق مع دائرة التنظيم والإدارة
  • TRAINING/ SEMINARS/Conferences/Activities

    EXCEED IT SERVICES:   Adobe Photoshop 

    Adobe Photoshop CS4

    Certificate of Completion, ITIL 

    IT Service Management, Foundation Level

     Adobe Photoshop 

    Advanced Adobe Photoshop CS4

     Javascript, Introduction to Javascript 

    Introduction to Javascript

    MICROSOFT .NET, Course 2956: Core Foundations of Microsoft .NET 2.0 Development 

    Course 2956: Core Foundations of Microsoft .NET 2.0 Development

     VISUAL STUDIO, Course 2541: Core Data Access with Microsoft Visual Studio 2005 Training and Cou 

    Course 2541: Core Data Access with Microsoft Visual Studio 2005 Training and Cou

     Web Application Technologies, Course 2544: Advanced Web Application Technologies with Microsoft Visual Studio 

    Course 2544: Advanced Web Application Technologies with Microsoft Visual Studio

    MICROSOFT .NET, Course 2957: Advanced Foundations of Microsoft .NET 2.0 Development 

    Course 2957: Advanced Foundations of Microsoft .NET 2.0 Development

    MICROSOFT MS Sharepoint, MS Advanced SharePoint Development 2007 

    MS Advanced SharePoint Development 2007

    MICROSOFT MS SharePoint, Course MS 5061: Implementing Microsoft Office SharePoint Server 2007 

    Course MS 5061: Implementing Microsoft Office SharePoint Server 2007

    MICROSOFT VISUAL STUDIO, Course MS2542: Advanced Data Access with Microsoft Visual Studio 2005 Training a 

    Course MS2542: Advanced Data Access with Microsoft Visual Studio 2005 Training a

    MICROSOFT Web Application Technologies, Course 2543: Core Web Application Technologies with Microsoft Visual Studio 2005 

    Course 2543: Core Web Application Technologies with Microsoft Visual Studio 2005

    MICROSOFT MS WINDOWS SERVER, Course MS 6430: Planning And Administering Windows Server 2008 Servers 

    Course MS 6430: Planning And Administering Windows Server 2008 Servers

     Microsoft .Net, Course 4995: Programming with the Microsoft .NET Framework using Microsoft Visua 

    Course 4995: Programming with the Microsoft .NET Framework using Microsoft Visua

    MICROSOFT MS SQL, Course 2779: Implementing a Microsoft SQL Server 2005 Database 

    Course 2779: Implementing a Microsoft SQL Server 2005 Database

    MICROSOFT MS VISIO, Microsoft Office Visio Professional 2007 

    Microsoft Office Visio Professional 2007

    MICROSOFT MS Sharepoint, MS Course 2095: Implementing SharePoint Portal Server 2001 

    MS Course 2095: Implementing SharePoint Portal Server 2001

     MS WINDOWS, MS Course 2154: Implementing & Administering MS Windows 2000 Directory Services 

    MS Course 2154: Implementing & Administering MS Windows 2000 Directory Services

    INFORMATION SYSTEMS DESIGN LLC DUBAI

     MS WINDOWS, Preinstalling And Deploying Microsoft Windows 2000 Professional 

    Preinstalling And Deploying Microsoft Windows 2000 Professional

    NEW HORIZONS

     MS WINDOWS, MS Course 1561: Designing a Microsoft Windows 2000 Directory Services Infrastruc 

    MS Course 1561: Designing a Microsoft Windows 2000 Directory Services Infrastructure

     MS Project, Beginning & Intermediate 

    MS Project 2000 Beginning & Intermediate Courses

    Projacs

    Project management & Controls Co., Project Management and Controls, Certificate 

    The Principles and Objectives of Implementing Project Management Control Systems.

    Activities and Societies: Primavera Projects Management System

    Wang Computers

    OIS Certificate, OIS 

    The WANG OIS System

    Activities and Societies: 

    Wang OS , Wang COBOL, WANG word Processing

    Apple SIG.

  • المؤلفات
  • مؤلفات باللغة العربية:
    • موسوعة ومعجم مصطلحات الحاسوب – الهيئة العليا للتعريب – الخرطوم 1994
    • مجموعة بحوث وأوراق عن التعريف بالشبكة الدولية (الانترنت) 1992 – 1998
    • دليل أنظمة المعلومات والشبكات في افريقيا. 1995
    • مجموعة أوراق عن أنظمة المعلومات ضمن أعمال مؤتمر الشبكة القومية للمعلومات بالسودان. 1994
    • مناهج وكتيبات ومحاضرات لطلبة علوم الحاسوب في جامعة السودان وجامعة الخرطوم وغيرها. 1994
    • حرب المياه على ضفاف النيل – حلم اسرائيل يتحقق – دراسة عن سد النهضة الإثيوبي وآثاره – دار نهضة مصر 2013
    • ترجمان الملك – رواية – دار نهضة مصر 2013 (تجري ترجمتها إلى 7 لغات عالمية)
    • أطياف الكون الآخر – رواية – دار الياسمين – إمارة الشارقة 2014 (تجري ترجمتها إلى 7 لغات عالمية).
    • زمان الندى والنوار – ديوان شعر – جدة 1990
    • زمان النوى والنواح – ديوان شعر – ابوظبي 2009
    • تحقيق كتاب تاريخ وأصول العرب بالسودان للفحل الفكي الطاهر – دار المصورات للنشر – الخرطوم 2015
    • نيلوفوبيا: رواية – دار مدارات للنشر – 2016
    • أنفاس صليحة: رواية – دار مدارات للنشر 2017 – الرواية الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية أكتوبر 2018
    • تشريقة المغربي: رواية – الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي فبراير 2018

الطريقة الموصلة للطريق – من رواية رؤيا عائشة


الطريقة الموصلة للطريق

قرأ في الفتوحات: لَوْ عَلِمْتَهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَوْ جَهِلَكَ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ فَبِعِلْمِهِ أَوْجَدَكَ وَبِعَجْزِكَ عَبَدْتَهُ فَهُوَ هُوَ لِهُوَ لَا لَكَ وَأَنْتَ أَنْتَ لأنتَ وَلَهُ. الدَّائِرَةُ مُطْلَقَةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِالنُّقْطَةِ والنُّقْطَةُ مُطْلَقَةٌ لَيْسَتْ مُرْتَبِطَةً بِالدَّائِرَةِ. نُقْطَةُ الدَّائِرَةِ مُرْتَبِطَةٌ بِالدَّائِرَةِ.
أصابت فتوحات الشيخ من قلبه مقتلاً وأدارت رأسه أياماً عديدة فجعلته يقلب وجهه في سماء الغار ويدير طرفه في قبلة تقلب الأقدار يغوص في المرامي ويسبح في المعاني لكنه أيقن أن ذلك لن يكون إلا حين يلتحق المقيد بالمطلق فتنفتح له نافذة من الفيوض الإلهية. لكنه لم يتخل عن رجائها فقد سلبت لبه خواطر الحاتمي فعكف عليها وأعجبته مؤلفات أبي حامد فاتخذها مرجعاً ونبذ غيرها، وفي كترانج اعتكف في المسجد يرتشف (قطر الندى) ويتحلى بـ(شذور الذهب) فأطلقت لسانه وصوبت بيانه، لكن ذلك الشيخ الذي في المسجد بقي يراقبه فرأى فيه توقاً للتعلم وحباً للقراءة، فجلس معه وأرشده إلى (رسالة) القيرواني و(جوهرة) اللقاني. وسرعان ما عكف عليهما الفتي الظاميء للمعرفة فالتهمها التهاماً وحثه ذلك الكسب في التوحيد والفقه على أن لا يبرح حتى يبلغ قاهرة الفاطمي فيصبح أزهرياً أو يمضي حقباَ. فعل ذلك بحماسة الشباب واندفاع الطلاب. لكنه ما كاد يبلغ غربي بربر حتى طاب له المقام عند خلوة الشيخ محمد الخير بالغبش، ذلك أنه عثر فيها على (الإحياء) فبدا له أنه وقع على ضالته التي طالما سمع عنها في كترانج وعبثاً بحث عنها فما وجدها إلا عند محمد الخير فاختلس الإحياء وانفرد به منزوياً عن الناس في خلوة لا تمل. وسرعان ما افتقده شيخ الغبش حين لاحظ غيابه عن المسجد والجماعة، ولما سأل عنه الحيران والجيران، وما أفادوه بشيء طفق يبحث عنه بنفسه في كل مكان، حتى وجده أخيراً في ركن من الأركان منقطعاً بالإحياء عن الأحياء، فراعه ذلك وأزعجه، وانتزع الكتاب من يد الفتى، خوفاً عليه، ثم أمره في لهجة حازمة، ألا يقترب من هذا السِّفْر، إلا بعد أن يتمكن في علوم التوحيد ومعرفة العلاقة بين الله والعبيد. قال له:
– إن أردت طريق الأنبياء والأولياء فعليك بالتزام نهجهم وسلوك طريقهم. ولن يفيض النور على قلبك بمجرد مطالعة الإحياء!
– وبماذا يفيض إذن؟
– بالتفقه أولاً ثم بالزهد في الدنيا ثانياً والتبري من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى فمن كان لله كان الله له. وأما الإحياء فهو منتهى سلوك المريد.
– أرشدني أرشدك الله.
– ابدأ بمعرفة التوحيد فهو غاية المرام، ثم عليك بفقه مالك لتعرف الحلال والحرام، ثم اقطع علائق الدنيا الدنية، وفرغ قلبك منها بالكلية، واقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن، وعن العلم والولاية والجاه فذلك من حسن الفطن.
– وماذا يحصل إن أنا فعلت ذلك؟
– يصير قلبك إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه. ثم تخلو بنفسك في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب الباقية وتجلس فارغ القلب مجموع الهم ولا تفرق فكرك بقراءة قرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا بكتب حديث ولا غيره بل تجتهد أن لا يخطر ببالك شيء سوى الله تعالى، فلا تزال بعد جلوسك في الخلوة قائلاً بلسانك: الله الله على الدوام مع حضور القلب حتى تنتهي إلى حالة تترك تحريك اللسان وترى كأن الكلمة جارية على لسانك ثم تصبر عليها إلى أن يمحي أثرها عن اللسان وتسري في الأبدان وتصادف قلباً مواظباً على الذكر ثم تحافظ عليه إلى أن يمحي عن قلبك صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلام وتصريفه ويبقى معنى الكلمة مجرداً في قلبك حاضراً فيه كأنه لازم له لا يفارقه فتكون بما تفعله متعرضاً لنفحات رحمة الله فلا يبقى إلا الانتظار لما يفتحه لك من رحمة كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه الطريق وعند ذلك إذا صدقت إرادتك وصفت همتك وحسنت مواظبتك فلم تجاذبك شهواتك ولم يشغلك حديث النفس بعلائق الدنيا تلمع لوامع الحق في قلبك.
صمت صاحبنا صمت القبور، فقد فهم نصيحة الغبشاوي لكنه كان قد أكمل قراءة الإحياء قبل ذلك فلم تنفع معه النصيحة ولا سلوك الطريقة الصحيحة. فهاجر إلى (أم مرحى) ليسلك الطريقة السمانية على شيخها محمد شريف نور الدائم، وهناك عثر على كنز من كنوز علم الباطن، فقرأ لأحمد بن إدريس وحين تعرض للفتوحات المكية عرف أسرار المهدية فرسخت في أعماقه واستقرت في آماقه. وجمع بين اللغة والفقه والفكر والزهد. وانقطع للعبادة الخاشعة والإخبات. ولازم شيخه يطحن له غذاءه بيده ويطبخ له طعامه تزلفاً إليه وتقرباً ويلازم الصوم والعبادة حتى أجازه شيخاً للطريقة السمانية لكن أخويه جاءا وألحا عليه أن يعود معهما ليعمل في صناعة المراكب وليجمع بعض المال فيتزوج ابنة عمه فاطمة بنت حاج فقد كبرت ونضجت واستدار عودها والتف جسدها. لم ترق له الفكرة البتة لكنهما ما زالا يحسنان له صورتها حتى عاد معهما إلى الخرطوم فتزوجها.
وفي ليلة الدخلة رأى الرجال والنساء يرقصون مختلطين فمنعهم من الرقص وأغضبهم ذلك فانصرفوا وتركوه. وبقي وحيداً لا يختلط بالناس ولا يخالطونه. ثم ترك صناعة المراكب مرة أخرى وانقطع عن العمل وبقي مع ابنة عمه. وفي هذه المرة لجأ شقيقاه إلى زوجته لتعينهما عليه فبقيت تهجره ليقبل نصحها ويسير طوع إرادتها لكنه لم يكترث لذلك.
وفي يوم وجدته يقرأ القرآن فانتزعت المصحف من يده وألقته على الأرض فطلقها وخرج غاضباً. وافتتح خلوة لتعليم الغلمان القرآن الكريم لكنه لم يصبر على ذلك فتركه وغادر إلى الجزيرة أبا فتزوج فاطمة ابنة أحمد شرفي. وبقي يختلف إلى شيخه محمد شريف بالمرابيع القريبة من الجزيرة أبا.
حين خرج من الخرطوم كان يذكر أيامه وهو يسير في شوارع الخرطوم فيرى أنه غريب في هذه المدينة التي تعج بالأجانب فهؤلاء الترك الكذابون مكنوا للنصارى الملاعين يفعلون بالخرطوم ما يشاءون .
قال لي يوماً:
– تعلمين يا عائشة أن الترك بعدما دخلوا بلادنا أباحوها للنصارى ولأعوانهم من دول الغرب فجلبوا النصرانية إلى بلادنا ففي حمى هذا المقدوني محمد علي دخلت الكنيسة الكاثوليكية وجاء المنصرون والقساوسة والرهبان متدثرين بثياب المكتشفين والفنيين العسكر فعملوا على تنصير الأهالي رغم أن قوانين الترك كانت تقول “لا يجوز إقامة أي إرسالية تبشيرية شمال خط عرض 10درجة شمال خط الاستواء في أي جزء من السودان المعتبر مسلماً من قبل الحكومة “إلا أن حكامهم سمحوا ببناء الكنائس في بلاد المسلمين وفي قلب المدن وفي مواقع هامة وبمواصفات هندسية وجمالية عالية، تذهب بالقلوب والأبصار كما أقاموا الإرساليات في مديريات كردفان في منطقة جبال النوبة، ولم توضع قيود على استيراد وتوزيع وبيع الإنجيل كتاب النصارى.
قال لي:
– حين كنت في الخرطوم يا عائشة رأيت القسيس الإيطالي اللازاري (لويجي مونتوري) الذي هو من جمعية الآباء البيض الذي قيل إنه حين جاء إلى الخرطوم في يوليو 1843م، أنشأ كنيسة كاثوليكية في الخرطوم وألحق بها مدرسة، وكذا المطران الايطالي (دانيال كمبوني) الذي أتم بناء الارسالية الكاثوليكية بالخرطوم سنة 1878م. وقبل ذلك بعام واحد رفعته الكنيسة إلى درجة أسقف اعترافاً بصحة مشروعه ونشاطه.
كنت أسير على شاطيء النيل في الخرطوم فأسمع أجراس الكنائس وهي تدق جرس (السلام عليك يامريم). والخرطوم تعج بأساقفة الكنائس والراهبات. البعثات التنصيرية احتلت أجمل المواقع على شاطيء النيل وأنشأت الحدائق وزرعت أشجار النخيل أمام باحة الكنيسة. وبقيت تقيم الاحتفالات الكنسية كل ليلة. حين كنت أسير في ذلك الطريق أرى القسيس (ألويس بونومي) و(هانسل) قنصل النمسا و(ليقناني) قنصل إيطاليا يجلسون على الشاطيء. ثم أسير قليلاً فيقابلني القسيس كمبوني (توفي 10 أكتوبر سنة 1881) الذي اعتاد أن يتمشى على الشاطيء وهو في الخمسين من عمره. كانوا يتجمعون كل ليلة فيقيمون الليالي الساهرة. وكان يحضر تلك الاحتفالات (ماركوبولي بك) والدكتور (تسور بوخن) و(ماركيت) وكانت هناك امرأة رحالة متجولة اسمها (جين شوفر) تنطلق رحلاتها من الخرطوم إلى مجاهل افريقيا. كنت ألمحها تذرع الشاطيء نصف عارية وقد جدلت شعرها جدلتين وربطت وسطها بقطعة قماش وهي تسير غير مكترثة لأحد ولا عابئة بمن حولها. وفي أحيان أخرى كنت تراها جالسة تدون وتكتب.

قالت عائشة:
زعم الكذابون أن الشيخ محمد شريف كان يحرضه على دعوى المهدية ويحسنها في عينه ويثني عليه لكنه حين صدق هذه الدعوى وقبلها وأشربها في روحه أنكر عليه محمد شريف وأصدر منشوراً إلى أتباعه يقول فيه إنه عزل محمد أحمد من الخلافة وأبعده عن طريقته نظراً للدعاوى الكاذبة بالمهدية ليتوصل بذلك إلى الرياسة والملك. وأنا أعلم أن محمد احمد ما كان من طلاب الرياسة ولا الدعاة للملك يوماً! فمن الذي كتب على لسان الشريخ شريف للتحريض على تلميذه ثم نسبه إليه؟ أم كان شيئاً ملفقاً ومنسوباً إليه أم أنه كتبه بالفعل تحت التهديد والوعيد أم أنه كتب بالفعل خطاباً ولم يتضمن كل ذلك ثم زادوا فيه بالإضافة والحذف يا ولدي؟ مازلت حائرة فلم يقبل عقلي كل هذا ولا إن طال بي العمر أن أعلمه.
قالت لي:
زعموا أيضاً أن أن الشيخ شريف قال عن الخليفة: (في سنة 1295 جاءني رجل من البقارة يروم سلوك الطريقة السمانية على يدي فلقنته أورادها ومكث ملازماً لخدمتي وأخبرني أنه جاء مع والده من بلاد (الكلكة) جنوب مقاطعات دارفور قاصدين الأقطار الحجازية لتأدية فريضة الحج وأنهما فقيران لا يملكان غير عجل من البقر ذللاه بزمام وامتطياه على مألوف عادة أهالي تلك البلاد ولما وصلا إلى بلاد الجُمَعِ من تخوم كردفان الشرقية مات أبوه ولحق به العجل فأقام بمنزلي نحو عامين فكان أكثر كلامه معي قوله إنك المهدي المنتظر من ارتاب في ذلك فقد كفر فكنت أنهاه عن هذا القول ولا ينتهي. وفي ذات يوم قلت له أنا لست مهدياً وأبغض شيء إلىَّ سماع هذه الكلمة التي لا يسير بها غير تلميذي الذي طردته محمد احمد وقلت له على سبيل السخرية والازدراء إذا كنت ممن يتوقعون ظهور المهدية فعليك به وفي اليوم التالي سألت عنه فلم أجده وأخيراً علمت أنه لحق بمحمد احمد المتمهدي وهو في الحلاوين يشيد قبة الشيخ القرشي وأنه حينما وقعت عينه عليه خرَّ على الأرض مدعياً أنه أغمي عليه وبعد حين رفع رأسه فسأله الحاضرون عن سبب إغمائه فقال نظرت أنوار المهدية على وجهه فصعقت من شدة تأثيرها على حواسي ومن ثم صاحبه وعاد معه إلى جزيرة أبا وكان الدناقلة أقارب المهدي يضطهدونه ويزدرونه وهو يقابلهم بالحلم والصبر حتى أفضت إليه الخلافة فانتقم منهم شر انتقام)..
– وهل هذه الرسالة صحيحة يا أمي؟
– كلها كذب وافتراء .. والشيخ شريف لم يكتب حرفاً واحداً منها بل كتبها هؤلاء الأتراك الكذابون ونسبوها إلى الشيخ شريف وهو منها براء. هؤلاء المنافقون لم يجدوا وسيلة للإساءة إلى محمد احمد إلا وفعلوها وفي هذه المرة ركبوا ظهر التعايشي ليصلوا إلى الإساءة إلى محمد احمد. ياللعار.
– لكن ما الصحيح في حكاية التعايشي يا أمي؟
– إليك ما أعلمه من قصة اجتماع التعايشي مع محمد احمد. فهي تدل على حيلته ودهائه ومكره. كان عبد الله موقناً أنه سيقابل المهدي فكرس حياته لهذا الأمر وسبب يقينه هو أن والده الرجل الصالح قال له قبل وفاته أنه سيلتقي بالمهدي وحدثه بصفاته وعلاماته ثم اشتد يقينه لما أقام بمنزل الشيخ شريف نحو عامين سمع منه أنه طرد تلميذاً اسمه محمد احمد حين كان من حوله يشيعون بأنه هو المهدي ثم انتقل عبد الله إلى الشيخ القرشي فسمع من حيرانه أن المهدي المنتظر سينبثق من بين صفوفهم وأن الشيخ القرشي قد أومأ بالمهدية لمحمد احمد فقرر أن يبحث عنه ويتبعه.
جاء عبد الله إلى حيث محمد احمد. وحين وصل نظر إليه طويلاً دون أن يكلمه. اتسعت عيناه دهشة مثل من رأى ملكاً أو شيئاً خارقاً. أغشي عليه وسقط على الأرض كالنخلة اليابسة. المنتظر ظن أن الرجل مصاب بالصرع، لكنه عجب أنه لا يتشنج كالمصروع. ثم أفاق. وصار يستغفر الله. قال له أنت نوراني. أنت أنت هو المنتظر. قالها وهو يرتعش بعدما أفاق من الغشية.
محمد احمد نظر إليه ثم انصرف عنه. دخل خلوته للاشتغال بالحق عن الخلق.. استعاذ بالله من الفتن. سأله أن يجعله من الناظرين بنور البصائر. تذكر حديث التعايشي معه قبل سويعات.. كان يعلم أنه فعل نفس هذا مع الزبير باشا حيث قال للزبير: أنت هو المنتظر! وأنا سأكون من أتباعك المخلصين لك. وسأله الزبير: كيف عرفت ومن الذي أخبرك؟
فقال عبد الله: عرفت ذلك بالإلهام والكشف والفيض الإلهي! وهو مكتوب في وجهك وعلى جبينك ولا يراه إلا أصحاب الكرامات. فعلم الزبير أن هذا الرجل كذاب كبير وأنه يزكي نفسه!
الزبير كذبه أمام الحاضرين في المجلس وقال لهم اقتلوه. لكن مستشاريه في ذلك المجلس لم يقروا قتله لمجرد القول وقالوا له هذا الرجل (غرقان) فصدقهم وأطلقه لكنه قال له: لا تعد إليَّ مرة أخرى ولو رأيتك بعدها قتلتك. فتركه عبد الله وذهب يبحث عن المنتظر.
لكن محمد احمد ترك شيخه وذهب إلى الشيخ القرشي الذي كان طاعناً في السن. الشيخ القرشي كان من تلاميذ الشيخ أحمد الطيب جد الشيخ محمد شريف. فأدخله في الطريقة وجدد له الإجازة بالخلافة بل وبرر له دعوى المهدية وأخذ يشهد له بالسيرة الحسنة ويقول للناس إنه علم أن محمد احمد هو المهدي فقد علم ذلك بطريق المكاشفة والإلهام ثم نصح محمد احمد بالسياحة في الأرجاء ليستطلع آراء الناس ويأخذ عليهم العهود بنصرته ومؤازرته حين يعلن دعوته للناس.
كان أهالي كردفان هم أكثر الناس استعداداً لتصديقه واتباعه لما رأوه من ظلم الأتراك وجورهم ولكراهتهم للحكم القائم.
بعد ذلك عاد محمد احمد من الحلاوين محل الشيخ القرشي إلى الجزيرة أبا حيث زوجته فاطمة أختي. وهناك علم بوفاة الشيخ القرشي وأنه ترك وصية تقول: (إن زمن ظهور المهدي المنتظر قد حان وان الذي يشيد على ضريحي قبة ويختن أولادي هو الإمام المهدي المنتظر)!
في الحال جمع محمد احمد ثلاثمائة من أتباعه وذهب إلى الحلاوين فبنى القبة من الطوب الأخضر (اللبن) وختن أنجال القرشي فضمن بذلك أن يكون هو المهدي.. قال الناس إن ما فعله المهدي كان حقيقياً لكن الذي ربط حكاية قول الشيخ القرشي بختان الأنجال وبناء الضريح وعلاقتهما بمهدية المهدي هو رجل مدعٍ ويتهمون الخليفة بذلك. بل ويتهمون الخليفة بأفعال كثيرة والمهدي منها بريء.

موسوعة الكتب الإلكترونية المجانية ورسائل الماجستير والدكتوراة


11 مليون كتاب الكتروني مجاني
(موسوعة الكتب الإلكترونية المجانية)
أضخم وأكبر المكتبات العربية الإلكترونية المجانية لكتب والأبحاث والرسائل العلمية .. مكتبات متخصصة في كل المجالات متنوعة في كافة العلوم الإنسانية وكل ما تحتاجه من كتب ومجلدات ستجده ضمن هذه المكتبات .. فقط أضغط على الرابط ليفتح:

1- مكتبة المصطفى http://goo.gl/vDnSq3
2- مكتبة الإسكندرية http://www.bib-alex.com/
3- جامع الكتب المصورة http://kt-b.com/
4- مليون كتاب الكتروني http://goo.gl/Nvmjs
5- خزانة الكتب http://goo.gl/0SJlkX
6- المكتبة الوقفية http://goo.gl/3eXURW
7- مكتبة الكتاب العربي http://goo.gl/QUy63S
8- مكتبة صيد الفوائد http://goo.gl/AF2Asu
9- مكتبة الوراق http://goo.gl/CIdHm
10 – مكتبة ستار للحاسب الآلي والبرمجيات http://goo.gl/5EBHUN
11- مكتبة نهلة http://goo.gl/cl9oa1
12- مكتبة الكتب http://goo.gl/6a0a
13- المكتبة الإلكترونية المتنوعة http://www.y-ebooks.com/
14- مكتبة المشكاة الإسلامية http://goo.gl/JB9D1
15- هنا مكتبتي http://goo.gl/7Ws34
16- مكتبة لقيت روحي http://goo.gl/Yxy3Je
17- مكتبة صحبة نت http://goo.gl/2C2hXj
18- مكتبة الجليس http://www.aljlees.com/
19- كتابي دوت كوم http://www.ktaby.com/
20- مكتبة الشرق الأوسط http://goo.gl/bz82b
21- المكتبة الإلكترونية للمنتدى العلمي الثقافي
http://www.3rbsc.com/vb/forumdisplay.php?f=59
22- – المكتبة العربية http://abooks.tipsclub.com/
23- مكتبة الولف http://books.al-wlf.com/
24- مكتبة الكتاب العربي
http://www.arabworldbooks.com/E-Books/e_books.html
25- مكتبة بتر لايف http://www.betterlifestore.org/
26- مكتبة نبع الوفاء http://www.s0s0.com/
27- مكتبة الأوائل http://www.trytop.com/
28- مكتبة جسد الثقافة http://aljsad.com/forums.php
29- المكتبة الالكترونية المجانية http://www.fiseb.com/


محركات مواقع البحث عن الكتب والرسائل الجامعية:
أولا: محركات البحث عن الكتب الأجنبية
‏(1) http://ebookee.org/
‏(2) http://www.free-ebooks.net/
‏(3) http://www.ebookbusiness.org/
‏(4) http://bookboon.com/
‏(5) http://www.freebookspot.es/
‏(6) http://vnuki.org/library/
‏(7) http://libgen.info/index.php
‏(8) http://www.scribd.com/

‏Username: businessdatabases
‏Password: business@2011
…………….. ………
ثانيا: محركات البحث عن الرسائل العلمية
رسائل الماجستير والدكتوراه داخل مصر
(1) قاعدة بيانات الرسائل العلمية بالجامعات المصرية
http://www.eulc.edu.eg/
رسائل الماجستير والدكتوراة خارج مصر

‏(1)ProQuest Dissertations & Theses: Full Text
http://proquest.umi.com/pqdweb
‏Username: UITMUSER01
‏Password: welcome

‏(2) http://pqdtopen.proquest.com/
‏With PQDT Open, you can read the full text of open access dissertations and theses free of charge.
‏(3)NDLTD UNION CATALOG
أكبر محرك بحث مجانى للرسائل العلمية على الانترنت
http://www.ndltd.org/serviceproviders/scirus-etd-search
(4)محرك بحث عالمى لرسائل الماجستير والدكتوراة
‏The Ohio Library and Information Network
http://search.ohiolink.edu/etd/index.cgi
(5)محرك بحث عالمى لرسائل الماجستير والدكتوراة
‏Cybertesis
http://www.cybertesis.edu.pe/sdx/sisbib/
(6)محرك رسائل الماجستير والدكتوراة فى استراليا
‏ADT (Australiasian Digital Theses Program)
http://trove.nla.gov.au/book/result?…ortby=dateDesc
(7)محرك رسائل الماجستير والدكتوراة فى البرازيل Biblioteca Digital de Teses e Dissertacoes
http://bdtd.ibict.br/
(8)رسائل الماجستير والدكتوراة فى الجامعات الالمانية Deusche National Bibliothek
http://www.d-nb.de/eng/index.htm
(9)رسائل الماجستير والدكتوراة فى الدول الاسكندنافية DiVA
http://www.diva-portal.org/
(10)رسائل الماجستير والدكتوراة فى الجامعات الانجليزية EThOS
http://ethos.bl.uk/
(11)رسائل الماجستير والدكتوراة فى الجامعات الهولندية NARCIS
http://www.narcis.info/
(12)رسائل الماجستير والدكتوراة فى جنوب أفريقيا
‏National ETD Portal (South Africa)
http://www.netd.ac.za/
(13)رسائل الماجستير والدكتوراة فى الجامعات البرتغالية
‏RCAAP – Repositório Científico de Acesso Aberto de Portugal
http://www.rcaap.p

هدية من عميد شؤون المكتبات بجامعة جدة الدكتور / علي بن صالح الخبتي

الطيب صالح ما بين جدلية العبقرية ومحاذير المقارنة


كتبت إسراء الشاهر

منذ ظهور الطيب صالح، أو بالأحرى منذ أن رأت رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال“ النور بات هناك رفض كبير للمقارنة ما بينه وبين ما تلاه من كتاب مبدعين كثر ، نلاحظ أن الصراع بات كبيراً جداً ومتعصبو الطيب صالح يرفضون رفضاً باتاً الإعتراف بما هو أفضل من كتاب في الساحة الأدبية الواسعة التي تنتج لنا مئات المبدعين الذين كتبوا الأدب بصورة فريدة تستحق الإحتفاء ويمكنها أن تنطلق نحو العالمية وأن تصل لأبعد مما وصل إليه الطيب صالح .

وعلق عيسى الحلو على رواية “تشريقة المغربي” للكاتب “عمر فضل الله” التي فازت بالمركز الثاني في مسابقة الطيب صالح للإبداع الكتابي هذا العام قائلا: “رواية تشريقة المغربي ستحدث حراكاً أدبياً وثقافياً في العالم العربي بأكثر مما أحدثته رواية موسم الهجرة إلى الشمال” ، ولكن سرعان ما استهجن البعض الذين اعتبروا المقارنة بينه وبين الطيب صالح مرفوضة رغم أنهم لم يقرأوا الرواية لأنها لم تُطبع بعدُ.

وعلق الكاتب والقاص “أيمن محمد على” هذا الموضوع قائلا “كلنا نحب الطيب صالح، بل لا ندري من أي الأبواب كنا سنلج الى عالم الأدب لولاه.

ولا ننكر قيمته كرمز للعبقرية الروائية في العالم، لكن لا أظن أن ذلك يعطينا مبررا كي نرفض مقارنته بأدباء آخرين، عن نفسي، ذات يوم، كنت متعصبا للغاية، وأرفض أن يتساوى أحد مع الطيب صالح، وكانت فكرة أن أزيح الطيب صالح من على عرش وسقف الرواية السودانية  بعيدة كل البعد عن مخيلتي.

لكن الآن وقد تغير الكثير، يمكنني القول أن لكل زمان رجل، ولكل فكرة هناك من يطوعها بعبقرية، والأدب عالم واسع، يتسع بإتساع هذا العالم، بإتساع جغرافيته، بإتساع معارفه، مكوناته، الشخصيه، ذلك ربما يجعلنا نعيد النظر في كثير من المقولات التي ربما جعلت من الطيب صالح أيقونة للرواية السودانية، وعبقري للرواية العربية.

لكن أقول، لو أن العالم بقي كما هو، في الستينيات، وقت كتب الطيب صالح رائعته الموسم، لقلت أنه بلا ريب، سقف للجميع”.

والحديث في هذا الموضوع يطول وله أكثر من رأي سأتحدث عنه لاحقا .

المصدر: صحافسيون
https://www.sahafisyon.com

الروائي العالمي د/ عمر فضل الله يفوز بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي 2018


كتبت سلمى أحمد الطيب

هو كاتب وأديب وشاعر فذ، إبن شرق النيل والتي إتسمت بإكسير الإبداع المتجدد ورفدت الدنيا بالمبدعين والعلماء في شتي ضروب المعرفة. ولد بالعيلفون من أسرة دينية مشهود لها بالورع والنبوغ.. منذ صغره عرف بالذكاء والحذق واستحق بجدارة أن يدخل قائمة شرف أوائل الشهادة السودانية في نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي. درس بكلية الإقتصاد جامعة الخرطوم ثم السعودية وحط رحاله بالولايات المتحدة الامريكية لينال فيها درجتي الماجستير والدكتوراه في نظم المعلومات من جامعة كاليفورنيا في منتصف الثمانينات. وهو خبير تقني وباحث مرموق ويعمل الآن مديرآ لمشاريع تقنية المعلومات وأنظمة الحكومة الالكترونية والذكية بدولة الإمارات العربية المتحدة. أسهم في تأسيس عدد كبير من المراكز البحثية في مجال تقنية ونظم المعلومات والحوسبة.

وهو فطحل من فطاحلة اللغة العربية ومؤرخ متبحر في مجاهيل التدوين وعلم التاريخ والأنساب. كما أنه صاحب مشروع روائي ثقافي علمي ومعرفي يريد تقديمه للعالم، إذ أنه يعمل علي إعادة كتابة التاريخ السوداني بالتمثيل السردي للتاريخ، وهو روائي مميز صاحب عقل جرئ يملك الخيال وناصية اللغة في سرد مترابط وبلغة سردية محسوسة بتقنية عالية فهو راوِ عليم متمكن من لغته بانسياب وسلاسة. كما يعتبر أحد أركان الحوار الإسلامي المسيحي في العالم العربي والإسلامي وله إسهامات متنوعة في عدد من مجالات المعرفة والأدب والفكر. .

كما انه رفد المكتبة العربية والسودانية بعددٍ كبير من الكتب تمت طباعتها منها:
حرب المياه علي ضفاف النيل-حلم إسرائيلي يتحقق وتاريخ وأصول العرب بالسودان للفحل الفكي الطاهر-تحقيق ودراسة ،والكثير من الروايات المعرفية المطبوعة منها: ترجمان الملك ،أطياف الكون الآخر، نيلوفوبيا، وأنفاس صُليحة، وله ديوانا شعر مطبوعان: زمان الندي والنوار، وزمان النوي والنواح.

وله مقالات وبحوث منشورة في عدد من المجلات والدوريات العلمية. وقد شهدت قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم مؤخراً إطلاق روايته (أنفاس صُليحة) وقد ضجت قاعة الشارقة بزخم الإبداع لكاتبنا عمر وبالحضور النوعي المتميز لعدد كبير من القامات الثقافية، وتمت مناقشة وقراءات للرواية من الدكتور محمد مهدي بشري والاستاذ مصطفي الصاوي والدكتور عز الدين ميرغني.

أنفاس صُليحة هي رواية تاريخية تعكس تفاصيل الايام الاخيرة لسقوط دولة علوة وخرابها، وأسطورة سقوط سوبا ودسائس عجوبة هي محاولة لتأكيد هوية الوسط وأن الهوية ليست حكرآ علي قبيلة معينة بل خليط متجانس من حضارات قديمة وأن الجميع كان يعيش في ظل تسامح ديني متميز، كُتبت الرواية ببناء أدبي سردي متماسك غني بالمعلومات، بلغة موغلة في التكثيف، والوصفية التي احتلت مساحة كبيرة نسبة لغناء الفكرة بالمعلومة.

يذكر أن روايته (أطياف الكون الآخر) قد لاقت قبولًا لافتاً و نجاحاً منقطع النظير عند صدورها وتوزيعاً كبيراً في الدول العربية التي احتفت بها، كما تم مؤخرآ ترجمتها لسبع لغات حية.

وأخيرا فازت روايته (تشريقة المغربي) بجائزة (الطيب صالح) للإبداع الكتابي في نسختها الأخيرة، وقد احتفت الأوساط الأدبية بهذا الفوز أيما احتفاء.
تشريقة المغربي اذهلت الكتاب والنقاد معآ. قال عنها الروائي الجزائري الأشهر (واسيني الأعرج): (رواية (تشريقة المغربي) لابد أن يكون كاتبها مولوداً في المغرب وليس سودانياً لما تضمنته من فهم الثقافة المغاربية ومصطلحاتها)،
وقال عنها مؤلفها (انها أكدت علي نجاح مشروعي المعرفي الروائي المقدم للعالم واضحت لي جليآ أنني أسير علي الطريق الصحيح).

د/عمر أحمد فضل الله مفخرة العيلفون وشرق النيل قاطبة، عبقري الرواية المعرفية والشاعر المجيد، بحر العلوم والحجة الثقافية والعلمية، الروائي العالمي الذي يعتبر إمتدادآ لعظماء الرواية في بلادي… متعه الله بالصحة والعافية

 

د. عمر فضل الله. فوز مستحق – صلاح عمر الشيخ


ألوان الحياة: صلاح عمر الشيخ وصحيفة أخبار اليوم:عدد اليوم الأحد 4 مارس 2018

أبيض: أعود للكتابة بعد غيبة بسبب السفر ولعل عودتي تكون مفرحة كتعليق وتهنئة متأخرة لفوز الصديق العزيز الدكتور عمر فضل الله بالجائزة الثانية في الرواية من ضمن جوائز الطيب صالح عن روايته (تشريقة المغربي).

عرفت الدكتور عمر فضل الله في أواخر التسعينيات بدولة الإمارات العربية المتحدة جاء زائراً ثم عاد بحثاً عن الاستقرار فيها، عرفته ذلك العالم المطلع والباحث المثابر. من الطرائف أنه حينما تقدم لأول وظيفة في أبوظبي استدعي لمعاينة وهو المتخصص في التقنية والبرمجيات كان امتحاناً طويلاً وصعباً ظل يعمل طوال اليوم حتى انتهى من الامتحان وعاد إلى عجمان حيث كنا نسكن في انتظار النتيجة. وبعد أسبوع لم يتصل أحد فاتصل بهم كان الرد طريفاً جداً. سأله المسئول من أنت قال أنا فلان من السودان فضحك الرجل وقال له: أنت الذي جعل الممتحنين معه يشردون! وهكذا نال الوظيفة لأنه الوحيد الذي استطاع أن يحتمل ذلك الامتحان الصعب.

لم يكن وقتها قد بدأ في كتابة الرواية وحينما أصدر أول رواياته (ترجمان الملك) كانت قمة في الإدهاش والسلاسة والإمتاع والإبداع ذلك أنه مزج التاريخ بالخيال والتراث مما أخرج رواية قاربت منذ البداية للعالمية والشهرة ولفتت الأنظار بقوة أظهرت تميزه وقدرته وموهبته العالية في السرد الروائي الممتع والجاذب.

وتوالت إصداراته (أطياف الكون) و(أنفاس صليحة) وأخيراً (تشريقة المغربي). وكما يقول إنه طرح أسئلة تاريخية لم تجد إجابة من خلال روايته بل حقق مشروعه الثقافي في الرواية المعرفية والسرد التاريخي الإبداعي من خلال روايته عن مملكة علوة نهضتها وسقوطها ثم مملكة سنار. وهكذا استطاع ابن العيلفون المتأثر بالبيئة الصوفية والتاريخ الإسلامي أن يحرك الساحة الثقافية ويعيد للسودان أملاً في مبدع جديد يمكن أن يكون خليفة للطيب صالح الذي يقاربه في أن الاغتراب عن الوطن هو ما جعله يخرج إبداعاته ويكتب عن بيئة محلية اشتاق إليها لكنها ستقوده للعالمية.

صلاح عمر الشيخ

 

فابريقة عمر فضل الله: تشريقة المغربي – بقلم الصادق عبد الله


احتفاءاً.. حباً وكرامة..
فابريقة.. عمر فضل الله.. تشريقة المغربي


اليوم السادس عشر من فبراير 2018م، ومنذ أن فتحت وسائطي للتواصل في الصباح، مكثت يومي أسمع وأرى نصوص وأصوات التهاني كزخات المطر تنهال وتنهمر على الدكتور عمر أحمد فضل الله تطرق مسمغي.. ولا تزال.. فرواية عمر أحمد فضل الله .. تشريقة المغربي .. قد حازت قصب السبق.. في مضمار مهرجان الخرطوم العالمي لجائزة الطيب صالح.

أما الطيب صالح رحمه الله.. فلا يزال الناس يجلسون معه تحت شجرة الطلح على حافة النيل . وتذهب أخيلتهم بعيداً مع موجه وتياره المناسب. أو أمام تلكم النخلة على جدول أدبه.. تتمايل أوراقها على مساومة حسين التاجر .. مع صاحب النخلة.. يفتح الله.. يفتح الله.. وتلك قصة أخرى، كما يقول رحمه الله.

ندري أن عمر فضل الله. (ما بتصاقع).. لقد أثبت عمر فضل الله علو كعبه.. وقد حجز مقعده هناك بجدارة.. وما نتيجة اليوم إلا ذاك. أترك يا أستاذ مكانك فأنت هناك بين محكمي الجائزة نفسها.. فقت المعاك فى الجيل فقت المعاك فى الدور. والنتيجة تقول ذلك.. ينعم صباحك خير ويسعد مساك النور. تتبارك أخي عمر فضل الله.

ولعمري مسار عمر فضل الله مسار فريد في أدب الراوية المعرفية.. المبنية على حيثيات وخلاصات معرفية سابقة يزفها الخيال المترع بالمعلومات والمعارف.. ممزوجة بعناية مثل عطر الخمرة.. أما مع عنوان الرواية فدندنو.. ستجدونه موزوناً: تش.. ريق..تال .. مغ..ري.. بي.. من يحدثنا يا جماعة الخليل الفراهيدي.

عندما كنا في ضفاف ترجمان الملك.. ثم جاءت أنفاس صليحة.. قلت للدكتور عمر.. هذه روايات لها هوامش في الزمان والجغرافية.. يمكنها النمو من الداخل ومن الهوامش كذلك.. وها الآن قد تمددت رواية عمر فضل الله في تاريخ السودان الشرقي.. علوة قيامها.. اندثارها.. ثم قيام سنار..

بقي أمر جديد. واستطيع أن أجزم أنه مقاربة لا تقف قربها مقاربات كثير من المؤرخين والنسابة .. مما قيل في تاريخ الفونج.. فعندما أورد دكتور عمر كلمة لولو (وأضاف أنها تنطق مفخمة) انقدح في ذهني أني قد وجدت الكنز.. إذ ينسب المؤرخون أن الفونج جاءوا من لولو..أو لامول هي لامو (في كينيا وانتقلوا عبر الحبشة إلى فازوغلي في النيل الازرق.. ثم انتقلوا إلى سنار اتخذوها عاصمة لهم).. لكن الآن أرى أن جبل (رورو) وبلدة رورو في ولاية النيل الازرق، البلدة المعلومة القريبة من الدمازين هي منبع الفونج وليست أي مكان آخر. والمعلوم أن اللام والراء يتم اقلابها في بعض اللغات.. بل لدى بعذ الافراد هكذا.. واعلم أن لدى قبيلة الكوكويو في كينيا أنه استعيض عن اللام راء.. فليعاد البحث في اللغات وفي علم الاجناس.

أما تشريقة المغربي فمحورها عبدالسميع المغربي، زوج صليحة.. هو ذاته عبد السميع.. الفتى المغربي اليتيم المرافق لرحلة الحج.. الملازم والمتتلمذ على يد عمه عبدالحميد اللقاني .. الضائع إثر هجمات اللصوص .. المنجز بعدها لرحلة الحج.. القادم إلى سوبا والشاهد لخرابها .. المتزوج من صليحة.. (المتوفاة والمدفونة في البطانة إلى جوار جدها عبدالحميد.). الآن في هذه الرواية هو ذاته الذي استدعاه سلطان سنار.. الكاتب للمراسيم السلطانية.. الشاهد على بروتوكول السلطان.. الذي فيه الككر.. وأم قرين.. لكل مقام.. ومقال.. هو عبدالسميع المستمع للسمرقندي.. وللرحالة اليهودي روبيني.. هي قصة طويلة سوف أحكيها لك إن سنحت سانحة..

مقتطفات من الابواب الاولى: 
يقول عبدالسميع .. سأحكي كيف أخذني الجنود إلى مدينة السُّلْطَان. دون زوجتي .. وكيف صلى قائدهم وتلى: الصَّلَا صَلَاتَكْ والوَطَا وَطَاتَكْ. نَقَعْ وُنْقُومْ عَلَى انْجِلَّاتَكْ. وكيف تعجب حين رآني قائد الجنود أنا النصراني (للون بشرتي) أصلي مثل صلاة المسلمين، فظن أني دِرْوِيش نصارى! وكيف أنه في الطريق أصطادوا غزالا وأكلوا .. أمعاءه.. مرارة. مرارة! والمريسة كانت شراباً ذا رائحة نفاذة.. سألتهم عن منطقتهم .. قالوا اسمها (لولو.. يفخمونها). ثم أجلسوه على عَنْقَرِيب، منسوج من الحبال، وكان مرهقاً، فاستلقى على ظهره في ذلك الكوخ بثياب السفر، وسرعان ما نام نوماً عميقا

يقول عبدالسميع : أيقظني صياحُ الديكة .. وباعة اللبن على ظهور الحمير والنساء يحملن آنية الماء فوق رؤوسهن.. وهذه الفتاة ستقوم بخدمتي .. سأناديك زينة.. والناس هنا في سنار.. ألوان شتى ولم أر قط في حياتي أن هناك ترفاً وبذخاً كهذا في هذه الدولة الوليدة. فمن مقتنيات السلطان: البُنْ والتُنْبَاك والتَّبْغ والشَّمَار والكُزْبَرَة، والفطائر (يا ربي دا الرغيف حتى الآن مالكنا؟) ولحم الضأن، يأكلها كل يوم في وجباته الاعتيادية. ولم أقابل السُّلْطَان بعد. ثم علمت أن السُّلْطَان «عِمَارَة» كما عرف بأمري من الشيخ «عَبْد الله جَمَّاعْ» و يوم استدعاني السُّلْطَان فرأيت الابتسامة في وجه السُّلْطَان، ولم أفهم السبب. ثم رأيت أن كل ما يقوله السُّلْطَان فوق الككر يتخذه الناس قانوناً

ثم يستانف عبدالسميع .. أقرأ رسالة زوجتي «صُلَيْحَة» كعادتي، إذ قدم موكب الشرق يزحم الأفق. جاء فيها الشريف داود من آل البيت يريد أن يزور السُّلْطَان «عِمَارَة» قابله مُقَدَّمُ القَوَاوِيد -القائد العام للجيش- والجنود وضاربو النَّوْبَة والطبول والصَّنْج، وحاملو الأعلام والبيارق والرايات، والزغاريد، جاء الشريف مع القافلة المحملة بالبضائع من اليمن.

الشريف «داود» رجل وسيم فارع الطول. لم ينحن للسلطان كما يفعل الناس. أجلسه السلطان بالقرب منه ثم بقي في ضيافة وصحبة السُّلْطَان عشرة أشهر. ثم قدم الشيخ السَمَرْقَنْدِي كان رجلاً زاهداً عالي الهِمَّة، مجتهداً عالماً بالأنساب. عرف عند السلطان ب(عَبْد اللطيف)! . أخبر السمرقندي السُّلْطَان عن التهديد القادم من مصر، وعن عزم سليم العثماني غزو البلاد. كان السُّلْطَان «عِمَارَة» مهتماً بأمر السُّلْطَان سليم العثماني. وفي ذلك اليوم جرت الأحداث حين أذن السلطان للسمرقندي بالكلام . وعندما الشيخ عبداللطيف يصاب بالدهشة. فقد فوجيء بالرجل؟ اليهودي «داود رُوبِينِي»؟ يالطيف. هذا ليس الشريف «داود» يامولانا. سبحان الله. ما الذي أتى بك إلى هذه البلاد يا «رُوبِينِي»؟ من يهود اليمن! نهض «رُوبِينِي» واقفاً وسُرْعان ما استأذن في الخروج. فأذن له السُّلْطَان وهو مستغرق في الضحك. ثم استأذن «رُوبِينِي» في اليوم التالي مباشرة لمغادرة البلاد كلها، فأذن له. فقد فوجيء بحديث (السَمَرْقَنْدِي).

رأيت أن أزور «السَمَرْقَنْدِي» يوماً، بعد أن انتقل إلى سِنَّارْ. قام واستقبلني ورحب بي، فقلت له: ما الذي جاء بك إلى هذه الأصقاع . قال: سمعت اليهود هناك يتحدثون عنها بحرقة ثم ذهبت إلى بيت المقدس في رحلة الصيف، فسمعت النصارى يتحدثون عن هذه الدولة الوليدة .لذا فقد رأيت أن ألزم السُّلْطَان لأدفع عنه المؤامرات، وأذب الطامعين. لاحظت خلال وجودي قريباً من السُّلْطَان أن له عدداً كبير من الزوجات يا أبا محمود! للسلطان ستمائة زوجة يا «عَبْد السَّمِيع» ! أمضيت مع «السَمَرْقَنْدِي» يوماً واحداً لكني تعلمت منه الكثير. هذا الرجل ممتليء علماً وحكمة. وسوف أكثر من زيارته كلما وجدت لذلك سبيلاً.

قابلت الشيخ إدريس ود الارباب. شاب لم يتجاوز العشرين جميل المحيا. له شلخ على هيئة سلم في كلا صفحتي وجهه. لما رآني قام وعانقني . صلى الشيخ «إِدْرِيسْ» بالناس صلاة عيد الأضحى، قام يكبر الله ويعلن قيام السلطنة، وذلك قبل انصراف الناس من صلاة العيد، فصار العيد عيدين. وأعلن أن أن حدود السلطنة معلومة من جَنْدَل تُنْبُس عند كَرْمَة في السافل إلى جبال فازوغلي في الصعيد ومن سواكن في الشرق إلى بحر أبيض في الغرب. أَرْبَجِي هي حدود مَشْيَخَة قَرِّي والحَلْفَايَة مع مملكة الفُونْج فمنها صعيداً يتبع لسلطان الفُونْج لا دخل لمشايخ قَرِّي فيه. ومنها للسافل إلى تُنْبُس المَحَس وكَرْمَة تديره مَشْيَخَة قَرِّي تحت الشيخ عبدالله ويخضع للملك «عِمَارَة» .. في ذلك اليوم أمر الشيخ «جَمَّاعْ» بنحر الأضاحي وأمر السُّلْطَان بنحاسه فأهداه للشيخ «إِدْرِيسْ».

ثم زرت الشيخ «إِدْرِيسْ» يوما إذ جاءت إمرأة هاربة هاربة تطلب الأمان عنده. عرف الشيخ على الفور أنها من بنات الملوك. كشفت اللثام فوجيء بأنها الأميرة «بياكي» الفُونْجية، زوجة السُّلْطَان «عِمَارَة» نفسه فانزعج الشيخ. فصرف الحاضرين وطلب مني البقاء برفقته. فانطلقت تحدث الشيخ أنها أنجبت للسلطان ولداً ذكراً أخرجوها من القصر ليمنعوها من معاشرة زوجها السُّلْطَان، بعدما أخذوا منها ولدها لتتم تنشئته في (قصر السواكرة). لكن فؤادها انفطر على ولدها، فجاءت متخفية ليشفع لها .. لكن السُّلْطَان لا يملك أن يعيد الولد، ولا يتدخل في شئون (مقدم السَّوَاكْرَة) فلدى الفُونْج عند وفاة السُّلْطَان أن واحداً فقط من أبنائه يتم اختياره خلفاً له ثم يقومون بقتل الأبناء الآخرين حتى لا يظهر منافس للملك وسط العدد الكبير من الأمراء.

بعد إعلان السلطنة انتقل «عِمَارَة» من لولو إلى سِنَّارْ لتكون عاصمة ملكه. شارف قصره على الانتهاء. فقد جلب المعماريين من مصر والشام. وبعد انتقال السُّلْطَان إلى قصره الجديد سرعان ما هاجرت كثير من القبائل والأجناس إلى سِنَّارْ، وكثر (الجلابة) استقروا في أسواق المدينة وأنشأوا الصناعات الحرفية، فظهر نسيج الدمور والقطن والمصنوعات الجلدية، وصناعة الأحذية الصَّرْمُوجَة والفُونْجاوي، وأباريق الجلود (الرِّكْوَة) والخُرْج وسوط العَنَج، والرَّحْط والحِزام والشِّكَال، والِمخْلاة والدَّرَق (من جلود فرس النهر أو الخرتيت) وأغماد السيوف والخناجر!

ثم جاءت الصاغة من مصر وبلاد المغرب، وانتشرت صياغة الحُلِي وصناعة المراكب والسَّواقي وأدوات الزراعة، من مِنْجَل ونَجَّامَة وسَلُّوكَة وَوَاسُوقْ، وازدهرت النجارة لصناعة الأبواب والشبابيك بينما بدأ التجار يجلبون صناعات الفخار من أزيار وقُلَلْ وأباريق وقَوَاديس من بُتْرِي. ثم أمر السلطان بإنشاء صناعة سك النقود من الذهب والفضة. والسلطان أمر أعوانه باستخراج الذهب والفضة والحديد والنحاس كما أمر بصناعة الأسلحة من سيوف وحراب وَدَرَق.
الصادق عبدالله 16 فبراير 2018

 

د.عثمان أبوزيد يكتب: لمحة أولية عن تشريقة المغربي


رواية عمر فضل الله الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية

osmanلم يكن مفاجئاً لي فوز الدكتور عمر أحمد فضل الله بجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي التي أقيمت فعالياتها النهائية الليلة الماضية (الخميس 15 فبراير). وكنت غردت قبل وقت قصير في (تويتر) بأن الدهشة سوف تصيبني إن لم يفز (…)!

وكان تعليق الدكتور عمر بعد فوزه: “ما بين الأقواس في التغريدة هو عمر أحمد فضل الله بكل تأكيد. شكراً على حسن ظنك في أخيك بأنه لا يمكن إلا أن يفوز، والحمد لله أنني لم أخيب ظنك، فلله الحمد والشكر. طبعاً كنت زاهداً في المشاركة ودخول المسابقات، لكنه شجعني وحفزني وقال لي: توجد لجنة نزيهة للتحكيم فيما يعلم، فحفزني ذلك على الاشتراك”.

انتبهت لأعمال عمر فضل الله منذ روايته الأولى (ترجمان الملك)، وقد شرَّفني بعرض مخطوطات رواياته قبل النشر، في نهج يسير عليه كبار المؤلفين حين يتخذون لأنفسهم ما يعرف بالـ (ساوندينق بورد)، ولعل ذلك مأخوذ عن مؤلفي الموسيقى كما يوحي الاسم!

كنت قلت للأخ عمر بعد قراءتي رواية التشريقة: إنني أعجب كيف استقامت لك اللهجة المغربية، فهل عشت مع المغاربة حتى تتقنها إلى هذه الدرجة؟

وقال الروائي الجزائري المعروف واسيني الأعرج: رواية تشريقة المغربي لابد أن يكون كاتبها مولوداً في المغرب وليس سودانياً لما تضمنته من فهم الثقافة المغاربية ومصطلحاتها.

والحق إن الدكتور عمر يجتهد كثيراً جداً في أن يعيش جو الرواية، فينقب في بيئتها أيما تنقيب. والرواية المعرفية كما سماها الناقد القدير هيثم الطيب، لا تكون إلا نقلاً أميناً لوقائع التاريخ مع شيءٍ من الغموض الفني الذي يعطي النص الروائي حلاوته وطلاوته.

عندما تذكُرُ رواية تشريقة المغربي شخصية مثل الشيخ إدريس ود الأرباب، تمنحه ما قد أعرض عنه رواة التاريخ ربما عمداً…

إن السلطنة الزرقاء التي حكمت السودان قرون عديدة، نشأت نواتها على يدي هذا الرجل الذي عرض عليه الحكام نصف (دار العسل والبصل) ليصبح حاكماً عليها، غير أنه اعترض على ذلك بحسم، وآثر أن يعتصم بمهمته الروحية والدينية. فهو الذي جمع عمارة دنقس قائد الفونج وعبد الله جماع قائد عرب القواسمة في عام 1529م. وفي ذلك عبرة تاريخية مهمة أن هذه البلاد لا يستقر الحكم فيها إلا عن طريق كتلة تاريخية تؤلفها القوى السياسية الحية، وتقوم على هذا التلازم الضروري بين الدين والسياسة بشرط أن يصبح الدين عامل مزج وتوحيد لهذه القوى السياسية لا عامل تفتيت وتشتيت.

كانت سنار هي التعويض التاريخي لدولة الأندلس، فبعد انتهاء دولة الإسلام في المغرب الأقصى، سرعان ما قامت للإسلام دولة في هذه المنطقة، جذبت إليها العلماء والمثقفين للعيش في أكنافها.

إنك لكي تمتع نفسك بقراءة هذه الرواية، عليك بقراءة رواية (أنفاس صُلَيحة)، فهذه امتداد لتلك. وأبطالهما أفراد أسرة فرَّت من الأندلس وأقامت بالمغرب حيناً من الدهر قبل أن تتوجه تلقاء سنار.

وهذه الأعمال جميعاً تستحق دراسات نقدية جادة، فنلفت إليها أنظار أقسام اللغة العربية في الجامعات، والصفحات الثقافية في الصحف، وكذا البرامج التلفزيونية.

بل كنت اقترحت من قبل على منتجي الأفلام الروائية السينمائية أن يهتموا بهذه الروايات التاريخية، فهي تصلح أن تكون مادة لإنتاجهم.

يظن البعض أن الاستراتيجية والحزبية السياسية فقدتا سياسياً مرموقاً حين ابتعد عن ميادينها الدكتور عمر فضل الله. وفي ذلك كسب وأي كسب للساحة الأدبية والفكرية، فهذا مكانه اللائق به وبأمثاله. وصدق شيخنا عبد الله الطيب حين قال في قصيدته حظ الأديب:

وميدان السياسة ليس فيه *** نقيرٌ للأديب ولا فتيلُ…

 

عمر فضل الله: أملك مشروعاً روائياً معرفياً ذا علاقة بتاريخ السودان أريد أن أقدمه للناس


الفائز بجائزة الطيب صالح العالمية يرى أن فوزه يعني نجاح مشروعه الروائي المعرفي الذي يقدمه للقراء ويؤكد أنه يسير على الطريق الصحيح.

ميدل ايست أونلاين

hamamsyبقلم: محمد الحمامصي

جمع د. عمر فضل الله بين العلم والبحث العلمي والإبداع، فهو متخصص في تقنية المعلومات وعلوم الحاسوب، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتور في علوم الحاسب الآلي تخصص نظم معلومات من جامعة كاليفورنيا، وتولى إدارة العديد من المشروعات الخاصة بتقنية المعلومات في دولة الإمارات حيث يقيم منذ سنوات طويلة وتولى الإشراف على مشاريع أنظمة البنى التحتية لشبكات المعلومات للدوائر وشبكات المنشئات الحكومية بأبوظبي، كما أسس الكثير من المراكز البحثية والاستراتيجية في السودان، وعلى مستوى الإبداع جمع بين الشعر والسرد والدراسة المعرفية والاسلامية وتحقيق التراث، وتزدحم مسيرتيه العلمية والإبداعية بالانجازات، نالت روايته “تشريقة المغربي” أخيرا جائزة الطيب صالح للرواية، وفي هذا الحوار معه نتعرف على مسيرتيه العلمية والإبداعية ونلقي الضوء على جوانب مهمة في شخصيته.

البداية كانت مع فوز روايته “تشريقة المغربي” بجائزة الطيب صالح للرواية، حيث أكد فضل الله أن جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي أصبحت تظاهرة ثقافية وعيداً ينتظره الناس كل عام للمرة الثامنة على التوالي في احتفائهم بعبقري الرواية العربية ذاك الذي صنفت روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” ضمن أعظم مائة رواية في القرن العشرين.

وقد وجدت الجائزة صدى كبيراً وتقدمت بخطوات عظيمة إلى الأمام فأصبحت ضمن أعظم الجوائز العربية في الأدب. أما الفوز بالجائزة فهو حلم لكل أديب أو كاتب وروائي، لكن الفوز بالنسبة لي يعني أكثر من مجرد تحقق حلم ففوز أحد أعمالي بالجائزة، يعني نجاح مشروعي الروائي المعرفي الذي أقدمه للقراء ويؤكد لي أنني أسير على الطريق الصحيح.

ورأى فضل الله أن إنتماءه إلى بيت علم وقرآن وفقه كان هو اللبنة الأولى التي فتحت عقله ومداركه على اللغة والثقافة، وقال “أدركت منذ صغري بقية أجيال العظماء من الأدباء والمفكرين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فتتلمذت على البعض منهم، وقرأت أعمال البعض الآخر، وجمعت بين الآداب والثقافات العربية الإسلامية والغربية، فمنذ صغري حفظت القرآن وتعلمت الفقه وقرأت الشعر واللغة والعروض والنحو وقرأت الروايات والقصص والأدب العربي الحديث، ومن جهة أخرى قرأت في الآداب الغربية واللغات وغيرها، ثم صقلت هذا بالدراسة الأكاديمية في الجامعات والنشاط الثقافي والأدبي فيها”.

وأوضح فضل الله أنه نظم الشعر في صغره مثله في ذلك مثل بقية أهل السودان “النظم عند السودانيين هو هين مثل الكلام، ولذلك فلا عجب أن الكلمة المرادفة للفظ (تكلم) هي (انظم) وينطقونها (انضم) بالسودانية، وقد سبق الشعر الرواية عندي لأنني قرأت الشعر الفصيح منذ الصغر، فانفتحت قريحتي عليه فنظمته وأنا تلميذ في المتوسطة لم يطر شاربي ولم أبلغ الحلم حينها. لكنني لم أكتب الرواية إلا منذ بضع سنوات بعد أن بلغت الخمسين، ففي ظني أن الشعر لم تعد له تلك المكانة القديمة، فهذا عهد الرواية ولذلك خاطبت الشباب بما يحبون، وحيث إنني أمتلك القدرة على قراءة التاريخ قراءة جديدة، فقد كتبت لهم الرواية المعرفية التي تلعب في ميدان التاريخ”.

وحول استلهامه للتاريخ ووقائعه نصيب الحقيقة والمتخيل في تلك الأعمال، قال فضل الله “معلوم أن التخييل هو كل تاريخ يُبنى على وقائع في عقل المؤلف أكثر منه على وقائع حقيقية، وأن الشخوص التي يستحدثها المؤلف هي مجرد شخصيات خيالية أيضاً، بيد أن الوقائع الممثَّلة في التخييل ليست كلُّها بالضرورة متخيلة، وذلك مثلما هو في أعمالي وخاصة الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية “تشريقة المغربي” فقد أسستها على وقائع تاريخية مؤكدة، أستغل فيها فراغات التاريخ وفجواته فأُدخل فيها شخصيات وأحداثا مستوحاة من خيال المؤلف.

وإذا كانت بعض الأحداث أو الشخصيات متخيّلة، فلا ينبغي بالقدر ذاته أن تكون غير حقيقية فعنصر التخييل في رواياتي يسير جنباً إلى جنب في نسيجه السردي وسداه مع الحقيقة التاريخية. ومع أنه يقودنا عبر التخييل في عرض مادته الحكائية، لكنه لا يمنح الخيال الهيمنة الكاملة بل يجعل من الخيال مجرد عنصر مساعد لتمكين الحقائق التاريخية في ذهن القاريء عبر السرد وله القدرة على مزج التخييل التاريخي، والعجائبي والذاتي مع الحقيقة التاريخية في نسيج متميز ينتج لنا الرواية المعرفية”.

وأضاف فضل الله “على الرغم من الجدل الذي يدور حول المصطلح نفسه (الرواية التاريخية)، فما أكتبه أنا هو روايات وأعمال ذات علاقة بالتاريخ وليست روايات تاريخية وهي أعمال لها علاقة بالخيال وليست معنية بالحقائق بنفس القدر، وبالتالي فهي تحرك المكان والأشخاص والزمن بصورة مُتَصَوَّرَة وليس صورة واقعية. وتمتاز بأن اللغة والكتابة تضفي ثراء يكسبه الكاتب للشخصيات.

13وبناء الرواية لا علاقة له بالأحداث التاريخية لكن فيه (رائحة) للأحداث التاريخية! ولذلك فالرواية ذات العلاقة بالتاريخ لا تُحَاكَم تاريخياً بل تُحَاكَمْ أدبياً إلا إن خالفت ما عرفه الناس من الحقائق، فرواياتي ذات علاقة بالتاريخ رغم كونها روايات ليست واقعية بالطبع وليس بالضرورة أن تكون واقعية، فالتاريخ واقعي ومرتبط بالواقع تحديداً ويُحَاكم إذا فارق الواقع لكن الرواية ليست واقعاً بل هي واقع افتراضي، وأنا أمزج الحقائق التاريخية بالأدب وأتخذ من التاريخ ميداناً للحركة، وأحرك شخوصي وأنطقها وأكسبها روائح التاريخ فالرواية تكون هكذا. تكسب المكان رائحة وتكسبه صوتاً وتكسبه موسيقى، وعمر فضل الله يكسبها كل هذا من خياله وليس من التاريخ ولكني ألعب في داخل ميدان التاريخ، لعباً خاصاً بقدراتي على الخيال وبقدراتي على إكساب هذه الشخصيات الحركة والنطق وغير ذلك.

وتساءل عمر فضل الله أما لماذا أكتب في ميدان التاريخ؟ وقال “لأن عندي مشروعاً روائياً معرفياً ذا علاقة بتاريخ السودان أريد أن أقدمه للناس أطرح فيه من خلال رواياتي أسئلة حائرة تثيرها الأحداث التاريخية المتعاقبة على تاريخ السودان وأطرق بقوة على فجوات التاريخ الغائبة أو المغيبة فأنا لا أهرب إلى التاريخ بل أجعل التاريخ فكرة حاضرة في عقول القراء بتحريك التاريخ وتقديمه للقاريء ليس باعتباره تجربة ماضية منقطعة، بل باعتباره فكرة دائمة التدفق شاخصة في الزمان وشاهدة على أحداثه من خلال الرواية المعرفية”.

ولفت فضل الله إلى أنه يحتشد للرواية المعرفية فيقرأ كل ما كتب عن الفترة الزمنية التي ينوي اللعب في مضمارها و”لهذا فحين أكتب تكون كل دقائق تلك الفترة الزمنية متدفقة من اللاوعي عندي ومن حنايا الذاكرة لتجري مع الحبر منسكبة في القلم الذي أكتب به الرواية. أنا أقدم روايات معرفية أوظف فيها التاريخ والأسطورة في إطار النسق المعرفي الكامن في المقولات الشعبية وحكايات التاريخ الشفاهي لأعود بها من كونها مجرد حكايات للتسلية والمتعة إلى كونها حكايات تؤيد التاريخ المحكي وتضيف للأدب، وذلك من أجل إعادة تشكيل هوية معاصرة في زمن متحول ونقلها من خانة التصورات التاريخية الظرفية، إلى خانة الحكايات ذات الأصول التاريخية التي تقبل الدراسة والتمحيص وتتسق مع حقائق التاريخ. ففي حين يتجنب الروائيون الخوض في الرواية التجريدية للتاريخ فإن عمر فضل الله يقبل التحدي لخوض هذه المغامرة الصعبة”.

وكشف فضل الله أن جميع أعماله وليست روايته “ترجمان الملك” تمزج الواقعية السحرية بالرؤية التاريخية وقال “أوظف الرواية المعرفية لتعكس عالماً حقيقياً لكنه مسكون بالخيال، وفي الوقت نفسه تمثل تياراً من الواقعية السحرية عبر المزج بين شخوص وأسماء ذكية (حقيقية ومتخيلة) تحترم ذكاء القاريء ووعي المجتمع الحدي وتحقق الهدف من كتابة الرواية المعرفية”.

وقد تأثرت روايات فضل الله بدراساته العلمية والبحثية يضيء ذلك الأمر موضحا “حين كتبت رواية (أطياف الكون الآخر) وهي تمثل الفانتازيا في أعمالي مزجت فيها بين علوم الفضاء والفلك وعلوم الطبيعة والدراسات الفلسفية والرياضيات والمنطق جنباً إلى جنب مع التاريخ واللامعقول والخيال العلمي. دراسة الحاسب الآلي وفرت لي إمكانات الكتابة والنشر والتوثيق مثلما وسعت آفاقي في مجال الكتابة”.

وأكد فضل الله أن وجوده في دولة الإمارات العربية المتحدة أتاح له الخلوة مع نفسه ليتمكن من الكتابة والإبداع و”ربما لو بقيت في السودان لما تمكنت من إنجاز كل هذه الأعمال والروايات ولما رأى الناس مشروعي الثقافي المعرفي. وما زلت أذكر نصيحة عبقري الرواية العربية الراحل الطيب صالح حينما لقيني في السودان في منتصف تسعينيات القرن الماضي نصحني بالهجرة لأتمكن من الكتابة وكان يعلم إمكاناتي الأدبية واستعدادي الفطري لكتابة الرواية فعملت بنصيحته. أبوظبي مدينة هادئة وجميلة وبذلك فقد يسرت لي بيئة الإبداع الكتابي إضافة إلى طبيعة عملي الذي لا يأخذ من وقتي إلا بداية النهار ويبقى في الليل متسع للهدوء والكتابة”.

وأضاف “أشهد معارض الكتاب في الشارقة وأبوظبي وأشارك فيهما بإطلاق أعمالي أو توقيعها للقراء كما أشهد المنتديات الأدبية المصاحبة والأعمال الثقافية بالإضافة إلى المنتديات الأدبية كالتي تعقد في رأس الخيمة وغيرها. وأتابع مسابقات “أمير الشعراء” من خلال التلفاز فقط، وأتابع فاعليات الجوائز الأدبية التي ترعاها دولة الإمارات العربية المتحدة ففيها حراك ثقافي كبير ويدار بقدر عال من الاحترافية والشفافية وحسناً صنعوا برعاية جائزة الرواية العربية (البوكر) لكنني أعتقد أن هذه الجائزة ينبغي أن تنال حيزا أكبر من الاهتمام والرعاية لتأخذ مكانها ومكانتها الطبيعية بين الجوائز العربية”.

ورأى فضل الله أن مراكز الدراسات الاستراتيجية في الوطن العربي تؤدي مهمتها بجهد كبير لكن حجم تأثيرها على صناعة القرار من العسير قياسه، باعتبار طبيعة أعمالها وطبيعة العلاقة بين مراكز الدراسات والسلطات وجهات صناعة القرار، لكنني بالرغم من هذا وكمراقب لأعمال ودراسات مركز الإمارات العربية المتحدة للدراسات الاستراتيجية وبقية مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية بالدولة، أستطيع أن أؤكد لك أن كثيراً من الدراسات التي قام بها هذا المركز وجدت طريقها لصانع ومتخذ القرار بالدولة، وشهدنا نتائج ذلك على واقع الحياة وإدارة الدولة، وانعكس ذلك في التقدم العلمي والتطور متسارع الخطى الذي تشهده الدولة”.

وقال فضل الله إن الحكومات العربية رغم ما يحدث في دولها من مشكلات كبيرة وصراعات وحروب وتمزق إلا أنها بدأت تلتفت مؤخراً لأهمية تقنية المعلومات وعلوم الحاسوب وتوظيفها في إدارة الأنظمة والمؤسسات الحكومية وغير ذلك من المجالات، فبدأت تهتم بأنظمة وبوابات الحكومة الإلكترونية والذكية وتوظيف التقانات المتقدمة في خدمة المواطن وإدارة شئون الدول، ولا يفوتني هنا أن أشيد بالدور الريادي لدولة الإمارات العربية المتحدة في إقامة ودعم هذا المجال بإنشاء مدن كاملة للانترنت، واستضافة مؤتمرات القمة العالمية للحكومات والمعارض الدولية للتقنية مثل معرض جايتكس السنوي وغير ذلك، لكن يبقى البون شاسعاً بالرغم من هذا كله بين العالم العربي وبقية دول العالم المتقدم في مجال توظيف تقنية المعلومات في حياتنا المعاصرة.

 

award-600x900وأشار فضل الله إلى أن فشل المنظمات الدولية في تعريف هذه المصطلحات الدخيلة على عالمنا جعل العالم الغربي يوظفها ضد عالمنا العربي والإسلامي بطريقة تخدم مصالحه هو فقط، ففي حين نجد أن التطرف الديني نشأ في الغرب بالحروب الصليبية القديمة التي وفدت إلينا من أوروبا، واستمرت سنين عدداً ثم بالاستعمار الغربي للدول والشعوب العربية، وأخيراً بالحروب الحديثة التي يشنها الغرب – ولا يزال – على بلاد المسلمين فيخترع لها المسميات الكثيرة لتخدم أهدافه.

ولا تزال البشاعات التي ارتكبت ضد المسلمين واليهود في الأندلس بعد سقوطها على أيدي القشتاليين عالقة بالأذهان إلى يومنا هذا، فالتاريخ لا ينسى الإبادة لمجرد اعتناق دين غير المسيحية وإجبار جميع السكان على اعتناق المسيحية أو الموت.

وأما في عصرنا الحديث فقد نشأت الجماعات الدينية المتطرفة في الغرب تحت مسميات شتى أيضا، لكن المدهش أيضاً هو أن مصطلح الإرهاب أصبح موجها ضد بلاد المسلمين فقط فنشأت الجماعات الدينية المتطرفة في بلادنا فجأة. صنعتها نفس القوى التي تتخذها ذريعة لارتكاب أبشع الجرائم تحت مسمى الحرب على الإرهاب بما فيها تلك التي اعتبرت جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وتعرضت شعوب عربية إلى جرائم الإبادة والقتل والتدمير والتهجير.

لقد فشلت الأمم المتحدة في التوصل لاتفاقية دولية لمناهضة الإرهاب بعد أن عرض مشروع القانون على لجنة القانون الدولي، واللجنة القانونية (السادسة) التابعة للأمم المتحدة، واستمر الموضوع مطروحاً، ولا يزال منذ أكثر من أربعين عاماً. ولم تتمكن الأمم المتحدة من تعريف للإرهاب متفق عليه، ولم تتمكن أيضاً من تعريف الجريمة الإرهابية. والسبب ببساطة ان كثيراً من القانونيين وخبراء القانون الدولي، لم يخدعوا بالدوافع السياسية لوضع اتفاقية دولية للإرهاب. وبذلك فإن عدم وجود تكييف قانوني للإرهاب كجريمة محددة، أدى إلى استخدام المصطلح كسلاح سياسي، وإعلامي، ضد العالم العربي والإسلامي فقط، فصنفت دول عربية وإسلامية كدول إرهابية وذلك بقصد حصارها، وإضعافها، وعزلها دوليا، من أجل إخضاعها، وجلبها إلى بيت الطاعة، أو منعها من تحقيق أهدافها في التقدم والتنمية، واستقلال القرار.

واستعمل الإرهاب كذريعة للعدوان على دول عربية وإسلامية أخرى، ووصمت حركات المقاومة والتحرير بالإرهاب وهو الغرض الحقيقي من استحداث مصطلح (الإرهاب) أصلاً. لقد نجح الغرب في تصنيع الإرهاب وتصديره إلينا لنقوم نحن بوعي أو بدون وعي بتسويق بضاعتهم الفاسدة والصواب هو أن نسمى الجرائم بأسمائها، ونلاحقها ونعاقبها وندينها، طبقاً لتكيفها في القوانين الدولية والوطنية، وعلينا أن نتوقف عن استعمال تعبير الإرهاب سياسياً وإعلاميا مادام ليس له وجود كفعل جنائي. فاستعماله موجه ضدنا في العالم العربي والإسلامي فقط بينما تبرأ بقية الشعوب الأخرى منه.

محمد الحمامصي

http://www.middle-east-online.com/?id=267725#

عمر فضل الله لصحيفة آخر لحظة: أملك مشروعاً روائياً معرفياً


الفائز بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي 2018 

• أملك مشروعاً روائياً يوثق للسودان

• الرواية الفائزة تشريقة المغربي هي سياق آخر للمهاجر العربية 

• أعمالي تمزج الواقعية السحرية بالرؤية التاريخية 
• روايتي القادمة “رؤيا عائشة” ستتناول حياة المهدي الخاصة

الدكتور عمر أحمد فضل الله الكاتب والروائي والباحث مابين العلم و والإبداع، فهو متخصص في تقنية المعلومات وعلوم الحاسوب وعلى مستوى الإبداع جمع بين الشعر والسرد والدراسة المعرفية والاسلامية وتحقيق التراث، وتزدحم مسيرته العلمية والإبداعية بالانجازات، نالت روايته “تشريقة المغربي” أخيرا جائزة الطيب صالح للرواية، وفي هذا الحوار معه نتعرف على كتابته الإبداعية ونلقي الضوء على أعماله 
حوار: عيسي جديد 
تخصصت فى كتابة الروايات المعرفية التي تهتم بالتوثيق للأحداث التاريخية الممزوجة بالواقعية السحرية؟
في حقيقة الأمر أريد أن أصحح شيئاً هو أنني أكتب روايات تلعب فى ميدان التاريخ، فيوجد ما يعرف بالرواية التاريخية ويوجد جدل كبير حولها، لكن ما أكتبه أنا هو الرواية المعرفية التي تمزج التخييل بالحقائق التاريخية لتحث القاريء على العودة الى قراءة التاريخ. فالتاريخ ليس حقيقة منتهية الصلاحية بل هو شاخص في حاضرنا بأسره، ورواياتي تثير أسئلة كثيرة جداً ، فالوقائع الممثَّلة في التخييل ليست كلُّها بالضرورة متخيلة، وذلك مثلما هو في أعمالي وخاصة الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح العالمية “تشريقة المغربي” فقد أسستها على وقائع تاريخية مؤكدة، أستغل فيها فراغات التاريخ وفجواته فأُدخل فيها شخصيات وأحداثاً مستوحاة من خيال المؤلف. أنا مهتم بهذا المجال لأني أريد أن أقدم للناس مشروعاً ثقافياً عبر كتابة الروايات ليس من أجل المتعة فقط بل من أجل المعرفة أيضاً ويمكنك القول أن أعمالي تمزج الواقعية السحرية بالرؤية التاريخية..
مقاطعا …الشاهد أن كتاباتك تتكيء على الذاكرة التاريخية لوسط السودان دون غيره فلماذا؟
نعم أكتب عن تاريخ وسط السودان المنسي فالطيب صالح كتب عن شمال السودان وإبراهيم اسحق كتب عن غرب السودان وغيرهم كتب عن شرق السودان وهذا ليس انحيازاً للمناطقية ولكنه سد للفراغات التاريخية المنسية للحضارات ولذلك اخترت الكتابة عن دولة علوة قياماً وسقوطاً وكذلك دولة سنار والسلطنة الزرقاء قياماً وسقوطاً وكذلك مجيء الأتراك وأثرهم فى المنطقة والآن أكتب عن المهدية..
هنالك لغط وجدل حول الكتابة التاريخية، فهناك كتاب يجيررون بعض المواقف ويحاولون تغييرها دون غيرها فكيف تتخطى هذا الاتهام فى كتابتك للرواية المعرفية؟
في الواقع لا أكتب الرواية هكذا لمجرد الكتابة، لكني أحتشد لها بكل الوثائق والمعلومات مع المقارنات والتفحص، وأقرأ كل ما كتب وأخرج بأسئلة كثيرة حتى التاريخ المنسي لذلك الرواية تحكي وتطرح أسئلة حائرة وهذا فى جميع أعمالي مثل رواية “ترجمان الملك” و”أنفاس صليحة” 
هل لديك تجربة مشاركة سابقة في جوائز للروايات وماهي؟
أذكر أني من قبل هذه فوزي بهذه الجائزة شاركت مرة واحدة فقط في إحدى الجوائز العربية المشهورة وكانت تجربة جعلتني أزهد فى المشاركات فروايتي تم اختيارها ضمن القائمة وترشيحها للفوز لكن تبين أن الرقم الدولي الموحد للكتاب الذي تحمله الرواية (ردمك) (ISBN) والمخصص للسودان غير مفعل لأن السودان لم يسدد الإشتراك للمنظمة لذلك تم استبعاد روايتي ولم تنافس، وعند سؤالي للمسئولين بالمكتبة الوطنية السودانية قالوا نحن نسدد إيرادات المكتبة منتظمة الى وزارة المالية لكن المالية لم تدفع رسوم تجديد الاشتراك لانها بالعملة الاجنبية والعملة الاجنبية موجودة ببنك السودان ولذلك فأي كتاب يطبع فى السودان لا يدخل ضمن منظومة المجتمع الدولي للكتاب والسبب هو عدم تسديد الاشتراكات. 
تفاصيل مشاركتك فى جائزة الطيب صالح وفوزك بها حدثنا عنها ؟
جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي أصبحت تظاهرة ثقافية وعيداً ينتظره الناس كل عام للمرة الثامنة على التوالي في احتفائهم بعبقري الرواية العربية ذاك الذي صنفت روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” ضمن أعظم مائة رواية في القرن العشرين. ومشاركتي جاءت بعد نصيحة من صديقي الأستاذ الدكتور عثمان أبوزيد بالمشاركة وشاركت وفزت والحمدلله 
وماذا عن الرواية التي فازت بالجائزة “تشريقة المغربي”؟
هي رواية تجمع بين الخيال والواقع والعنوان تروي حكاية الشاب المغربي الذي هاجر شرقاً وهو رمز لهجرة المغاربة من المغرب العربي إلى السودان حيث كان لهم الأثر والدور الكبير فى السودان فى التمازج وهذا الرمز “عبد السميع المغربي ” فى الرواية هو كاتب حجج السلطان مثل مسجل عام الأراضى اليوم بالسودان. وقد شهد مجلس السلطان وعرف القادة وهكذا نجد الأسئلة فى سيرته بجانب السؤال عن ماهو دور الشيخ إدريس بن محمد الأرباب فالرواية مليئة بالحراك والصراعات فى تلك الفترة والثروات الهائلة التي كانت فى السلطنة 
الكتابة الروائية التاريخية تحتاج الي جهد لغوي ومفردات مختلفة لتحشدها في النص كيف تمكنت من اللغة بهذا الشكل ؟
أنا أقرا فى التاريخ كثيراً ومطلع على ما كتب عن السودان، واستفدت أيضاً من دراستي للقران الكريم وحفظي للشعر الجاهلي القديم وعندي ملكة اللغة العربية فقد شهد لي الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب بذلك وبحمد الله منحني الله الخيال. 
الرواية السودانية الآن أين تقف؟
الرواية السودانية تقف على أرض صلبة فهي قد مرت بفترات مختلفة لكنها متصاعدة فمنذ السبعينات كانت عن أثر الاستعمار والوطنيات والاجتماعيات مروراً بالثمانينات والتسعينات التي كانت سياسية بامتياز والان في الألفية اتجه البعض إلى الكتابة التاريخية والبعض كتب عن تجاربه الشخصية وعن طبقة معينة من المجتمع وفيها لون سياسي يهتم بالهامش والأطراف لكنني أكتب روايات معرفية عن أثر التاريخ فى الحاضر وأطرح التساؤلات ..!!
إذا ماهو مشروعك الروائي القادم ؟
أكتب روايتين الأولى “المنتظر وفق رؤيا عائشة” زوجة محمد احمد، وهي رواية تتكلم عن المهدي عبر رؤيا عائشة وعن الحياة الخاصة لمحمد احمد وكيف تقدم اليها يخطبها وكيف كانت معه في أيامه الاخيرة قبل وفاته ومنها تدلف الى دعوى مهديته.. 
مقاطعا ..الكتابة عن تاريخ المهدية يفتح جدلا لا ينتهي، ما هي مصادرك التي سوف تتناول منها هذه الرواية المثيرة للجدل من الان ؟
نعم أنا كاتب جريء ومستعد للنقاش والحوار والدفاع عن ما أكتبه و في الحقيقة أقصد أن أثير هذا الحراك الثقافي التاريخي لان ما أكتبه لا تستطيع أن تحاكمه تاريخياً لكنك تسطيع أن تحاكمه أدبياً إلا إن جانب المتفق عليه في التاريخ وكما قلت لك سابقا فأنا أحشد كل المصادر من أجل الكتابة المعرفية ومصادري هنا فى هذه الرواية مستندة الى جدنا الفحل الذي حين كان صغيراً كان يجلس فى مجلس الياس باشا ام برير فى امدرمان وكان والده القاضي الفكي الطاهر أحد قضاة المهدية. وكل ذلك سوف يكون فى الرواية التي لا أريد إفسادها الآن…!!
لكن هنالك من يتهم الذين ينقبون بالكتابة عن سيرة المهدي بالباحثين عن الشهرة؟
لا أظنني من هذا النوع فأنا أكتب للمعرفة، ومعلوم أن بعض الكتاب كتب عن النبي صلي الله عليه وسلم وعن الصحابة، فلماذا نعتقد أن الكتابة عن المهدي تثير مثل هذا الجدل؟ ويتهيبها الناس وتعتبر الكتابة عنها خطاً أحمر؟ المهدي شخصية سودانية لها أثرها التاريخي بايجابياته وسلبياته ومن حق أي شخص أن يتناول سيرته دارساً ومحققاً. 
وماذا عن الرواية الاخري التي تشرع أيضاً فى كتابتها الان؟
هي رواية باسم “ذاكرة الارض” وهي تعالج فترة دخول الاتراك للسودان وتوثق لممارستهم وتتبع تحركهم في السودان.
هل يمكن تحويل أي من رواياتك التاريخية الى فيلم سينمائي ؟
ليس لدي أي مانع متي ما وجدت كاتب اليسناريو الممتاز لتحويل أي عمل روائي لي الى فيلم مشوق وأكشف لك سراً بأن رواية “ترجمان الملك” سوف يتم تحويلها الى فيلم وهنالك وأستعد هذه الأيام للسفر الى هوليوود لمزيد من النقاش حول صناعة الفيلم!!

%d مدونون معجبون بهذه: